مشاهدة النسخة كاملة : عروض موجزه لمحتويات كتب متنوعه


justice
21-02-2010, 05:12 PM
عروض موجزه لمحتويات كتب متنوعه

justice
21-02-2010, 05:14 PM
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C01%5C03%5Cbdae9b43-12f5-45e3-bac7-3c81c5e006af.jpg


الباحث حسن رمضان يُشرِّح الفكر المتطرف ويشخِّص أسبابه:
المتطرفون يرفضون الآخر المخالف لمعتقداتهم ولا يعرفون إلا لغة العنف

• غلاف كتاب «تشريح الفكر السلفي المتطرف»
• غلاف كتاب «تشريح الفكر السلفي المتطرف»
كتب محمد توفيق:
الفكر المتطرف ساهم في صنعه وبروزه بعض الدول الغربية، ذات المصالح الاستعمارية بشقيها السياسي والاقتصادي، ثم اكتوت بناره لاحقاً. هذا ما اكده الباحث حسن محسن رمضان، في كتابه «تشريح الفكر السلفي المتطرف» الصادر أخيراً عن دار الحصاد السورية للنشر والتوزيع.

الكتاب الذي يقع في 656 صفحة من القطع المتوسط يبحث في 3 فصول المنهج العام للفكر السلفي المتطرف ويسلط الضوء عل‍ى افكار مجموعة من الشخصيات التي تبنت الفكر الجهادي وذاع صيتها في العالم كله حتى باتت تخشاهم قوى عالمية كالولايات المتحدة الاميركية، وعلى رأس هؤلاء اسامة بن لادن وايمن الظواهري وابو مصعب الزرقاوي وابو قتادة الفلسطيني وغيرهم.

متطرفون عالميون
ويخلص المؤلف الى «ان مسألة التطرف الاسلامي أصبحت تحتل موقعا بارزا في وعي الانسان على مستوى العالم كله، فأصبح من النادر ان نصادف انسانا مهما كان بلده نائيا عن الدول الاسلامية الا ولديه مخزون معرفي من نوع ما - بغض النظر عن دقته من عدمه -عن الإسلام ومتطرفيه ومجاهديه».
ويشير الباحث إلى ان الامر ليس صراع اديان كما يحلو للبعض ان يصوره، وان كان هو كذلك من وجهة نظر المتطرفين في احد محاوره، ولكنه صراع بقاء وتصفية من جانب بعض المجتمعات، والتي اصبح بعض افرادها لا يفرقون بين الاسلام والمسلمين من جهة، والاسلام والمتطرفين من جهة أخرى.
وفي معرض تحليله لعوامل التطرف ومسبباته يرى الباحث ان الدول الاستعمارية -في وقت من الاوقات- دعمت الجماعات السلفية المتطرفة بالمال والسلاح كما حدث في المواجهة بين الكتلتين المتصارعتين ابان الاحتلال السوفيتي لافغانستان، ولا ننكر ايضا دور الدكتاتوريات والنزعات الرسمية التسلطية والقمع وكبت الحريات والمعتقلات وانعدام الوسائل السلمية للمعارضة وابداء الرأي في بعض الدول العربية والاسلامية مما ساهم في بروز حالة التطرف وانتشارها، اضافة الى الفقر وقلة فرص العمل والتباين الشديد بين الاقلية الثرية المتسلطة والاغلبية الفقيرة المسحوقة.

فتاوى
ويعرج الباحث على بعض الفتاوى الفقهية السلفية المتشددة التي تدعو الى رفض الآخر المخالف في العقيدة، وهذا الرفض يترجم الى عنف وتصادم، وللاسف الشديد فان الحراك الفقهي الإسلامي الحديث يبدو غير معني او مهتم بهذه القضايا ويتحاشى الكلام والبحث في قضية العنف الا من جانب العموميات.

أسامة بن لادن
ويفرد الباحث جانبا كبيرا من البحث للحديث عن أسامة بن لادن ونظرائه الذين يحملون الفكر المتشدد نفسه، انتهاء باختفائه في مكان ما على الحدود الباكستانية الافغانية بعد الغزو الاميركي لافغانستان وسقوط نظام طالبان.
وقال المؤلف: من النادر اليوم ان نجد شخصاً لم يسمع بأسامة بن لادن، او لم يربطه بطريقة او بأخرى بالعنف الاسلامي. فمنذ ان ارتبط اسمه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، تولى الاعلام الغربي على العموم، والاميركي على الخصوص، عملية الربط بين اسم اسامة بن لادن وبين الارهاب بشكل عام.
هذه «الماكينة» الاعلامية التي لا تفتر ليل نهار تردد على مسمع ومرأى الناس في كل مكان اسم وصورة اسامة بعمامته البيضاء، جعلت من اسمه وصورته عَلَمين يدلان على اشياء متعددة تختلف باختلاف الثقافات والبيئات. ولكنها نجحت ايضاً في جعل المواطنين في بعض الدول البعيدة عن الشرق الاوسط، والولايات المتحدة يعرفون اسامة بن لادن وعلى ما يدل اسمه عليه، وفي الوقت الذي لا يتذكرون فيه اسم الرئيس الاميركي ويخطئون في اسم رئيس وزرائهم يذكرون بن لادن، بل ان استطلاعا للرأي في باكستان في نهاية صيف 2007 اظهر ان تأييد الباكستانيين لاسامة بن لادن يفوق تأييدهم لرئيس بلادهم آنذاك (برويز مشرف) بنسبة ثمانية في المائة.
فأسامة بن لادن، ولا شك، في جزئية مهمة منه، هو ظاهرة اعلامية صنعتها المؤسسة نفسها التي تعاديه وتلاحقه وتريد قتله.

أيمن الظواهري
ثم تحدث المؤلف عن الدكتور ايمن الظواهري وهو الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، والساعد الأيمن لأسامة بن لادن كما يراه الغرب بعد احداث الهجوم على نيويورك وواشنطن. وهو الرجل الذي يتوقع الجميع ظهوره على العناوين الرئيسية في الصحف ونشرات الاخبار مهدداً ومتوعداً بالمزيد، رافعاً اصبعه الى اعلى، كلما قامت جماعة اسلامية متطرفة في شرق الارض او غربها بعملية مسلحة. كما انه يظهر في تسجيل مرئي او صوتي كلما جدّ جديد على الساحة السياسية، فهو يظهر منتقداً الحفريات التي يقوم بها اليهود في القدس وتحت المسجد الأقصى، ويظهر ليؤكد للناس أن «لبنان ثغر من ثغور المسلمين»، كما يظهر منتقداً الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما بعد ايام قليلة من توليه الرئاسة بسبب «ارتداده» عن جذوره الاسلامية ومحذراً اياه من ارسال المزيد من الجنود الى افغانستان. فأيمن الظواهري يستغل كل فرصة كما يبدو حتى يخرج للناس برسالة جماعة القاعدة الاعلامية. تلك الرسالة التي عمل من اجلها الظواهري منذ اكثر من اربعين سنة ولا يزال ينتظر ان تثمر.
وأفرد المؤلف عرضاً مطولاً لآراء ذوي الفكر الجهادي، ومن ذلك ما كتبه د. عبدالله عزام منظّر المجاهدين الأفغان وأهم شخصية جهادية حتى مقتله، يقول في كتابه عن الجهاد ما نصه:
ان القتال في هذا الدين الحنيف لازالة العقبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمام الدعوة الاسلاية. بل تستطيع أن تقول أن وظيفة الجهاد (القتال) هو تحطيم الحواجز التي تقف دون نشر هذا الدين في ربوع العالمين. فإن قبل الناس هذا الدين فلا حاجة لاشهار السيف ولا اراقة الدماء ولا اتلاف منشآت وأموال، لأن هذا الدين جاء للاصلاح والاعمار لا للاتلاف والدمار (..) فإذا لم نستطع تبليغ الدعوة الا بقتال الأنظمة السياسية والسلطات القائمة قاتلناهم لأنهم يحولون بيننا وبين تبليغ الناس.
فإذا وقفت أمامنا القوة السياسية وأصحاب الأموال وتجمعات القبائل، اضططرنا لمواجهتهم بالسلاح حتى يستسلموا لهذا الدين ويفتحوا الطريق بيننا وبين الشعوب التي أمرنا بإنقاذها.
وقال في موضع آخر من الكتاب نفسه «ان لم نستطع الوصول الى الطواغيت المتألهة في الأرض الا بقتل الذرية وقطع الأشجار وتدمير المنشآت، فلا بأس، لأن هذه اضطررنا اليها اضطراراً ولم يكن مقصوداً لنا ولا هدفاً».

قتل الأبرياء
هذا هو باختصار الموقف السلفي المتطرف من مسألة القتال داخل المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، والباقي هو تفاصيل وتفريعات للقضية الأساسية وللموقف المبدئي.
فالمسألة من وجهة نظر هذه الجماعات هي مسألة مهمة مقدسة قد ألقيت على كاهلهم ولن يرقى الى أهميتها بشر ولا جماد. فعندما كتب أبو عبدالرحمن أمين، أمير الجماعة الاسلامية المسلحة في الجزائر، أن «أحق الناس بالمال المجاهدون في سبيل الله حتى تتحقق الكفاية ولو مات الرضع والأطفال والجيّع».

آراء المفكرين
واستعرض المؤلف آراء بعض المفكرين حول الفكر السلفي المتطرف، ومن ذلك ما كتبه الدكتور فرج فودة في كتابه «الحقيقة الغائبة»عن تواجد التطرف حتى في التاريخ الاسلامي الأول. فالنزعة التكفيرية تبدو وكأنها تسيطر على ذهن المتطرف حتى يغدو معها مقتنعاً تمام الاقتناع بأن ايمانه، كعقائد ومفاهيم وممارسات، هو المقياس الرئيسي الذي يجب أن يقاس به مدى اسلام أو كفر الآخر. تلك النزعة تبدو وكأنها تتكرر في التاريخ وبسبب المنهج بالدرجة الأولى

القبس

justice
23-02-2010, 11:37 AM
أوراق السادات تحكي:
طريق الجليد بين موسكو والقاهرة

القاهرة ـ صبحي موسى :
لم يكن السادات واحداً من الرؤساء أو الملوك العابرين في العالم، لكنه كان نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر الحديث، وربما المنطقة العربية ككل، ومن ثم فلكل ورقة من أوراقه أهميتها البالغة، اذ أنها وثيقة سياسية على عصر تحول فيه العرب من الهزيمة الى النصر، ومن الحرب الى السلام، ومن الاشتراكية أو الناصرية الى الانفتاح، ومن المعسكر الشرقي الى الغربي، ومن الحلم بالقومية العربية الى سقوط المقولات الكبرى، وظهور الانتماءات والنعرات الوطنية، فكان السادات بما له وما عليه لغزاً سوف يتوقف التاريخ أمامه طويلاً ـ حسبما يقول ـ لمعرفة حله، لكن هل ينبني التاريخ على الأهواء والرغبات، أم أنه يقوم على الفعل ورد الفعل وما بينهما من جدل مهما كان صغيراً ؟ فيما يبدو أن هذا السؤال كان الشرارة الأولى التي انطلق منها بطل الحرب والسلام كي يكتب مذكراته من أجل التاريخ أو الأجيال القادمة حسبما يقول.

يمكننا القول أن الكتاب الصادر أخيراعن دار المعارف بعنوان «من أوراق السادات « واسم الكاتب الشهير « أنيس منصور « هو محض حلقات سجلها السادات وفرغها منصور ـ متدخلاً أحياناً ـ كي يدشن بها انطلاق الأعداد الأولى لمجلة أكتوبر، اذ أننا يمكننا النظر اليه على أنه ثلاثة أجزاء، الأول منها دراسة أو مذكرة دفاع عكف السادات بعناية شديدة على كتابتها بنفسه، محاولاً أن يجيب عن السؤال الصعب وهو لماذا وكيف تم التحول من المعسكر الشرقي الى المعسكر الغربي ان جاز التعبير؟، أما الجزء الثاني فهو شهادة على ما عرف باسم ثورة التصحيح، حيث تخلص من مراكز القوى وأخرج الخبراء السوفيت وتوج كل هذا بالعبور ثم السلام، وتجيء مذكراته بدءاً من دخوله الجيش حتى وصوله الى أن يكون خليفة لعبد الناصر، رغم أن الكتاب ليس سوى 26 فصلاً متوالية، لكن الموضوعات وتقنيات الرصد من الشفاهية الى الكتابية هي التي توحي بهذا تذهب بنا الى هذا التقسيم، حيث كتب السادات الأول، وسجل منصور الثاني والثالث، لكنه تدخل كتابياً في ضبط الثاني وترك الثالث كما أملاه صاحبه، ولا نعرف ما الذي يعنيه أن يحمل الكتاب هذا الاسم «من أوراق السادات» وعليه اسم أنيس منصور الذي قام بتحرير بعض أجزاء العمل وكتابة مقدمة صحفية له؟

الروس والنظام المصري
كان الهم الأول للسادات في هذه الأوراق هو توضيح لماذا قطع علاقاته بالروس وصافح الأميركان، ويبدو أن هذا السؤال كان مثاراً بقوة في السنوات التي تلت الحرب؟، ويبدو أنه كانت في نية السادات أن يضع لهذا الجزء الذي يمثل كتاباً منفصلاً بذاته عنواناً واضحاً وهو طريق الجليد من موسكو الى القاهرة، ومن ثم أفرط في ذلك الوصف المجازي لهذا الطريق الذي يمثل العلاقات الروسية المصرية، تلك التي بدأت بصفقة السلاح الروسية من تشيكوسلوفاكيا عام 55، ثم نشطت مع رفض الغرب تمويل مشروع السد العالي، فقررت روسيا بتدخل من الزعيم الصيني شوان لاي تمويل المشروع، ومع هذا النشاط بدا أن مصر في طريقها للايمان بالشيوعية، خاصة في ظل ما أسماه السادات بمركسة ميثاق العمل الوطني الذي صدر عام 1962.
لكن السادات ذهب في أوراقه الى أن الطريق بين مصر وموسكو لم يكن على هذا النحو، اذا أنه كان مليئاً بالضباب، وكثيراً ما تساقط الجليد عليه كالجبال، وربما السبب في ذلك أن عبد الناصر لم يكن شيوعياً، وأدخل الشيوعيين السجنون عام 59، فغضب السوفيت، وازاد الجليد تراكماً بدخول مصر في وحدة مع سوريا، اذ أن الروس غير مؤمنين الا بوحدة الطبقة العاملة، ويرون الوحدة على اسس قومية نوعاً من التخلف وعودة بالبشرية الى الوراء، فخاب أملهم في عبد الناصر الذي طالبهم بدعم الثورة العراقية، لكنهم اكتفوا بمظاهرة عسكرية على الحدود التركية، لأن عبد السلام عارف لم يكن شيوعياً، لكنهم مع ظهور عبد الكريم قاسم على المشهد دعموه بكل ما لديهم، وأخذوا يدعمون العراق وعدداً من الدول العربية الأخرى تعويضاً عن خيبة أملهم في مصر وسوريا، ولم يهدا لهم بال حتى سقطت الوحدة، ومع مجيء حافظ الأسد اصبحت العلاقات الروسية السورية اقوى عشرات المرات منها بين مصر وروسيا.

في انتظار السلاح
وذهب السادات الى أنه ليست لديه الرغبة في فضح كل ما جرى بين ناصر والروس، لكنه رصد العديد من اللقاءات بين الطرفين، موضحاً أن الروس لم يرغبوا في جعل ميزان القوى يتساوى بين مصر واسرائيل، ومن ثم لم يفوا بوعودهم كلما طلب ناصر السلاح، حتى أنه حين طلب سلاحاً يعوض به ما فقدته مصر في 67، جاءه ما كان قد طلبه عقب العدوان الثلاثي، وهو سلاح من ايام الحرب العالمية، في حين أنهم كانوا يستجيبون في غضون أيام لطلبات سوريا، وبكميات كبيرة، ولكن بنوعيات مختلفة عن التي طلبوها، وذهب السادات الى أن الأمور ازدادت سوءاً عقب النكسة، فصواريخ سام 3 لم تأت الا بعدما أبلغهم ناصر عام 1970 بأنه سيقبل مبادرة وزير الخارجية الأميركي وليم روجرز، والداعية لوقف اطلاق النار أو ما سمي بحرب الاستنزاف، ولم يتحسن الموقف الا بعدما تدخل تيتو الذي انفجر ناصر أمامه غضباً، وكاد أن يبكي أمام عينيه، فقد عرض عليهم ناصر الصداقة ورفضواها، ثم وافقوا بعد عذاب على أن يقوموا بالدفاع عن الأجواء المصرية، ثم عادوا في المساء ليبلغوه برفضهم لهذا الأمر، ولا رادع لليهود بدءاً من القنطرة شرق حتى اسوان في الجنوب، والروس لا يردون عليه بغير: القادة الآن يصطافون في القرم وحين يعودون سوف نبلغهم، واذا عادوا قالوا سوف نفكر، سوف نرى، وكلما احتد ناصر أتوا بقائمة طويلة من السلاح وقالوا وافق الكرملين على منحكم هذه، وفي كل مرة يطول الانتظار، والسلاح لا يأت، ومصر ليس بها منصة صواريخ واحدة، وكلما تحدث ناصر عن الحرب قالوا أن الحرب مريرة، وأنهم يخافون على المصريين منها، وأننا لم نتدرب بشكل كاف بعد على استخدام الأسلحة الحديثة، وعشرات الرحلات والزيارات تنتهي الى أنه لا بد من الرضا بالأمر الواقع.

المواجهة وحيدا
ومع تولي السادات السلطة اصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأنه ليس رجلهم، وكل ما يرغبون فيه هو الوقت حتى يصل أحد رجالهم الى السلطة، فقد أفرزت سنوات وزارة علي صبري العديد من الرجال ومراكز القوى، وكان صبري رجلهم الأول، لكن مع اقالته فقدت روسيا الكثير، وتوالى الفقد مع الخلاص من مراكز القوى، ومن ثم لم يكن امامهم غير أن يحاصروا مصر، فدبروا انقلاباً على الرئيس السوداني جعفر نميري، ولكن السادات ساعد النميري على العودة الى السلطة، فاعتبره الروس تدخلاً في شؤونهم الداخلية، وأصبحت العلاقات في درجة الصفر، مع اعلان عام 1971 عام الحسم، إذ تركوه يغطي نفسه وحده في مواجهة الرأي العام والعنجهية الاسرائيلية، ومع انتهاء الحرب الهندية الباكستانية، وخروج الهند حايفة الروس منتصرة شعر الأميركان بضرورة عقد وفاق ودي مع الروس، ورأى السادات أن روسيا يمكنها جعل أميركا ـ من خلال هذا الوفاق ـ أن تضغط على اسرائيل لترك الأراضي المحتلة، ورأى السوفييت أن هذه فرصتهم ليثبتوا للأميركان قوتهم في المنطقة، فاتفقوا مع السادات على عمل تظاهرة بأحدث انواع الطيران الروسي على الأرض المحتلة، وعقدوا مع مصر معاهدة الصداقة التي رفضوها حين طلبها عبد الناصر، وقام السادات تأكيداً على أواصر الود بمنح القادة الروس عدداً من الأوسمة، لكن بيان الوفاق الودي بين البلدين لم يحمل غير عبارة تقول أن كلا البلدين يؤيدان قرار مجلس الأمن رقم 242، فعاد الجليد من جديد، السادات يتصل والروس في القرم، والأسلحة لا تجيء، والمنطقة على صفيح ساخن،
مع قيام حرب أكتوبر تغير الموقف، وجاءت الرسائل السوفييتية عاجلة دائماً، وجميعها لا يخرج عن طلب وقف اطلاق النار، والسادات يرفض، حتى تدخلت أميركا في الحرب، وأنزلت دباباتها من الطيران الى ساحة القتال، فأعلن السادات أنه قادر على حرب اسرائيل، لكنه لن يحارب أميركا، والروس يشاهدون ولا يتحركون، حتى أن السادات حين أبلغهم بقرار الحرب وطلب شحنات أسلحة لم يردوا عليه، وحين جاء عام 74 بالانفتاح، سواء الاقتصادي أو الملاحي في قناة السويس، ويأخذ الروس طريقهم في تأليب الدول العربية على مصر، فيرد السادات بانهاء اتفاقية الصداقة بين مصر وروسيا.

بين العرب وأمريكا
رغم أن ما يقارب النصف الأول من الكتاب كان مخصصاً للحديث عن طريق الجليد بين موسكو والقاهرة، فان السادات رصد على جانبي هذا الطريق علاقات القاهرة بواشنطن وبعض الدول العربية، فقد بدأت العلاقات مع أميركا منذ اللحظات الأولى للثورة في مواجهة الوجود الانكليزي، وكان متوقعاً أن تزداد العلاقات قوة لولا أن ناصر اختار ما سمي بعدم الانحياز الايجابي، فرفضت أميركا وبريطانيا مده بالسلاح عام 55، بينما وافق الدب الروسي على ذلك في سبتمبر من العام نفسه، ومع كسر روسيا لاحتكار السلاح توترت العلاقات، ونصح وزير الخارجية الأميركي روجر دالاس بلاده بالا تمول السد العالي لأن مصر بلد مفلس، فأمم ناصر القناة، وجاء العدوان الثلاثي الذي استغلته كلتا القوتين العظميين في اعلان نهاية القرن الفرنسي البريطاني لمصلحة المعسكرين الغربي والشرقي، ومع رفض أميركا مد مصر بالقمح عقب العدوان الثلاثي وموافقة روسيا على ذلك توارت أميركا وظهرت روسيا، لكن ناصر لم يكن شيوعياً ولا راغباً في الشيوعية، ومن ثم ما لبث الجليد أن تساقط على الطريق، وتوالت عبارات : سنرى، وافق الكرملن على هذه القائمة، القادة في القرم، ولا شيء أكثر.
أما العلاقات العربية فقد تجسدت في الثورات الوليدة التي وقفت مصر معها، أملاً في قيام ماكان يحلم به عبد الناصر وهو الاتحاد على أساس القومية العربية، لكن القوتين العظميين ماكان لهما أن تسمحا لشيء من هذا بأن يحدث، اذ رأت كل منهما أنه يضر بمصالحها في المنطقة، فضلاً عن أنه يكسر توازن القوى بين العرب واسرائيل، ومن ثم انتهى الأمر بعد حرب اكتوبر وبدء محادثات السلام أن قاطعت الكثير من الدول العربية مصر، رغم أن هذه الدول وقفت معها مواقف مشهودة عقب الهزيمة، فقد دفع فيصل في مؤتمر الخرطوم لعبد الناصر كي يعوض ما فقده في الحرب خمسين مليون دولار، ودفعت الكويت خمسة وخمسين مليونا، ودفع آخرون باشكال عديدة كالسلاح والقمح وغيره، واتخذت السعودية وغيرها من دول الخيلج من تلقاء أنفسها موقفاً مشرفاً بقطع البترول، لكن الأمر تغير عقب الحرب، ومثلما شوهت روسيا موقف مصر من السلام، أزكت أميركا روح الفرقة، وانتهت الأمور نهايات جعلت مصر تتخذ مسارها نحو الغرب أكثر فأكثر، وكان السادات بطل كل هذه التحولات، سواء برغبته أو رغماً عنه، ويبدو أن هذا ما أراد توضيحه عبر هذه الشهادة التي وضعها للأجيال القادمة حسب قوله، تلك الأجيال التي مازالت تختلف على مواقفه سواء بالرفض أو الايجاب.

الكتاب في سطور

الكتاب: من أوراق السادات
المؤلف: محمد أنور السادات
تقديم: انيس منصور
الناشر : دار المعارف
القطع: كبير
عدد الصفحات: 510

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C02%5C02%5Ce56066b2-f66c-4102-bdee-dec6573dd131.jpg


رحلة الجاسوسية والغدر
الكولونيل ليشمان.. والدرب الطويل إلى بغداد

مهاب نصر
«أخبرني خادمي الفارسي بأن أعرابيا بالباب يود أن يراني، وما لبث أن دخل عليّ بدوي طويل القامة شديد الشحوب قذر المنظر تماما فحياني وقال: هل لديك شيء آكله؟.. وأخيرا وجدته في المطبخ يجلس مع رفيق له أمام صحن كبير من الرز يأكل منه بشراهة مستخدما في ذلك أصابعه وفقا لطريقة العرب في تناول الطعام».

لم يكن هذا الشخص الذي تحكي عنه الفقرة سوى الكولونيل والجاسوس الإنكليزي ليشمان الذي جاب أرجاء الجزيرة العربية والعراق ومنطقة دير الزور وغيرها متشربا عادات وتقاليد المنطقة، ومتقربا من سادة بعض قبائلها في لحظة كانت المنطقة العربية تخضع فيها للأطماع الاستعمارية من أجل اقتسام تركة الرجل المريض «الدولة العثمانية» من جهة، والتحكم في طريق مستعمراتها «خاصة بريطانيا» في شرق آسيا، كما أن تدفق النفط في منطقة عبدان حيث قامت المصافي ومدت الأنابيب جعل «قطرة البترول تساوي قطرة الدم»، في ذلك الوقت من مطالع القرن العشرين إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى بقليل كانت جولات هذا الجاسوس، وكان دوره الخطير في أحداث المنطقة وبعض الجهات التي شهدت مقاومة للاستعمار مثل دير الزور، وقبائل البوكمال، وهو ما يتناوله كتاب «الكولونيل ليشمان والدرب الطويل إلى بغداد» الصادر أخيرا لمؤلفه أسعد الفارس .
يقول المؤلف عن أسباب تأليف الكتاب «يعود اهتمامي بهذا الرجل إلى مطلع الخمسينات من القرن العشرين، عندما كانت القصص تروى والأشعار تنشد عن الإنكليزي نجيمان أو ليشمان بين أهلنا من عرب الفرات ومما يؤسف له جهلنا بتاريخ هذا الرجل الذي فعل الأفاعيل في المنطقة فقد كان المحارب والعدو اللدود الذي استخدم الطيران ليقصف ديار أهل الفرات لأول مرة في تاريخ الجيش البريطاني في المنطقة، فجل ما كان يكتب عنه كونه المسكين الذي كان يبيع الفرارات في مدينة البوكمال السورية وينام في المساجد، والذي اكتشف فيما بعد أنه جاسوس بريطاني ولذا بذلت جهودا كبيرة لجمع كثير من المعلومات عن ليشمان وعن تاريخ الحرب التي خاضها الجيش البريطاني في المنطقة العربية عام 1914-1920».
بداية الرحلة
تنقل ليشمان أثناء خدمته بين عدة مناطق أكسبته خبراته الجاسوسية وأهم محطاته كانت جنوب افريقيا حيث أرسلته بريطانيا إلى جبهة الحرب هناك فتعلم من أسلوب الحرب القذرة، ثم التحق بالجيش المرابط في الهند، وأخيرا رافق ليشمان الجيش البريطاني في حملته على العراق في الحرب العالمية الأولى وبقي يعمل هناك ويؤدي مهامه حتى قتل في خان النقطة قرب الفالوجة في العراق عام 1920.
ويوجز المؤلف تاريخ ليشمان في ثلاث محطات أساسية:
مرحلة التطوع في الجيش البريطاني 1898 والخدمة في جنوب افريقيا والهند والتحاقه بالجيش البريطاني الذي غزا العراق من الجنوب عام 1914
ثم مرحلة الترحال والتجسس التي شملت مناطق التبت وكشمير وطريق العودة من الهند عبر الشرق الأوسط والرحلات الاستكشافية في الوطن العربي مرة ما بين عامي 1909-1910، وأخرى عام 1912.
وتأتي المرحلة الأخيرة التي انتهت بمقتله في الفالوجة متناولة الخلاف بين ليشمان والشيخ الضاري بن محمود شيخ قبيلة الزوبع في الفلوجة.
مطارد من الثوار
يحكي المؤلف عن الشخصية الماكرة لليشمان الذي كان يجوب البادية كدرويش بائس يأوي إلى خيام العرب ضيفا فلا يسألونه عن هويته ثم يعود من رحلته التجسسية ليقود مفارز الشبانة والعملاء للإغارة على الأماكن التي كانت تستضيفه ويتعقب المعادين لبريطانيا حتى كشف أمره فصار هدفا للثوار إلى أن أدركه الموت.
تولى ليشمان الحكم العسكري لولاية الموصل حيث أعلن عن فشله السياسي قائلا «لست متأكدا من أنني أمثل ضابطا سياسيا نموذجيا، ذلك لأن وسائلي كانت فظة جدا» ، فمع الأكراد مثلا دفع مجموعات من الجيش لمهاجمة القرى، وفرض الغرامات وقتل شيوخ القبائل مما زاد حدة الثورة عليه.
وكان لليشمان دوره في الحرب على أهل البوكمال حيث جمع المعلومات عن الثوار الذين يحركون العشائر للمقاومة ثم قام بجيشه ليشن هجوما على قرية الغبرة ، ثم امتد طغيانه ليشمل كل القرى التي يفترض فيها وجود الثوار ويحرق أراضي المزارعين ويسوق الماشية ويدمر بحسب اعترافه كل ما يستطيع أن يراه.
اعتمد المؤلف في تأليفه على المصادر التي تحدثت عن ليشمان ككل لا يتجزأ، وبحسب قوله فقد اختصر من جوانب السيرة بينما استرسل في تحركاته عبر أحداث الوطن العربي في العراق وسوريا وشمال الجزيرة العربية» وخصوصا الحرب المدمرة في لواء دير الزور في سوريا، وهي الثورة التي توصف بالثورة المنسية في التاريخ».
يبرز الكتاب من ثم الآلية الغادرة التي تعاطى بها الاستعمار مع المنطقة العربية بينما كان أهلها واقعين بين نفوذ يتراجع للدولة العثمانية، وانقلاب يقترب في موازين العالم مع الجيوش الأوروبية التي أعادت تقسيم المنطقة وتفكيكها. ومن ثم يسقط هذه الأحداث على ما عانته وتعانيه المنطقة العربية حاليا من انقسامات وقضايا سببها الاستعمار.

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/01/149576_2222222-getImage_small.jpg

إيران تستيقظ
لشيرين عبادي...
مذكرات الثورة التي تأكل أبناءها

الجريده

صدر أخيراً عن دار الساقي كتاب «إيران تستيقظ: مذكرات الثورة والأمل» للكاتبة والناشطة الإيرانية شيرين عبادي (ترجمة حسام عيتاني) التي كرست حياتها من أجل حقوق الإنسان وفازت بجائزة نوبل للسلام في العام 2003، وهي محامية وقاضية تجاوز صدى صوتها حدود إيران.

تؤكد عبادي أن ما روته في هذا الكتاب حصيلة تذكّر شخصي لعدد كبير من الحالات والأحداث والوقائع التي أثرت في حياتها، وليس مذكرات سياسية، ولم تحاول فيه تقديم نقد سياسي لكيفية وقوع أحداث معينة أو لأسبابها. فحالات كثيرة وصفتها تستحق معالجة أوسع بكثير مما حظيت به في الكتاب، حسب رأيها، وتتمنى أن تتمكن مستقبلاً من تخصيص كتب أخرى تتناولها من زاوية تحليلية أعمق.

تعتقد عبادي بأن الكلمة الأداة الأقوى لحماية أنفسنا من طغاة العصر ومن تقاليدنا على السواء. ومع أن الكلمات أسلحة مسالمة، إلا أن عبادي تعرّضت في الأعوام الخمسة عشر الماضية للمضايقة والتهديد وسُجنت في سياق الدفاع عن حقوق الإنسان وضحايا العنف في إيران. من هنا، تؤكد أنها أرادت كتابة مذكراتها، لتتحدث من وجهة نظر امرأة تعرّضت للتهميش من الثورة الإسلامية لكنها ظلت في إيران لتحفر لنفسها دوراً مهنياً وسياسياً في الحكم الديني الناشئ الذي يحظّر ذلك. كذلك، أرادت تصوير كيف تتغير إيران، وهو تغيير يحل على الجمهورية الإسلامية بطرق بطيئة وماكرة ويمكن بسهولة عدم ملاحظتها، وتقديم كتاب يصحّح صورة الإسلام النمطية في الغرب، خصوصاً صورة النساء المسلمات بصفتهن كائنات خانعة بائسة.

تروي عبادي سيرة حياتها منذ ولادتها في العام 1947 في العاصمة الإيرانية طهران في بيت متواضع، وقصة تعليمها ونجاحاتها المهنية المبكرة في أواسط السبعينات كأفضل قاضية في إيران. كذلك تتحدث عن مثل الثورة الإسلامية العليا وعن خيبة أملها حيال الوجهة التي اتخذتها إيران منذ ذلك الحين في ظل توجيهات رجال الدين المتشدّدين. وتروي أيضاً كيف خُفضت رتبتها إلى موظفة إدارية في المحكمة التي كانت تترأسها ذات يوم، بعدما أعلنت السلطات الدينية أن النساء غير مؤهلات للعمل كقضاة.

تتذكر عبادي أيام انتصار الثورة الإسلامية الأولى، حيث كانت «الدعوة» إلى وضع غطاء الرأس أول تحذير من أن الثورة قد تأكل أخواتها. فبعد أيام قليلة فقط من الانتصار عُيّن رجل يدعى فتح الله بني صدر كمشرف موقت على وزارة العدل، فاختارت مجموعة من الموظفين والقضاة بمن فيهم عبادي، التوجه إلى مكتبه وتهنئته، وبعد تبادل التحيات الحارة والتهاني الوردية، وقعت عينا بني صدر عليها فاعتقدت أنه سيشكرها، أو أنه سيعبّر عن أهمية ما يعنيه التزام قاضية أنثى مثلها بالوقوف إلى جانب الثورة، غير أنه بدلاً من ذلك خاطبها قائلاً: «ألا تعتقدين أنه انطلاقاً من الاحترام لقائدنا المحبوب الإمام الخميني الذي أنعم على إيران بعودته، من الأفضل أن تغطي شعرك؟». أحست عبادي بالارتعاش، فبعد انتفاضة شعبية عظيمة استبدلت ملكية تعود إلى العصور القديمة بجمهورية حديثة، ها هو المشرف الجديد على العدالة يتحدث عن الشعر. فجاوبته عبادي: «لم أضع غطاء الرأس في حياتي قط، وسيكون من النفاق أن أبدأ ذلك الآن». فقال بني صدر وكأنه حلّ ببساطة معضلتها: «إذاً لا تكوني منافقة وضعيه عن إيمان».

نوبل

في ما يخصّ جائزة نوبل للسلام، تؤكد عبادي أنها كانت طوال الجزء الأكبر من حياتها كراشدة عرضة للهجوم بسبب مقاربة كانت مؤمنة بها وهي أن تفسير الإسلام المتناغم مع المساواة والديمقراطية تعبير أصيل عن الإيمان، وليس الدين هو ما يعيق المرأة، بل الإملاءات الانتقائية التي يقوم بها الذين يتمنّون عزل النساء في العالم. ولهذا السبب كانت عبادي عرضة للتهديدات من أولئك الذين يدينونها في إيران ككافرة لتجرّؤها على القول إن بوسع الإسلام النظر إلى الأمام. كذلك أدينت خارج بلادها من منتقدي الجمهورية الإسلامية العلمانيين الذين لا تقل مواقفهم جموداً عقائدياً عن مواقف السابقين. تتابع عبادي بأنها وعلى مر أعوام اتُّهمت بأنها لا تستوعب روح الديمقراطية الحقيقية إذا ما كان في وسعها الادعاء بأن الحرية وحقوق الإنسان ليستا بالضرورة على تناقض مع الإسلام. وعندما سمعت أن بيان فوزها بالجائزة يُقرأ بصوت مرتفع، وسمعت أن دينها يذكر خصوصاً بالاقتران مع الدفاع عن حقوق الإيرانيين، علمت في تلك اللحظة ما الذي يجري الاعتراف به: الإيمان بتأويل إيجابي للإسلام وقدرة هذا الإيمان على مساعدة الإيرانيين الذين يطمحون إلى تغيير بلادهم تغييراً سلمياً.

تلفت عبادي في مذكراتها هذه، إلى أن التعويل كثيراً على الحوار السياسي يبدو إفراطاً في التفاؤل، إذا ما أخذنا في الاعتبار البرزخ الموجود بين توقعات الغرب من إيران وميل النظام الإيراني للتوصّل إلى حلول وسط. كذلك، تركّز على العملية السياسية ليس لأنها تتصور إعادة تصميم علاقة جديدة حول مائدة التفاوض في أي وقت قريب بل لأنها لا ترى أي خيار بديل. فينبغي لإيران من جهتها الانتقال سلمياً نحو حكم ديمقراطي يمثّل إرادة أكثرية الإيرانيين. فبين الثورة اليافعة جداً وأعوام الحرب الثمانية، تعب الإيرانيون من سفك الدماء ومن العنف. وكثر هم المستعدون للذهاب إلى السجن أو المجازفة بحيواتهم دفاعاً عن معارضتهم، لكن عبادي لا ترى إيران اليوم كبلد شعبه جاهز لحمل السلاح ضد حكومته.

حقوق الإنسان

تشير عبادي إلى أنه أمام الغرب اليوم خيار هو استخدام الدبلوماسية للضغط على إيران لتغيير سلوكها، من سجل حقوق الإنسان في داخل البلاد إلى طبيعة برنامجها للطاقة النووية. فإبقاء التهديد بتغيير النظام بالقوة العسكرية كخيار مطروح لدى البعض في العالم الغربي يعرّض كل الجهود التي بذلها الإيرانيون المؤيدون للديمقراطية في الأعوام الأخيرة للخطر. وذلك لأن التهديد بالقوة العسكرية يعطي النظام ذريعة لتوجيه الضربات إلى المعارضة الشرعية ولزعزعة المجتمع المدني الوليد الذي يتشكّل ببطء داخل إيران، ويجعل الإيرانيين يتجاوزون استياءهم تجاه النظام ويحتشدون وراء قادتهم غير الشعبيين بسبب النزعة القومية الدفاعية. من هنا تعتقد عبادي بأنه ما من سيناريو أكثر إثارة للقلق وما من تحوّل داخلي أخطر من ذاك الذي يحدثه الغرب من خلال تصوّره لقدرته على جلب الديمقراطية إلى إيران إما عبر الجبروت العسكري وإما عبر إثارة تمرّد عنيف.

أما عن حقوق الإنسان فترى عبادي أن الأهم الآن هو أن يبقي الغرب سجل إيران في مجال حقوق الإنسان في مركز الضوء، بعدما كشف النظام الإسلامي عن حساسيته حيال نقد كهذا. وقد تتمسّك إيران بقوة بحقّها في الطاقة النووية، حتى لو أدى ذلك إلى تحمّلها عقوبات دولية، لكن أكثر صانعي السياسة عقلانية يرون أن سجلاً ملطّخاً لحقوق الإنسان هو بمثابة جرح تتسبّب به إيران لنفسها ويضعف قوتها التفاوضية. وإذا ما تحقق رجال الدين الذين يتولون السلطة من أن وراء الأفق ضربات عسكرية وليس حلاً تفاوضياً، فسيعتبرون أنه ما من حافز وما من مصداقية توافرت لهم بسبب حمايتهم حقوق مواطنيهم. وتعتقد عبادي أيضاً بأن الضغط الأجنبي مفيد، لكن يجب أن يكون صنفاً مناسباً من الضغط، موجهاً نحو هدف معين وله غاية. ففي النهاية، أنتجت الثورة الإسلامية معارضتها، وليس الأقل أهمية فيها جماعة كبيرة من النساء المتعلمات والواعيات اللواتي يصارعن من أجل حقوقهن، ولتغيير بلدهن من دون أن يعيقهن شيء.

تعبّر عبادي عن يقينها بأن ثمن تغيير إيران سلمياً هو تضحية من أجل هدف أسمى. فأشخاص مثلها ومثل المعارضين الذين تمثّلهم سيسقطون على الطريق، وهذا أمر واقع بسيط. فقد تصاعدت التهديدات ضد حياتها منذ تلقت جائزة نوبل للسلام، وعينت الحكومة الإيرانية حراساً شخصيين يلازمونها أربعاً وعشرين ساعة لحمايتها. وتعتبر الكاتبة أن هذا الترتيب غير مريح في أحسن الأحوال. فثمة أوقات تشعر فيها بالخطر أكثر من أوقات أخرى، وثمة لحظات يصبح فيها المناخ السياسي في طهران متوتراً إلى الحد الذي يصبح فيه الكلام همساً ويصبح الخوف حتى من الهواء تقريباً.

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C02%5C8780f580-3b62-46ef-8c05-f7413dd925ad_main.jpg

كتاب ضم صوراً وخرائط لمسيرتها:
رحلة هروب المتنبي من الفسطاط إلى الكوفة

مهاب نصر
لم تكن رحلة هروب المتنبي من الفسطاط (مصر) إلى الكوفة (العراق) فرارا من كافور الأخشيدي وما مارسه خلالها من صنوف التعمية والتمويه، إضافة إلى الإعداد المسبق، فريدة في حياته المضطربة القلقة، فهو الشاعر الباحث عن الإمارة والفرادة في أزمنة السقوط الذي ظل يتردد على أبواب العواصم التي تمخضت عن تفكك الخلافة العباسية، باحثا عن بطولة يتماهى فيها مثلما كان حاله مع سيف الدولة. لهذا من الطبيعي أن نعلم أن رحلات المتنبي بدأت منذ طفولته مع والده عندما أخذه معه إلى قبيلة بني كلب في شمال المملكة العربية السعودية.
والمتنبي هو القائل عن نفسه:
فما أزمعت في أرض مقاما
ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها يمينا أو شمالا
ومع هذا تظل رحلة فراره الأخير من كافور ثم مقتله بمفارقة شهيرة بعد أن اجتمعت عليه العداوات وتألب عليه الخصوم وصار مطاردا ومطلوبا هي الرحلة الأشهر. وهي الموضوع الأساسي للكتاب الصادر أخيرا في طبعته الثانية بعنوان «قصة هروب المتنبي ورحلته من الفسطاط إلى الكوفة» لمؤلفه فرحان عبدالله أحمد الفرحان الذي أضاف إلى الطبعة الجديدة بعض المعلومات من مصادر جديدة توافرت لديه. ومر المؤلف بالطرق ذاتها التي مر بها المتنبي مسجلا بالصورة بعض نقاط العبور التي مر بها المتنبي.
يضع المؤلف تمهيدا يوضح فيه الأسباب التي دفعت المتنبي إلى المغادرة السرية من الفسطاط حيث كان كافور الطامع في مدح الشاعر الكبير قد وضع عليه العيون والجواسيس ساجنا إياه بطريق غير مباشرة، بينما كان في الوقت نفسه يرفض تحقيق مآرب الشاعر الطامع في منصب أو إمارة، ومن ثم رتب أبو الطيب أموره بما يتوافق مع هذا الواقع المحبط.
عيد بأية حال؟
كان المتنبي يعرف ما أحاطه به كافور - كما يذكر مؤلف الكتاب - من سياج أمني، ولذلك أعد عدة السفر ووضعها في مكان بعيد واحتال حتى يبدو وكأنه في فراشه ليلة الفرار وسار من طرق غير مألوفة بعد أن سلم رسالة لشخص من جلساء كافور يدعى الفرغاني أوصاه أن يعطيها إياه بمناسبة عيد الأضحى متعللا بعدم قدرته على الحضور بنفسه للتهنئة بسبب اعتلال أصابه. وهكذا تقع في يد كافور القصيدة الموجعة والأكثر شهرة في الهجاء والتي يستهلها المتنبي :
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيد دونها بيد
وفي القصيدة يهجو أبو الطيب كافورا هجاء صريحا مقذعا:
صار الخصي إمام الآبقين بها
العبد ليس لحر صالح بأخ
لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد
سيرة قلقة
يستعرض المؤلف في الفصلين الأول والثاني سيرة المتنبي وطبيعة الخارطة السياسية في زمنه: «ترعرع المتنبي والبلاد الإسلامية مسرح للفتن والثورات والدعوات من شتى أنواع العناصر والمذاهب، وكان طموحا فدعا لنفسه بين القبائل الضاربة في بادية الشام». لكن طموح المتنبي للرئاسة لم يتوقف عند حد، حتى اتصل بسيف الدولة، غير أن المكائد ودس الحاسدين ألقيا به بعيدا حتى أوصلاه إلى أبواب كافور الأخشيدي. وقد دفع طلب المعالي المتنبي إلى المدح والهجاء، غير أنه امتاز في مدحه كما يذكر المؤلف في الفصل الرابع بأنه يسبغ على الممدوح «صفات الرجل الكامل التي يرى المتنبي أكثرها متوافرا فيه هو نفسه»، ومن ثم جاء مدحه قويا ملتبسا بنبرة ذاتية عالية. غير أن المؤلف يرى أن مدائح المتنبي لكافور جاءت من جهة أخرى قوية من حيث الفن والإحكام الأسلوبي وكأن ذلك تعويض عن كذب العاطفة التي كتبت بها هذه المدائح.
رحلة الهروب
في الفصل الخامس من الكتاب يورد المؤلف تفصيليا رحلة الهروب الأخير حيث اختار المتنبي من الطرق «أقصرها وأكثرها خطرا لبعدها عن النقاط المأهولة التي تقيم فيها حاميات مصرية، وعن المحاور التي تجوبها دوريات رجال كافور». واستغرقت رحلته 104 أيام، وكان قد خرج من الفسطاط ليلة عيد الأضحى. ويتبع المؤلف الفصل الخاص بالهروب بملاحق تتضمن مقالات لأحد الباحثين الذين تناولوا الموضوع ذاته، وهو الباحث أحمد رمزي بك. وأشار المؤلف إلى المستشرق الويس موسيل الذي يعد «أول من بحث عن رحلة المتنبي من الفسطاط إلى الكوفة» ورحلاته التي قام بها متتبعا مسار أبي الطيب.
وقد خلد المتنبي الأماكن التي مر بها في قصائده مثلما كان يفعل الشاعر الجاهلي من قبل.
ولا يختتم المؤلف كتابه المتنوع من دون أن يعرض لموقف أبي العلاء المعري من المتنبي، حيث وضع عنه كتابين في شرح قصائده الأول هو «اللامع العزيزي»، والثاني هو كتاب «معجز أحمد»، وهو ما يبرز إعجاب «رهين المحبسين» بشعر أبي الطيب.
وربما كان أطرف ما في الكتاب هو تلك الخرائط التي يقدمها المؤلف شاهدا على رحلة الشاعر وتوثيقا جغرافيا لتجربة القلق والبحث. وهي خرائط تعيدنا إلى ما كان يعانية العالم الإسلامي من تمزق وانفلات، وإلى حيرة الشاعر والفنان الباحث عن بطولة خاصة في أزمنة انهيار البطولة.

القبس

كتب أجنبية
«ملاذٌ آمن».. هاري ترومان وتأسيس «دولة» إسرائيل

طرحت الأسواق مؤخرا كتابا مثيرا للجدل ومهما للغاية حول أبعاد «العلاقة التاريخية» بين الولايات المتحدة واسرائيل، مستعرضا بشكل تفصيلي دور الرئيس الأميركي هاري ترومان في تأسيس ودعم «دولة» اسرائيل وجعلها من صلب السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية!!
ويعود بنا الكاتبان آليس ورونالد رادوش إلى تاريخ 14 مايو 1948، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأميركية، تحت قيادة الرئيس هاري ترومان، أول أمة ودولة تعترف بدولة إسرائيل، وذلك بعد دقائق قليلة من اعلان سيطرتها على القدس!!
الأكثر تعقيدا
ولكن، يكشف الكاتبان، انه بينما كانت هذه النتيجة متوقعة سلفا بان أميركا سوف ترحب بتشكيل هذه الدولة الجديدة، فإن الرئيس هاري ترومان أقر في السنوات الأخيرة من ولايته انه برغم من يعتبر قراره الاعتراف بدولة اسرائيل انه من أكثر اللحظات فخرا له، إلى انه لم يكن هناك موضوع «أكثر جدلية أو أكثر تعقيدا من مشكلة إسرائيل». وكان قد أخبر مستشاريه المقربين بان هذه المحاولات لحل موضوع «الوطن اليهودي» قد خلفه في حالة من «تعب المعركة السياسية».
ضغط اللوبيات
واعتمادا على مادة ارشيفية لم يسبق أبدا ان تم استخدامها، فإن كتاب «الملاذ الامن» يعد السرد الأكمل حتى اليوم عن الأحداث التي أدت إلى اعتراف أميركا بإسرائيل. ويكشف كل من آليس ورونالد رادوش الضغوط القومية والعالمية التي تحملها ترومان من الناس، بما في ذلك جماعة الضغط واللوبيات الموالية لليهود في العالم، وبعض المستشارين الرئيسيين في البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، وكذلك من البريطانيين وممثلي الأمم المتحدة الجدد الذي تركوا أثارهم على الطرفين وأدوا إلى قرار ترومان.
ويروي الكتابان بطريقة مشوقة، لحظة بلحظة اعادة تشكيل هذه الدروب المتقاطعة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية والسياسات الشرق أوسطية. والكتاب بمجمله يتمحور حول ذكر دور الرئيس الأميركي هاري ترومان بالتفصيل في تجزئة وتقسيم فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل. وعلى الرغم من ان مؤلفي الكتاب يبدوان متعاطفين مع القضية الصهيونية وترومان، فإنهما يشيران بالتفصيل إلى مواقف وأعمال «الإرهاب الصهيوني» في فلسطين.
ويوثق الكاتبان بالشواهد تأثير جماعات الضغط واللوبيات غير الاعتيادية من قبل المجموعات اليهودية على الادارة والكونغرس، ويصوران خليط الحوافز الذي شكل سياسة ترومان وخياره باتجاه تطوير الأزمة.
رفض هجرة كبيرة
ويصف الكاتبان دوافع ترومان بان تكون أميركا أول دولة تعترف بإسرائيل بانها مزيج من عدة عوامل منها: تعاطفه الشخصي القوي مع القضية اليهودية، إساءة لمأزق اليهود اللاجئين في أعقاب الهولوكوست، وإدراكه بان عامة الشعب الأميركي سوف يقاوم أي هجرة كبيرة جديدة إلى الولايات المتحدة من أوروبا، وأعتقاده بان وزارة الخارجية كانت تبالغ في مخاطر سياسة منحازة لليهود في الشرق الأوسط، وإحساسه بانه يتعين على المملكة المتحدة ان تلتزم بالتزاماتها السابقة حول وعد بلفور، كل هذه الأمور والأفكار يبدو انها قد دارت في ذهن ترومان حسب الوثائق والمراسلات والأحاديث التي يرويها الكتاب.
ويجادل المؤلفان في انه يبدو ان حسابات ترومان السياسية حول هذا الموضوع لم تكن للحصول على مكاسب بقدر ما كانت لتجنب الخسائر، إذ ان أي اشارة للتردد في دعمه «للدولة العبرية» سيجلب له التهديد من كل من اليسار واليمين وسيسقطه وحزبه من الرهانات السياسية في واشنطن وما وراءها. وفي حال كانت سياسته للفوز بتصويت اليهود، قد فشلت، فقد تأهل ترومان بأعجوبة في انتخابات 1948 من دون أصوات الناخبين من نيويورك وبنسلفانيا.



القبس

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/06/14/10712_4-hipr-14_small.jpg

الدين والدهماء والدم
محمود شريح

تأليف: صقر أبو فخر

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر

صقر أبو فخر المؤرخ والبحّاثة في جديده «الدين والدهماء والدم: العرب واستعصاء الحداثة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007 في 287 صفحة من القطع الكبير) يشنّ حملة شعواء وبلا هوادة على الموروث والشائع. يسجّل مثلاً أنه منذ 800 سنة تبدّدت الحضارة العربية ويكاد العرب اليوم أن يتبدّدوا هباء، وأنهم ما زالوا يتفاخرون بالقول: لولا العرب لهلكت أوروبا وظلت في ظلام العصور الوسطى.

يلحّ أبو فخر على أنه من الضروري تبديد هذه الخرافة كي يستقيم التفكير وحتى تكفّ الخرافة عن أن تصبح البديل من التاريخ، وكعيادة في هذا كلّه أن العقل لدى الغرب هو الإدراك، أي ادراك قوانين الوجود ثم تسخيرها لمصلحة الكائن العاقل، وهو، في هذا المعنى، غير منفصل عن الكائن وله طبيعة شبه عادية. وهنا، في هذا الافتراق، ربما نعثر على معضلة التقدم والتخلّف التي خضعت لها المنطقة العربية بأسرها منذ نحو 800 عام فصاعداً.

الخلافة

وحول مسألة العلمانية والخلافة يرى أبو فخر أن العالم العربي يمرّ الآن بأزمة تشبه، في بعض وجوهها، الأزمة التي مرّت بها أوروبا في القرن الثامن عشر، وهي أزمة تتمثّل في التنافر بين قوى راكدة تريد أن تبقى متشبّثة بالأفكار التقليدية التي ورثتها منذ مئات السنين، وقوى ترغب في الانخراط في سياق العلم ومكتشفاته ومنتجاته ومنظوماته العقلية حتى ولو تناقضت هذه المكتشفات مع «اليقينيات» الدينية الموروثة، ويضيف أبو فخر: «لنتذكّر البابا بيوس التاسع وتصريحاته في سنة 1864 التي دان فيها حرية الضمير وفصل الدولة عن الكنيسة والفلسفات العقلانية؛ أليست هذه القضايا هي ما يدينها رجال الدين المسلمون اليوم؟» (ص23).

طه حسين

وحول فداحة الواقع العربي يرى المؤلّف أن اضطرارنا اليوم، ويا للأسف، الى مواجهة تيارات القرون الوسطى في القرن الحادي والعشرين بالعودة الى طه حسين يشكّل، في حد ذاته، أكبر برهان عن مدى التأخير المريع للفكر العربي، ويضيف أبو فخر: «المسائل العاصفة التي أثارها طه حسين والتنويريون العرب كان ينبغي أن تكون حُسمت منذ زمن بعيد. وأخشى أن تصبح النوعة الماضوية، أي استعادة الماضي ولو بطريقة نقدية، استلاباً فكرياً، وهي دليل، في أي حال، على خواء الحاضر الذي ليس خاوياً تماماً» (ص47).

ويلاحظ صقر أبو فخر أن واحدة من علامات الانحدار التي تعصف بمجتمعاتنا العربية هي الانحسار في دور العلم والفكر وازدياد دور الدعاة والفقهاء ورجال الدين، ولو أن المجتمعات العربية تتقدم «لكانت حجّتنا ضعيفة في هذه الحال. لكن الدول العربية، والإسلامية استطراداً، هي أسطع برهان عن أنها الأسوأ في حقول العلم والمعرفة والتقدم الاجتماعي والتنمية الإنسانية، وفي مجال الحريات وحقوق الإنسان والأخلاق واحترام الفرد والجماعات وعدم اضطهاد الآخرين من أتباع الديانات الأخرى» (ص 73). في «ساتر يا رب»

هذه بعض محاور كتاب صقر أبو فخر «الدين والدهماء والدم» وهي محاور كثيرة تثير جدلاً وتساؤلاً. إنه كتاب جريء لمؤلف جريء.

العالم العربي يمرّ الآن بأزمة تشبه، في بعض وجوهها، الأزمة التي مرّت بها أوروبا في القرن الثامن عشر، وهي أزمة تتمثّل في التنافر بين قوى راكدة تريد أن تبقى متشبّثة بالأفكار التقليدية التي ورثتها منذ مئات السنين، وقوى ترغب في الانخراط في سياق العلم ومكتشفاته ومنتجاته ومنظوماته العقلية حتى ولو تناقضت هذه المكتشفات مع “اليقينيات” الدينية الموروثة.

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/12/20/38391_g1_small.jpg

ولاية الدولة ودولة الفقيه

الجريده

تأليف: السيد علي

الأمين الناشر: سلسلة هيا بنا

يناقش السيد علي الأمين في كتابه «ولاية الدولة ودولة الفقيه» الصادر لدى سلسلة «هيا بنا» ولاية الفقيه ويرد القارئ إلى جذورها التاريخية في الماضي البعيد والقريب منه راسماً للشيعة الأطر التي تكمن فيها مصلحتهم بادءاًً بالاختلافات التي نشأت بين العلماء الشيعة حول علاقتهم بالدولة في عصر الغيبة.

يقول الأمين ان الآراء اختلفت في هذا المجال. فمنهم من ذهب إلى عدم جواز التعامل معها بصفتها غاصبة للحق من أهله الشرعيين، وقائمة على الظلم والجور. ومنهم من ذهب إلى شرعيتها وإلى ضرورة المشاركة فيها وإقامة العلاقات معها، حفظاً للنظام العام وتحقيقاً لمصالح الناس، ودفعاً للأضرار والمفاسد، ويعود هذا النزاع برأي الأمين إلى أوائل القرن الماضي، عندما طالبت بعض الجماعات الدينية والاجتماعية في ايران بإدخال إصلاحات على النظام الملكي آنذاك. ووقف في وجه تلك الحركة الإصلاحية بعض العلماء الذين أصبحوا من حيث لا يدرون أو يدرون من المؤيدين للاستبداد والرافضين للإصلاح من خلال النظرة السلبية إلى الدولة والسلطة، وما يتفرع عنهما، واستندوا في ذلك إلى القول بعدم جدوى استبدال ظالم بآخر وبقيت هذه الشبهة مستحكمة في أذهان الكثيرين في زماننا. ومرد هذه الشبهة عائد إلى بعض المصطلحات التي تدرس في علم الفقه، حيث يطلق على الفقيه الجامع للشرائط بأنه الحاكم الشرعي، بحيث يفهم أن كل حاكم سواه هو غاصب للسلطة، فاقد للشرعية، مع أن المقصود من مصطلح الحاكم الشرعي ناظر إلى أهلية إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، وليس ناظراً إلى الحكومة الفعلية والسلطة السياسية المنبثقة عن نظام سياسي مدني وغير مدني.

ويستند السيد الأمين في تعريفه هذا إلى الحاكم الشرعي على ما أشار إليه الإمام علي في جوابه عن شبهة الخوارج وشعارهم عندما قالوا: «ليس لك الحكم يا علي، الحكم لله» فقال كلمة حق يراد بها باطل، نعم لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله وإنه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمّن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر.

وبذلك يقول السيد الامين إن الإمام علي أبطل هذه الشبهة المؤدية إلى الفراغ القاتل وانهيار الدولة التي لا بد للمجتمع من قيامها ، ووجوب العمل فيها على الموالي والمعارض، مع غضّ النظر عن الرفض والقبول والإيمان والكفر بهذه الإمرة والحاكمية، حفظاً لضرورات انتظام المجتمعات واستمرارها واستقرارها.

يستشهد السيد الأمين بأقوال للإمام علي ولبعض الفقهاء في مسألة التعريف بالسلطة والإمرة والولاية، الذين جردوها من الأوصاف الدينية، وعرفوها من خلال دورها المدني في حياة المجتمع الإنساني بقولهم: «إنها إقامة وظائف لازمة لرعاية المصلحة العامة «قائمة على حالة تعاقدية ناشئة عن التوافق والتراضي بين الأفراد والمجتمعات، على صيغة من صيغ الحكم وشكل من أشكال الإدارة التي تحفظ بها الأمانة، وهي ليست بطبيعة الحال من باب الإلزام الديني والتكليف الإلهي.

ولاية سياسية

وهذا المعنى التعاقدي لنشوء الولاية وفقاً للأصل المتقدم يتفق مع الاتجاه الفقهي الرافض لثبوت ولاية سياسية للفقيه خارج تلك الحالة التعاقدية، فإذا أصبح طرفاً فيها لانتهاء السلطة إليه، بسبب من الأسباب، كما لو وقع عليه الاختيار لحكم البلاد، ثبتت له تلك الولاية حينئذٍ بوصفه حاكماً ووالياً لا بوصفه فقيهاً.

لا تكون هذه الولاية خارجة عن كونها طوراً بشرياً من أطوار الولاية تخضع لموازين النقد والاعتراض واعتبارات التغيير والتطوير، ولا تتمتع بحق إلهي يخرجها عن دائرة الخطأ والحساب كما قال الإمام علي في كلام له موجّه إلى الرعيّة قائلاً: «ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».

ثورة الخميني

أما كيف انتقلت ولاية الفقيه من منطلقاتها الحقوقية والدينية إلى الإطار السياسي البحت، فيعود برأيه ذلك إلى زمن انتصار ثورة الخميني في إيران». لذلك يبدأ السيد الأمين بوصف التعريفات المعمول بها لولاية الفقيه بنظر الفقهاء أنها قامت أصلاً كولاية على المحتاجين إليها ممن فقدوا الأولياء والأهلية الشرعية لإتمام معاملاتهم الشخصية وليس للولاية عليهم في آرائهم وأفكارهم السياسية والحياتية الأخرى. فضلاً عن الولاية على غيرهم من واجدي الأهلية والشخصية الحقوقية الكاملة.

يذكر الامين بما جاء في كلمات الفقهاء أن الفقيه هو ولي الغائب والصغير والذي لا وليّ له، وأنه ولي الممتنع عن أداء الحق والدين وما شاكل ذلك، وهذا يعني أن الولاية التي بحثوا عنها ليست ولاية على عموم الناس، إنما هي على تقدير ثبوتها، ولاية على الذين لا أولياء لهم.

قفزت هذه المسألة العلمية الفقهية إلى واجهة البحث السياسي وتجاوزت حدودها الأنفة الذكر كما يقول السيد الأمين بعد وصول الإمام الخميني إلى سدة الحكم في إيران، باعتباره فقيهاً ومرجعاً دينياً، وقد استلزم وصوله إلى السلطة والحكم الكثير من التعريفات التي تجاوزت الولاية فيها حدود الولاية المعروفة والثابتة في الأحوال الشخصية إلى التصرف في الدماء والأموال، وهي تصرفات تعتبر حسب الذهنية العامة عند الشيعة وبحسب السائد الفقهي، من صلاحيات النبي والإمام المعصوم أو المأذون من قبلهما، فالسعي للإمساك بالسلطة السياسية الذي يؤدي إلى إزهاق النفوس وإتلاف الأموال ومصادرتها في عصر غيبة الإمام يحتاج إلى المبرّر الشرعي المستند إلى أدلة شرعية من الكتاب والسنة.

يحاجج السيد الأمين هذا التجاوز الذي قامت به السلطة الحاكمة في إيران الخميني بإعادة التذكير بدور الرسل والأنبياء كما هو معروف عند أهل الملل والأديان والكتب السماوية كلّها. إن الهدف الأساسي الذي يسعى الانبياء لتحقيقه في المجتمعات البشرية لم يكن بالدرجة الأولى مشروعاً سياسياً، هادفاً إلى إقامة نظام سياسي، وتسلّم السلطة فيه، وإنما كان الهدف الأساسي والأولي من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل التربية والتعليم للناس، حاملين لهم دعوة الإيمان ورسالة الهداية والإرشاد إلى سواء السبيل وإقامة الحجة عليهم بإظهار الحق وبيان الطريق القويم والصراط المستقيم الذي لا عوج فيه.

مصلحة الشيعة

ينهي السيد الأمين كتابه في البحث عن دور الشيعة في أوطانهم. والموقف الذي يجب أن يتخذوه من مسألة ولاية الفقيه، فيقول إنه ليس من مصلحة الشيعة أن يكونوا خارج إطار المسلمين عامة أو أن يكون لهم مشروعهم الخاص في أوطانهم أينما وجدوا. ويعتبر أن نظرية ولاية الفقيه، قد تأثرت بمسألة الخلافة بعد رسول الله، وبمن يملأ فراغ السلطة والقيادة بعد وفاته، وقد أجمع علماء الشيعة على أن الإمام علي هو الأولى بالحكم وصاحب الحق بالخلافة اعتماداً على النصوص المتواترة والواردة عن رسول الله فالأولى هو الأفضل، وإن كانت في بعض جوانبها مرتبطة فكرياً بالبحث في النصوص الشرعية إلا أنها من الناحية العملية أصبحت بحثاً يشبه البحث التاريخي. ولم يعد لها من هذه الناحية تأثير في عصر الدول الحديثة والمجتمعات والشعوب المتعدّدة الأديان والمذاهب والطوائف المتشاركة مع بعضها في الحكم وإنتاج السلطة. معيداً المسألة إلى التمييز في موقفه الرافض لولاية الفقيه عبر قوله أن أولوية الإمام علي بالحكم شيء وأولوية الشيعي بالحكم شيء آخر. فالشيعي وغيره في مسألة الحكم على حدّ سواء، فهما من عائلة واحدة ومن وطن واحد، والشرعية يستمدّها الحاكم من تجسيده للعدالة في البلاد والعباد، وليس من خلال انتمائه المذهبي أو الديني .

justice
27-02-2010, 04:11 PM
ساره (http://www.nahdetmisr.com/pdf/154.pdf)


تأليف : عباس محمود العقاد
عدد الصفحات : 164
المقاس : 20 × 14
ISBN : 977-14-0917-4

justice
06-03-2010, 01:24 PM
http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/12/25/38853_salah-issacmyk.jpg

ملفّات أحمد فؤاد نجم
صعلوك في مواجهة النظام


صدر لدى دار «الشروق» في القاهرة كتاب «شاعر تكدير الأمن العام». الملفات القضائية للشاعر أحمد فؤاد نجم. «دراسة ووثائق» لصلاح عيسى الذي يعتبر أن نجم ظلّ حريصاً على دور «الشاعر المحرض» الرافض للانضمام لأيّ تنظيم وهو ما كان نجم يصرّ عليه في التحقيقات كلما تعرض لتجربة الاعتقال المتكررة بسبب قصائده. يطل صلاح عيسى بأسلوبه الرشيق على الملفات القضائية لنجم مستعيناً بالمصادر الرسمية والصحف ليأخذنا في رحلة صحفية شائقة.

يتناول في الجزء الأول منها تاريخ ما يسمّى «بالجرائم التعبيرية» مثل الشعر والأغاني والأفلام والمسرحيات والقصص، وما تعرض له الفنانون في مصر في العصر الحديث يرصد المؤلف 12 قضية في وثائق التاريخ المصري المعاصر تضم أوراقاً قضائية «تتخذ من الابداع الأدبي والفني والفكري جسماً وحيداً للجريمة» أولها قصيدة لمصطفى لطفي المنفلوطي (1866-1924) اعتبرت طعناً في الذات الخديوية حيث استقبل بها الخديو عباس حلمي الثاني (حكم بين عامي 1892-1914) حين عاد من مصيفه بالآستانة عام 1897 وسجن المنفلوطي بسببها لمدة عام. ثم تتوالى قضية بيرم التونسي وطه حسين ويوسف شاهين. ثم يعرض قصة نجم غير العادية بتفاصيلها الممتعة. وما تعرض له هذا الشاعر المعارض من مضايقات وحملات من السلطة أدت الى التحقيق معه أكثر من مرة.

منظمات شيوعية

والمعروف ان أحمد فؤاد نجم كان حريصاً على استقلاله كشاعر شعبي وأنه «رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها لكي يكون صوتاً لها» وهو ما تسبب في توتر العلاقات بينه وبين هذه المنظمات. ويعد نجم الملقب بـ{الفاجومي» من أبرز شعراء القصيدة ذات الطابع السياسي. شكّل نجم مع الملحن الشيخ إمام (1918-1995) ثنائياً منذ الستينات وقد أزعجت قصائده السلطات المصرية وأدت الى اعتقالهما في عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات.

يستند صلاح عيسى في قضية نجم الى الأوراق القضائية متمثلة في تحقيقات النيابة العامة مع الشاعر بسبب «ما يوصف بأن قصائده المناهضة» في أعوام 1972 و1973 و1974 و1975 و1977 والتي انتهت بتقديمه في العام الأخير الى محاكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن سنة لتأليفه قصيدة «بيان هام» التي تتضمن «الاسم الكودي للرئيس (السادات)... (هي) واحدة من عيون الشعر السياسي العربي وأنفذها رؤية وتحليلا لظاهرة الحكم السلطوي الديماغوجي» حيث تتناول القصيدة بياناً مهماً يلقيه زعيم الدولة شحاته المعسل من العاصمة «شقلبان» والمعسل في مصر هو التبغ المستخدم في تدخين النرجيلة وهو اشارة الى حالة السكر التي يعانيها زعيم الدولة بطل القصيدة.

يقول عيسى إن محاكمة نجم بسبب قصيدته «بيان هام» التي كان يقلد فيها السادات أثناء إلقائها فيُضحك الحاضرين لم تستغرق أمام المحكمة العسكرية سوى أسبوع، وصدر الحكم يوم 25 آذار 1978 بحبسه سنة مع الشغل والنفاذ بعد أن أدين بتهمتي إهانة رئيس الجمهورية وإثارة الفتن. وظل نجم هارباً من تنفيذ الحكم أكثر من ثلاث سنوات الى أن قبض عليه أثناء حملة طالت مثقفين وصحفيين في أيلول 1981.

ثقافة الهامش

و{جيل» أحمد فؤاد نجم والمغنّي الشيخ إمام عنوان مرحلة عصيبة. فهما أقاما في هامش الثقافة الرسميّة، وشبه الرسميّة، إلاّ أنهما أسّسا إحدى اللحظات القليلة عربيّاً حيث الهامش ينافس المتن في فعاليّته ويفوقه، حتماً، شباباً وحيويّة. ولأن «الثنائي» نجم _ امام كان ناقماً على التقاليد ولم يكن بعيداً عن الجماهير، فالسلطة الناصريّة اعتقلت الشيخ إمام، ذات مرّة عام 1969، على غنائه، واعتقلت الاثنين، مرّة أخرى، بذريعة تعاطيهما المخدّرات! وكان هذا المسّ بالمحرّم الاجتماعيّ مما يوسّع دائرة الانجذاب الشبابيّ إليهما. يرى صلاح عيسى في كتابه أن نجم ظل متمسكا باستقلاله كشاعر شعبي وأنه «رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها لكي يكون صوتاً لها» وهو ما تسبب في توتر العلاقات بينه وبين هذه المنظمات.

كان الثنائي «نجم _ إمام» «متمردَين» في كل مرحلة. فأحمد فؤاد نجم الذي أصبحت التلفزيونات تأتي الى باب بيته للقائه في التسعينات، طًرد من على باب التلفزيون المصري في السبعينات، والشيخ امام انطلق بعد ذلك إلى مصر بصحبة عمه ليدرس في الجمعية الشرعية أصول التجويد القرآني على يد الشيخ محمد رفعت. لكنه طرد من الجمعية بعد ما ضبط متلبساً يستمع إلى تلاوة للشيخ محمد رفعت عبر المذياع في أحد مقاهي القاهرة. وبعدها عاش حياة التشرد، ينام ليلاً في المساجد، وفي النهار يقرأ في البيوت والمقاهي وفي حفلات خاصة متنقلاً في أحياء القاهرة الفقيرة إلى أن وصل إلى حارة الغورية إذ التقى هناك بكبار شيوخ الطرب آنذاك فتعلم على يد الشيخ درويش الحريري العزف على آلة العود. بعد لقائه أحمد فؤاد نجم شكلا ثنائياً وأنجزا الأغاني السياسية الانتقادية. بذلك مارس الشيخ إمام التمرد فناً ومسرحاً، شهدت له سجون القاهرة آنذاك، فهو لا يلبث أن يخرج من السجن حتى يعود إليه هو ورفاقه مشكلين من الزنزانة الصغيرة أغنيات معبرة:

اتجمعوا العشاق في سجن القلعة

اتجمعوا العشاق في باب النصر

اتجمعوا العشاق في الزنزانة

مهما يطول السجن مهما يطول القهر

مهما يطول السجن في السجانة

مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر.

انتهى نجم نجماً في الفضائيات العربية، لم يعد شعره غواية الجمهور بل طلاته وسخريته وشتائمه لهذه وذاك.

نبذة

ولد نجم عام 1929 في إحدى قرى محافظة الشرقية شمال البلاد وبعد وفاة أبيه قررت الأسرة إلحاقه بملجأ خيري للأطفال اليتامى والفقراء، يوفر لهم الإقامة ومبادئ التعليم والتدريب على بعض الحِرَف.

يقول المؤلف إن نجم ظل بالملجأ تسع سنوات ثم عمل ببعض المهن إلى أن عيّن بوزارة المواصلات ثم قبض عليه عام 1960 بتهمة الاشتراك مع زميل له في تزوير أوراق حكومية.

في فترة السجن تعرف نجم على كتاب شيوعيين ممن اعتقلهم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عام 1959 واستمع نجم منهم إلى قصائد لشاعر العامية المصرية البارز فؤاد حداد الذي كان في معتقل آخر.

وقد لفتت موهبة نجم انتباه ضباط السجن فشجعوه ونظموا له أمسيات شعرية ونشرت قصائده في مجلة كانت تصدرها مصلحة السجون قبل أن تكون مادة لديوانه الأول «من الحياة والسجن». وعاد إلى الواجهة في السنوات الأخيرة حين كتب قصائد ساخرة منها «ألف سلامة لضهر سيادتك» بعد أن أغشي على الرئيس المصري حسني مبارك أثناء إلقائه كلمة في مجلس الشعب في نوفمبر عام 2003.

وفي نهاية أغسطس الماضي اختارت المجموعة العربية في النداء العالمي من أجل مكافحة الفقر نجم ليكون ناطقا في المحافل الدولية باسم فقراء العالم العربي، وسفيراً لفقراء العالم إلى جانب الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا.

الجريده

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C09%5Cebdb2a29-9578-4d2a-8ac7-dc1ec159de16_main.jpg


كتاب يتناول تعايش الطوائف في ظل الدولة العثمانية
نصارى القدس من النشأة حتى نهاية القرن التاسع عشر

سعى الباحث د. أحمد إبراهيم القضاة في كتابه «نصارى القدس» الصادر أخيراً، بالتعاون بين مركز دراسات الوحدة العربية والهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى تقديم خريطة شاملة للجماعات المسيحية التي استوطنت مدينة القدس، متتبعاً تاريخها منذ نشأتها القديمة حتى نهاية القرن التاسع عشر، معتمداً على الوثائق التي توافرت له عن المسيحيين في ظل الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر، راصداً في كتابه ـ البالغ 320 صفحة من القطع الكبير ـ

تسعة طوائف مسيحية اعترفت بها السلطنة العثمانية، وفي مقدمتها الروم الأرثوذكس الذين كانت تعد كنيستهم أسمى الكنائس، نظراً لعدد التابعين لها ـ أكثر من عشرة ملايين من رعايا الدولة العثمانية ـ ولما منحته روسيا لها من حماية، ولانتشارها في مدينة القدس من قبل مجيء الفتح الإسلامي، ومن ثم فقد حظيت ببطريرك ينتخب من بين أعضاء الطائفة، ويصدق عليه بمرسوم سلطاني، ثم تليها طائفة الروم الكاثوليك التي انشقت عن الأرثوذكس عام 1724، فاضطهدهم الأرثوذكس والدولة العثمانية التي ما كانت تعترف بالطوائف المنشقة عن أصول لها، فضلاً عن اعتبارها الأرثوذكس مواطنين عثمانيين بموجب المرسوم الصادر من محمد الفاتح عام 1454، الذي أعطى الحرية الدينية لطوائف السلطنة وأقر لها حرية اختيار رئيسها، بينما كان الكاثوليك قلة وفي أغلبهم من رعايا الدول الأجنبية رغم أنها سورية المنشأ، وظلت هذه الطائفة غير معترف بها حتى تدخلت حكومتا فرنسا والنمسا لدى السلطان محمود الثاني عام 1833، فأصبح البطريرك الكاثوليكي يعين بموجب مرسوم براءة من السلطان العثماني، أما طائفة الأرمن فهي أقدم بكثير، إذ اعترف بها العثمانيون كملّة عام 1461، وذهب القضاة إلى أن هذه الطائفة من أكثر الطوائف الدينية اعتدالاً وغنى، نظراً لعمل التابعين لها في التجارة، وقد كانت إلى فترة طويلة تضم في جنباتها الطوائف المسيحية غير المعترف بها كالأرمن والأحباش والقبط والسريان، وكان يعين لها بطريركان، أحدهما في الأستانة ويمثل مركز القوة لانتشار الثقل الأرمني في كردستان، والثاني في القدس ويتبعه الأرمن الذين في حلب والقدس وغزة ونابلس وطرابلس، ورغم الاستقلال الإداري الذي كان يتمتع به الأخير غير أنه لم يكن يعين إلا بعد موافقة بطريرك الاستانة.
طائفة اللاتين
وتعود نشأة طائفة اللاتين إلى الوجود الصليبي في القدس في العصور الوسطى، حيث بقيت منهم بعض الأعداد التي استوطنت القدس والمدن التي كانت محتلة من قبلهم في الشام، فقامت هذه الأعداد على خدمة الحجيج القادمين من أوروبا، وحراسة الأماكن المقدسة التي عهد إليهم بها، و اعترف بهم المماليك كملة مستقلة عام 1342م، لكنها ظلت محرومة من وجود بطريرك لها في القدس حتى عام 1847، حين نصب البابا بيوس التاسع الأنبا يوسف فاليركا بطريركاً لكرسي أورشليم، وجاء هذا التعيين بعد سيطرة محمد علي على الشام، وإتاحته الحرية الدينية لشتى الطوائف بها، فضلاً عن النشاط الواسع الذي أحدثه الوجود البروتستانتي في القدس، فقد ظهرت لأول مرة الأسقفية الإنغليكانية عام 1841، مما جعل اللاتين يطالبون بإعادة التوازن مع النشاط البروتستانتي الغربي واليوناني الأرثوذكسي في المدينة، وقد تكونت البطريركية اللاتينية في ذلك الوقت من أربعة آلاف نسمة، وثماني كنائس في القدس والناصرية وبيت لحم ويافا وعكا وحيفا والرملة وعين كرم، ودير واحد في تراسانطة، وهؤلاء الرعايا في أغلبهم من أصول ليست مقدسية.
الأقباط أقدم الطوائف
أما طائفة الأقباط فهي من أقدم الطوائف، إذ قدمت إلى القدس عام 335 م لتدشين افتتاح كنيسة القيامة التي أقامتها الملكة هيلانة، وقد جاءت في معيتهم طائفتا الأحباش والسريان اللتان كانتا تتبعان الكنيسة القبطية في الإسكندرية، ونظراً لقلة عدد رعايا هذه الطوائف الثلاث فقد كانوا يعيشون في كنف الأرمن الأكثر عدداً وثراء في دير السلطان، ولم تتحسن الحالة الاقتصادية للأقباط إلا مع الحكم المصري للشام، فبنى القبط عام 1839 على يد الأنبا إبراهام خان القبط بمحلة النصارى، وجعلوا ما فوقه ديراً لزائري القدس من الأقباط، لكن الأحباش كانت حالتهم أكثر سوءاً، ولم تتحسن إلا في نهاية القرن التاسع عشر حين تولى أمرهم جريس أفندي الذي اتصل بنجاشي الحبشة يوحنا، فأرسل له الأموال اللازمة لسد حاجاتهم وشراء قطعة أرض خارج أسوار القدس، فبنوا عليها كنيسة الأحباش، في حين توزع السريان عام 1662 ما بين أرثوذكس وكاثوليك، فإن كنيستهم بقيت تابعة للأرثوذكس، وفشلت كل المحاولات المتعاطفة من قبل البطاركة الأرمن معهم في إقناع السلطان العثماني بإصدار مرسوم براءة خاص بهم . أما الموارنة فهم ينسبون إلى القديس مار مارون المولود عام 410 م في سوريا، ولم تكن طائفتهم، وفق ما تقول الوثائق، ذات تعداد كبير في القدس، حتى اندلعت فتنة 1860 في لبنان، فتوافدت أعداد منهم إلى المدينة، وقد حاول مار يوحنا في نهاية القرن التاسع عشر إقامة بطريركية خاصة بهم، فاشترى محلاً واسعاً على جبل صهيون بالقرب من برج داوود وبنى عليه مقراً، غير أن السلطنة العثمانية لم تمنحه صك براءة الملة، ومن ثم لم تعتمد تعيينه بطريركاً من قبلها .
البروتستانت و التبشير
وأوضحت الوثائق التي اعتمد عليها القضاة أن بداية ظهور طائفة البروتستانت تعود إلى عام 1820 حين قاموا بأولى عملياتهم التبشيرية في القدس، لكن الدولة العثمانية اعترضت على هذا النشاط، جعلت عقوبة من يدخل من المسلمين في دين النصارى الإعدام، فظل البروتستانت مضطهدين من قبل العثمانيين والطوائف المسيحية الأخرى حتى أتاح محمد علي الحرية لشتى الجماعات الدينية، فهيأ المناخ لعودة التبشير البروتستانتي، ويبدو أن أوروبا كلها كانت منشغلة بهذا الأمر، فلم تمض عشر سنوات ـ 1941 ـ حتى تفاوض ملك بروسيا فريدريك فيلهلم الرابع وملكة بريطانيا ورئيس أساقفة كانتربري وليام هاولي على تأسيس أسقفية بروتستانتية مشتركة في القدس، وتم اختيار المبشر سولومون ألكسندر ليكون أسقفاً على هذه المطرانية عام 1845، وانصب اهتمام سولومون على بناء كنيسة بروتستانتية على جبل صهيون، وبعد حصوله على الإذن بذلك مارست بريطانيا وبروسيا ضغوطهما على السلطان العثماني كي يصدر مرسوماً بالاعتراف بالملة البروتستانتية، وبالفعل صدر المرسوم في أكتوبر 1850، ولأن البروتستانت منقسمون منذ البدء إلى جماعات وقوميات ولغات متمايزة،
تعايش الملل
وذهب القضاة إلى أن شتى الطوائف تمتعت بإدارة شؤونها المدنية والدينية وفق نظام الملل العثماني، وأن الزواج كان يتم بين أبناء الملة الواحدة، ونادراً ما حدث تزاوج بين الأرثوذكس واللاتين بسبب العداء المذهبي بينهما، وكان الزواج على مرحلتين، الأولى هي الخطوبة، وكانت تتم بحضور الكاهن وتستمر لسنوات، والثانية هي الزواج ويتم بحضور الكاهن، وكانت الأفراح تمتد إلى ثلاثة أيام من الاحتفالات، حتى غضب المسلمون من ذلك فصدر مرسوم سلطاني بمنع احتفالات الزواج لدى المسلمين والنصارى معاً، ويختلف المهر من ملة الى أخرى، ويعد الطلاق محرماً في شتى الملل، ولا يحدث إلا في حالات الزنى أو تغيير الملة، كما يعد الزواج للمرة الثانية محرماً، ولا يحدث إلا في حالة الطلاق أو الموت، وقد اقتصر زي النصارى على اللونين الأزرق والأسود، ثم ألزمت الدولة العثمانية شتى موظفيها ـ ما عدا رجال الدين ـ المسلمين والمسيحيين بارتداء الطربوش، فحدث نوع من التقارب في الزي بين المسلمين والمسيحيين، ولم يسمح للنصارى بامتلاك الرقيق إلا بعد دخول محمد علي الشام، وصدور خطة التنظيمات الخيرية عام 1856، وقد أنشا المصريون مجلساً للشورى في كل مدينة يزيد تعداد أهلها على ألفي نسمة، واشترطوا أن يمثل فيه كل أبناء الطوائف الدينية، كما اعتمدوا نظام المختار الذي تختاره الدولة لإبلاغ أهل ملته في القرية التابع لها بالقوانين، وأقيم مجلس اختيارية في كل قرية، وكان لاختيارية النصارى مجلس خاص بهم، ومن ثم فقد اندرج النصارى في الجهاز الإداري.

القبس

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/10/150785_ssssss_small.jpg






السنّة والإصلاح... نقد بميزان العقل
بيروت - عبدالله أحمد

صدرت حديثاً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وعن «منشورات الاختلاف» و{دار الأمان» رؤية نقدية لكتاب عبد الله العروي «السنة والإصلاح» للكاتبين عبد السلام محمد البكاري والصديق محمد بو علام ضمن الحلقة الثانية من سلسلة أحاديث وقضايا.

في مقدمة الكتاب يؤكد المؤلفان أن «السنة والإصلاح» للدكتور عبد الله العروي يستدعي نقداً عميقاً للافتراءات والشبه التي تضمنها، والتي حاول من خلالها تقديم السنة المحمدية في صورة مخالفة لصورتها الحقيقية، وقصد التشكيك فيها وتوهين مكانتها في العقول والنفوس. ويتوخى المؤلفان في هذا النقد وزن أقوال العروي بميزان العقل والنقل معاً. كذلك يرجعان إلى التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية مقتبسين من صفحاتهما دلائل واقعية خالدة تفند ما ذهب إليه العروي في كتابه.

يلخص الكاتبان أهم ما احتواه كتابهما من مواضيع تتطلب النقد، فقد سعيا في الفصل الأول من الباب الأول إلى بيان مصادر افتراءات العروي ومنطلقاتها وغاياتها. ويناقشان في الفصل الثاني تصور العروي لعلاقة الوحي بالعقل، ومعرفة الله، والصفات الإلهية، وقضية الإيمان والعلم الحديث، والعلوم الإنسانية الإسلامية والترابط العضوي بين الكون والمجتمع والأخلاق، مبينين خطر التفلسف في غير محله، ومؤكدين حاجة الإنسانية إلى الرسالات السماوية.

أما في الفصل الأول من الباب الثاني، فيدحض المؤلفان جانباً توهمات المؤلف حول قصة سيدنا إبراهيم، مبينين قوة يقين هذا النبي الكريم، وحقيقة نبوّته ورسالته، وميزة القصص الحق، وغلبة الخيال على تصورات العروي، وأن قصة إبراهيم ليست امتداداً للثقافة الهلستينية كما زعم مبرزين قيمة الطموح العلمي والعملي في الإسلام. أما في الفصل الثاني فيؤكد البكاري وبو علام بطلان القول بالحلول والتجسد، ويبينان حقائق التوحيد وأباطيل التجسيد، ووحدة الرسالات والنبوات، وأن الله تعالى ليس كلمة، وأن تجربة مدعي التثليث والبنوة لله ليست هي تجربة الموحدين، وأن عقيدة التوحيد لا تنشأ عنها الشبهات، والفرق بين الإسلام، واليهود والنصرانية المحرفتين، والمفاصلة التامة بين الإسلام وأديان الشرك.

هدى الله

في الفصل الأول من الباب الثالث يذكر الكاتبان بمنهج الذين هدى الله وأمر نبيه بالاقتداء بهم، ويؤكدان أن القرآن الكريم كتاب مبين لا ألغاز فيه ولا غموض، ويوضحان في الفصل الثاني أن القرآن ليس نسخة جاءت من الثقافة الهلستينية، كذلك يبرزان مقاصد الإسلام، وعقيدة أمة التوحيد، وخلو القرآن الكريم من أي شبهة وأن أهل السنة والجماعة أبعد الفرق عن الهوى، وأن المسيحية المحرفة غير مقبولة عقلاً ونقلاً وذوقاً. ويؤكدان في الفصل الثالث تكريم الإسلام للمرأة، وأن القرآن الكريم محفوظ ومعجزة خالدة، وأنه مبين مصدراً ورسالة ومقاصد ونظماً، وأن الإسلام ليس قراءة لشعب دونت في نص مضبوط.

أما في الفصل الأول من الباب الرابع فيكشف المؤلفان استخدام حيل التضليل والافتراء، ويفندان نسبة القرآن الكريم إلى الأساطير، ويبينان أن التوحيد ليس انصهاراً للوثنية كما توهم العروي وأن الإسلام هو الذي نقل العرب من الجاهلية إلى الإيمان والتوحيد، والختان سنة مؤكدة من سنن الفطرة وشعار الإسلام، ويوضحان أن الاستبداد لم يكن مقابلاً للتوحيد وأن ترتيب السور توفيقي حكيم بليغ معجز. كذلك يؤكدان انسجام الأسلوب القرآني، ووحدة القرآن العضوية، وأن الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا يستوون، وأن فاتحة القرآن هي سورة الحمد. ويفندان في الفصل الثالث، دعوة العروي إلى قراءة القرآن الكريم بحسب تسلسل غامض،. ويبينان مجازفته وبعده عن الدقة العلمية ويذكران بحقيقة أن لله الأسماء الحسنى، وأن النبي محمد لم يأت بهذه الأسماء من عنده، وأن المسؤولية فردية وجماعية في التصور الإسلامي، داحضين ما افتراه العروي على الرسول الكريم.

في الفصل الرابع من الباب الرابع، يبين المؤلفان أن نسبة القرآن الكريم إلى النبي من تضليل المستشرقين وأذنابهم، ويقدمان صورة حال عن العرب في الجاهلية، ويتحدثان عن الإعجاز الكوني والإعجاز القرآني، كاشفين عن السؤال الخفي في خطاب المؤلف، مبرزين الفرق بين الحياد والنفاق، وأن الهجرة كانت بأمر الله ولتحقيق مراده، مذكرين بأسباب دعوة النبي إلى مكة. كذلك يوضحان ألا أثر للزمن في القرآن الكريم بل هو المحيط بالزمن والتاريخ، وأن الخطاب القرآني مصدر الهداية، مفندين التفسير التاريخي المادي، مبينين ألا أحد يعلم الساعة إلا الله، إضافة إلى ذلك يردان على اتهامات العروي للصحابة، ويناقشان النظرة التطورية التاريخانية ونتائجها الخاطئة، ويبرزان تماسك الدولة الإسلامية وأسسها وواقعية أحكام الشريعة الإسلامية وصلاحيتها، ويختمان الفصل بالحديث عن بعض مكارم الرسول محمد.

السنة

يؤكد البكاري وبو علام في الفصل الثاني من الباب الخامس أن مصادر الدين الإسلامي، أي القرآن الكريم والسنة والسيرة النبويتين، إضافة إلى الفقه الإسلامي مصادر موثوقة محفوظة، ويكشفان في الفصل الثالث عن فشل محاولات توهين مكانة السنة. كذلك يبرزان قيمة المصالح المرسلة في الإسلام، وقمة التحري والنزاهة والأمانة لدى علماء الحديث، وأن أصل عقيدة أهل السنة والجماعة هو مشكاة النبوة، وأن مذهب الخوارج ليس هو العلاج كما توهم العروي، بل مذهب أهل السنة والجماعة هو الحل المناسب لمآزق العصر، وأن الإسلام ليس إنشاء جماعة معينة، مبرزين، في الختام، إمكان الإجماع في نفسه.

أما في الفصل الأول من الباب السادس، يفند البكاري وبو علام دعوى رجوع القرآن الكريم إلى الوضع الهلستيني، ويؤكدان أن قوة السنة النبوية ذاتية، ويوضحان في الفصل الثاني أن الوسطية والاعتدال من جواهر الإسلام، ولم يملهما أسياد مكة، ويدحضان اتهام العروي لعلماء الحديث باستمالة الحكام، كاشفين مجدداً عن الأصول الاستشراقية لمزاعمه، ومؤكدين علاقة فكر الإسلام بالواقع، مبينين الفرق بين موقفي المعتزلة والحنابلة، وكيف جمع الإمامان مالك وأبو حنيفة بين الرأي والحديث، وبعد ذلك ينبه الكاتبان إلى أن الأحاديث النبوية لم تتكاثر نتيجة لحوادث الحياة بعد الرسول، كما زعم المؤلف، وتحدثا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسنده، نافيين أي تناقض بين السنة والتطور، مع الإشارة إلى جذور التحامل على السنة. كذلك يشيران، في الفصل الثالث، إلى حرية الفكر وفضيلة الحوار والاجتهاد في الإسلام، وحرية القاضي وصلاحياته، موضحين أن تحكيم النص الشرعي لا يؤدي إلى تراجع العقل، إضافة إلى إبرازهما موقف ابن حزم، ونظرية المعرفة الإسلامية وتكامل العلوم النافعة، وأن العلم يزيد وينقص وكذلك الإيمان، وأن العلم في الإسلام رواية ودراية.

في الفصل الأول من الباب السابع يذكر الكاتبان بأن الافتراء على أهل السنة لن يجدي الحداثيين، ويسجلان اعتراف المؤلف بصحة منهج السنة رغماً عنه، ويفندان ما ادعاه الأخباريون من أكاذيب حول النبي إدريس، ويبرزان قيمة علم المناظرة في الإسلام، وأن الصوفية الأبرار أحرص الناس على اتباع السنة، وأن أصل الهزائم الإعراض عنها، وفهم الإنسان للقرآن الكريم لا يمكن أن يتجاوز المدرسة السنية. كذلك يوضحان موقف أهل السنة من الفرق الضالة، فيما يبينان، في الفصل الثاني، ألا علاقة بين عقيدة التوحيد واسبداد الحاكم، داحضين أوهام التفسير التاريخاني، ومؤكدين أن المساواة في الإسلام واقع لا مجرد شعار، مبرزين موقف السنة من الأمية، وأن ليس كل جديد بدعة، مفندين افتراءات أخرى على الصوفية.

يؤكد الكاتبان أيضاً أن عقل السنة يقظ مجتهد مستبصر، وأنها خطاب وسلوك، ويتحدثان ختاماً عن علم النفس الإسلامي، مبينين في الفصل الثالث حقوق المرأة في الإسلام، وأن حديث السنة الصحيحة عن الماضي والمستقبل حق، وأنها ليست تكوناً مستمراً كما ادعى المؤلف، وأنها تشجع على البحث العلمي وتدعو إلى التفكر. كذلك يتحدثان عن إعجاز السنة العلمي، داحضين تصور العروي للوحي والرسول، مبرزين الحجة البالغة للإسلام والسنة، والعلاقة بين الاستعمارين القديم والجديد، ويدحضان في الختام محاولة العروي البائسة لتسويغ العلمانية، مؤكدين أن السنة النبوية هدفها إسعاد البشرية.

سيوران في تاريخ ويوتوبيا...
الأيديولوجيّات تختلق فراديس في الزمن
بيروت - محمد الحجيري

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/09/150631_tarikh.jpg

في ترجمته كتاب «تاريخ ويوتوبيا» للفيسلوف الفرنسي أميل سيوران، اختار المترجم التونسي آدم فتحي أن ينقل إلينا «جنساً أدبياً» جديداً كان سيوران أول من دعا إليه ودافع عنه. ولقي هذا الجنس بعد ذلك شهرة كبيرة مع كتّاب فرنسيين كبار، أمثال موريس بلانشو وجورج بيروس.

يضم «تاريخ ويوتوبيا» مقالات مطولة سيوران فيها أقرب الى المؤرخ منه الى الفيلسوف، فيبحث عن الدوافع الخفية وراء مختلف الأنظمة السياسية، معتبراً أن الأيديولوجيات تختلق فراديس في الزمن، ويكون موقعها إما في الماضي (النشأة) أو في المستقبل، ذلك بحسب الرغبة في الدعوة إلى الحنين إلى الماضي، أو إلى عبادة التقدم.

«تاريخ ويوتوبيا» بحسب ما كتب أيمن حسن في المقدمة أكبر كتب سيوران نظاماً ونسقية في بنيته الفكرية والأسلوبية، «يطرح قضايا حالية» هي قضايا علاقتنا مع التاريخ، تاريخنا، في تبلوره وسيره جنباً الى جنب مع اليوتوبيا، أي أحلامنا وكوابيسنا معاً، التي ما استطعنا بعد رؤيتها بشيء من التروي والنضج في الفكر والقول والعمل على حد سواء. والتأريخ بالنسبة إلى سيوران نقيض الأخلاق. وإذا بدأنا بالإيغال فيه والاستغراق بالتفكير يكون أمراً غير ممكن تماماً ألا نقع في التشاؤم. فالمؤرخ – المتفائل هو النقيض أساساً. ومثل هذا الشخص أعجز عن تصوره. بالنسبة إليه التأريخ نظام نظري اكتشفه في وقت متأخر جداً، وفي شبابه منعه كبرياؤه المفرط من أن يقرأ المؤرخين. فحينها قرأ الفلاسفة فحسب ثم تركهم وأخذ يقرأ الشعراء. وفي عمر الأربعين اكتشف التأريخ الذي لم يعرفه سابقاً، فأصابه الفزع. كان ذلك أحد أكبر درس للكلبية استطاع تصوره. رؤياه للأشياء كانت دوماً، غير مسرّة، لكن عند اكتشاف التأريخ طرد الأوهام كافة.

وإذا كان «تاريخ ويوتوبيا» ينتمي الى جنس الفكر أو المقالة الفكرية، فإن كتابة سيوران تتجاوز هذه المنظومة أو تتحرر منها، لتثبت وََهنَ النظريات كافة الخاصة بالأجناس الأدبية. فـ{الكتابة هنا كتابة فحسب. كتابة تنسلخ عن الأجناس كي تصير ماهيتها، ماهية ذاتها تحديداً، أي فعلاً شمولياً إن نمّ عن شيء فعن إيمان عميق بعبثية كل شيء، حتى الكتابة ذاتها». سيوران الذي قرأنا للمرة الأولى عبر كتابه «توقيعات» بترجمة صعبة الفهم صدرت عن «دار الجديد» في بيروت، قرأنا له كتاباً عن «دار الجمل» بعنوان «المياه كلها بلون الغرق»، وحديثاً نشر أحد المواقع الثقافية ترجمات لبعض شذراته وحوارات معه تبين أقنعته في الكتابة، بل هذيانه في كتابة الشذرات والمقاطع الفلسفية، فسيوران دأب على الكتابة والنشر طوال حياته في ما لا يدع مجالاً للشك في حرصه على الحضور إلا أنه كان يريد حضورا خالياً من الضجيج والمعمعة، ظل حريصاً على الإقامة في الظل بعيداً عن الإعلام ولعله كان أسعد حالاً طوال الثلاثين سنة التي ظلت كتبه خلالها تطبع في نسخ محدودة لتعتني بها قلة من النقاد والمعجبين، فهو رأى أن «النسيان لا يطاول إلا الكتاب الذين «فهموا» والذين لم يعرفوا كيف يضمنون «سوء فهم» الآخرين لهم». إلا أن شهرته تضاعفت بعد صدور «رسالة في التحلل»، ضمن سلسلة كتاب «الجيب» ونقل أعماله الى الإنكليزية والألمانية عند منحه جائزة «بول موران» عام 1988، فاضطر الى رفضها لأن التكريم لا يعني له إلا شيئاً واحدا ظل طوال حياته يعتبره منافياً للقدر اللائق بكاتب مثله، وقال متحدثاً عن بورخيس: «لا عقوبة أشد من التكريس، ما إن يصبح الكاتب مرجع الجميع حتى يتعذر الرجوع إليه خشية أن نزيد حشد المعجبين به أي خشية أن نزيد أعدائه». ‏

اللافت في «تاريخ ويوتوبيا» المترجم حديثاً الأسلوب الذي اعتمده سيوران والنسقية في توليف الأفكار وترتيبها وحشدها، وهو لا يبتعد كثيراً عن أسلوب الشذرات الذي اشتهر به سيوران. والحال أن نتاج سيوران في معظمه على شكل مصنفات شذرية مقطعية تدور حول عدد من المسائل الرئيسة، بل الاستحواذية، ذلك في تأملات متقطعة تأتي تارة على صيغة أفكار مبعثرة وطوراً كملاحظات عابرة مصاغة في جمل مقطعية. يبدو أحياناً أن هذه الخواطر السريعة آتية من بعيد، أبعد من الكتابة ذاتها، فتتجلى كـ{ومضات وعي»، وما على الكاتب سوى نقلها إلى الورق كما، بحسب فابريس زيمر في كتابه «سيوران، رحلة في أعماق الأنا».

ذكر سيوران: «أكتب الشذرة ليتسنى لي التناقض مع نفسي. التناقض جزء لا يتجزأ من طبيعتي، وطبيعة الناس كلهم». إن كانت الشذرة السيورانية لا تهدف إلى أي استنتاج أو اقناع، فإنها تطلق من حين إلى آخر وميضاً من الصفاء يبدو العالم فيه فاقداً لكل معنى. كتابة تحمل تأملاً حول نزوات صاحبها المتقلّبة التي لا تهدأ على حال.

منطلق سيوران عند اللجوء إلى الشذرات ابتعاده عن كل أسلوب في إقناع القارئ، معتمداً على الأدلة والبراهين وغير ذلك من المعدات المعروفة. إذ أخذ بنهج الشذرة كطرح مكثف لتأملاته ومواقفه الفلسفية. وإذا كانت أقواله قائمة على المفارقة فالأمر يرجع الى موقفه المشبع باليأس الوجودي إزاء الإشكاليات الأساسية كالوجود والأنا والآخر. وقد يكون مردّ أخذه بنهج القول المأثور شكه العميق بالكلمة ذاتها. فقد أوضح ذات مرة: «لماذا كل صمت هو شيء مقدّس؟ لأن الكلمة هي، عادة، مع استثناء لحظات متميزة تماماً، هي تدنيس». واعتبر أن الشيء الوحيد الذي يرفع الإنسان فوق الحيوان هو الكلمة، إلا أنها من جهة أخرى تضعه غالباً تحت مرتبة الحيوان.

إلى جانب الشذرات، أعمال سيوران ذات نهج قائم على المقطعية أي تجنب الأخذ بنهج البحث والدراسة، ما أبعده عن التقاليد المتبعة لدى الفلاسفة الذين كان يكنّ لهم النفور بل الاحتقار.

فكر سيوران دوماً في ترك الكتابة جانباً، أو الإقلال منها إلى أبعد حد، لكنه، في كل مرة، كان ينساق وراء اللعبة. كانت الكتابة بالنسبة إليه استجابة لضرورة ما وطريقة للتخلص من نفسه، واختصاراً للأشياء كلها، «ما إن نكتب شيئاً حتى يكون قد فقد سحره، صار بلا معنى، لقد قتلنا الشيء كما قتلنا ذواتنا، كانت للكتابة وظيفة ما، عكس الآن». إذ لاحظ أن الذين لا يكتبون لديهم منابع أكثر من الذين يكتبون، لأنهم يحتفظون لأنفسهم بكل شيء. أن تكتب، معناه أن تفرغ نفسك من أجمل ما فيها. من يكتب إذاً شخص يفرغ نفسه، وهو في نهاية المطاف، يصير عدماً، هكذا فالكتاب عديمو الأهمية، يعتقد سيوران أنهم أفرغوا حتى من كينونتهم وصاروا أشباحاً، إنهم أناس بارزون جداً، لكن من غير كينونة.

أمام الفلسفة والفكر، يختار سيوران الشعر والموسيقى. بل قال إنه «من الأفضل أن يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون صاحب ستة كتب في لغة لا يفهمها أحد...». سيوران مثل الشاعر يخاتل شكوكه ليتعاطى الكلمة ويحوّل اللاواقع إلى واقع صيغي. الشاعر؟ «هذا الوحش الذي يراود خلاصه عبر الكلمة والذي يملأ خواء الكون برهن الخواء تحديداً»، لكن هذا الفراغ ملأته الموسيقى، الحياة بلا موسيقى حماقة حقيقية. فإننا لسنا بحاجة الى الكتابة ما دمنا لا نستطيع التعبير بالكلمات عن إحساس ذي طابع موسيقي.

نبذة

ولد أميل ميشال سيوران في 8 أبريل (نيسان) عام 1911 في رازيناري، قرية في مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، من أب قس أرثوذوكسي، وعرف منذ طفولته بحبه العزلة والتنزه في الجبال المحيطة بقريته. التحق عام 1920 بالمدرسة الثانوية في مدينة سيبيو المجاورة. وأمضى الأعوام بين 1928 و1932 في جامعة بوخارست حيث حصل على دبلوم حول الفيلسوف برغسون. وتحدث سيوران عن حالات من الأرق واليأس لازمته خلال هذه المرحلة فأوحت إليه بكتابه الأول الذي ألفه عام 1932 ونشر عام 1934 بعنوان «على ذرى اليأس «ثم أعقبته عناوين أخرى مثل «كتاب الخدع» و{دموع وقديسون».

خلال العام الدراسي 1934 - 1935 حصل على منحة دراسية في ألمانيا لإعداد أطروحة في الفلسفة لكنه لم يفعل شيئاً ومر بمرحلة عقم في حياته لم تميزها سوى رحلة الى باريس لمدة شهر قرر إثرها الإقامة في فرنسا. فعاد الى رومانيا وعمل على تحقيق هذا الهدف. هناك حصل على منحة من المعهد الفرنسي في بوخارست للتدريس في باريس التي وصل اليها عام 1937. وخلال الأعوام الأولى من إقامته وضع كتاب «غروب الأفكار» ونشره بالرومانية في سيبيو.

الجريده

العرب في المحرقة النازية ــ ضحايا منسيون
سليمان بختي

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/07/05/13248_2-hipr-30_small.jpg

تأليف: غرهرد هُب

عن دار قدمس

يطرح هذا الكتاب قضية جديرة بالتحقق والاعتبار والانتباه. وضعه الباحث الألماني غرهرد هُب تحت عنوان «العرب في المحرقة النازية ــ ضحايا منسيون!؟» ونقله الى العربية محمد جديد. يعرض المؤلف النتائج الأولى لأبحاثه حول فئة من الضحايا هي فئة المعتقلين العرب في معسكرات الاعتقال النازية الألمانية بين عامي 1939 و1945 ويمكن مقارنة هذا العدد من هؤلاء المعتقلين بعدد المعتقلين المنتمين الى الأمم الصغيرة، وإن لم تكن آلامهم أقل شأناً أو أقل معاناة من آلام الملايين من المعتقلين الآخرين من غير اليهود. فالعرب لم يكونوا من المعتقلين المتمتعين بالامتيازات، لكنهم كانوا من ضحايا النازية «المنسيين» آنذاك ومن جملة ما أدى اليه ذلك أن ثمة حديثاً اليوم عن المقترفين أو المذنبين من العرب. ليس ما يبعث على العجب أن التأريخ العربي وغير العربي هو في صدد العلاقات العربية ــ الالمانية بين 1933 و1945 ولعلّ المناقشات التي تثار حول علاقة العرب بالنازية أو النازية الجديدة والمحرقة يغلب عليها الحديث عن المذنبين الذين نشروا تجاربهم وعلاقاتهم مع النازية في مذكرات أو سير ذاتية.

الواقع أن الباحث يذكر في كتابه الذين تعاونوا مع النازية بصفة سياسيين وعسكريين ورجال دعاية وهم: أمين الحسيني، رشيد عالي الكيلاني، يونس البحري، يوسف الرويسي، مصطفى بشير، كامل مروه، كمال الدين الآل، منير الريس، محمود حسين العرابي، فوزي القاوقجي، ابراهيم الراوي، صلاح الدين الصباغ، كمال عجمان حداد، ناجي أوقات، محمد عزت دروزه، فاضل أرسلان، نبيه وعادل العامة، أنطون سعادة، عبد الخالق طريز، محمد حسن الوزاني، محمد المكي النغيري، عبد الهادي بو غالب. والجدير ذكره انه في ما يخص انطون سعادة يؤكد الباحث جان دايه في كتابه (سعادة والنازية) (2005 ــ طبقة ثانية) عدم وجود أي علاقة لسعادة مع النازية بعد مراجعة وثائق الخارجية الألمانية من دون أن ينفي لقاءات سعادة مع بعض المسؤولين الألمان إثر زيارته لألمانيا في العام 1938.

لكن هذه العلاقات لا تقطع مع ضرورة إعادة تركيب ألوان المشاهدات والتجارب المتصلة بضحايا النازية من العرب، والتي تعد بالنظر الى هذا مطلباً من مطالب الانسانية ومساهمة في كتابة جديدة لتاريخ العلاقات العربية الألمانية بين 1933 و1945 ولو على نحو جزئي.

صناعة الهولوكوست

من هنا يعيد هذا الكتاب تعريف الألمان والعرب والعالم بحقيقة أن العرب، مسلمين ومسيحيين، كانوا أيضاً من ضحايا الإجرام النازي، وبالتالي يجب إخراج هذه الحقيقة من العتمة الى الضوء وإلى ساحة التاريخ وإنهاء عملية احتكار دور الضحية من قبل اليهود ووضع حد لصناعة الهولوكوست وابتزاز العالم. كذلك تعريف الناس بخطر الفكر العنصري الإرهابي الذي لا يستثني أحداً من اجرامه.

إذا كان المؤلف ينطلق من تساؤله الصريح حول عدم إيلاء ضحايا النازية والفاشية من العرب أهمية في كتابة التاريخ العربي وغير العربي من ناحية والاهتمام المكثف بتعاون السياسيين العرب مع النازية والفاشية من ناحية ثانية فإن ذلك يشير الى تواطؤ مريب، علماً أن المؤلف يعتبر أن معاداة السامية لم تسق عربياً الى غرفة غاز ألمانية بل ان العنصرية والإرهاب هما ما دفع العرب وسواهم الى ذلك المصير!

الذاكرة الجماعية

لكن السؤال هو: من هم هؤلاء العرب الذين غيبوا ولم تذكرهم اللوائح ولم يلتفت اليهم التاريخ؟ مع أن الباحث يجدهم في بحثه الجاد الدؤوب وتقميشه رغم التمويه، فمعظمهم صُنف تحت بند التبعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية وشعوب المستعمرات. هذا الترميز أوقعهم في التغييب والنسيان. لكن بعد تحطيم هذا الترميز الاستعماري والتماس التفاصيل وكشف البيانات نجد اسماءهم وأماكن ولادتهم وعاداتهم وحتى يصل العدد الى ألف معتقل عربي على الأقل. معظم المعتقلين هم من شمال افريقيا. لكن المؤلم في هذه القضية أن هؤلاء الضحايا لا يجدون، حتى اليوم، مكاناً لهم، لا في الذاكرة الجماعية ولا في ذاكرة شعوبهم ولا في حالات رد الاعتبار. تحوّلوا الى نوع من الضحايا المنسية المجهولة «ضحايا الآخرين». يتناول الكاتب في بحثه 945 معتقلاً عربياً باسمائهم ووفق توزعهم في معسكرات الاعتقال، والعدد الأكبر من الجزائر (248) والأقل من لبنان (1).

ويميز المؤلف ستة أسباب لتحويل هؤلاء الى معسكرات الاعتقال:

1- للمشاركة في كفاح المقاومة ضد النازيين ولا سيما فرنسا.

2- المشاركة في الحرب الإسبانية الى جانب الجمهوريين.

3- كان كثير من المعتقلين من العمال الأجانب وعمال السخرة السابقين ومن اتباع منظمة تودت أسرى حرب.

4- كان بعض المعتقلين موجودين في المعتقلات بسبب التصرف الذي ينطوي على انتهاك القانون في ما يتعلق بتوجيهات الدولة في المعسكر.

5- الانتماء الى اليهودية وكان بين نزلاء معسكرات الاعتقال من العرب أناس كثيرون يشار الى سبب اعتقالهم بكونهم يهوداً جيء بهم الى معسكرات الاعتقال لأسباب عنصرية.

6- كانت الأغلبية الكبيرة من المعتقلين من العمال المدنيين السالفين، ومن أسرى الحرب من الرايخ، ومن المناطق المحتلة، وكان يزج بهم في المعسكرات من عمليات التمشيط والتطهير.

المحرقة والتسييس

يحمل هذا الكتاب قضية ويفتح موضوعه الباب لإعادة النظر في التاريخ على ضوء معلومات جديدة حقيقية كشف عنها بعد مراجعة محفوظات الدولة النمسوية في فيينا ولايبزغ، وولاية برندنبورغ/ بوتسدام، ومراجعة الوثائق الألمانية المتوافرة في الوزارات الألمانية المتعلقة بهذا الشأن. وهو محاولة لرفع الاحتكار عن قضية المحرقة وإنقاذها من المتاجرة والمصانعة والتسييس.

وللوصول الى العدالة التاريخية وإعادة النظر في وقائع تاريخنا الإنسانية ومصائر أبناء العرب في العالم. وكي لا يصير تاريخ بلادنا تاريخاً منسياً وشبيهاً بمصير العرب في المحرقة النازية.

إستهداف إيران
ميشال مراد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/07/12/14338_8--hipr-36_small.jpg

تأليف: سكوت ريتر

ترجمة: أمين الأيوبي

عن الدار العربية للعلوم

لا شك في أن الملف النووي الإيراني من أخطر الملفات التي واجهت العالم عبر تاريخه، أزمة تجرى اليوم بشأنها لقاءات بين كبار الممثلين لسياسة الاتحاد الأوروبي وكبار المفاوضين الإيرانيين وسط رفض طهران تعليق نشاطات نخصيب اليورانيوم.

اتهم الأميركيون إيران منذ 20 عاماً، بأنها ستمتلك قنبلة نووية في العام المقبل. هم الذين لا يجدون حلاً سوى لجم إيران ومنعها من استكمال أي نشاط حتى لو كان محدوداً، علماً أنّ ما من بند في معاهدة عدم انتشار السلاح يشير إلى موجبات مماثلة.

عايش سكوت ريتر مؤلف كتاب «استهداف ايران» فترة طويلة هذه المعاناة. فهو كان أحد كبار مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في العراق في الفترة الواقعة بين عامي 1991 و1998، وكان خدم قبل عمله مع الأمم المتحدة، ضابطاً في مشاة البحرية الأميركية ومستشاراً للجنرال نورمان شوارزكوف في شؤون الصواريخ البالستية أثناء حرب الخليج الأولى.

في هذا الكتاب يروي سكوت ريتر قصة تحدّيه للسلطة الأميركية في الفترة التي سبقت غزو العراق وكشفه الأكاذيب التي نشرتها ادارة بوش والقسم الأكبر من وسائل الإعلام حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.

غداة الفشل التام في السيطرة العسكرية والسياسية على العراق ثبتت صحة اتهام المؤلف بأن هذا التبرير لم يكن إلاّ ذريعة أطلقها الحكم الأميركي بهدف إطاحة صدام حسين والاستيلاء على النفط والإمساك بالمنطقة.

محور الشر

يقول سكوت ريتر إن البيت الأبيض وحلفاءه المحافظين يحبكون اليوم السيناريو نفسه ويطلقون التحذيرات عن برنامج ايراني مزعوم لصنع أسلحة نووية. ما يدعم هذه التحذيرات في بعض نواحيها تصاريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي غالباً ما يهاجم إسرائيل والغرب بشراسة في خطبه زاعماً أن الإبادة الجماعية التي تدعيها إسرائيل بحق شعبها ليست أكثر من أسطورة وهميّة.

منذ مطلع العام 2002 صاغ الرئيس بوش في خطابه عبارة «محور الشرّ» للمرة الأولى بطريقة علنية، وكان يشير بذلك الى العراق وإيران وكوريا الشمالية. قال: «إن دولاً كهذه وحلفاءها الإرهابيين يشكلون محور شرّ يتسلح من أجل تهديد السلم العالمي. وبسعيها الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل تشكل هذه الأنظمة خطراً داهماً ومتنامياً، كما يمكنها توفير هذه الأسلحة للإرهابيين لتصبح في أيديهم وسائل تضاهي كراهيتهم فيستطيعون شنّ هجمات على حلفائنا أو محاولة ابتزاز الولايات المتحدة. وفي أيّ من هذه الحالات سيكون ثمن اللامبالاة كارثيّاً». أعطى بوش نفسه حق اقتلاع الشر الذي بات يهدد العالم بنظره، وأوّل هدف له سيكون صدام، ومن بعده دور إيران.

باتت المواءمة أمراً واقعاً وأصبحت ايران عضواً مؤسساً في محور الشرّ الذي وصفه جورج بوش. تمّ ربط إيران والعراق باستراتيجية عامة للأمن القومي لادارة بوش تمحورت حول تغيير إقليمي للأنظمة في الشرق الأوسط وتبني فكرة تنفيذ عمليات عسكرية استباقية أحادية الجانب بوصفها الآلية الرئيسية لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

في ذلك الوقت شعر المواطن الإيراني علي رضا جعفر زادة، مسؤول الارتباط الرئيسي لدى الكونغرس والمتحدث الصحافي باسم المكتب التمثيلي للبرلمان الإيراني في المنفى والمجلس الوطني للمقاومة في إيران، بأن الوقت حان لتغيير جذري في النظام الإيراني فدعا «لجنة إيران الديمقراطية» المرتبطة مباشرة بإسرائيل ومنظمة «مجاهدي خلق» الى الضغط على الولايات المتحدة لتشمل حربها على العراق الجمهورية الإيرانية أيضاً، وتلك كانت حال حكومة أرييل شارون ففي حين لم تكن إسرائيل لتذرف الدموع على اسقاط نظام صدام سرى اعتقاد واسع أن على الولايات المتحدة أن تتهيأ بعد غزو العراق لاكمال مهمتها من المنظار الإسرائيلي أي تغيير النظام في كل من سوريا وإيران وضرب حزب الله في لبنان وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حماس في فلسطين.

تقاسم أرييل شارون ووزير دفاعه بن أليعازر مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الخوف من برنامج التسلح النووي الإيراني واعتقادهم أن ايران ستمتلك أسلحة نووية بحلول العام 2005. تزايد هذا الشعور عندما أثار الرئيس بوش مسألة بناء مفاعل نووي في بوشهر مع الرئيس بوتين. لكن الروس فاجأوا الجميع بالتوقيع على اتفاق مع الايرانيين يقضي ببناء خمس منشآت نووية إضافية لتوليد الطاقة في ايران. ورغم احتجاج الولايات المتحدة الشديد فإن الروس مضوا قدماً في تنفيذها ضمن خطة تعاون مع الإيرانيين تمتد الى عشرة أعوام.

وعاد جعفر زادة ليكشف عن العديد من البرامج النووية السريّة التي يجري العمل عليها من دون معرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأكثرها أهمية منشأة ناتانز النووية ومنشأة آراك التي تقع في وسط إيران. تحوّلت هذه المعلومات التي أفضى بها الى أزمة عالمية هددت في صيف 2006 بدفع العالم الى شفير الهاوية.

إقتراحات إيرانية

بناء على هذه المعلومات غير المؤكدة وعلى مزاعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة بأن كل نشاط تقوم به ايران وله علاقة بمواد نووية، سواء أكان لأغراض سلمية أم لا، فإنه يدخل في سياق برنامج لإنتاج أسلحة نووية، وسعت السلطة الحاكمة في أميركا نطاق حملتها ضدّ إيران وشرعت ادارة بوش تبذل قصارى جهدها لنقل تركيز أي مواجهة وشيكة مع ايران الى معادلة تضعها في مواجهة العالم كله.
يقول سكوت ريتر إن ايران كانت تسعى الى حمل الولايات المتحدة على الدخول في حوار مباشر في أعقاب الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 إلى حدّ أنها اقترحت عبر وسيط سويسري التوصل الى سلام دائم مع اسرائيل يرتكز على اعلان بيروت 2002، كما اقترحت قطع الأموال عن حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية والسعي الى وقف الهجمات الإرهابية التي تستهدف المدنيين داخل حدود العام 1967، ووافقت ايضاً على صيغة خاصة بأعمال التفتيش عن الأسلحة النووية وموادها، لكن ادارة بوش لم ترد على المبادرة الإيرانية لأن سياستها الأساسية تهدف الى تغيير النظام في ايران لا التفاوض معه والسماح باستمرار وجوده.
«استهداف ايران» تقويم استخباراتي قومي أعدّه المؤلف وتوصل من خلاله الى خلاصة مفادها أن التاريخ يعيد نفسه. فأوجه الشبه التي سلكتها الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة في غزو العراق هي نفسها التي تسكلها اليوم لدخول حرب مع إيران. الوقت ليس متأخراً لكي تغيّر أميركا المسار الذي انتهجته منذ عدة سنين، لكن هذا التغيير في المسار يتطلب مشاركة من المواطنين الأميركيين ورفض لسياسة بوش وإدارته، كما يتطلب اعادة انعاش الكونغرس بدم جديد وتطلعات إيجابية بعيدة عن العجرفة والفوقية في إملاء طريقة للتعايش على ستة مليارات من البشر!

تذوّق

لم تكن المشكلة الرئيسية في اتفاق باريس تكمن في التفاصيل التي تتحدث عن واجبات ايران المتعلقة بتعليق برامج التخصيب، وإنما في مدة هذا التعليق. فقد اعترف اتفاق باريس بأن التعليق الإيراني غير ملزم، وموقت، وطوعي. لكن ما فشل في التصدي له كان الموقف الإيراني من أن تعليق نشاطات التخصيب سيستمر لفترة طويلة وحسب. فقد أعلن رئيس مصلحة تشخيص النظام، الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، عن موقف ايران بشأن تحديد المدة التي يمكن توقعها لأي تعليق لنشاطات التخصيب، قائلاً: «أنا لا أعتقد بأنه ينبغي أن يزيد سقف هذه المدة عن ستة شهور لكي نثبت لهم بأن إيران لا تسعى الى تطبيقات عسكرية».

أوضحت إسرائيل والولايات المتحدة خطوطهما الحمراء المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية: لا تخصيب. ولكن كان لدى إيران خطوطها الحمراء الخاصة بها، كما أشار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي صرح بأن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتخلى عن نشاطاتها النووية بالتأكيد».

كان اتفاق باريس مجرد تدبير موقت من المحتم أن يلاقي الفشل ما لم تكن إيران أو الولايات المتحدة (وإسرائيل) على استعداد لتغيير موقفها. وهذا ما يفسر، أكثر من أي شيء آخر، الموقف الذي اتخذته إدارة بوش عشية التوقيع على اتفاق باريس وصدور التقرير الإيجابي للوكالة الدولية، حيث عبرت الولايات المتحدة عن دعمها الحذر لمبادرة الترويكا الأوروبية.

بذلت الولايات المتحدة جهداً في ديسمبر/ كانون الأول 2004 من أجل زيادة فاعلية محاولاتها لإحالة الملف الإيراني الى مجلس الأمن عندما شرعت في جهود لحرمان البرادعي من الحصول على ولاية ثالثة على التوالي. حقق البرادعي لنفسه سمعة طيبة لنزاهته وشدته في تعامله لا في القضيتين العرا قية والكورية الشمالية وحسب، بل وفي الوقوف في وجه الولايات المتحدة في مسألة البرنامج النووي العراقي. وعندما واجهت الولايات المتحدة صعوبة في بثّ الحماسة حتى في أقرب حلفائها للتخلص من البرادعي، قام جون بولتون شخصياً بخطوة غير عادية عندما أمر وراجع بنفسه الاتصالات التي تم اعتراضها والتي دارت بين البرادعي وغيرْ في مسعى للعثور على دليل يثبت ارتكاب عمل خاطئ. لم يتم اكتشاف شيء، وتم تثبيت البرادعي في منصبه للمرة الثالثة بدون مشكلات. ولكن الشعور بالكراهية استمر بين المدير العام للوكالة الدولية والولايات المتحدة.

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/16/151545_untitled_small.jpg


السيميولوجيا الاجتماعية لمحسن بوعزيزي... سلطة العلامة والرمز
بيروت - عبدالله أحمد

صدر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «السيميولوجيا الاجتماعية» للدكتور محسن بوعزيزي، ويندرج في مجالات العلامة الاجتماعية، التي تتحرك في الوسط الاجتماعي، وما تحمله من مؤثرات ومؤشرات، كذلك يرصد حركة هذه العلامة في حلّها وترحالها، ضمن عالم سوسيو- ثقافي وتاريخي معين. هذا الطموح يدفع باتجاه التشريع العلمي لمقاربة سيميو- سوسيولوجية، لا تكتفي ببناء نسق العلامات فحسب، بل تربطه بالسياقات الاجتماعية التي أنتجته.

ينبّه الكتاب إلى ما يتضمّن عالمنا الاجتماعي من أنسجة رمزية تضجّ بعلاماتها، في المدينة والشارع والتسميات والرصيف والسيارة، هكذا فإن السيميولوجيا التي تضمنها فوق لسانية، تتجاوز حدود اللغة لتلازم الظواهر الاجتماعية بحثاً عن نصياتها.

كذلك، يعتني بالتعبيرات اللسانية، وغير اللسانية، التي تسكن مجالاتنا وأمكنتنا الاجتماعية. ويحاول رؤية ما لا يُرى عادة من نصيات وأنسجة رمزية يصعب الإمساك بخيوطها من دون مقاربة تسمح بالتنافذ بين السيميولوجيا والسوسيولوجيا، ضمن حقل منهجي ومعرفي واحد، وما كان ليدرك هذا المنال، فيبني ما يسميه «النص الاجتماعي» لو كان اكتفى بهذه المقاربة من دون تلك.

يراهن المؤلف على البحث في منطقة التقاطع، نظرياً وتطبيقياً، بين حقلين معرفيين، ظلا متباعدين على الأقل في سوسيولوجيّتنا العربية. وقد تمكّن هذا التداخل من تحقيق مكسبين؛ الأول، إفساح المجال أمام السوسيولوجي ليبني نصه الاجتماعي من غير المكتوب، كأن ينسج مثلاً من المطارات أو من الفضاءات التجارية الكبرى نصاً اجتماعياً، كما تعامل سيغموند فرويد مع الأحلام أو نيتشه مع إرادة القوة. أما الثاني، فيتتبع العلامة في «حلها وترحالها»، وما يطرأ عليها من تحوّل دلالي حينما تتمثل في السياق الاجتماعي، فتعود محمّلة بمعانٍ مختلفة فرضها المستعمل وجغرافيته وأوضاعه الاقتصادية. كذلك، يتعلق الأمر في هذه المحاولة النظرية والتطبيقية بتليين الحقل الاجتماعي وتلطيفه بعدم الاكتفاء بالبنى الاجتماعية، أو بما هو جلي ظاهر تعلقاً بما هو خفي كامن، يسمح بمراودة الأنسجة التي توجد بعيداً في ثنايا الظواهر الاجتماعية، من دون أن يرى رموزها وعلاماتها، وما يتآلف بينها من أنظمة وبنى تكون وليدة أوضاعها وظروفها وخصوصياتها.

يقترح الكاتب تناول الظاهرة الاجتماعية تناولاً علامياً، ينتقل بنا من العلامة اللسانية إلى العلامة الاجتماعية. هذا الانتقال، يشرّع إمكان التزحلق من المجال الاجتماعي إلى المجال الاجتماعي الرمزي، تساعد على بلوغه المقاربة السيميوسوسيولوجية، بما فيها من بحث في منطقة التقاطع بين السيمولوجيا والسوسيولوجيا. وهذه الرؤية المنهجية، حسب بوعزيزي، تجعل الباحث يقظاً إلى ما يحيط بنا من نصيات اجتماعية نسكنها وتسكننا من دون تعيين مختلف العلاقات القائمة بين عناصرها. فلا يراها نصاً، بل عناصر متفرقة لا رابط بينها. واليقظة ترد الباحث قلقاً، متأهباً، تأهباً يحوّله قارئاً لما يراه وما لا يراه من علامات ظاهرة وخفية، فيتورط في دروب جديدة، ومسالك وعرة، ولكنها مثيرة، ما كان له أن يتقاطع معها من دون نهج علمي ينطلق من تجليات «الاجتماعي» ليعانق ما فيه من كمون.

وصف

يعتقد بو عزيزي، بأن الباحث سيفاجأ بمكائد العلامة إذا تلبسته، وهي تلغي التاريخي فيها لتُصعد الطبيعي. وهذا الهاجس سكن رولان بارت طويلاً، خصوصاً في «ميثولوجيات» حين كشف مناورات البرجوازية الصغيرة الفرنسية في جهدها الدؤوب للاختفاء خلف الطبيعة. وذلك أيضاً همّ معرفي حاضر في جلّ ما أنتجه كلود ليفي ستروس، حين تعلّق بتتبّع الرمز والإمساك بـ{البنية الأم» في القرابة والأسطورة والطبخ. فمسألة العلامة والرمز مبنية في أنساق، مسألة، لم تحتل إلى حدّ الآن، حيّزها الكافي في سوسيولوجية المجتمعات العربية. فتوقّفت بذلك بحوثها عند الوصف والتوصيف من دون تبلغ ، إلا في القليل منها، مستوى بناء النماذج وتتبع الكامن في ظواهره.

يرى المؤلف أن العلامة والرمز سلطة تتوسط التبادلات الاجتماعية، وتتدخل في التصنيف الاجتماعي وما فيه من تراتبيات. هذه السلطة التي طالما اقترنت بالدولة، حاضرة أيضاً في علامات المدينة بأرصفتها وشوارعها، بما فيها من صراع ومنافسة على افتكاك المجال. وفي هذه اللغة توزّع البلاغة تراتبياً بحسب الفقر والغنى، وينتشر فيها الخطأ والصواب، بحسب نبل الحي السكني أو هامشيته. وهذه العلامة-السلطة تتطلب من الباحث مكابدة، وهو يقتفي أثرها في حركة جولانها في المجال لتقوي طرفاً ما حيناً، وتقهر طرفاً حيناً آخر، فتشكّل حالة من الخضوع والسلطة يمتزجان بلا هوادة: سلطة المنتج وخضوع المستهلك، في الموضة والإشهار والصورة والمعمار. ولا مجال لقهر هذه السلطة إلا بكشف ألاعيب العلامة، وهي تخفي بعدها الإكراهي وسحريتها الداعية إلى الطاعة. وعلى الباحث السوسيولوجي، قبل غيره، أن يأخذ على عاتقه بلوغ مثل هذه العلامات مبنية في أنساق لها سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، تغطية للفجوة التي حصلت في ما أنتج من أعمال عربية، أهملت أو أسقطت من الحسبان مسألة الرمز والعلامة، بما فيها من لف ودوران وارتداد.

الصورة

يتساءل الكاتب: ألا يعد مثل هذا المزج أو التداخل بين سيميولوجيا هدفها علم العلامات وسوسيولوجيا تعنى بفهم الظاهرة الاجتماعية وتفسيرها، ضرباً من التعسف والعلاقة القهرية؟ ثم ينفي هذا الكلام بشدة، لأن الأمر هنا يتعلق بعلامة غير لسانية، في سياق كرّس أنظمة من التواصل غير مألوفة، كالصورة والإشهار والتلفزة، والأنظمة الإشارية الحركية، تلك التي رسم بعض عناصرها السيميولوجي الإيطالي إمبرتو إيكو، في تتبعه لمنطق الإشارة الإيمائية. يتابع بو عزيزي بأن لهذه الإشارات أهميتها في الحياة الاجتماعية، إذ تستعمل بديلاً للكلام من قبيل الإشارات الجنسية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن العلامة ليست بمعزل عن سياقات إنتاجها، بل هي بناء اجتماعي ذات عمق تاريخي ما كان لها أن تكون لولا سيرورة من النشوء والتطور. كذلك، ضيّع ربطها، تقليدياً، بأفق العبارة، على المهتمين بها فرصة البحث في علاقتها بالسياق بمختلف أبعاده، فلم يروها خارج اللغة، منتشرة في حقول اجتماعية عدة. ولو حدث ذلك، لأدركنا بعدها الهرمي التراتبي، وقدرتها على التدخل في تصنيف البشر والأمكنة والأزمنة. إنها العلامة الممتدة في أفقها الاجتماعي، وليست العلامة المتقلّصة في باب العبارة. وقد حاول هذا الكتاب ترصّدها في مناطق غير مألوفة، في زوايا قصية، كالشارع والرصيف ومعمار المدينة، والإشهار وصوره وألوانه وبلاغته وإخفاقاته التبليغية، دفاعاً عن الملكية وترويجاً للسلعة.

يضيف بوعزيزي بأن هذه العلامة المرتبطة بالشبكة الاجتماعية، وما لها من قدرة على الحركة والتلاعب في اللغة والكلام، بحسب طاقتها الحجاجية، قليلة الخضوع للضوابط، وتعطي لنفسها الحق في ما يجوز وما لا يجوز، بصرف النظر عن القاعدة. وهكذا تتكسر العلاقة بين الدال والمدلول، وتتصرف في الخطأ والصواب، حتى أن الخطأ يتحول أحياناً إلى كفاءة استثمارية ترويجية للسلعة أو للفكرة أو للشيء. المهم في هذا كله، بلوغ الغرض، حتى إذا ما اقتضى الأمر التضحية بمعاني الانتماء والهوية والمواطنة والوطن، وكل ما هو عام مشترك بيننا. المهم، في نهاية الأمر، الإيقاع بالمتلقي، المستهلك أم المار، في دائرة السحر. وهذا معنى ذرائعية العلامة.

تجانس

يؤكد بوعزيزي أن العلامة التي يتتبعها هذا الكتاب ويدعو إلى مطاردتها، ليست معزولة، بل ترتبط بسيرورة اجتماعية وبسياقات إنتاجها. وهي بهذا تدخل وتتدخل في التصنيف الاجتماعي. فلكل طبقة أو فئة أو جغرافية اجتماعية علاماتها الخاصة. وتلك العلامات إذا وُضعت في غير سياقاتها تتغير. وهنا يمكنه افتراض علاقة «التجانس» بين مستويات الدلالة والمستويات الاجتماعية.

كذلك يشدد بوعزيزي على الرغبة من خلال تعلّقنا بالعلامات الاجتماعية، وهي تتجول في الأطلس الاجتماعي، فتختلف أوضاعه، استراق النظر إلى ما لا يرى عادة من أبعاد رمزية كامنة في الظواهر الاجتماعية. هذه الأبعاد لا سلطان لنا عليها من دون مقاربة سيميوسوسيولوجية تراود العلامة في ارتباطها بالأصول الاجتماعية التي أنتجتها. وهنا يكف نسق العلامات عن كونه نسقاً موصداً مكتفياً بذاته، لينفتح على السياق.

justice
16-03-2010, 08:35 AM
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C16%5C3b724c0d-dd24-4837-94d7-ce812f65102d_main.jpg


قراءة مغربية لسلامة موسى:
خطاب نهضوي يتوسل التغريب!

جهاد فاضل
يقول الباحث المغربي الدكتور كمال عبداللطيف في كتابه سلامة موسى واشكالية النهضة (رؤية للنشر والتوزيع) ان مغالاة سلامة موسى في الدعوة الى النزعة الفرعونية، ودعوته في بعض مراحل حياته الى الاخذ بالاحرف اللاتينية، تشكل في نظر خصومه امثلة واضحة على تهوره الفكري ونزوعه المطلق للتوحد مع حاضر الغرب. الا ان هذه الدعوات بنظر الباحث لا تشكل الا لحظات مؤقتة في مسيرته الثقافية.

انها لحظات اندفاع تعكس هموم وقلق مثقف ينتمي الى اقلية مقهورة، اي الى وسط اجتماعي محافظ ومغال في تمسكه بتقاليده، بالاضافة الى ذلك فان سلامة موسى تخلى عن كل هذه الدعوات في فترات لاحقة من حياته.
ويضيف الباحث ان الانتماء الطائفي لسلامة موسى كان واحدا من العناصر التي تقف خلف نشاطه الثقافي، وذلك لان التشبث بالفكر العلماني والدعوة الى الاشتراكية يشكلان في نظره وسائل تساعد على تحقيق مجتمع يكفل ازاحة كل الفوارق والعوائق الاجتماعية الناشئة بسبب التناقضات الاجتماعية والسياسية والدينية.
اما الهوية الواحدة للمجتمع فلا تحقق في نظره الا في مجتمع لا يعطي اي اعتبار للعامل الديني، حيث يصبح الجذر البشري هو الموحد الاول والاخير.
خطاب نهضوي متغرب
وكان من الطبيعي لمن دعا الى الفرعونية ان يدعو الى القومية المصرية، وان يتحمس لنموذج النهضة الغربية. لقد سعى الى صياغة خطاب نهضوي متغرب يقرر ان المعاصرة الحقة للشعوب العربية تقتضي الالتزام بمبادئ وقيم الحضارة الغربية. لقد دعا الى ما كان طه حسين قد دعا اليه في فترات كثيرة من حياته. في «مستقبل الثقافة في مصر» يقول طه حسين: «نحن مدفوعون الى الحياة الحديثة دفعا عنيفا، تدفعنا اليها عقولنا وطبائعنا وأمزجتنا التي لا تختلف في جوهرها قليلا اوكثيرا منذ العهود القديمة جدا عن عقول الاوروبيين وطبائعهم وامزجتهم. علينا ان نتعلم كما يتعلم الاوروبي، لنشعر كما يشعر الاوروبي، ولنحكم كما يحكم الاوروبي، ثم لنعمل كما يعمل، ونصرف الحياة كما نصوغها».
كان سلامة موسى هاربا من التراث العربي الاسلامي الى الغرب وفكره العلماني الليبرالي. اطروحته المركزية هي دعوته الى التغريب، الى تمثل وسلوك الآخر: الغرب، كوسيلة ضرورية لتحقيق النهضة المرتجاة. فخطابه: النهضوي اذن خطاب تغريب، ومن هنا فانه يشكل خطاب الثقافة الليبرالية العربية المعاصرة.
ويقول الباحث ان التنوير العقلاني هو الميزة الاساسية في الخطاب النهضوي لسلامة موسى، لا تفهم الا في دلالتها التاريخية والنظرية الغربية، وذلك لان سلامة موسى يستعين بالتاريخ الغربي في فهم الحاضر العربي، وبحث في الصيرورة التاريخية العربية عن الأدوات المناسبة لتحويل تاريخي نهضوي حتمي. وبمقدار تمجيد المثقف السلفي للماضي، بمجد سلامة موسى الغرب تاريخا وثقافة وسلوكا.
تجاوز السلفية
كان سلامة موسى قارئا مدمنا للانتاج النظري الغربي المعاصر في مختلف مجالاته، لهذا كتب عن الداروينية والفرويدية والسارترية، وانتقد المنحى السلفي في التعامل مع الماضي، صحيح انه تعامل مع هذه المعطيات المعرفية تعاملا سطحيا بسيطا، الا انه لم يخرج عن الاهداف التي رسمها لمشروعه التنويري الموصل الى فهم جديد للطبيعة الانسانية، اي الى فهم مناهض ومتجاوز للفهم السلفي المحافظ، ان تمثله للثقافة والتاريخ الاوروبيين كان يدفعه الى اسقاط اهتمامات النهضة الأوروبية على الواقع المصري، ولم تكن اسقاطاته نابعة عن فحص تاريخي لصيرورة التاريخ الغربي والتاريخ العربي، بقدر ما كانت دعوة تقريرية مجردة، لقد اغفل التاريخ واكتفى باضفاء روح نهضوية على المجلات التي أسسها او عمل فيها، لقد خصص بعض صفحات مجلته «كل شيء والدنيا» لتقديم بعض لوحات رسامي عصر النهضة الاوروبية.
ولم يؤمن بهوية عربية او اسلامية خالصة، ويلمس المرء وراء خطابه دفاعا مستميتا عن وحدة التاريخ الانساني، ووحدة المعرفة الانسانية، لقد انتج خطابا مناهضا للفكر الغيبي السافر، حيث بلور مفاهيم العلم والعقلانية من منظور ليبرالي، وبمقدار ما شكل الماضي بعدا مركزيا في الخطاب السلفي شكل الطموح الانساني بعدا مركزيا في الدعوة الليبرالية. تتجلى النزعة الانسانية في بعض جوانب خطابه كبديل لواقعية انتمائه الى اقلية محاصرة والى مجتمع متأخر ومقهور، ومن هنا رومانسية هذه الدعوة وتمركزه الكلي على التجربة الغربية والعقل الغربي والتقنية الغربية، حيث لا خلاص للعالم الا عند خضوعه لهذا العقل التاريخي الشامل.
ويتصور النهضة كوسيلة خلاص للانسان من التقاليد والغيبيات. وهو في هذا السياق يحدد منظور النهضة الاوروبية كمعيار ثابت لكل نهضة ممكنة، يقول سلامة موسى معرفا النهضة: «انها تحرير الشخصية البشرية من التقاليد والغيبيات، انها اقبال على العلم التجريبي، وانها فصل الدين عن الدولة، انها دعوة للانسان كي يأخذ مصيره ويتسلط على القدر بدلا من ان يخضع للقدر»،
ثقافة صحفية
يتعرف سلامة موسى في بعض مراحل حياته على تجارب ومعارض اجنبية كثيرة، يتعرف على سبيل المثال على غاندي وتجربة التحرر الوطني الهندية، وعبر مواقفه نشعر اننا امام مثقف غزير القراءة مغرم بالكتاب، الا ان قراءته في بعض مراحل حياته تصبح جزءا من متطلبات عمله الصحفي، اي لا يوحدها اي رابط في منطلقاته الفكرية الرئيسية صحيح ان هذه القراءات تحدد افاقه الثقافية كما توضح معالم رؤيته العامة، الا ان انعدام وحدتها سيترك اثاره الواضحة على خطابه منذ بداية انتاجه سنة 1909 حيث نشر «مقدمة السوبرمان» الى سنة وفاته 1958.
ويُعجب حينا بنيتشه ولكن هذا الاعجاب يتقلص مع الزمن، خصوصا عندما سيتعلم جوانب اخرى‍ من الفكر الاجتماعي والسياسي والنفسي عن طريق ماركس وفرويد وويلز، انه يسمي نيتشه «بفتنة الشباب» وقد فهمه بصورة مبسطة، ومع انه من دعاة الالتحاق بالغرب، فاننا نعثر في ممارسته الفكرية على صور متعددة لمناهضة غرب الاستعمار، دعا الى تقليد تجربة غاندي التحررية في الهند، واسس سنة 1930 جمعية المصري للمصري، وكان هدفها نشر الوعي بضرورة تشجيع الصناعات الوطنية كوسيلة من وسائل مناهضة الاستعمار، «اساس الاستعمار والتدخل الانكليزي والمحاكم المختلطة والامتيازات هو اساس اقتصادي فلنعالجه بالوسائل الاقتصادية فنقصر معاملتنا على المصريين، وليكن المصري للمصري».
ويرى الباحث ان مشروع سلامة موسى اصبح يدرج في تصوراتنا الراهنة ضمن ما يسمى بلحظة المقايسة او المماثلة، الا ان موجة التقليد بصورة مكثفة في الحاضر العربي تجعلنا نتبين اهمية مشروع سلامة موسى، كما تجعلنا نزداد اقتناعا باهمية تعزيز دوائر الوعي النقدي المسلح بمقدمات الفكر التاريخي، لعلنا نتمكن من بناء الدعائم النظرية التي يمكن ان تساهم في وقف مسلسل العودات التي لا تعي اهمية التجاوز والنفي في بناء لحظات التاريخ، ولا تعي اهمية الوعي المتجدد في تطوير الذات واعادة بنائها، ضمن هذا الافق تظل الحاجة ماسة الى خطاب سلامة موسى، والى اهمية تطوير هذا الخطاب بمزيد من الالحاح ع‍لى استيعاب مقومات الحداثة والتاريخ وهي المقدمات الصانعة لكثير من ملامح الفكر المعاصر.

القبس

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C16%5Cecfaee5b-7c5f-433d-8d77-9fd9067764ef_main.jpg


صبحي موسى
ذهب الناقد المصري د. صلاح السروي إلى أن الإشكاليات التي واجهتها قصيدة النثر نتجت عن عدم دقة المصطلح وغياب المفاهيم الأولية التي تميز بين الشعر والنثر، ومن ثم فقد حاول في كتابه «قصيدة النثر ـ إشكاليات النوع وجماليات التشكيل» الصادر مؤخراً عن دار «نفرو» للنشر، إعادة التعريف بتلك المفاهيم، وذلك من خلال تتبعه لمقولات المدارس النقدية سواء الحديثة أو القديمة في تعريفها للشعر وتميزه عن النثر، موضحاً أن كلاً من النثر والشعر يشتركان في جوهر واحد يتمثل في اعتمادهما على اللغة كتشكيل جمالي، فضلاً عن أن كلاهما يعد نشاطا إنسانيا يعكس بشكل معين حركة التاريخ والمجتمع في زمن ما، ومن ثم فالأدب عموماً يعتمد على جانبين، الأول يعتني باللغة وماهيتها، والثاني يتعامل مع الواقع من حيث الوظيفة.

اللغة حسبما عرفها جان كوين هي تلك الحقيقة المتناقضة الغامضة التي تنكشف من خلال عناصر ليست لغوية في ذاتها، ومن ثم فهي ـ حسب تعريف دي سوسير ـ دال ومدلول، أو التعبير والمحتوى حسبما يقول جيلمسليف، وهكذا فإنها تقوم على عنصرين هما الشكل الذي يبرزه التعبير، والمعنى الذي ينتج عن علاقة اللغة كدال بالواقع كمدلول.
حدود الشعر
وذهب السروي إلى أن الشكلانيين الروس هم أول من أشار إلى التناقض بين الشعر والنثر في الأدبيات الحديثة، فقد درجت الأدبيات القديمة على أن الشعر هو معادل كلمة أدب الآن، ومن ثم فقد كان ينقسم إلى شعر المحاكاة ويعنى بالشكل القصصي، والشعر الغنائي وعني بالتعبير عن الذات والوجود، ومن ثم فقد أطلق بوالو مسمى «قصائد النثر» على الأعمال الروائية، وفشلت ناتالي ساروت وأراجون وغيرهما في الوصول إلى حدود فاصلة بين الشعر والنثر، بينما ذهب حسن ناظم في «مفاهيم الشعرية» إلى ان محاولة العثور على تمييز موضوعي مقنع بين الشعر والنثر سوف ينطوي على كثير من المصادرات، خاصة في ظل ظهور تيارات شعرية جديدة تكرس لميوعة الحدود بينهما عبر إلغاء القوافي والوزن.
اللغة والايقاع
وفي محاولة من السروي للخروج من هذا المأزق فقد افترض أن عملية تقسيم الأبنية اللغوية ذات الهدف الجمالي (شعر/نثر) تقوم على العلاقات الخاصة باللغة ووجود إيقاع يحكم عملية تتابع هذه اللغة، ذاهباً إلى أن وظيفة اللغة في الشعر وظيفة جمالية بالأساس تشبه الرقص، بينما وجودها في النثر فله وظيفة مادية حيادية تشبه المشي حسبما قال بول فاليري، مما حدا بمشيل ريفاتير أن يعرف القصيدة بأنها شيء يريد أن يقول شيئاً ويعني شيئاً آخر، وذهب السروي إلى أن الشكلانيين الروس حاول التمييز بين النثر والشعر من خلال ما أسموه بالخواص الثانوية، ومنها أن الكلمة في اللغة الشعرية تتمتع بقيمة مستقلة في ذاتها، وليست مجرد رسالة أو بديل عن شيء متجسد في الواقع، ومن ثم فاللغة الشعرية تتمتع بما أسموه بالغياب الظاهري للدلالة، ورفض الروس حصر الشعر في لغة الخيال، مؤكدين على طريقة توظيف الخيال، إذ أن الصورة الشعرية ليست أداة للشرح والتوضيح كما هي في النثر. لكن د. صلاح فضل رفض ما ذهبت إليه النظرية الشكلانية، معتبراً أنها حولت النظر من استخدام الصورة في الشعر إلى وظيفة الشعر، مما يجعل القصيدة في جوهرها لديهم مقاومة ـ بالمعنى السلبي ـ لطزاجة الوجود، في حين أن الشاعر دائماً ما يعمد إلى كسر القوالب اللغوية ليجبر القارئ على تجديد تلقيه للأشياء من خلال إحداثه تحويلاً للمجاز.
الموسيقى الداخلية
أما العنصر الثاني الذي اعتمده السروي في التفريق بين النثر والشعر ـ وهو الإيقاع ـ فقد أوضح من خلاله مدى الخلط بين فكرة العروض الشعري القديم، والتتابع والتجانس اللغوي في النص الحديث، بما يسمح بظهور ما سمي بالموسيقى الداخلية، دون الاستعانة بقوالب محددة سلفاً يصوغ عليها الشاعر فكرته ليعطي نصه قدراً من الجمال الموسيقي، فالطريقة الأدبية حسبما يقول يوري لوتمان لم تعد عنصراً مادياً في النص، لكنها موقف محدد من العالم والأشياء، ومن ثم ذهب السروي إلى أن الشكل البنائي المحدد لم يعد مجرد وعاء يستقبل الروح الهائمة للشعر، إذ أن وجود أو غياب هذا الشكل هو حصيلة موقف ثقافي ومعرفي لدى الشاعر ذاته، ومن ثم فالوزن ليس شرطاً لوجود الشعرية أو غيابها، لكنه دليل على شرطية وجود الموسيقى في لغة الشعر، هذه التي تنتج من الوعي الغائب الحاضر باللغة في علاقاتها الثنائية بالأجواء الشعرية حسبما تقول خالدة سعيد.
وقد قسم السروي كتابه إلى ثلاثة أقسام، الأول نظري تحدث فيه عن إشكالية المصطلح وماهية الشعر والفروق بينه وبين النثر، والثاني رصد فيه جماليات التشكيل في قصيدة النثر عبر ما أسماه بالاختزال اللغوي والكثافة البلورية، وسعي البناء المشهدي لتحقيق المفارقة المدهشة، والميل إلى التوسل بالمتوقع وصولاً إلى اللامتوقع، والاحتفاء بالجسد وحاجاته البيولوجية، والنزعة نحو الاعتراف لتحقيق الصدمة الأخلاقية، والتمحور حول الذات باعتبارها حدود العالم. أما الجزء الثالث من الكتاب فقد قدم فيه عدداً من المقالات التطبيقية على دواوين «حمامة على بنت جبيل» لحلمي سالم، «كأنني أريد» لغادة نبيل، «فوق كف امرأة» لفاطمة ناعوت، «تحريك الأيد» لعيد عبد الحليم.
ويمكننا القول انه رغم أهمية الجزء النظري من الكتاب، غير أن الجزأين التاليين جاءا أضعف من المتوقع، فأغلب سمات التشكيل التي رصدها السروي تشترك فيها المدارس الشعرية الأخرى، كما أنها في أغلبها تعد سمات فكرية في الكتابة وليس انحرافات فنية وأدائية تميز مدرسة عن أخرى، أما الجانب التطبيقي فقد بدت فيه اختيارات السروي كما لو أنها جاءت بتكليف من أمانة حزب التجمع في القاهرة.

«تمر الأصابع»: ثورة الأنا بين إرث الماضي وثأر الحاضر

محسن الرملي
محسن الرملي
فهد توفيق الهندال(*)
«ما كنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي وهو يحلق شعر رأسي في مرقصة المدريدي قائلا: «اكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم جايف». ص 7
بهذه العبارة السردية، يبدأ سارد الرواية (سليم) أولى جمل استهلالها بعد عنوانها ذي دلالة شعرية (تمر الأصابع)، ليلحقها بإهداء ذاتي والمحدد جغرافيا من قبل الكاتب إلى العراق واسبانيا، فالأول «مهد الطفولة ومهد الحضارات «والثاني» محطتي للسلام بعد طريق طويل مكتظ بالحروب» ص 5، بما يوحي التوظيف المقصود من الكاتب في عنونة الرواية التي تؤدي دورا ايحائيا /وصفيا - بحسب مفهوم جينيت – يربط المتلقي بالعمل وفق عقـد شعري تمثل بسمة العنوان الرمزية، ثم تحديد الإهداء الذي سيؤدي وظيفتين: دلالية لمن يرتبط بهذين الموقعين وفق علاقات عديدة، وتداولية لمضمون العمل إنسانيا وثقافيا مع كل من تقع بين أصابعه هذه الرواية، مما سيفتح آفاق التلاقي مع العالم الروائي للعمل، وتلاقيه مع سياق عام تدور فيها أعمال لها رمزية واحدة، مع تعدد الأساليب والرؤى.
جدلية الماضي والحاضر
فتمر الأصابع ليس العمل الوحيد الذي يحكي تلك العلاقة بين الإنسان والوطن، الماضي والمستقبل في غربة الحاضر السارد. ولعل الإهداء، كان مفتاحا لجغرافية السرد المتراوح بين العراق واسبانيا. ليتمثل الحاضر كجدلية بين الأمس والغد، وقد تمثل الأمس وزمنه الماضوي بشخصية الجد مطلق، والحاضر بالأب نوح، والمستقبل بالابن سليم. فشخصـية الجد ومن دلالة اسمها يمثل ذلك الارث المقـدس بكل أطيافه: الدينية، الاجتماعية، الأخلاقية، والسياسية. وقد تجسد ذلك كله في حضور الجد كشيخ عشيرة، وكبير العائلة التي ينعـم على الجميع ببركاته، بدءا باختياره لأسماء المواليد من أبنائه وكل المنتسبين له، مما ولّد لدى الجميع قناعة تامة بـ«ان الله هو الذي اختار أسماءكم وليس أنا» بحسب قول الجد، ص 29. إضافة إلى تأثر الجد سابقا في صباه بمقولة رجل الدين وقبلة حكمته ملا عبدالحميد لبعد أنت عالجه من عراك مع كلب اعترض طريقه – الجد - في صغره أثناء توجهه للمسجد، وقد هزم الكلب بعضة هي رد ودفاع عن نفسه، مما جعل شيخه الملا يكرم عليه بلف ساقه المجروحه بعمامتـه، ثم وهبه حفنة من التمر مع مقولته التي بقيت ترن بذهنية الجد: «إذا نبح عليك الكلب فلا تنبح عليه، ولكن إذا عضك فعضّه» ص 9. لتصبح هذه المقولة العابرة شعار ثورة الجد لاحقا ضد انتهاك حرمتهم وكرامتهم، مما جلب على المنطقة وأهلها غضب السلطة وسخطها بقتل واعتقال الكثير منهم، وتغيير اسمهم من (المطلق) إلى (القشامر)، ليقرر الجد الرحيل من منطقتهم بعد ذل السلطة والاسم الذي أصر – الجد - على أن يكون اسم منطقتهم الجديدة، رغبة ببقاء هاجس الثأر، ليتغذى أكثر على الإرث المقدس والذي اقتبس على هيئـة شخصية الجد، فيزداد نوح خضوعا لأبيه مطلق، ويقسم له بأخذ الثأر.
جيل جديد
وبرغم الحضور المقدس للجد، لكن أبناء الجيل الجديد بدأوا يتمردون قليلا على ناموسه، كسخريتهم من اسم أحدهم (صراط)، والعلاقة السرية بين (سليم) وابنة عمه (عالية)، كذلك في تغير حال الأب (نوح) بعد خروجه من العراق إلى اسبانيا، الذي اعتقده سليم ثورة على إرثه الإيماني والأخلاقي، برغم بقاء رصاصة واحدة في ميدالية مفاتيحه - الأب - وهي التي بقيت من ثلاث رصاصات انتزعها نوح من مسدس ذلك الشاب الذي اعتدى على كرامتهم وكان سببا في نكستهم وهوانهم. لتبقى أسئلة سليم حول ثورة الأب الظاهرية محاصرة له، وهو يستذكر بالسرد اللاحق أحداث قريتهم، وقسم والده لجده بأنه سيثأر من النظام بأكمله الذي أذلهم ونفاهم عن كرامتهم، وتحقيق حلم الجد بتغيير اسم القرية القشامر إلى الكرامة.
في حين نجد المسافة قصيرة بين سليم ووالده «نوح» والعلاقة الحميمية بين الاثنين خلاف علاقة نوح الخاضعة لوالده/الجد «مطلق»، بما يوحي بقوة العلاقة بين الحاضر والمستقبل، في عالم جديد يمثل أملا وسلاما بعد طريق شائك مليء بالحروب والعداوات والمأساة على الجانب الشخصي لسليم ولو أنه احتفظ في ذاكرة المكان الجديد/اسبانيا صور العراق.. الحضارات، التاريخ، الطبيعة، المكان الأول، والذكريات والطفولة، وهو ما كان سببا في تغيّر الموقف بين الاثنين عندما تفجر غضب الأب من صور تمثل له ماضيه عندما نهر سليم: «كنت أظن أنك أعقل من هذا.. وألا تقع في الحنين المَرَضي الذي يقع فيه جل المغتربين حين يصورون لأنفسهم أن كل شيء جميل في بلادهم التي غادروها.. بما في ذلك الخراب والمزابل..» ص 149. ليشهد الموقف حوارا بين الاثنين، ينطلق فيه الأب من كراهية ماض لم يصنعه أو يختاره، بل صنعه الآخرون (الطاغية / الجد) - وإن لم ينطق صراحة باسم الثاني. وانطلاقة رفض الأب لهذا الماضي، قابلهـا رفض الابن/سليم لانهيار الصورة الجميلة التي يمثلها له الوطن وكائناته الجميلة، أهمها عشق الطفولة عالية، ليرد بسرد مختصر عن ذهول محبوس من تغير حالة الأب، ليقتحم ثورة الأب الغاضبة من الماضي بثورة على سوداوية الماضي وخديعة الحاضر: «تخدع أمي وتهجر عائلتك، وتخدع روسا وتستغلها، ثم هذا الانقلاب الراديكالي على كل إرثك الشخصي والأخلاقي والديني.. كل ذلك من أجل هدف سخيف!؟» ص 150.
فيدخل الاثنان في خلاف حول رؤية كل منهما للعالم المحيط بهما، وموقفه مما يحدث في وطنهم المنسي، كما في نبرة سخط الأب: «أين هي حضارة وقوانين هذا العالم الحقير، الجايف، المنافق، النذل؟.. وهو يرانا نساق كالخراف إلى المجزرة بلا ذنب..» ص 151.
ثورة كامنة
رغم هذا الاختلاف بين جيلي اليوم والغد حول إرث الماضي، وثأر الخاضر، فإن نتيجة المعادلة بقيت ثورة كامنة في داخلية الأب الذي وإن أبدى تسامحه مع نفسه، إلا أنه لم ينس ثأره مع الماضي وإرثه المقدس وصوره المستعبدة، وما مثّله من اذلال له، ليحقق رؤيته وثورته الكاملة ليس على المستوى الشخصي، بل بصورة واسعة شاملة وابعد من ذلك. وهو ما يختلف فيه سليم مع والده، وقد قرر العيش بسلام وهدوء مع فاطمة.
بقي أن نشير إلى أن الروائي العراقي محسن الرملي، استطاع في عنوان رواية «تمر الأصابع» أن يضع في ذهنيتنا دلالة ورمزية العلاقة بين التمر والأصابع، وهو ما يمكن أن نفسره بأن التمر يمثل الحلاوة التي تسكن جانبا جميلا فينا، ونريد نتذوقـه.. نسكر به حسا وإحساسا، ليس في ذكريات الماضي، بل ولحظات الحاضر والمستقبل، شريطة أن تكون بصنعنا، وبأصابعنا!
ربما خرجت الرواية من قائمة البوكر القصيرة لهذا العام، إلا أنها لم تخرج من قائمة الملتقى العربي القصيرة أيضا، والمقتصرة على أعمال أدبية ذات حضور سردي استثنائي ولغة فنية متعددة المستويات، مفتوحة العوالم، قادرة على خلق جادات أدبية وفكرية جديدة، تحرك الساكن والساكت فينا حول مشهد العالم أمامنا.
ــــ تمر الأصابع: محسن الرملي، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف 2009.
القبس

تمزج بين الفارسية والإنكليزية وشيء من السواحلية
اللهجة الكويتية... مفردات ذات أصول عربيّة
شروق الكندري

سجل الباحث خالد عبد القادر الرشيد كلمات كويتية تلاشت مع الزمن، وأحياها للأجيال القادمة التي اختلطت لهجاتها بكلمات دخيلة أصبحت أحد رموز التقدم الحضاري باستعمالها! الكتاب بعنوان {موسوعة اللهجة الكويتية}، بحث وإعداد الرشيد وتقديمه، ومراجعة خالد سالم محمد.

في تقديمه للكتاب، أشار خالد سالم محمد إلى أن اللهجة الكويتية تمتاز بخصائص هي من أساسيات اللغة مثل التصغير، والتخفيف، وأن أكثر من 85% من المفردات الكويتية ذات أصول فصيحة، مشيراً إلى أنه تناول الكتابة عن المفردات الكويتية ذات الأصول العربية أساتذة أفاضل قدموا لنا خلال مؤلفاتهم شرحاً وافياً لكثير منها، أمثال د. يعقوب الغنيم والأستاذ عبد الله خلف والأستاذ أيوب حسين والأستاذ إبراهيم عبد الرحيم العوضي، وأخيراً الأستاذ عبد الله الخضري. ولعل أولى هذه الكتابات ما نشره مؤرخ الكويت الأول الشيخ عبد العزيز الرشيد عن المفردات الكويتية ذات الأصول العربية في مجلة {الكويت} الصادرة عام 1928.

أما عن المفردات الأجنبية في اللهجة الكويتية، فهي تشكّل حوالى 15% من الأخيرة. ومن خلال تتبع هذه المفردات في لهجة ما يستشف الباحث مدى علاقة تلك الدولة بجيرانها وبالدول التي تتعامل معها تجارياً واجتماعياً على مدى تاريخها. فاللهجة الكويتية تتخللها مفردات أجنبية كثيرة بحكم علاقتها التجارية قديماً مع جيرانها ومع الدول الأخرى البعيدة كباكستان والهند وشرقي أفريقيا. إضافة إلى أنه من خلال قربها من إيران وعلاقتها التجارية أخذت كلمات فارسية كثيرة، من بينها {إشخانته} وهي مركبة من قسمين أيش + خانته، أيش اسم أو اداة استفهام باللهجة، وخانة هو المكان. وهذا التركيب يعني: لا فائدة ترجى من الفرد، أو من الموضوع وأيش = أي شي وقد قيل في المثل: {اشخانته الرفيج اللي ما يوقف مع رفيجة} وهي فارسية. كذلك شاع في الكويت بعض المفردات التركية لقرب البلدين من بعضهما، وأيضاً لمرور الحجاج الأتراك قديماً بالكويت ومكوثهم فيها لأيام عدة.

أما اللغة الإنكليزية، فدخلت إلى الكويت أولاً عن طريق الإرسالية الأميركية مع افتتاح المستشفى الأميركي وشركة نفط الكويت، كذلك مع التجار وربابنة السفن وبحارتها الذين كانوا يمضون أياماً عدة في موانئ الهند حيث كان الهنود يتحدثون الإنكليزية إضافة إلى لغتهم الأصلية ومن كلمات مستخدمة محلياً من بينها {دريول} (إنكليزية) وهي تطلق على سائق السيارة أو الشاحنة.

الأمر نفسه بالنسبة إلى اللغة السواحلية التي يتواجد بعض مفرداتها في اللهجة الكويتية القديمة نظراً إلى اتصال الكويت بالساحل الشرقي الأفريقي عبر التجارة البحرية التي استمرت طويلاً. وثمة مفردات إيطالية دخلت قديماً إلى اللهجة الكويتية عن طريق الأتراك، ومن بينها غرابية، سكربيل، أسلكة، بنديرة، تركيت. دخلت هذه المفردات بمسمياتها وجرت على ألسنة الناس منذ ذلك الحين. وبما أن المفردات الإيطالية تحتوي على مصطلحات كثيرة تتعلّق بالمال والأعمال، أخذنا عنها بعض المسميات الحديثة مثل: رصيد، بورصة، فاتورة، فترينة، وكمبيالة. أما اللغة الفرنسية فمعروف عنها إنها لغة الزينة والعطور والمستحضرات الطبية والعلمية، والملابس، والديكور والأثاث، ودخل معظم مفرداتها إلى اللهجة الكويتية منذ منتصف القرن الماضي نظراً إلى توسع التجارة مع الدول الأوروبية عموماً. كذلك دخلت كلمات إلى اللهجة الكويتية وهي من لغات ولهجات قديمة جداً مثل الآرامية والسريانية والسنسكريتية، الهندية القديمة، لكنها كلمات قليلة جداً، لأن غالبية المصطلحات القديمة سواء كانت أجنبية أو ذات أصول عربية التي كان يتحدث بها القدماء بدأت تنحسر شيئاً فشيئاً عن حياتنا الحاضرة، وظهرت عوضاً عنها كلمات حديثة تناسب الحياة العصرية والمخترعات الحديثة. فاللهجة العامية تتغير بسرعة وهي مفتوحة لكل مفردة حديثة، وبمجرد أن يرددها الإنسان تصبح بعد فترة وجيزة كلمة عادية مستساغة.

- رفلة، {خبز خبزتيه يا الرفلة أكليه}: الرفلة تعني الخرقاء من النساء التي لا تحسن تصرفاً ولا تدبر بيتاً. وفي اللغة:

- رفل كنصر وفرح: خرق باللباس وكل عمل، وهو أرفل ورفل، وهي رفلاء. وامرأة رفلة، كفرحة، وبكسرتين: قبيحة. ورفل رفلا ورفلانا.

- روشنة: هي فتحة في جدار الغرفة قد تكون مربعة أو مستطيلة الشكل تستعمل لوضع أدوات الزينة وغيرها من الحاجات وقد تتألف من طابقين قد تزخرف بإحاطتها ببرواز.

- طنقر: تعني اشتاط غضباً وتقول فلان امطنقر اليوم وفلانة امطنقرة والجميع امطنقرين.

الجريده

محمّد شفيق شيّا في كمال جنبلاط... لزمن آخر!
تحت عباءة السياسة مؤمن وفيلسوف وشاعر
بيروت - قزحيا ساسين

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/19/152053_kamal_small.jpg

كثيرون هم رجال السياسة غير أنّ قليلين منهم يتمتّعون بفكر وثقافة ورؤية. وممّا لا شكّ فيه أنّ عظماء السياسة فكراً ورقياً إنسانياً لا ينصفون بالقدر الكافي في زمان حياتهم لأنّ للسياسة غباراً يحجب جزءاً كبيراً من شخصيّة السياسي التي تتقدّم على شخصيّة المفكّر فيه. والسياسة تأتي على حساب الفكر في صاحبها مهما بلغ من الوعي لحضوره الفكريّ باعتبارها نشاطاً يومياً كثيفاً ولها ما لها من قدرة على مصادرة الوقت، وربّما لأسباب بسيطة وتافهة، وتحديداً في المجتمع اللبناني والمجتمعات الشرقيّة.

كمال جنبلاط الزعيم الدرزيّ اللبناني شخصيّة فريدة وموصوفة بالتميّز السياسي والأدبيّ. وأثبتت حضورها السياسيّ سحابة زمن طويل، لكنّ الجوانب الأدبيّة والفكريّة فيها لا تأخذ حقّها ولو أنّها كانت ملحوظة الوجود. فجنبلاط عاش السياسة اللبنانيّة في العمق وأثّر وتأثّر على المستوى السياسيّ اللبناني، كذلك كان حاضرًا وفاعلاً في السياسة الإقليميّة والدوليّة، ما يعني أنه لم يستطع الانتباه كثيرًا الى المفكّر الذي فيه، وحاول المعجبون به والمتأثّرون بفكره وسياسته إنصافه بعد موته وفي هذا السياق ـ إذا جاز التعبير، يندرج كتاب «كمال جنبلاط ... لزمن آخر!» لمؤلّفه محمّد شفيق شيّا.

سعى شيّا إلى الإحاطة بجنبلاط سياسة ودينًا وفلسفة وشعرًا، معلنًا أن كتابه يأتي بجديد جنبلاطيّ من خلال نتائج جديدة تشمل مختلف أجزاء فكر جنبلاط ونضاله السياسيّ. أمّا منهجيّة العمل فقامت على استنطاق النصوص مباشرة لتترجم الخطوة التالية بالتحليل التكامليّ وصولاً إلى استخراج الأفكار ومقارنتها، ويتّضح: «ما بات مبرّرًا تسميته: فلسفة كمال جنبلاط»... وعلّل المؤلّف كتابه عن جنبلاط، اليوم، بأنه لا يزال حاجة ماسّة مُثُلاً وأفكارًا، لبنانيًّا وعربيًّا... إذ برأي شيّا: «لا يزال إلغاء الطائفيّة السياسيّة هو الحلّ. ولا تزال العلمنة هي الحلّ. والاشتراكيّة الديمقراطيّة لا تزال كذلك هي الحلّ...» إضافة إلى العروبة الحضاريّة التي ترفض التعصّب والاستبداد.

رصد شيّا المؤثّرات في شخصيّة كمال جنبلاط فوجدها كثيرة، منها فكر هيغل وماركس ولينين وسان سيمون وغاندي ونهرو وماو وهوشي وفيلي براندت... وجنبلاط هو المتأثّر بثورة أكتوبر، وكلّ حركات التحرير الوطني، والثورة الجزائريّة، والمقاومة الفيتناميّة، وثورة فلسطين، والمقاومة الوطنية اللبنانيّة... ويربط شيّا بين جيفارا وجنبلاط شهيدًا: «هذا هو وجه جيفارا في استشهاد جنبلاط: جيفارا الذي يترك السلطة ويقاتل التنّين وهو مدرك سلفًا النهاية التي تنتظره! أم هو انتحار على طريقة سقراط كي لا يرى الانهيار الجاري، والذي يكاد يكتمل؟».

في السادسة والعشرين من عمره، ونتيجة موت عمّه المفاجئ النائب والوزير حكمت جنبلاط اضطلع الشابّ كمال بالمسؤوليّة الكبيرة، سنة 1943، واغتيل صباح السادس عشر من مارس (آذار) سنة 1972، ما يعني أنّه عاش سياسيًّا وفكريًا أربعًا وثلاثين سنة مميّزة وحافلة بالأحداث. وانطلق جنبلاط زعيمًا درزيًّا فلبنانيًّا فعربيًّا بشكل لافت. وممّا ميّز شخصيّته كثير من الرصانة والجدّية، وثقافة واسعة على عمق، واستقلاليّة في اللحظات الحرجة، وشجاعة في الرّفض وفي الإعلان، والتزام صلب لا سيّما بمحاربة الفساد والعمل للإصلاح...

واستجابة للتحدّيات والتغيّرات، وتأسيسًا لمواجهة أكثر فاعليّة أسّس جنبلاط الحزب التقدّمي الاشتراكي سنة 1949 بهدف التغيير فكريًّا وسياسيًّا. وقد خاض الحزب مواجهات مع الدولة اللبنانيّة متمثّلة بالسلطة وسقط له شهداء في مهرجانات رأس بيروت والباروك ودير القمر....

في المجال الإصلاحي بدأ جنبلاط بنفسه فوزّع ما ورثه من الأراضي على من استثمرها واستأجرها فحظي بالاحترام والتميّز لدى الشّعب وهو المطالب بألا تكون الدولة اللبنانيّة ملك زعماء الطوائف والإقطاعيّين. ويمكن اعتبار أربعينات القرن العشرين وخمسيناته زمن كمال جنبلاط الإصلاحي، والستينات والسبعينات زمنه الثوريّ. ومن خلال وجود جنبلاط في السلطة ساهم في كثير من الإصلاحات، فبصفته وزيرًا للداخليّة تجاهل قانون الجمعيّات العثماني ورخّص لمئات الأندية والجمعيّات الأهليّة والمدنيّة...

يعتبر المؤلّف شيّا، في أحداث 1976-1975 أنّ كمال جنبلاط واجه خيانات كثيرة أسماها جنبلاط «المؤامرة»، وهو الذي عرف بعد دخول السوريّين إلى لبنان واشتعال الحرب أنّ «الممسكين الحقيقيّين بزمام الأمور هم غير المتقاتلين على المسرح»، إنما هم غير لبنانيين، وتحديدًا، هم القيادة الفلسطينية والسوريون والإسرائيليّون والأميركيون... ودائمًا، وبحسب شيّا، بلغت المؤامرة ذروتها باغتيال كمال جنبلاط القائل: «أموت ولا أموت فلا أبالي/ فهذا العمر من نسج الخيال».

ناضل جنبلاط المفكّر السياسيّ من أجل الفكر التقدميّ المنفتح المؤمن بالآخر وبالعلم وبالديمقراطيّة وبالعمل الحزبي وبمفهومه الحقيقيّ، وسعى إلى إنسان غير مرتهن ماديًّا أو سياسيًّا أو دينيًّا ، وكان له رأيه الصريح في الحاكم والقائد من خلال صفات أوردها صريحة ومحرجة . ورأى أنّ السياسة هي لخدمة الإنسان الذي هو دائمًا أوّلاً وليس العكس. أمّا بالنسبة إلى العروية فقد أرادها منفتحة، متحرّرة، ترتكز إلى المفاهيم التي ينادي بها جهرًا وبكلّ التزام.

وتطول حكاية جنبلاط مع الدين غير أنّها تُختصر بأن المسالك تتعدّد ويبقى الدّين واحدًا. وجدير بالذكر أنّه بحث في إمكان التلاقي المسيحي ـ الإسلامي على أساس المشاركة في التاريخ، وفي المصير وفي الجوهر، ووجد التوحيد جوهر الدّين. وما ميّز فكر جنبلاط الديني تمرّس صاحبه بمناهج العلم والفلسفة.

يرى شيّا أن جنبلاط: «فيلسوف الحرّية بامتياز»، الحرّية التي لا تصنع الإنسان منفردة إنّما من دونها لا يدرك إنسانيّته. ويقول جنبلاط: «قضيّة الحريّة... هي قضيّة الإنسان منذ أن وجد، تستقطبه ثمّ لا يلبث أن يستولي عليها، ثمّ يرهقها ويقيّدها أو يعبث بها، أو لا يقدرها حقّ قدرها»... والحرّية بالمفهوم الجنبلاطيّ لا تتحدّد بذاتها فحسب، إنّما من خلال علاقتها بالمفاهيم والأوضاع الأخرى، وهي نظريًّا وجه من وجوه المعرفة: «الحرّية معرفة، معرفة حقيقة هذا الوجود في الجملة والتفصيل»، ما يعني أنّ المعرفة تتعادل والحرّية وجودًا. وجنبلاط ديالكتيكيّ الفلسفة أيضًا، ويجد الديالكتيك: «حركة، أو عمليّة، أو طريقة، أو آلة في النظر والتفكير، وليس مذهبًا جامدًا أو معتقدًا أو نظريّة مجرّدة»...

ولكمال جنبلاط مع القصيدة علاقة وطيدة، والشّعر لديه ضوء الحقيقة، وليس فنًّا للفنّ، إنما هو التزام بالإنسان... ويرى جنبلاط أنّ: «الشعر، أفضل الشّعر، هو الذي يلقي نورًا على كينونة الحياة، أي على الحقيقة والجمال. والجمال شعشعة الحقيقة ووجهها المختبئ فينا»... وله في الشّعر ديوانان: «فرح»، و{آنندا ـ السلام». يتّصف الشعر الجنبلاطي بالرمزيّة العميقة ويعكس بنية صاحبه الفكريّة وهمّه الوجودي والإنساني، ومن قصائده في ديوان «فرح»: «أبيتُ فوق السحاب / فموطني في الغيوم / وكم حكى وما جرى / أطياف حلم يهيم / وفوق بيتي العتيق / بنيتُ بيت الحرم / وينسى الحجاب الرقيق / ويجتاز سور العدم / فينسى المسافر / وينسى الطريق / ويستحمّ في النّور / بعد القمم / ويستحمّ النّور / في النّور / بعد القمم».

«كمال جنبلاط ... لزمن آخر» كتاب يقدّم رجلاً متميّزًا باتساع وشموليّة، وهو أكثر من سيرة لأنّه لم يكتفِ بالسّرد، وأقلّ من كتاب تاريخ لأنّه لم يستطع الإحاطة بكلّ الأحداث الجنبلاطيّة وعلى المستويات كافة، لكنّه يجمع بين السيرة والتاريخ والدراسة، وهوى كاتبه الجنبلاطيّ لا ينفصل عن النصّ.

بيروت 1982
تأليف: غسان شبارو
عن الدار العربية للعلوم
http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/08/09/18541_beirut-cmyk3_small.jpg
ميشال مراد

إنه 4 حزيران، يوم اخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية أجواء العاصمة بيروت. طلاب الجامعات يناقشون أساتذتهم والرجال يقومون بأعمالهم والنساء منهمكات في منازلهن. وإذا بدويّ الانجفارات يمزِّق السماء ويتصاعد الدخان الأسود فوق المدينة الرياضية والجامعة العربية وحيّ الفاكهاني.

لم تكن أهداف إسرائيل أهدافاً عسكرّية كما تدّعي دائماً، بل أصابت في غاراتها المدنيين الآمنين حتى باتت المستشفيات شبيهة بالمسالخ البشرية.

عايش غسان شبارو هذه المأساة من بدايتها وعانى مع مواطنيه أهوالها على البشر والحجر فانكبّ يروي تفاصيلها في إطار خيالي يتفاعل أبطاله ويتماهون مع الواقع. فالحوادث موثّقة وكان لها تأثير كبير على مسار تاريخ لبنان الحديث خلال الغزو الإسرائيلي له واقتحامه العاصمة وحصاره لها في العام 1982، أمّا الأبطال والشخصيات فهم افتراضيون، أسماؤهم من نسج الخيال.

لوحة الحرب

تنطلق الرواية من مقاعد طلاب الجامعة الأميركية في بيروت ولا يخفى كم لهذا الخيار من رموز على الصعيد الوطني. ففي الجامعات تنشأ مراكز البحوث وفي ملاعبها تتكوّن التظاهرات وفي أروقتها تتمخض الثورات. وتتشعّب الرواية فتدخل أروقة المنازل وغرفها والمجالات والملاجئ الضيّقة.

يتنقل غسان شبارو باسلوب رشيق من مشهد الى آخر فتكتمل لوحة الحرب بمآسيها وبطولاتها وتترابط موضوعاتها المختلفة بحبكة متينة على بساطة في التعبير وقدرة في تجسيد المشاعر المكنونة. وهو إلى ذلك يضمّن النص بعض المبادئ والمواقف التي يصرّ على إبرازها فالبروفسور شومان الاستاذ في الجامعة الأميركية صاحب مبدأ ولا يدخن السجائر الأميركية منذ أن أعلنت الجامعة العربية عن مقاطعة البضائع الأميركية في العام 1967 إثر هزيمة حزيران، رغم أنه سكن في أميركا لسنوات عديدة وتزوج من أميركية وحصل على جواز سفر أميركي.

نلمس أيضاً مشاعر المؤلف النبيلة حيال التعايش بين الطوائف المحمدية والمسيحية. يصف النواحي الإيجابية والإنسانية في علاقات اللبنانيين بعضهم ببعض وبخاصة أولئك الناس الطيبين الذين يقطنون البناية عينها أو الشارع نفسه وربطت بين أبنائهم صلات المودة والصداقة.

ترتكز الرواية على محور مهم من محاور تلك الحرب الطاحنة هو تطوير صاروخ سام 7 الذي يطلق عن الكتف وتستخدمه المقاومة الفلسطينية. أظهر هذا الصاروخ عدم فاعليته لأنّ الإسرائيليين ابتدعوا البالونات الحرارية التي تجذب صواريخ سام اليها فتُشتت مسار الصواريخ فتنفجر في الجو بعيداً عن الطائرات المستهدفة أو تسقط حطاماً على الأرض.

كان البروفسور شومان يشاهد الطائرات الحربية الإسرائيلية تطير على ارتفاعات منخفضة جداً الى درجة أنه كان يمكن مشاهدة رأس الطيّار من قمرته وكذلك النجمة السداسية المرسومة عليها، ما جعل الطيارين يتجرأون على استخدام رشاشاتهم الثقيلة من عيار 800 ملم لإرهاب السكان المدنيين المتنقلين في سياراتهم في منطقة الروشة.

وكان البروفسور يتألم أشدّ الألم لدى رؤية الأجساد تتكتل على بعضها بعضاً في ملاجئ الأبنية وتفوح منها الروائح، بينما يرتفع بكاء الأطفال ممزوجاً بصوت انفجار القذائف المثير للأعصاب.

تعرّف البروفسور سامي شومان الى زوجته جولي خلال دراسته في كلية ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة وكانت زميلته في الاختصاص. أعجب بانسانيتها ودفاعها عن حقوق الإنسان الذي كان همّاً مشتركاً بينهما فأنجبت له ثلاث فتيات تدعى كبيرتهن رنا.

في تلك المعركة غير المتكافئة انصرف البروفسور للبحث عن دور له يدعم المقاومة الفلسطينية في تصدّيها للهجوم الغادر الذي يبغي تصفيتها وتهجيرها من لبنان فوجد غايته في العمل على تطوير مواصفات الصاروخ سام 7 لتمكينه من تعطيل أجهزة الإنذار والتشتيت العاملة على الطائرات الحربية الإسرائيلية فتسهل بذلك إصابتها.

شهب اللهب

رأى البروفسور في تلميذه راشد المساعد النجيب لتحقيق هذا الإنجاز فأوكل إليه مهمّات عديدة كان يقوم بها بحمية واندفاع، شرح له أن الهدف من أبحاثه جعل الصواريخ تتقصّى حرارة الأشعة ما فوق البنفسجية من مصدرين في الطائرات: بدن الطائرة من جرّاء احتكاكها بالهواء، ومن شهب اللهب الصادر عن عادم الطائرة، وفي هذا الحالة لن يستشعر الصاروخ حرارة الأشعة ما تحت الحمراء الصادرة عن البالونات الحرارية المضلّلة فيصيب الطائرة نفسها ويفجرّها.

في حين كان البروفسور منهمكاً يبحث في تلال الكتب والمراجع عن كيفية الوصول الى نتيجة مرضية، كان العدو يتقدم متجاوزاً مدينة صيدا الى الدامور حيث كمنت المقاومة فجرت معركة صاخبة بين الدبابات الإسرائيلية ودبابات جيش التحرير الفلسطيني الأثرية أسفرت عن كارثة عسكرية.

بشير الجميل

في الناحية السياسية ركّز غسان شبارو على اللقاءات والاتصالات التي كان يجريها بشير الجميل وأعوانه مع القوات الإسرائيلية ومع المسؤولين الأميركيين وبعض الجهات العربية. ولفت الى عدم تحرك أي دولة عربية في وقت كانت اسرائيل احتلت أكثر من ربع مساحة لبنان.

أصبح المحتلّ في ضواحي العاصمة بينما كانت صواريخ بوارجه الحربية تعاقب بيروت الغربية لصمودها ودفاعها عن كرامتها، وكان أحد أهدافه الرئيسية ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان.

في حين كان البروفسور شومان يجري مع راشد التطوير اللازم لصاروخ سام، كانت علاقة الصداقة بين الطالب ورنا ابنة البروفسور تحوّلت الى حبّ عذريّ بريء. وبعد أن انتهيا من وصل آلية التفجير وتأكدا من عمل نظام التوقيت فيه انصرفت رنا الى رسم كنار عليه بينما جلس البروفسور وراشد جنباً الى جنب يضعان النقاط الأساسية على طاقم إطلاق الصاروخ والطريقة الأسلم لضمان استخدامه في إصابة الهدف.

وبعد أيام معدودات نقلت وسائل الاعلام خبر إصابة طائرة فانتوم إسرائيلية بصاروخ سام أطلقه أحد المقاومين في سهل البقاع.

لم يهنأ البروفسور شومان وعائلته بهذا النصر، ففي اليوم التالي اشتعلت بيروت من جرّاء القصف البري والبحري، وكان راشد على وشك الخروج عندما استوقفه أحد أصدقائه طالباً إليه التريث قليلاً ليهدأ القصف ولو اضطر الى التأخر عن موعده مع البروفسور.

كانت الاستخبارات الإسرائيلية علمت أن أحد المسؤولين عن اسقاط طائرة الفانتوم يسكن عمارة في شارع اسكندر في منطقة الروشة فأرسلت طائرة 15 F لتطلق صاروخين على البناء الذي انهار معظمه وتحوّل الى تلّ من الحجارة والرمال والأخشاب والأثاث. وعندما وصل راشد على دراجته وقف مرتعباً، خائر القوى، وشرع يبحث في الركام عن أثر ما فإذا به يسمع صوت الكنار الذي أهداه إلى رنا يوم عيد ميلادها.

ازداد الضغط العسكري على العاصمة بوسائله المرعبة وتعدّدت الاتصالات والمخارج لانتخاب بشير الجميل المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية، بينما كانت القيادة الفلسطينية تعيش بشخصيتين متناقضتين تدعو إحداها المقاتلين الى الصمود والأخرى تفاوض فيليب حبيب بطريقة غير مباشرة على الرحيل من لبنان. لكن الخيار الثاني كان الأرجح فتمّ ترحيل الكوادر الفلسطينية عبر بوابة المرفأ.

إنفجار

علمت الاستخبارات الإسرائيلية بالعملية التي يعدّها الحزب القومي الاجتماعي لاغتيال بشير الجميل بعدما انتخب رئيساً للجمهورية لكنها لم تقم بأي محاولة أو تحرك لمواجهة الوضع. وفي 14 أيلول 1982 اغتيل بشير في الانفجار الذي حصل في بيت كتائب الأشرفية عندما كان يحثّ قيادة حزبه على دعم السلطة الشرعية وقواها على الأرض، وتبعت ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا.

عمّ هذا النبأ جميع الدول وقامت التظاهرات في المدن فاضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى سحب جيوشها من لبنان. غير أن راشد وبعض المجموعات الفدائية لن يدعوا الإسرائيليين ينسحبون بسهولة بل سيلحقون بهم حتى الحدود الجنوبية.

تذوّق

سحابة من الكآبة كانت تلفّ مقهى «ابو عفيف» حيث جلس راشد متورم العينين من الأرق وقد أطلق لحيته، ممسكاً ثمرة تين بين أصابعه المضمّدة، وهو يطعم كنار رنا عبر أسلاك القفص الذي وضعه على الطاولة. إلى جانبه جلست مدام ناديا محاولةً التخفيف عنه. روت له كيف أصاب القناص زوجها في رأسه قبل سبع سنوات وبقي ينزف وينازع لأكثر من خمس ساعات وهو يسبح بدمائه حتى أسلم الروح. ولم يستطع أحد سحبه عن قارعة الطريق لمدة يومين، بسبب عنف الاشتباكات بين المنطقتين الشرقية والغربية. بينما بقيت هي طوال هذين اليومين بلا طعام أو نوم، وهي مختبئة وراء حائط في بناية مقابلة تراقبه باكية ومنتظرة هدنة لوقف إطلاق النار لسحب جثته، بينما كانت القطط والجرذان والذباب تحاول نهش جسمه، وهي ترشقها بالحصى محاولة إبعادها عنه.

مسحت مدام ناديا دموعها المتجددة قائلة: إنه قدرنا، يجب أن نؤمن بأن كل ما يحصل لنا مقدر، وكل مقدر وراءه عبرة لبني البشر.

لمن هذا الكنار الجميل؟ سأل «رويتر» وهو يجلس الى الطاولة: ولماذا تركت شعر ذقنك ينمو بهذا الشكل يا راشد؟

إنها قصة طويلة. أجابته مدام ناديا.

خير إن شاء الله؟

روى راشد لهما ولجمال وعلي اللذين انضمّا إليهم كيف فجرت الصواريخ الإسرائيلية مبنى سكن البروفسور وهدمته بينما كان هو في طريقه لمقابلته، وكيف اكتشف جثته وجثث عائلته، وكيف ساعد في وضعهم في ثلاجة المستشفى بانتظار أن يتعرف عليهم أحد أفراد عائلتهم.

وماذا حصل لأصابعك؟ سأل جمال.

لقد جرحتها وأنا أبحث في الحطام، كما أن عيناي تقرحتا من الغبار والرمال والدخان... والدموع التي ملأتهما.

رحمة الله عليهم جميعاً. ولكن للأمانة يا راشد فإن ذقنك هذه لا تعجبني! بادره «رويتر» محاولاً ترطيب الأجواء.

ما رأيك يا راشد لو قمنا بطباعة صور للشهداء في المطبعة التي يعمل فيها علي ونلصقها على جدران الشوارع؟

لا، لا داعي لهذا، فالبروفسور رحمة الله عليه، لم يكن يحب هذه التصرفات.

تمنى راشد لو كان باستطاعته أن يخبر الجميع عن الإنجاز الذي حققه البروفسور والذي يستأهل بحق تكريماً أكثر من طباعة صور له. ولكن للأسف فإنه مضطر لكبت هذه المعلومات كي لا يعرض نفسه للخطر، فجواسيس إسرائيل في كل مكان، فمن كان يظن أن تصل ذراعهم الى البروفسور؟

لعنة القصر
ميشال مراد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/12/28/39367_gassan-charbel-cmyjk_small.jpg

تأليف: غسان شربل

الناشر: رياض الريس للكتب والنشر

تبيّن للناشر رياض نجيب الرئيس أنّ كتاب «ذاكرة الاستخبارات» الذي حاور فيه الصحافي غسان شربل الضباط الأربعة الموقوفين حالياً بانتظار نتائج تحقيق المحكمة الدولية قد لاقى رواجاً لدى القرّاء، فألحّ على واضعه إعداد كتاب جديد يحظى بالإقبال عينه.

عاد غسان شربل الى ملفاته الغزيرة يبحث في طيّاتها عمّا يهديه الى رابط يجمع بين أحداث وقعت أو شخصيات التقاها وحاورها، فاستوقفته أسماء أربعة أصابتها «لعنة القصر» أو لعبته وهم الرؤساء الياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري وميشال عون.

لملم الصحافي حواراته ونسّقها بدون اخضاعها لأية عملية تحديث أو تشذيب تاركاً مهمة المقارنة والاستنتاج للقارئ، ثم دفعها الى الدار التي أصدرتها تحت عنوان «لعنة القصر».

هي اللعنة التي استهلّت ضربتها بالرئيس المنتخب بشير الجميل في العام 1982 فأطاحت بمشروعه قبل توليه مهماته. وهي اللعنة عينها التي تدخلت ثانية في يوم ذكرى استقلال لبنان لتطيح بالرئيس رينيه معوض وتبعثر أشلاءه في كل صوبٍ وناحية.

وبعد يومين من هذه الفاجعة تلقى السياسيون كلمة السرّ من الشقيقة سورية وإذا بالنائب الياس الهراوي الطامح الى الرئاسة بكل قواه يقسم اليمين في بلدة شتورا رئيساً لجمهورية فاقدة السيادة.

لم يختر غسان شربل عنوان كتابه عبثاً. فهو يعتبر أن «لعنة القصر» التي أودت ببشير الجميل واغتالت رينيه معوّض غيّرت تفسير الطائف ومصير الجمهورية ومصائر كثيرين. فهي جعلت من الهراوي رئيساً للجمهورية، وهي التي ضربت العماد عون بعد ترؤسه حكومة العسكريين على يد قوات سورية وأخرى تابعة للجيش اللبناني واضطرته الى اللجوء الى السفارة الفرنسية ومنها الى المنفى. وبعد خمودٍ تحت الرّماد تحرّكت فجأةً فأصاب زلزالها الرئيس رفيق الحريري فاختلت التوازنات القائمة وتمّ انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وخرج الحكيم على أثرها من سجنه وعاد الجنرال من منفاه إلى وطنه.

الرئيس اللاذع

بعد مقدّمة مشوِّقة يستهلّ غسان شربل كتابه بالحوار الذي أجراه مع الرئيس الهراوي على دفعات عدة. لقد أثار شهيّته إخراج رئيسٍ سابق عن صمته، رئيسٍ تميّز بجرأته وصراحته وانتقاداته العفوية اللاذعة التي يصعب أحياناً سردها على الورق. والهراوي هو صاحب أول عهد رئاسي بعد اتفاق الطائف، وكان عليه استرجاع قصر الرئاسة من الجنرال ميشال عون ففعل بعد قرار صعب ومؤلم دعمته سورية وشاركت في تنفيذه.

توقّف الصحافيّ مع الرئيس الهراوي عند محطات كثيرة، وسأله عن الاتهامات التي وُجِّهت الى عهده، فراحت الإجابات تسلِّط الضوء على الحوار وتغنيه. ولا بدّ من التذكير في هذا المجال أنه بقدر ما يكون السؤال ذكياً وفي موقعه المناسب، فإنّ الإجابة عنه ستأتي وافية.

لم يتنكر الهراوي لأيّ اتهام وجِّه إليه معترفاً أنّ أمين الجميل لم يبذل جهداً لتسهيل خلفٍ له لأنه كان يحلم بالتمديد سنتين وأنه لم يوافق على ما أقرّ في الطائف لكنّ هاجس إعادة الشرعية ووقف القتال وتوحيد البلد كانت له الأولوية. وعن قرار إزاحة الجنرال عون عن القصر قال إنه لا يخجل أبداً في اتخاذه بتكليف العماد لحود وضع حدٍّ للتمرّد.

أخبر الهراوي قصة سمير جعجع قائد «القوات اللبنانية» وتشجيعه له على مغادرة لبنان فلم يقبل. ثم تبيّن بعد التحقيق في تفجير كنيسة «سيدة النجاة» أنّ جعجع هو الذي دبّر اغتيال داني شمعون.

ولم يكتفِ بهذ القدر بل استرسل في إبداء رأيه بالرئيس حسين الحسيني الذي اتهمه بأن إيقاظه مرسوم تعويضات الموظفين بعد سنة كان أحد الأسباب الرئيسة للكارثة المالية التي ضربت البلد.

الاستاذ نبيه

تسلّل غسان شربل الى ذاكرة الاستاذ نبيه بري الذي بدأ نجمه يلمع منذ جلس الى جوار الإمام موسى الصدر ثم أطلق عملية المقاومة ضد إسرائيل.

انصبّت أولوية الحوار على الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 الذي وصل الى مشارف بيروت وعلى إثره سقطت جميع الإشكالات التي كانت قائمة بين «أمل» من جهة والمقاومة الفلسطينية و»الحركة الوطنيّة» من جهة أخرى. وخلالها ألف الرئيس سركيس هيئة الانقاذ الوطني التي اجتمعت في القصر وكان عمادها بشير الجميل ونبيه بري ووليد جنبلاط وفيها اتهم وليد بشير الجميل قائلاً: «أنت متعامل مع العدو» فردّ بشير» وأنت استقبلت شمعون بيريز». وكانت إحدى نتائج الاجتياح خروج أبو عمار والمسلحين الفلسطينيين من لبنان بحراً وإعلان الطلاق بينه وبين دمشق التي خسرت ما يعادل 12 ألف شهيد في المعارك التي خاضتها.

عقد الثمانينيات كان مشتعلاً بالأحداث، وفي محطتين منها أدّى بري دوراً فاعلاً طبع فيه بصماته. الحدث الأول هو الحركة التي حصلت في 6 شباط 1984 عندما استخدم الجيش في هجومه على الضاحية 12 ألف جندي واحتل المنطقة بكاملها. وعندما أراد الدخول إلى بيروت الغربية في مرحلة ثانية أطبق شباب حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي عليه وتمّت السيطرة نهائياً على المنطقتين، وتغيّرت بذلك موازين القوى في العاصمة وفي البلاد كلّها.

يفتخر برّي بأن حركة «أمل» هي رأس الحربة في مقاومة العدوّ الإسرائيلي، وأن أكثر قادة «حزب الله» الحاليين جاءوا من «أمل». فالأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله كان مسؤولاً في «أمل» في بلدة البازورية، والسيد ابراهيم الأمين رئيس كتلة الوفاء للمقاومة كان عضواً في إقليم البقاع، والنائب السابق علي عمار كان عضواً في المكتب السياسي.

زمن الحريري

قطب سياسيّ واقتصاديّ نادراً ما تجود به البلد هو رفيق الحريري. كان يحلم بعد اعادة إعمار بيروت بإعادة إعمار المعادلة اللبنانية انطلاقاً من اتفاق الطائف. ولم يكن يتوقع اغتياله لأن هذا القرار كبير وخطير ومكلف ولا يمكن أن يتخذه شخص عاقل. ولكن هل الذي اتخذ القرار هو شخص أم مجموعة أم حزب أم دولة أم منظمة؟

حوارات عدة أجراها غسان شربل مع الرئيس رفيق الحريري بدأها في سردينيا العام 1999، وكان آخرها في بيروت قبل أسابيع من اغتياله، على أمل استكمالها لاحقاً في خلوة في قصره الجبلي في فقرا شرط موافقته المسبقة على توقيت نشرها.

كان لرفيق الحريري بصمات في كل المحطات، من إلغاء اتفاق 17 أيار اللبناني ـ الإسرائيلي الى «الاتفاق الثلاثي» بين الميليشيات الكبرى وصولاً الى مؤتمر جنيف ولوزان وعهد الحكومتين واتفاق الطائف، ونفى أن تكون له أية علاقة بقرار مجلس الأمن الرقم 1559 معتبراً أنّ تفادي القرار كان ممكناً حتى آخر لحظة.

تحدّث الحريري في لقاءاته عن علاقته بالرئيس لحود وعن رفضه أن يكون رئيساً في عهده. وتحدّث أيضاً عن علاقته بالرئيس حافظ الأسد الذي التقاه أكثر من 50 مرة. وحكى عن علاقته بالملك الراحل فهد بن عبد العزيز وبعض الذكريات في مجلسه.

ويروي الحريري أيضاً قصة نشأته وسلوكه دروب النجاح والثروة والمبادئ التي انطلق منها في عمله السياسي، فيقول: «أحياناً لا أكاد أصدّق أنّ رفيق الحريري الذي انطلق من الصفر تمكن من الوصول الى ما يتخطى أحلامه»، ولم يصدّق اللبنانيون أيضاً أنّ الشهادة ستكون نهاية حلم الحريري.

«لعنة القصر» كتاب فيه من التوثيق ما يجعله مرجعاً للاطلاع على مراحل هامة من حقبة الأحداث التي زعزعت كيان الوطن اللبناني، وفيه من التشويق والإثارة ما يجعلنا نتبحّر بخلفيات القرارات وذهنيات الرجال الذين اتخذوها أو شاركوا بها.

العماد المنفيّ

غادر الرئيس أمين الجميل قصر بعبدا ليلة 22 أيلول تاركاً المكان في عهدة رئيس حكومة العسكريين العماد ميشال عون إزاء حكومة الرئيس الحص التي اعتبرت نفسها حكومة لبنان الشرعية. وأزيح العماد عن القصر بعملية عسكرية تمّ بعدها نفيه الى فرنسا.

رغب غسان شربل في إنعاش ذاكرة الجنرال فذهب إليه في منفاه في لاهوت ميزون، وإذا بعزيمة الجنرال لا تزال متقدة والرغبة في العودة الى الوطن تشتعل في صدره.

تذكر العماد طفولته في حارة حريك في بيئة متعددة الانتماءات الطائفية، ورفضه للمجتمع السياسي وألاعيبه مما وضعه على درب المؤسسة العسكرية التي تتمتع بالاستقلال. وتحدّث عن تدرجه في الجيش واعتراضاته التي كان يرفعها الى القيادة عندما يشعر بضعف قراراتها أو خطئها.

يستعيد عون في رحلة الذاكرة ثلاثة مشاهد صنعت علاقته بالوطن ومتنتها وهي: «حين دخل الجنود الأستراليون خلال الحرب العالمية الثانية منزلنا وطردونا وناموا في أسرتنا، ويوم تظاهرنا من أجل الاستقلال في 1943، ويوم رأيت الفلسطينيين يصلون كلاجئين في حالة مؤلمة في 1948... وهذه المشاهد علّمتني التشبث بالأرض ورفض أي تفريط بالسيادة. هذه ثوابت لديّ لا تقبل الاجتهاد».

عبّر العماد في الحوارات معه عن مواقف مبدئية، «فلبنان لا يحكم من دمشق ولا يحكم من بيروت ضد دمشق» وهو لم يعتدِ على سورية في أرضها بل شن حرب التحرير عليها في لبنان، ولو أراد أن يصبح رئيساً بشروطها لتحقق الأمر بسهولة. أما الأميركيون فقد اتبعوا سياسة إرضاء إسرائيل وسورية على حساب البلد الصغير الذي اعترض على هذه اللعبة. كما أكد أن اتفاق الطائف انعكس سلباً على وضع المسيحيين في لبنان.

الجريده

justice
22-03-2010, 01:09 AM
عزلة الأحبّة...
هل يتغلّب الحب على الوحدة؟
بيروت - سليمى شاهين

ما أقسى الشعور بالعزلة حتى عندما تكون بقرب الحبيب! إنها حالة استثنائيّة فريدة يتطرّق إليها الكاتب باولو جيوردانو في كتابه «عزلة الأحبّة» الصادر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون». رواية مؤثرة تتقصّى مصير صديقين جمعتهما طفولة مأساوية، وتطرح تأملات وأسئلة في الوحدة والحب وقسوة الانعزال.

لم ترغب أليس يومًا في التزلّج على الثلج، ومع ذلك فإنّ والدها لم يترك لها الخيار لأنه يودّ رؤيتها في طليعة المتزلجين الذين ينالون النجوم والأوسمة منذ نعومة أظافرهم. ولم يكن في مقدورها أن ترفض أوامر والدها المتعدّدة: شرب الحليب صباحًا واختيار الألبسة الرياضيّة الثقيلة والتدرّب الشاق عند طلوع الشمس.

وفي ذلك النهار المشؤوم الذي تحضّر الجميع فيه للمباراة، صعدوا إلى قمّة الجبل للانطلاق نزولاً على زلاجاتهم. كان الضباب منتشرًا بكثافة، وشعرت أليس بحاجتها للذهاب إلى الخلاء، فانتحت جانبًا بين أكوام الثلج لتؤدي حاجتها، وإذا بها تنقلب على ظهرها.

حاولت أليس الصراخ طلبًا للمساعدة لكن صوتها الواهن ضاع في الضباب، وكانت قد بدأت تفقد الإحساس في أصابعها التي غدت زرقاء، ومن ثمّ ذراعيها وساقيها، وتخيّلت قلبها يضخ بجهد أكبر للاحتفاظ بما تبقى من دفء في جسدها.

كانت قد بدأت تفقد التركيز في الوقت الذي شرعت أشعة الشمس تختفي وراء الجبال رويدًا رويدًا ويتّشح الضباب بالسواد.

وفي مكان آخر من الزمن نفسه، كان توأمان صغيران يلاعبان أباهما. ميشيلا الصغيرة المعوّقة التي لا تستطيع الكلام ولا التركيز على الأشياء، وأخوها ماتيا الذي اكتشف بنفسه أن شقيقته تعاني من خطب ما عندما رفض جميع رفاق الصف الجلوس إلى جانبها، فطلب من المدرّسة أن تختاره ليكون بالقرب منها، وعمّ الارتياح أجواء الغرفة.

بعد أيام دُعي التوأمان إلى حفلة ميلاد رفيقهما ريكاردو، ففرحت الأمّ كثيرًا لأنها المرّة الأولى التي ستذهب فيها ميشيلا لحضور حفلة، لكن ماتيا أخذ يفكر بما ستقوم به أخته من أعمال ساذجة وغبيّة ستثير ضحك الجميع واستياءهم.

على امتداد الطريق في اتجاه منزل ريكاردو كانت أفكار ماتيا تتجه نحو مكانٍ آخر، فأمسك بيد أخته وسار بها إلى المنتزه. وعندما وصلا النهر، طلب منها أن تلعب وحدها ريثما يعود من الحفلة ظانًا أنها لن تخبر والديه بالأمر.

كانت الحفلة في أوجها عندما دخلت والدة ريكاردو الغرفة المظلمة مع قالب الحلوى المغطى بشموع مضاءة، وبدأ الجميع بالتصفيق والغناء، فهبّ ماتيا من مكانه وغادر الغرفة مسرعًا. دخل المنتزه العام متجهًا حيث كانت ميشيلا تجلس منذ ساعات قليلة فلم يجد أحدًا. شرع يناديها بأعلى صوته فلم يسمع جوابًا. ركض يبحث بين جذوع الأشجار علّها تكون مختبئة فضاعت جهوده سدًى. هرع إلى ضفة النهر حيث كانا يلعبان مع والدهما فمرّت في مخيلته صورة ميشيلا تحمل لعبتها وهي تنزلق ببطء إلى داخل الماء. وبعد شعوره بالإرهاق، جلس على بعد قدمين من الضفّة ينتظر ظهور شقيقته على صفحة المياه البرّاقة، فغابت الصور من ذاكرته وأخذت معها الأسماء وكل ما يربطه بالمكان.

وينتقل المؤلف من لوحة إلى أخرى في عالم أليس التي أُنقذت وهي على شفير الهلاك. لكنها لم تعد تلك الفتاة الضحوك بعد ذلك الحادث الرهيب الذي تعرّضت له بسبب تصرفات والدها المتعسّف، إذ أُصيبت بمرض فقدان الشهيّة وأصبح ذكر الطعام يصيبها بالغثيان.

أمّا ماتيا الذي فقد أخته إلى الأبد عندما تركها وحيدة في المنتزه وغاب جسدها الطريّ في أحضان المياه العذبة، فإنه تحوّل إلى فتى يبحث عن كل أداة يستطيع أن يجرح بها نفسه، فتى حساس الطبع، حادّ الذكاء، يجد في أذيّة نفسه ما يريحه من معاناة الضمير.

وتشاء الصدف أن تنتمي أليس إلى المدرسة عينها التي يذهب ماتيا إليها. وكانت الإشاعات قد بدأت تنتشر عن الفتى المضطرب العقل الذي يربط يده بضمادة لأنه طعنها بسكين. وفي هذا الجوّ الذي لم يكن ماتيا يستسيغه أبدًا تعرّف إلى أليس التي حاولت التقرّب منه واكتساب ودّه. شاب مضمّد اليد، تحمل ذراعاه آثار الندوب والجراح، وفتاة أمست عرجاء بسبب الصقيع الذي جمّد الدم في عروقها عندما ضاعت فوق الثلوج.

كانت سنوات المدرسة المتوسطة جرحًا مفتوحًا بدا لماتيا وأليس أنه لن يندمل أبدًا. لقد أمضيا السنوات في حالة حبس الأنفاس. هو يرفض العالم متعلقًا بذكرى أخته التوأم التي تسبّب بموتها، وهي تشعر أنها مرفوضة من العالم للعاهة التي أصابتها كما تحمل في أعماقها لومًا شديدًا لوالدها. لقد بنيا صداقة ناقصة وغير متماثلة شابتها غيابات طويلة والكثير من الصمت.

وعلى مرّ الزمن التأم جرح المراهقة، لكن شعور الصديقين بالوحدة والضياع لم يكن كافيًا للمس أحدهما الآخر والاقتراب روحيًا من بعضهما البعض، فانصرف ماتيا كليًا إلى شغفه بالأعداد وحملته الرياضيات إلى الزوايا الأكثر بعدًا وفتنةً في الفكر البشري، فتخرّج من جامعته بتفوّق لفت الأنظار.

أراد المؤلف أن يحدث صدمة في مسار روايته لتتشعّب درب الاثنين، فبعث إلى ماتيا برسالة تعلمه أنه حاز منحة تخصص لأربع سنوات في إحدى أهمّ الجامعات، وجعل أليس تلتقي بطبيب وسيم حرّك في كيانها مشاعر الإعجاب فغدت على ثقة في أن ما يمكن العثور عليه مع صديقها الجديد هو حب أكبر من الحب الذي لقيته يومًا!

هل تحقّقت أمنية أليس في حياتها الجديدة؟ وهل تخلّص ماتيا من عقدة الذنب التي لازمته مدى شبابه بانصرافه الى حقل الرياضيات؟ تأملات وأسئلة في الوحدة والانسحاق والحب تطرحها رواية «عزلة الأحبة» التي تدور حول محور واحد: «هل يمكن لأحدنا أن يكون كيانًا منعزلاً وهو في حالة حب»؟.

الجريده

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/22/152335_karl-rove_small.jpg


Courage and Consequence
...شجاعة بوش الإبن
ديفيد شريبمان

ما طبيعة مذكّرات تحمل اسم Courage and Consequence؟ ذلك هو عنوان كتاب كارل روف الجديد، وقد يستخلص متصفّحو متاجر الكتب بسهولة أن الشجاعة والعاقبة اللتين يشير إليهما روف يتعلّقان به.

يستحيل معرفة نوايا روف، لكن دعونا لا نحكم عليه قبل التأكّد منها. ففي النهاية، يتمثل الموضوع السائد في هذا الكتاب في شجاعة الرئيس الأميركي السابق جورح بوش الإبن وعاقبته.

بغض النظر عن العنوان العريض لهذا الكتاب، الذي يذكّر على نحو غريب بروديارد كيبلينغ الذي نشر كتاب Captains Courageous خلال عهد الرئيس ويليام ماكينلي الذي يكنّ له روف إعجاباً كبيراً، تتحدّث المذكّرات عن حياة أميركية لافتة وتعرض بالتالي قصّة أميركية لافتة.

فتطرّق إلى الطفولة المعقّدة؛ الحركات الفكرية والعقائدية الأولى؛ الفرص التي يصادفها الشبان لدى الشخصيات التي اشتهرت بسرعة، بمن فيهم الخبير الاستراتيجي اللاحق، لي أتواتر ورئيسان لاحقان يُدعيان جورج بوش؛ الحظ والذكاء في اكتشاف أن بوش الإبن كان أكثر حظاً وذكاءً مما ظّن معظم من في وسطه؛ حملة لامعة في تكساس ضد حاكمة نموذجية تُدعى آن ريتشارد أعقبتها انتخابات جريئة في العام 2000؛ وبالطبع آلاف الساعات الحافلة في خلال السنوات الثماني في البيت الأبيض.

تضمّ هذه القصّة بطلين، هما روف وبوش، ويتمحور جزء كبير من هذا الكتاب حول اكتشاف، لا بل شرح، أساليب جورج بوش الإبن التي تُلخّص كما يلي: لم يكن كسولاً. لم يكن محدوداً فكرياً. لم يطلب من الأميركيين التسوّق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم يجز التعذيب. لم يغزُ العراق لإنهاء المهمة التي بدأها والده.

وفقاً لهذه الرؤية، فإن الرئيس الأميركي الثالث والأربعين رجل طيّب وبسيط قُلّل من شأنه، بحسب تعبير بوش المفضّل، وأسيء فهمه بين الديمقراطيين والصحافة.

من ثم يأتي دور البطل الآخر في هذا الكتاب. يرى روف نفسه رجل فكر من جهة، ورجل عقيدة من جهة أخرى، ومُشرّباً بالمبادئ المحافظة ومتمرّساً في المنطق الحكيم. يبدو هذا التقييم في العموم عادلاً. مما لا شك فيه أنه مُصارع سياسي، وسيجد ذوو السلوك الضاري من المحافظين بين صفحات هذا الكتاب مواد دسمة كثيرة ستروق لهم.

فالديمقراطيون، مثلاً، «غير أخلاقيين» في مسألة التجارة، وتعاملهم مع المرشّحين الجمهوريين لمنصب قضاة كان «مريعاً». أمّا سلوكهم خلال إنشاء وزارة الأمن الوطني فشكّل «مثالاً غير متحضّر عن الحزبية». وبخصوص العراق، «أوشك الديمقراطيون بشكل خطير على تشجيع الهزيمة».

نجد في هذا الكتاب أيضاً مظاهر ازدراء كثيرة بمنافسي روف، إذ يتّهم آل غور بـ{عرض نفاق مثير للشفقة»، النعت المفضّل لديه. وبعد تسع صفحات، يشن هجوماً آخر على آل غور والأعضاء في مجلس الشيوخ هاري ريد، جون ف. كيري، وإدوارد م. كينيدي.

مع ذلك، لا يستثني روف نفسه من هذا الهجوم. فيقرّ بأخطاء كثيرة، منها السماح لبوش بالطيران فوق نيو أورليانز خلال كارثة كاترينا، والإغفال عن حساسية اختيار بوش لهارييت مايرز للمحكمة العليا، والسماح بشيوع الحديث عن كذب بوش بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق.

يكتب روف: «نظراً إلى انشغالي بالحملة المقبلة وضغوط الجدول اليومي في الجناح الغربي، لم أدرك مدى الضرر الذي سببه هذا الغزو».

في المقابل، يحشو روف مذكّراته بمعلومات كثيرة حول الشؤون الداخلية، لا سيما القصة المثيرة للاهتمام بشأن حالة الفريق الرئاسي الفكرية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتحرّكاته. وإن كنت ترغب في الاطّلاع مجدداً على قصّة التقدم الذي أحرزه بوش في كارولاينا الجنوبية خلال الحملة الانتخابية في العام 2000، وانكشاف عملية اعتقاله في كينيبانكبورت في العام 1976 بسبب القيادة تحت تأثير الكحول، والقصة الغامضة عن بعثة جو ويلسون إلى النيجر، عندئذ سيوفّر لك روف ساعات كثيرة من القراءة الممتعة.

لكن عليك القراءة مع أخذ التحذير التالي في الاعتبار: لئلا تعتقد بأنك ستستمتع بالفصل 24 المعنون «الأدوية والزواج»، دعني أفسد عليك متعتك وأخبرك بأنه عبارة عن سرد مبهر لكيفية نشوء برنامج بوش بشأن الأدوية الموصوفة وسياسته تجاه زواج المثليين. ففي النهاية، إنها مذكرات سياسية تتضمن المباهج وخيبات الأمل كافة التي يوفّرها هذا النوع من الكتب المتصنّعة والتي تخدم المصلحة الذاتية.


الجريده

الليبرالية وحدود العدالة لمايكل ساندل...
الضرورة الأخلاقيّة والدينيّة في الممارسة السياسيّة
بيروت - عبدالله أحمد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/23/152500_thumb_liberalism20and20th_small.jpg

صدر حديثاً عن {المنظمة العربية للترجمة} بدعم من {مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم} وتوزيع {مركز دراسات الوحدة العربية} كتاب {الليبرالية وحدود العدالة} للكاتب الأميركي مايكل ساندل (ترجمة: محمد هناد).

يقدم المجتمع الليبرالي نفسه على أنه لا يسعى إلى فرض نمط وحيد للحياة، بل يترك مواطنيه أحراراً إلى أقصى حد ممكن في اختيار القيم التي ترضيهم. لذلك، نجد أن هذا المجتمع يحتاج إلى مبادئ تتوخى العدالة من دون فرض رؤية مسبقة للحياة الخيّرة. ومع ذلك هل يمكن إيجاد مثل هذه المبادئ؟ في حالة الإجابة بالنفي، ما هي الآثار المترتبة على ذلك بالنسبة إلى العدالة كمثل أخلاقي وسياسي؟ يعالج مايكل ساندل مثل هذا النوع من الأسئلة الذي يحتوي على نقد عميق لليبرالية في عصرنا. ويرجع ساندل هذه الليبرالية إلى التقليد الكنتي، مركزاً على أهم أشكال التغير عنها في عصرنا.

في مقدمته، يرى محمد هناد أن الكتاب يتصل بمسائل شكلت، في الثمانينات من القرن الماضي، موضوع نقاش واسع في الولايات المتحدة بين ما سمي آنذاك بالليبراليين والجماعاتيين حول ذات الفرد، من حيث جوهره ومن حيث مدى تحدد وجوده بمختلف الروابط الاجتماعية في المجتمعات المعاصرة، وعلاقة هذه الروابط بمسائل مثل المساواة والحرية والعدالة التوزيعية.

قسم ساندل كتابه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وفصل ختامي. في المقدمة يذكر الكاتب بنظريات فلاسفة كبار بشأن مفاهيم جوهرية، مثل العدالة والحق والخير، لا سيما أرسطو، والفيلسوف الإسكوتلندي هيوم والفيلسوف الألماني كنط. أما الفصول الأربعة، فقد تضمن كل منها جملة من المسائل المحورية.

في الفصل الأول، يتعرض ساندل لمفهومي العدالة والذات الأخلاقية، من خلال الطعن في مسألة أسبقية الحق المطلقة على الخير (أي مسلمات العقل على مسلمات المنفعة)، باعتبار العدالة {قيمة القيم} لدى رولز، مبيناً طابع هذه الأسبقية الاعتباطي ما دمنا بحاجة إلى طريقة مضمونة في ربط العدالة بالمبادئ السابقة عليها. لذلك ينتقد ساندل رولز في محاولة إقامته ليبرالية من دون ميتافيزيقيا، مستنداً في ذلك إلى فكرة {الوضع الأصلي} لديه ليثبت أنه لم يستطع التخلص من الميتافيزيقيا الكنطية على الرغم من محاولته هذه. أما المسائل الأخرى التي يتناولها هذا الفصل، فهي تتمحور حول مفهوم الذات من حيث استقلاليتها وأسبقيتها على حيازاتها، من قيم وغايات يجب ألا تتداخل معها وإلا فقدت ماهيتها. كما يتناول ساندل أيضاً في نهاية الفصل إشكالية {الفردانية ومزاعم الجماعة}، ليشير إلى استحالة ما يسميه رولز بـ{اللامبالاة} في الوضع الأصلي.

تفاوت اجتماعي

في الفصل الثاني، يتناول ساندل نظرية رولز في الشخص ونظريته في العدالة {كي لا نرى إذا ما كانتا متفقتين}، لأنه من الصعب، كما يقول، أن نعتبر العدالة أولية ونقر، في الوقت ذاته، بمبدأ الفرق الذي يجعل رولز لا ينكر التفاوت الاجتماعي من حيث المبدأ، شريطة أن يكون في مصلحة من هم أقل حظاً في المجتمع. ولتوضيح ذلك، يتناول ساندل جملة مسائل رئيسية ذات الصلة، مثل الحيازة والاستحقاق في سياق العدالة التوزيعية، مقابلاً بين نظرية رولز {القائل بنظرية الرفاه العام}، ونظريات غيره في هذا الشأن، لا سيما نظرية نوزيك {الليبرالي المحافظ} المعارضة، وذلك نظراً إلى كون هذين المفكرين {حددا في ما بينهما أوضح البدائل التي قد توفرها الأجندة السياسية الأميركية حالياً، على الأقل في ما يخص المسائل المتصلة بالعدالة التوزيعية}.

في تناوله مسألة حيازات الفرد، ينطلق المؤلف من التمييز بين فكرتي {الاستحقاق} و{التخويل} لمناقشة مدى أهلية الفرد لما يحوز: هل هو مالك لما يحوز أو حارس له أو مؤتمن عليه؟ لأن رولز يعتبر أن جميع الحيازات، بما في ذلك الطبيعية منها، تحصل بصورة اعتباطية وليس لصاحبها فضل فيها، ما يجعلها، جوهرياً، حيازات مشتركة في سياق الوضع الأصلي المفضي إلى العقد الاجتماعي.

مسألة العقد الاجتماعي هذا، كما يتصوره رولز، هي التي يتناولها ساندل في الفصل الثالث من كتابه، للنظر في مدى قابليته للتبرير بوصفه عقداً تسعى الأطراف بفضله إلى الاهتداء إلى مبادئ العدالة العامة عن طريق التداول، أي مبادئ {من المفروض أن يتقبلها أشخاص أحرار وعقلانيون، حريصون على خدمة مصالحهم الخاصة في وضع أصلي قائم على المساواة} كما يقول رولز، غير أن ساندل يشير إلى أنه ينبغي ألا ننسى أن هذا العقد ما هو سوى عقد افتراضي أصلاً، أي عقد لا تكمن صحته في بنوده، كما هي الحال في العقود العادية، بل في الفكرة التي تفيد بأن هذه البنود هي التي كان سيقع عليها الاتفاق في ظل الشروط الافتراضية المطلوبة. هكذا، يخلص مايكل ساندل إلى القول أن فهم الوضع الأصلي المفضي إلى العقد لا يتصل بما يقرره بعض الأطراف بل بما يكشفه. فما يجري في الوضع الأصلي ليس عقداً، بل هو بروز وعي ذاتي لدى كائن إنساني من حيث علاقته بغيره.

العدالة والخير

في الفصل الرابع، يتناول مايكل ساندل مسألة {العدالة والخير} من حيث أسبقية الأولى على الثاني لدى رولز، مستعملاً في ذلك حجة دوركين مصلحة ما يعرف بـ{التمييز الإيجابي} وتطبيقه في مجال التسجيل الجامعي في فائدة من هم أقل حظاً (المواطنون السود خصوصاً) في المجتمع الأميركي. في هذا الشأن، يدرج المؤلف ردين افتراضيين طريفين توجههما الجامعة إلى طالبين يريدان التسجيل في كلية الطب أو القانون بها (نظراً إلى القيمة التي تحظى بها هاتان الكليتان)، أحدهما بالرفض والآخر بالقبول، مع شرح الأسباب {حاجة المجتمع}، أي بالمصادفة. في الرد الأول، تقوم الحجة على تصادف قدوم الطلب} مع قلة حاجة المجتمع إلى الخصال التي تعرضها عليه' على رغم الاعتراف بقيمة هذه الخصال، أما في الرد الثاني، فإنها تقوم على تأكيد عدم فضل الطالب المحظوظ ما دام هذا الفضل يعود إلى المصادفة. يتخذ المؤلف من هذين الردين وسيلة لإبراز الصعوبات الجمة التي تطرحها العلاقة بين الاستحقاق، العدالة والخير.

أما في الخلاصة، فينتهي المؤلف إلى أن سعي الليبرالية المفرط إلى احترام المسافة الفاصلة بين الأنا وغاياته وحيازاته تجعله خارج نطاق السياسة. في رأيه، من شأن مثل هذا الموقف إغفال {روح الحنو في السياسة وما تتيحه من إمكانات جمة}. كذلك لا يأخذ بعين الاعتبار الأخطار المحدقة متى انحرفت السياسة، مضيفاً أنه متى صلح حال السياسة استطعنا أن نعرف معاً {خيراً لا نستطيع معرفته بمفردنا}.

يخصص ساندل فصلاً ختامياً للرد على {ليبرالية رولز السياسية}، كما جاءت في كتاب متأخر لهذا الأخير بعنوان الليبرالية السياسية، صدر عام 1993. يتناول المؤلف في هذا الفصل القول بضرورة عدم الأخذ بالاعتبار القناعات الأخلاقية والدينية في الممارسات السياسية، مبيناً وجوب محاورة الناس فيها والاهتمام بها، بل وتحديها أحياناً، لا سيما إذا كانت هذه القناعات ذات الصلة بقضايا سياسية مهمة.

ينهي مايكل ساندل فصله الختامي وكتابه بموقف جدير بالانتباه، إذ يقول: {غير الاحترام الحاصل بفضل التداول والاهتمام المتبادل بقيم الغير عوض اللامبالاة بها يتيح عقلاً عمومياً أوسع مما تتيحه الليبرالية، كذلك يناسب مُثل المجتمع التعددي أكثر}. ولما كانت خلافاتنا الأخلاقية والدينية انعكاساً لتعدد صور الخير البشري في نهاية الأمر، فإن نمط الاحترام القائم على التداول سيسمح لنا، أكثر من غيره، بتقدير صور الخير المتجلية في اختلاف حيواتنا.

على رغم ذلك، لا بد من لفت الانتباه إلى أن كثيراً من ردود ساندل على رولز جاءت جدالية، بل لو دققنا النظر فيها جيداً لوجدناها غالباً، لا تنال مما قاله رولز ذاته بقدر ما تدعمه وتثريه بشكل أو بآخر.

سيوران في تاريخ ويوتوبيا...
الأيديولوجيّات تختلق فراديس في الزمن
بيروت - محمد الحجيري

في ترجمته كتاب «تاريخ ويوتوبيا» للفيسلوف الفرنسي أميل سيوران، اختار المترجم التونسي آدم فتحي أن ينقل إلينا «جنساً أدبياً» جديداً كان سيوران أول من دعا إليه ودافع عنه. ولقي هذا الجنس بعد ذلك شهرة كبيرة مع كتّاب فرنسيين كبار، أمثال موريس بلانشو وجورج بيروس.

يضم «تاريخ ويوتوبيا» مقالات مطولة سيوران فيها أقرب الى المؤرخ منه الى الفيلسوف، فيبحث عن الدوافع الخفية وراء مختلف الأنظمة السياسية، معتبراً أن الأيديولوجيات تختلق فراديس في الزمن، ويكون موقعها إما في الماضي (النشأة) أو في المستقبل، ذلك بحسب الرغبة في الدعوة إلى الحنين إلى الماضي، أو إلى عبادة التقدم.

«تاريخ ويوتوبيا» بحسب ما كتب أيمن حسن في المقدمة أكبر كتب سيوران نظاماً ونسقية في بنيته الفكرية والأسلوبية، «يطرح قضايا حالية» هي قضايا علاقتنا مع التاريخ، تاريخنا، في تبلوره وسيره جنباً الى جنب مع اليوتوبيا، أي أحلامنا وكوابيسنا معاً، التي ما استطعنا بعد رؤيتها بشيء من التروي والنضج في الفكر والقول والعمل على حد سواء. والتأريخ بالنسبة إلى سيوران نقيض الأخلاق. وإذا بدأنا بالإيغال فيه والاستغراق بالتفكير يكون أمراً غير ممكن تماماً ألا نقع في التشاؤم. فالمؤرخ – المتفائل هو النقيض أساساً. ومثل هذا الشخص أعجز عن تصوره. بالنسبة إليه التأريخ نظام نظري اكتشفه في وقت متأخر جداً، وفي شبابه منعه كبرياؤه المفرط من أن يقرأ المؤرخين. فحينها قرأ الفلاسفة فحسب ثم تركهم وأخذ يقرأ الشعراء. وفي عمر الأربعين اكتشف التأريخ الذي لم يعرفه سابقاً، فأصابه الفزع. كان ذلك أحد أكبر درس للكلبية استطاع تصوره. رؤياه للأشياء كانت دوماً، غير مسرّة، لكن عند اكتشاف التأريخ طرد الأوهام كافة.

وإذا كان «تاريخ ويوتوبيا» ينتمي الى جنس الفكر أو المقالة الفكرية، فإن كتابة سيوران تتجاوز هذه المنظومة أو تتحرر منها، لتثبت وََهنَ النظريات كافة الخاصة بالأجناس الأدبية. فـ{الكتابة هنا كتابة فحسب. كتابة تنسلخ عن الأجناس كي تصير ماهيتها، ماهية ذاتها تحديداً، أي فعلاً شمولياً إن نمّ عن شيء فعن إيمان عميق بعبثية كل شيء، حتى الكتابة ذاتها». سيوران الذي قرأنا للمرة الأولى عبر كتابه «توقيعات» بترجمة صعبة الفهم صدرت عن «دار الجديد» في بيروت، قرأنا له كتاباً عن «دار الجمل» بعنوان «المياه كلها بلون الغرق»، وحديثاً نشر أحد المواقع الثقافية ترجمات لبعض شذراته وحوارات معه تبين أقنعته في الكتابة، بل هذيانه في كتابة الشذرات والمقاطع الفلسفية، فسيوران دأب على الكتابة والنشر طوال حياته في ما لا يدع مجالاً للشك في حرصه على الحضور إلا أنه كان يريد حضورا خالياً من الضجيج والمعمعة، ظل حريصاً على الإقامة في الظل بعيداً عن الإعلام ولعله كان أسعد حالاً طوال الثلاثين سنة التي ظلت كتبه خلالها تطبع في نسخ محدودة لتعتني بها قلة من النقاد والمعجبين، فهو رأى أن «النسيان لا يطاول إلا الكتاب الذين «فهموا» والذين لم يعرفوا كيف يضمنون «سوء فهم» الآخرين لهم». إلا أن شهرته تضاعفت بعد صدور «رسالة في التحلل»، ضمن سلسلة كتاب «الجيب» ونقل أعماله الى الإنكليزية والألمانية عند منحه جائزة «بول موران» عام 1988، فاضطر الى رفضها لأن التكريم لا يعني له إلا شيئاً واحدا ظل طوال حياته يعتبره منافياً للقدر اللائق بكاتب مثله، وقال متحدثاً عن بورخيس: «لا عقوبة أشد من التكريس، ما إن يصبح الكاتب مرجع الجميع حتى يتعذر الرجوع إليه خشية أن نزيد حشد المعجبين به أي خشية أن نزيد أعدائه». ‏

اللافت في «تاريخ ويوتوبيا» المترجم حديثاً الأسلوب الذي اعتمده سيوران والنسقية في توليف الأفكار وترتيبها وحشدها، وهو لا يبتعد كثيراً عن أسلوب الشذرات الذي اشتهر به سيوران. والحال أن نتاج سيوران في معظمه على شكل مصنفات شذرية مقطعية تدور حول عدد من المسائل الرئيسة، بل الاستحواذية، ذلك في تأملات متقطعة تأتي تارة على صيغة أفكار مبعثرة وطوراً كملاحظات عابرة مصاغة في جمل مقطعية. يبدو أحياناً أن هذه الخواطر السريعة آتية من بعيد، أبعد من الكتابة ذاتها، فتتجلى كـ{ومضات وعي»، وما على الكاتب سوى نقلها إلى الورق كما، بحسب فابريس زيمر في كتابه «سيوران، رحلة في أعماق الأنا».

ذكر سيوران: «أكتب الشذرة ليتسنى لي التناقض مع نفسي. التناقض جزء لا يتجزأ من طبيعتي، وطبيعة الناس كلهم». إن كانت الشذرة السيورانية لا تهدف إلى أي استنتاج أو اقناع، فإنها تطلق من حين إلى آخر وميضاً من الصفاء يبدو العالم فيه فاقداً لكل معنى. كتابة تحمل تأملاً حول نزوات صاحبها المتقلّبة التي لا تهدأ على حال.

منطلق سيوران عند اللجوء إلى الشذرات ابتعاده عن كل أسلوب في إقناع القارئ، معتمداً على الأدلة والبراهين وغير ذلك من المعدات المعروفة. إذ أخذ بنهج الشذرة كطرح مكثف لتأملاته ومواقفه الفلسفية. وإذا كانت أقواله قائمة على المفارقة فالأمر يرجع الى موقفه المشبع باليأس الوجودي إزاء الإشكاليات الأساسية كالوجود والأنا والآخر. وقد يكون مردّ أخذه بنهج القول المأثور شكه العميق بالكلمة ذاتها. فقد أوضح ذات مرة: «لماذا كل صمت هو شيء مقدّس؟ لأن الكلمة هي، عادة، مع استثناء لحظات متميزة تماماً، هي تدنيس». واعتبر أن الشيء الوحيد الذي يرفع الإنسان فوق الحيوان هو الكلمة، إلا أنها من جهة أخرى تضعه غالباً تحت مرتبة الحيوان.

إلى جانب الشذرات، أعمال سيوران ذات نهج قائم على المقطعية أي تجنب الأخذ بنهج البحث والدراسة، ما أبعده عن التقاليد المتبعة لدى الفلاسفة الذين كان يكنّ لهم النفور بل الاحتقار.

فكر سيوران دوماً في ترك الكتابة جانباً، أو الإقلال منها إلى أبعد حد، لكنه، في كل مرة، كان ينساق وراء اللعبة. كانت الكتابة بالنسبة إليه استجابة لضرورة ما وطريقة للتخلص من نفسه، واختصاراً للأشياء كلها، «ما إن نكتب شيئاً حتى يكون قد فقد سحره، صار بلا معنى، لقد قتلنا الشيء كما قتلنا ذواتنا، كانت للكتابة وظيفة ما، عكس الآن». إذ لاحظ أن الذين لا يكتبون لديهم منابع أكثر من الذين يكتبون، لأنهم يحتفظون لأنفسهم بكل شيء. أن تكتب، معناه أن تفرغ نفسك من أجمل ما فيها. من يكتب إذاً شخص يفرغ نفسه، وهو في نهاية المطاف، يصير عدماً، هكذا فالكتاب عديمو الأهمية، يعتقد سيوران أنهم أفرغوا حتى من كينونتهم وصاروا أشباحاً، إنهم أناس بارزون جداً، لكن من غير كينونة.

أمام الفلسفة والفكر، يختار سيوران الشعر والموسيقى. بل قال إنه «من الأفضل أن يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون صاحب ستة كتب في لغة لا يفهمها أحد...». سيوران مثل الشاعر يخاتل شكوكه ليتعاطى الكلمة ويحوّل اللاواقع إلى واقع صيغي. الشاعر؟ «هذا الوحش الذي يراود خلاصه عبر الكلمة والذي يملأ خواء الكون برهن الخواء تحديداً»، لكن هذا الفراغ ملأته الموسيقى، الحياة بلا موسيقى حماقة حقيقية. فإننا لسنا بحاجة الى الكتابة ما دمنا لا نستطيع التعبير بالكلمات عن إحساس ذي طابع موسيقي.

نبذة

ولد أميل ميشال سيوران في 8 أبريل (نيسان) عام 1911 في رازيناري، قرية في مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، من أب قس أرثوذوكسي، وعرف منذ طفولته بحبه العزلة والتنزه في الجبال المحيطة بقريته. التحق عام 1920 بالمدرسة الثانوية في مدينة سيبيو المجاورة. وأمضى الأعوام بين 1928 و1932 في جامعة بوخارست حيث حصل على دبلوم حول الفيلسوف برغسون. وتحدث سيوران عن حالات من الأرق واليأس لازمته خلال هذه المرحلة فأوحت إليه بكتابه الأول الذي ألفه عام 1932 ونشر عام 1934 بعنوان «على ذرى اليأس «ثم أعقبته عناوين أخرى مثل «كتاب الخدع» و{دموع وقديسون».

خلال العام الدراسي 1934 - 1935 حصل على منحة دراسية في ألمانيا لإعداد أطروحة في الفلسفة لكنه لم يفعل شيئاً ومر بمرحلة عقم في حياته لم تميزها سوى رحلة الى باريس لمدة شهر قرر إثرها الإقامة في فرنسا. فعاد الى رومانيا وعمل على تحقيق هذا الهدف. هناك حصل على منحة من المعهد الفرنسي في بوخارست للتدريس في باريس التي وصل اليها عام 1937. وخلال الأعوام الأولى من إقامته وضع كتاب «غروب الأفكار» ونشره بالرومانية في سيبيو.


الجريده

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/08/06/17997_dferere-cmyk_smaller.jpg

أصدر كتابه الجديد الساخر Mere Anarchy وودي آلن يثابر على الدعابة في مانهاتن
«إندبندنت» بالإتفاق مع «الجريدة»

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/08/06/17997_mere-anarch-woody-allan-cmy_smaller.jpg

أصدر وودي آلن كتابه الجديد «مجرد فوضى» بعد 27 عاماً من الانقطاع. يبدو أن هذا الكتاب استحق الانتظار. يكرّم الناقد بويد توكين أحد أهم كتّاب الفكاهة في نيويورك مقدّماً قصة قصيرة من مجموعته التي طال انتظارها.

هل وودي آلن كاتب؟ لطالما كان كذلك. إذ بدأت حياته المهنية في البرونكس عام 1952 وقت راح يرسل الدعابات إلى إيرل ويلسن الصحافي في «نيويورك بوست». بعيد ذلك، مدّ الناشر دايفد ألبر بالدعابات لقاء عشرين دولاراً أسبوعياً. هكذا بدأ يرتقي سلم المجد سريعاً إلى أن بلغ القمة لدى مشاركته في برنامج Colgate Comedy Hour في 1955. يقول بربري هوليوود الحاد الطباع كولي بيغز لعملاق الأدب المفتقر إلى المال فلاندرز ميلورم في قصة آلن This Nib for Hire: «يحتاج كل كاتب مبدع إلى تأمين قوته خوفاً من الموت قبل ابتكار تحفته الفنية».

ضاحك مانهاتن

تتجسد تحفة آلن الفنية في نصف قرن عملاً من خلال الكلمات المصوغة بإبداع مذهل. رفض آلن التخلي عن أسلوب برغمان المتقلب في السينما وشخصيته المميزة على غرار مايكل كاين وسكارلت جوهانسون، وألحانه الأميركية الساحرة. نتيجة لذلك، شمخت أفلامه تدعمها نصوصه المتقنة تماماً كارتفاع ناطحات السحاب في مدينته العزيزة مانهاتن. يشبه وودي من دون كلماته الخاصة هاربو من دون غروشو وروجرز من دون هامرشتاين. لم يقم مطلق الدعابات في الخمسينات والبائع التجاري في الستينات بإخراج أي فيلم، لكنه ما فعله للمرة الاولى عبر مزج نصه بفيلم من أصل ياباني لإخراج فيلم What’s Up, Tiger Lily عام 1966. مع ذلك يستحق شهادة تكريم كونه أحد أهمّ فكاهيي الأدب في مدينة نيويورك.

لطالما عمل آلن في مجالات البهجة على اختلافها. عام 1966، شهد بداية عمله مخرجاً لما لعب درواً في النسخة التلفزيونية الأولى من كتاب Casino Royale لمؤلفه إيان فلامينغ (مبتكر سلسلة جيمس بوند)، أطلق مسرحيّته، Don’t Drink the Water on Broadway. البارز أنه باع أوّل مشهد مسرحي هزلي لمحرري مجلّة «نيويورك». لفترة طويلة كرّست المجلة صفحات خاصّة به وبقصصه في آن. في الواقع ترسّخت قصصه الخياليّة والساخرة متعارضة بين الثقاقات والمثل العليا والرغبات الجسديّة، أي مع كل ما ارتكز عليه لكتابة نصوص أفلامه. عام 1971 نشر كتابه الأوّل Getting Evenجامعاً فيه أعمالاً متعددة. تبعه كتاب Without Feathers (1975) Side Effects (1980). أمّا كتابه الأخير الصادر بعد ربع قرن من الجفاف الذي عاناه المعجبون بكتابات آلن الكوميدي فجمع في Mere Anarchy قسماً كبيراً من كتاباته في مجلّة «نيويورك». يبرّر ذلك فترة الانتظار. تقول الممثّلة بولا بيساري المقيمة دعوى قضائيّة ضد وكلاء هوليوود في فيلم Caution Falling Moguls: «لو أتمكّن من التمتّع براحة صغيرة وأستلقي على قلوب طبقة ثابتة من المعجبين». يمكن طبقة المعجبين بآلن أن تفرح مجدّداً.

تألقه وتفرده

لطالما أخذ النقّاد على أفلام آلن خلوّها من القذارة والتنوّع أو حتّى الخطر المنتشر في منهاتن السبعينات والثمانينات على الأقلّ. آثر ان يعكس صورة جذّابة عن الأحلام البورجوازيّة. ردّاً على ذلك يعترف: «نيويورك في أفلامي هي ما أودّها أن تكون عليه». لذا ليس واقعياً أو اجتماعيّاً ما ابتكره بل عالم الضحك وأرض أحلام من الحب والخسارة والسوشي والحفلات والعروض والعلاجات. يرفرف هذا العالم المولود في مكان أبعد من شوارع المدينة الوسخة والصاخبة».

يمكن تشبيه قصصه بالأطباق اللذيذة المحيّرة. فيها تقلّب الحوادث بطريقة ابتكارية ساخرة وأسلوب أدبيّ فريد. يمكن نسب بعض عبقريته إلى مثاله الكوميدي الأعلى سيدني جوزف بيريلمان، العبقري الذي كتب أفضل نصوص فريق Marx Brothers وقصص دايمون رانيون الطريفة والشاعرية. غير أنّ لمسة آلن فريدة في مختلف كتاباته. يكتب نيتشه كتاباً عن الحمية فيتدخّل مفكّرون من الوزن الثقيل قائلين: «أطلب كما تتمنّى لأي إنسان على وجه الأرض. ماذا لو كان الرجل الجالس قربك لا يتناول صلصة الأفوكادو؟» تتركّز العينان على أغلى حلوى ترافل في العالم: «يقال أنّ غورينغ كان على وشك تناولها حين صدم بخبر انتحار هتلر. يتناول دونالد داك المحبط حبوب البروزاك وهو قلق إذ «ينتهي به الأمر قريباً في إحدى الوجبات الصينيّة».

يعتبر تحليل المشاهد التي يؤدّيها آلن بلا فائدة. مع ذلك يستحيل ألاّ ينتبه القارئ إلى ما يضيفه آلن إلى نصوص ضعيفة كتبها فكاهيّون لم ينجحوا في التقدّم إلى مستويات أكثر رقيّاً في عالم العروض. صحيح أنّ موهبة آلن قادته إلى التألّق والتفرّد في مهنته غير أن الوضع مختلف راهناً. كان آلن في الوقت عينه كاتب النصوص الكوميدية ومؤدّيها ومصحّح النص، والمخرج في آن. ابتكر لنفسه شخصيّة الرجل المثقّف الذي يعيش وسط الرجال الجاهلين في برودواي وهوليوود. بدأ هذا الرجل حياته هادئاً ومع الوقت أصبح قناع الهدوء وجه الحقيقة.

قصّة « Nanny Dearest» بقلم وودي آلن

«ما هذا الشرّ الرابض على قلوب الرجال؟ وحده الطيف يعرف». تترافق الجملة بضحكة ساخرة تتحوّل قشعريرة تسري في الظهر كلّ أحد حين كنت أجلس شاباً مبهوراً بين المنتظرين حول الهاتف في الشتاء القارص. في الواقع لم تكن لدي فكرة عمّا كان يحصل قبل عدة أسابيع ثمّ بلغني اتصال من نصفي الثاني عندما كنت أعمل في المكتب على قضيّة بورك وهار. رجف صوت المرأة الذي اعتاد أن يكون هادئاً فعرفت أنّها عاودت التدخين. أعلنت بصوت رصين: «هارفي، علينا أن نتكلّم».

«هل الأولاد بخير؟» سارعت بالردّ وأنا أتوقّع أن تقرأ على مسمعي رسالة طلب الفدية.

«بلى، بلى، لكن حاضنة الأطفال، حاضنتنا، يهوذا الخائن بشكل امرأة مبتسمة، الآنسة فلفيتا بلكناب». «ما الأمر؟ لا تقولي لي أنّ هذه البلهاء كسرت كوباً من أكواب توبي من جديد». وأتى الجواب عبر صوت كأنّه صوت شخص من القبر: «إنّها تؤلّف كتاباً عنّا».»عنّا؟»، «عن خبرتها كونها حاضنة أطفال في بارك أفنيو لعدّة سنوات».

سألت والندم يمزّقني، لأنّني لم أعر اتفاق الحفاظ على السريّة أهمية «كيف عرفت؟». «دخلت إلى غرفتها إثر ذهابها لإرجاع بعض الأغراض التي استعرتها قبل العطلة. عندما مررت قرب طاولتها جذب انتباهي فجأة دفتر لم أستطع مقاومة إلقاء نظرة إلى ما كتب: «عزيزي، الأمر محرج إلى حدّ لا يمكنك تصوّره وبخاصّة كلّ ما يتعلّق بك». تقلّصت عضلات وجهي وبدأ العرق يتصبّب من جبيني ولم أتمكّن من السيطرة عليه. أضافت الزوجة المحبوبة: «ما إن تعود إلى المنزل سوف أطردها. إنّ الأفعى تنعتني بالسافلة». «كلا! لا تطرديها. لن يمنعها الأمر من نشر كتابها بل سيدفعها إلى التعبير عن مرارة أكبر وشرّ أشدّ سوءاً». «ماذا أفعل إذاً حبيبي؟ أتدرك كيف يمكن لهذه الفضائح أن تؤثّر على أصحابنا المهمّين؟ لن نتمكّن من ارتياد الأماكن الفخمة التي اعتدنا عليها من دون أن توجّه إلينا الأنظار الثاقبة والتعليقات اللاذعة. عندما تتكلّم فلفيتا عنك تقول «رجل سخيف وساذج يضع أطفاله الضعفاء في أفضل مدارس الحضانة بينما لا يعرف كيف يتصرّف في غرفة النوم». رجوتها: «لا تقدمي على أي عمل، دعيني أتولّى الأمور العنيفة». «كن منطقيّاً عزيزي. لقد وصلت إلى الصفحة 300». وأقفلت حبيبتي الخطّ بقوّة ليبقى صوتها يطنّ في أذنيّ وكلماتها تتردّد من دون توقّف. تمارضت ثم تركت العمل باكراً، أوقفت سيّارتي جنب الطريق لأستعيد ما حصل توسّلاً للحل».

إنّ قصّتنا مع حاضنات الأطفال غاية في الإثارة بتغيّراتها المتوالية بدءاً من حاضنة سويديّة تشبه الملاكم ستانلي كتشل. كانت دقيقة جدّاً في تصرّفها. أرست التهذيب في قبيلة الصغار فكانوا يلتزمون بأوقات الطعام المحددّة وأجسامهم ملطّخة بالكدمات الغريبة. حين كشفت آلات التصوير المخفيّة في منزلنا الحاضنة وهي ترمي ابني من فوق كتفيها اتّبعت معها الطريقة ذاتها.

يبدو أنّها لم تكن معتادة أن يتدخل أحد في شؤونها فرفعتني عن الأرض ورمتني على الحائط قائلة: «لا تتدخّل في حياتي، إلاّ في حال أردت أن ينتهي بك الأمر في سرير المستشفى».

غضبت جدّاً فطردتها ولم أضطرّ الى الاستعانة إلاّ بفرقة واحدة للتدخّل السريع. تبعتها فيرونيك (حاضنة فرنسية تبلغ من العمر 19 عاماً دائمة الحركة والترغلة). مع شعرها الأشقر وساقيها المثيرتين وطولها الممشوق بدت كأنّها خارجة من فيلم إباحي، أي بعيدة عن النوع العنيف. لسوء الحظ لم تبد التزاماً بقضيّتنا ففضّلت الاستلقاء على كرسي طويل في ثيابها الداخليّة وهي تتناول الشوكولا بينما تتصفّح مجلاّت الأزياء. تأقلمت مع شخصيتها أكثر من زوجتي، حتّى أنّني حاولت إشعارها بالراحة عبر فرك ظهرها من حين إلى آخر. عندما لاحظت زوجتي أنّني بدأت أرتدي الثياب الأنيقة في المنزل وحمل الفطور إلى سرير الجميلة الصغيرة انتفضت ضدّ فيرونيك وأجبرتها على توضيب أغراضها والمغادرة.

تبعتها فلفيتا، امرأة في الثلاثين عرفت كيف تربّي الأطفال وتحترم موقعها. عاملت فلفيتا كعضو من العائلة لا كخادمة. لكن بعد اكتشافي الأخير صرت أفكّر فيها كثيراً وبخاصة في طريقة التخلص منها.

ذات يوم دخلت فلفيتا في اللحظة التي كنت أخفي فيها زجاجة اليود في خزانة المطبخ.

سألت ضاحكة: «أنت في المنزل... هل تعرّضت للطرد؟»

«أدخلي، وصلت في الوقت المناسب لتناول القهوة»

«أنت تعرف أنني لا أحتسي القهوة»

أجبت متلعثماً: «أعني الشاي»

وأردفت: «هيا تناوليه بسرعة قبل أن يبرد»

«ألا يفترض أن يكون فاتح اللون؟».

«كلاّ، إنّه نوع جديد. هيا احتسيه سريعاً».

لا أدري ما حصل بعد ذلك. ربما كنت متوتراً أو خائفاً. أظنّ أنني تناولت الكوب الخطأ. في دقائق بدأت معدتي تؤلمني ولا أتذكّر ما حصل لاحقاً. إستيقظت في المستشفى لأكتشف أن الحاضنة قدّمت استقالتها إذ لم تعد تحب العمل وستتزوج صاحب ملايين. كما قررت ألا تنشر الكتاب بسبب تحوله إلى قصّة رعب. قرّرت آنذاك ألا أفكر في توظيف أي حاضنة قبل أن تحرز تكنولوجيا الرجال الآلية تقدماً مفيداً في هذا المجال.

الجريده

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/28/153096_aaaa_small.jpg


The Ethical Journalist... دليلك الأخلاقيّ في عالم الصحافة
مايكل شافر

لو كنتَ محرراً في صحيفة، هل تعرض صورة امرأة شابة وطفل صغير يسقطان عن سلم الحريق؟ أو رجل يهوي من مركز التجارة العالمي في أحداث 11 سبتمبر؟ لو كنتَ مراسلاً يرى مشاهد محزنة أثناء إجراء تحقيق عن حياة أولاد يعيشون في المنزل نفسه مع مدمنين على المخدرات، فهل تتأثر وتندفع إلى التدخل؟ لو كنت صحافياً يكتب مدوّنة، هل تكشف عن طبعك الداخلي الساخر؟

تلف المشهد الصحافي الأخلاقي تساؤلات شائكة كثيرة، بعضها بقدم الطباعة على الآلة الكاتبة والبعض الآخر بحداثة الإنترنت. في كتاب جديد موجّه إلى طلاب الصحافة، يستند رئيس تحرير صحيفةPhiladelphia Inquirer السابق جين فورمان إلى خبرة نصف قرن في عالم الصحافة ليرسم طريقاً واضحاً عبر هذه المتاهة.

يمثل كتاب فورمان بعنوان The Ethical Journalist: Making Responsible Decisions in the Pursuit of News (منشورات Wiley-Blackwell) دليلاً عملياً للمبادئ والأخلاقيات يفيد الصحافيين الجدد والمخضرمين على حد سواء، فضلاً عن أي شخص يهتمّ بالمجال الإعلامي. ويستعين هذا الكتاب بدراسات لحالات وروايات ومقالات قصيرة ويركّز على الخبرات الحياتية الحقيقية للصحافيين الذين يعملون في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة.

نظريات

بعد تقاعده من عمله في صحيفة The Inquirer عام 1998، درّس فورمان مادة الصحافة في جامعة ولاية بنسلفانيا حتى عام 2006، فاكتشف خلال 16 فصلاًَ أمضاها في غرفة الصفّ أن الكتب الدراسية عن أخلاقيات عالم الصحافة تميل إلى الاعتماد على النظريات وليس على الأمثلة.

يوضح فورمان: «تقول لكم الكتب المتوافرة حالياً: اكتشفوا ذلك بأنفسكم. أما أنا فأعتقد أن من حق الطلاب أن يعرفوا. يجب أن نقول لهم: إليكم المعايير المتفق عليها في هذه المهنة. هذه هي التجارب كلها، الجيدة والسيئة، التي مرّ بها الصحافيون الذين يمارسون هذه المهنة».

يستهلّ الكتاب بسرد مؤثر للمأزق الذي وقع فيه الصحافيون في صحيفة The Oregonian في بورتلاند، عندما غطوا عملية القتل الرحيم، المسموح بها بموجب قانون ولاية أوريغون، لامرأة في الثانية والستين على فراش الموت بسبب إصابتها بسرطان الرئة.

يوضح فورمان أن العاملين في صحيفة The Oregonian تساءلوا عما إذا كانت تغطيتهم هذه العملية ستؤثر على تصرفات المرأة: «هل تشعر بأنها حرّة ويمكنها تغيير رأيها؟ وبعد هذا الاهتمام كله، هل تشعر بأنها مجبرة على المضي قدماً في قرارها وأخذ الجرعة المميتة؟»

تحدث فورمان (74 عاماً) الأبيض الشعر والمنخفض الصوت، وهو جالس في مكتبه في الطابق السفلي من منزله، عن دراسة 24 حالة هي جوهر الكتاب (ثمة حالات أخرى معروضة على موقعه الإلكتروني)، تركز كل واحدة منها على مأزق أخلاقي: متى يتخطى التقرّب من المصدر الحدّ ويؤثر على موضوعية الصحافي؟ متى تعتبر الصورة أو شريط الفيديو مزعجاً لدرجة قد يسيء إلى المشاهد ويفضّل بالتالي عدم عرضه؟ متى يحين الوقت للتدخل وعدم الاكتفاء بالمراقبة؟ أصبحت دراسة الحالة شائعة جداً كوسيلة لتعليم الصحافة.

حدس أخلاقي

يعلّق روبرت شمول، مدير برنامج جون غاليفان في الصحافة، الأخلاقيات، والديمقراطيةJohn W. Gallivan Program in Journalism, Ethics and Democracy في جامعة نوتردام: «تتطلب البيئة الاخبارية الحالية، بمهلها التي لا تنتهي، أحكاماً سريعة جداً».

يتابع شمول: «يحتاج الصحافيون إلى تنمية حدس أخلاقي قوي كطلاب، فيمارسون عملهم لاحقاً بوعي أخلاقي أكبر. وتساعد دراسة الحالات في تكييف عقل الصحافيين المستقبليين وتحضيرهم لاتخاذ قرارات صائبة تحت الضغوط».

يعبّر ديفيد بوينك، بروفسور متخصص في الصحافة في جامعة إنديانا، عن تأييده الشديد لاستعمال دراسات الحالات، حتى أنه ألّف مع زميل له كتاب تدريس عنها بعنوان Making Hard Choices in Journalism Ethics: Cases and Practice سيصدر لدى دار نشر Routledge قريباً.

أشار بوينك، في مقابلة هاتفية معه، إلى أن من يُعنَون بأخلاقيات الصحافة أمضوا «وقتاً طويلاً في التركيز على التفكير والتحليل التنازلي (top-down reasoning) كوسيلة لحلّ المسائل الأخلاقية». ينبغي أن يتعلم الطلاب كيفية اتخاذ القرارات «بشكل تصاعدي (bottom up)، مركزين إلى حدّ كبير على تفاصيل الحالات».

آراء حول الصواب

لا تولّد مقاربة مماثلة حلولاً جاهزة. من هنا يرى فريد براون، كاتب سياسي متقاعد في صحيفة Denver Post ونائب رئيس لجنة الأخلاقيات في جمعية الصحافيين المحترفين أنه «حتى عندما تناقش أمراً معيناً بالتفصيل، يكوّن الناس آراء مختلفة بشأن ما كان من الصواب القيام به».

تساعد دراسة الحالات الطلاب في تعلم طرح الأسئلة الصحيحة، حسبما يشير براون، محرر كتاب عن أخلاقيات الصحافة، يتضمن 50 دراسة حالة، تخطط جمعية الصحافيين المحترفين لنشره في السنة المقبلة.

علاوة على ذلك، يوضح براون أن المسألة الأخلاقية الأساسية في عالم الصحافة ما زالت هي نفسها، «نقل القصة بشكل صحيح، وضعها في الإطار المناسب، الالتزام بالدقة والإنصاف».

يعتبر براون أن أحد أهم الدروس يتمثل في أن على الصحافيين الاعتراف بتحيزهم عند تغطية الأخبار والتخلي عنه. ويضيف: «يشير الكتاب إلى وجود تحيز في مجال الصحافة لأنها فن ذاتي، وثمة خطوات لا تُعدّ ولا تُحصى في عملية نقل الأخبار وتحريرها، لدرجة أن أي تحيِّز لدى الصحافيين قد يتسرّب إليها».

يتابع براون: «في مرحلة مبكرة من مسيرتي المهنية، كرهت أورفال فوبوس»، حاكم أركنساس العنصري، «لكن عندما غطيت أخباره، كنت منصفاً معه».

تحديات أخلاقية

يختم فورمان كتابه بفصل يتناول التحديات الأخلاقية التي ما كان أحد ليتخيلها في بداياته في عالم الصحافة في أركنساس عام 1957. يتمثل أحدها في الصعوبات المالية التي تواجهها الصحف اليوم.

تقع على عاتق الصحف، بحسب فورمان، مسؤولية أخلاقية تفرض عليها تزويد القراء بمعلومات يحتاجون إليها «لاتخاذ قرارات مرتبطة بالحكم بصفتهم مواطنين. وإذا عجزنا عن ذلك بسبب الافتقار إلى الموارد، فنكون قد أخفقنا في تنفيذ التزام أخلاقي».

في هذا الإطار، يرى فورمان أن على المنظمات الإخبارية أن تشكّل نموذج أعمال جديداً لدعم الصحافة، لكن أحداً لم يبتكر واحداً حتى الآن».

يتابع فورمان أن الإنترنت يطرح، بقدرته على نقل الأخبار «بغمضة عين»، تحدياً أخلاقياً خاصاً. وبما أنه وسيلة إعلام جديدة، يعتقد بعض الصحافيين أن القواعد القديمة لا تنطبق عليه. كذلك يعرب عن انزعاجه من السماح للعاملين في الصحف بكتابة مدوّنات غير محررة للقرّاء عبر الإنترنت.

بحماسة مبررة تكاد تكون أقرب إلى الشتم، يكمل فورمان مشيراً إلى مقته لهذه الممارسة، ويضيف: «قرأت حججاً كتبها أشخاص أذكياء مفادها: دعونا نترك القراء يتولون مهمة التحرير. فإذا كتبنا شيئاً خاطئاً، يتصلون بنا، فنتأكد من الأمر ونصححه. وهذا سيئ حقاً لأن الضرر قد يحصل بسبب نشر معلومات خاطئة عبر الإنترنت».

يختم فورمان حديثه بالقول إن أساليب نقل المعلومات قد تتغير، من الإنترنت والصحافة المكتوبة إلى القنوات الفضائية والبث الإذاعي، لكن التحدّيات الأخلاقية تستمر.
الجريده

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C29%5Ced21c5fd-9441-4292-aa00-c27b7636db44_main.jpg


إصدارات جديدة
ترجمتها فاطمة ناعوت
نصف شمس صفراء .. بالعربية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
عن سلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب؛ صدرت رواية «نصف شمس صفراء» في ثوبها العربي بترجمة الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت. الرواية كتبتها بالإنكليزية الكاتبةُ النيجيرية الشابّة تشيماماندا نجوزي أديتشي، وفازت بجائزة الأورانج البريطانية الرفيعة عام 2004.
تقع الروايةُ في أكثر من 600 صفحة من القطع الكبير، وتحكي عن علاقة حبٍّ ناضجة، بين بروفيسور في جامعة نيجيريا، ومثقفة شابة جميلة تنتمي إلى طبقة الأثرياء الجدد في نيجيريا. نشأت قصة الحب تحت ظلال الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامي 1967 و1970، تلك التي اندلعت فيها الصراعات البيافرية في محاولة من قبائل الإيبو الاستقلال وتكوين دولة، علمُها «نصف شمس صفراء»، رمزا للتحرر والخروج من ظلامية النظام الفاشي المحافظ الذي كان يحكم نيجيريا آنذاك. ورغم تصوير الرواية المجازرَ والانتهاكات. البشريةَ العنيفة التي مورست على تلك القبائل المسالمة، فإن الروائية نجحت في الخروج بها من الحسّ التراجيديّ، عبر سرد.ها الوقائعَ على لسان طفل أسود صغير «آجوو»، بطل الرواية، الذي يخدم في بيت البروفيسور أودينيبو.
سحر الجنوب
تحمل الرواية فيضا من أجواء الجنوب الأفريقي الساحر بطقوسه الغرائبية وشعائره الغريبة على القارئ العربي، بيد أن المترجمةَ نجحت في نقلها إلى اللسان العربي بلغة شعرية رفيعة، تجعل القارئ يتوحَّد مع أحداثها، مع الحفاظ على أجواء القارة السمراء الفاتنة، كما صرّحت بذلك د. سهير المصادفة، رئيسة تحرير السلسلة. خمسةُ أبطال رئيسيون تدور حولهم الرواية: «أودينيبو»، أستاذ الجامعة الثوريّ ابن البورجوازية الوسطى، «أولانا»، المثقفة التي تنتمي إلى أبوين من طبقة الأثرياء الانفتاحيين، وتوأمتها «كاينين» نقيضُ أولانا، سيدة الأعمال التي تهوى جمع المال، ووقعت في هوى البريطاني ريتشارد تشرشل المتعاطف مع قضية السود، سوى أنه في النهاية سيكتشف أنه غير متورط بما يكفي في قضيتهم، بسبب بشرته البيضاء وعينيه الزرقاوين وشعره الناعم، فيترك الكتاب الذي بدأه بعنوان: «كان العالم صامتا ونحن نموت»، ليكمله الصبيّ الأسود آجوو، الذي تدور معظم أحداث الرواية على لسانه، ومن خلال عينيه اللتين ترصدان أهوال الحرب والمجازر.
يذكر أن «نصف شمس صفراء» هو الكتاب السادس بين ترجمات فاطمة ناعوت، فقد سبق وأصدرت عديدا من الأنطولوجيات الشعرية والقصصية من عيون الأدب الإنكليزيّ والأميركي منها: مشجوج بفأس، قتل الأرانب، المشي بالمقلوب، وكتابان عن فرجيينيا وولف: جيوب مثقلة بالحجارة، وأثر على الحائط، اللذان صدرا أخيرا عن المركز القومي للترجمة.


القبس

أمين ألبرت الريحاني في صهيل الأغاني الحائرة...
لقاء الفلسفة والشّعر على شرفة القصيدة
بيروت - قزحيا ساسين

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/29/153251_Book_small.jpg

هاجسُ الصوت يسكن الشّعراء. فهم يذهبون إلى أقاصي الوجد ويتسلقون شجر الحزن الشاهق طمعًا بفاكهة الألم التي تتضامن بسُكَّرها الموجوع مع احتجاجهم العميق على الوجود الذي يحاولون إعادة صياغته بكلمات يستعيرونها من اللغة فتصبح لهم مُلكًا شرعيًّا بعدما يصبغونها بأرجوان توقهم إلى الإقامة الدائمة في جُزُر الدهشة والجمال.

في مقدّمة ديوانه {صهيل الأغاني الحائرة} وتحت عنوان {عند العتبة}، يحاول الشاعر أمين ألبرت الريحاني مقاربة للكتابة: {الكتابة حفرٌ في صخر الكلمات، تلوين على خامة البياض، ومطاردة ألحان تسمعها خلف أصداء الصمت}. وبما أنّ الكتابة تمارَس كالجنس، بحسب رأيه، فالتعاطي مع الكلمة مضاجعة ذات وقت يطول على متعة في إقامة مراسم الزواج الأبدي بين بياض الورق والألوان، وفي تعقُّب فراشات ذات أجنحة مُمَوسَقة ترفّ في ظلال أسوار الصّمت. ولا يخفي الريحاني أنّ الكتابة تحيل بين صاحبها والشيخوخة، وأنّها مجاز الحياة والروح قبل أن تكون لائذة بمجاز اللغة وبيانها. والشِّعر اكتشاف للعالم مثلما النّقد اكتشاف للشِّعر، و{الشّعر إغواء وإثارة جنسيّة للّغة. الشّعر سرير المفردات الغواني}. هكذا يلتحم الشاعر باللغة، يقصدها أنثى، يضاجعها بهدف الإنجاب. الإنجاب بحدّ ذاته هو المتعة المقصودة، إنجاب النصّ الذي يعيد بناء العالم. وينهي الريحاني مقدّمته معلنًا أنّه أخذ من نسغ الشّعر، واستوحى قامة الفلسفة، واستعان بإكسير النّقد في بوحه الشّعريّ، ما يعني أنّه يكتب بذاته مجتمعة، فهو صاحب الفلسفة والنّقد والشّعر، ويريد نصّه ذا أقانيم ثلاثة، وتكمن خطورة هذا الرأي في خشية صعوبة العدل بين الشّعر والفلسفة والنّقد في ساحة القصيدة.

قصيدة {الباب} هي الباب الذي يفضي إلى الديوان، وفيها يركّز الريحاني على بُعد الباب الرمزي الذي أخذه من الخشب والحديد إلى ماهيّة أرحب وأطول عمرًا: {الباب انتقال من قشرة الوجود إلى لبّ الثمرة الآتية/... الباب حوار بين زمن حاضر وزمن منتظر}. ويلاحَظ أنّ {باب} الشاعر هو إصرار على العبور {من... إلى}، في ظلّ تكثيف معنويّ يطغى على الصورة الشّعرية التي تبدو عالقة بين مطرقة العقل وسندان العاطفة، فهي تشعر بالضّيق وتريد مجالاً أوسع، بعيدًا من الشّرح والتشريح اللذين يقبلهما النثر بصعوبة، فكيف الحال مع الشّعر إذًا؟!

ضغط فكري

مع نصّ {إيقاعات الهشيم} يتّضح الاتجاه نحو القصيدة أكثر، فينسحب الضغط الفكريّ لصالح النّبض الشعريّ. فها هي أحلام الأرض المحروقة: {تتبرّج، تتوهّج لموعد يتيم مع الحقيقة./ تُخفي عرشها تحت إبطها،/ وتُوَلّي كلصّ عتيق}... يجسّد الشاعر في هذه القصيدة ألمًا وجوديًّا لافتًا، ويقف في حضرة الفجيعة واصفًا انهيار أبراج الأحلام، محاصرًا بـ{جدران القهر الأبديّ}، ممعنًا في تصوير المأساة: {نمضغ الزمن القاسي / طحينًا زجاجيًّا / نطعمه أفواه الأطفال}. فالحياة أمست استحالة، حين رغيف الأطفال زجاج مطحون، غير أنّ الشاعر وصف ولم يرثِ، أعلن الفجيعة ولم يعلن النهاية، ونادى أبناء الأرض المحروقة استعدادًا لزمن آخر هو زمن الحياة بامتياز: {وملْحُنا الفاسد القديم/ استبدلناه بملح جديد/ وحلم جديد/ من أجل أرض لا تبيد}. أمّا على مستوى الشكل الشعري، فالريحاني، في هذا النصّ ومعظم نصوص المجموعة، يبتعد عن أداء قصيدة التفعيلة، غير أنّه يحنّ إليها كثيرًا من خلال ولعه بالتقفية، واعتماد الأنساق الجمليّة بشكل كثيف يوحي برغبته في الوزن، ولا شكّ في أنّ التفقية في القصيدة الحرّة المتفلّتة من كلّ نظام موسيقيّ هي شكل من أشكال السّجع، وفي المعنى الدقيق للكلمة، هي قيدٌ للنصّ وعدوّ.

من قصيدة إلى أخرى، ينتقل الريحاني حاملاً همّ شعب وقضيّة، وفي قصيدة {الجراح الهرمة} يعلن هزيمة التنِّين الذي: {طرق أبواب المصحّات/ رجم البيوت الزجاجية...}، ويراهن على ذي النّصال المنكسرة الماشي على رؤوس الأيّام: {يشعل بجِلْده عود الكبريت/ يرسم بقدميه خطوطًا ناريّة...}، فبلاد الشّاعر تتألم ولا تموت، تصلب على موج مجنون ولا تغرق، تميل أبراجها ولا تهوي: {منذ دهور تدور بلادي / تدور ولا يصيبها الدّوار / ودليلها نجم بعيد لا يغيب}. لا يتعب الريحاني من الأمل، ويواصل التمسّك بحبال الرجاء مستصغرًا عزيمة العاصفة، مؤمنًا بأن لكلّ تنّين رمحًا واصلاً إلى صدره لا محالة...

وطن جريح

إلى المرأة يبحر الشاعر حاملاً على ظهره وطنه الجريح ويعتذر عن الكلمات التي لا تتّسع للحبّ في زمن مخصّص لهمّ الأوطان: {بأيّ حبر تريدينني أن أكتب يا امرأة؟}، فالوطن يضرب عميقًا في الريحاني لأنّ ثلوج بلاده تغلي من الحريق، ولأنّ الموت محمول على أجنحة طيور مهاجرة فالموج متحجّر، والشجر ميت، والأرض في العيون رماد... لكنّه يعود ويوسّع مكانًا لها على شرفة القصيدة ويعترف: {أكتب لكِ حبًّا أرجوانيًّا / وأستحمّ بمياه الذكريات}. ولأجلها يحبّ بيروت ويبعد اليباس عن يده بالقطاف من أغصان لغة عاشقة: {كيف لا أهوى بيروت/ وبيروت دليلي إليك.../ كيف تيبس يدي/ وتكفّ عن قطف لغة مزهوّة/ أجمع عبيرها بين يديكِ}. وأنثى الشاعر في {صهيل الأغاني الحائرة} هي دائمًا بنت الأمس، والأمس البعيد، يجدّد لها الحبّ مع كلّ إطلالة شمس ويكتفي بها امرأة تختصر بحضورها كلّ النساء: {منذ ثلاثين عامًا/ وأنا أكتب الصفحة الأولى/ من قصّة حبّ قصيرة / أجمع لها خرائط اللغات}. وفي غزله يقترب الريحاني من مناخ نزار قبّاني ويتخلّى عن رمزيّته العميقة ذات الظلال القابلة لأكثر من تأويل، ويسلك طريق الوضوح في التّعبير عن مخبّآت القلب: {هل تعلمين/ أنّني منذ ثلاثين عامًا/ بدأت حديثي معك/ وما زلتُ في السطر الأوّل/ من سفْر التكوين}. وتحت قرميد المرأة يبوح بعفويّة طفل ليس له مع الفلسفة والنقد أيّ حكاية، ويكرّس عيني حبيبته وطنًا بديلاً لا تهزّه رياح: {ورحت أجمع من أهدابك/ ظلالاً أحمي بها أوطاني}، ويختصر هوايته ومهنته بـ{جمع أسرار وجهك الحزين}...

ولافتٌ حضور الطبيعة في قصائد الديوان الأخيرة، حيث يحضر {صنّين} أميرًا: {قبيل المساء/ يرتدي صنّين حلّته الأرجوانيّة...}، غير أنّ حزن الريحاني يمتدّ على مساحة الديوان وله من زند كلّ كلمة وسادة. فالألوان تحتشد في المشهد الصنِّيني: {ألوان الروح الحزينة/ وألوان الكآبة المكابرة}...

{صهيل الأغاني الحائرة} كتاب عميق الحبر على وجع وجمال، ولأنّ هاجس التقفية يظهره معظم النصوص ليت أمين ألبرت الريحاني اعتمد قصيدة التفعيلة، أو حرّر جمله من القوافي بشكل

justice
25-03-2010, 11:47 AM
رسائل خاصة جدًّا - قلوب تحت العشرين


http://www.nahdetmisr.com/pdf/785.pdf

justice
30-03-2010, 01:39 AM
الإسلام المبكر لآمنة جبلاوي... بحث في الاستشراق الأنغلوسكسوني
بيروت - عبدالله أحمد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/03/30/153387_22222222Scan10503_small.jpg

صدر أخيراً عن منشورات الجمل كتاب {الإسلام المبكر، الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد، باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجاً} للباحثة آمنة جبلاوي.

تعتبر الكاتبة أن التساؤل الأول الذي قادها إلى اختيار هذا الموضوع هو كيف لنا أن نثري معرفتنا بتاريخ القرن الأول للهجرة؟ وكيف لنا أن نستفيد من قراءة مختلفة للتاريخ الإسلامي {المبكر}؟ وتعمل الباحثة في هذا الكتاب على المقاربة الأنغلوسكسونية، وهو عمل على نموذج شديد الخصوصية، فالباحثان مايكل كوك وباتريسيا كرون يمثلان تيارين داخل المدرسة الأنغلوسكسونية، وهو التيار الأشد ضراوة في نقد المصادر العربية والإسلامية.

تفيد الكاتبة بأن مايكل كوك وباتريسيا كرون يقدمان قراءة تعتمد على مصادر غير إسلامية، فتأمل من خلال ذلك بأن تقدم لنا هذه المصادر معلومات تكمل ما حصل لدينا بفضل النصوص الإسلامية أو تلغي ما اعتدنا على ترديده في ما يتعلق بهذا القرن التأسيسي. وتلاحظ من خلال تفحص أعمال هذين الباحثين اللذين اختارتهما أنموذجاً لفهم مقاربة الإسلام الأنغلوسكسونية، أن خطابهما وإن كان علمياً فهو خاضع لقوانين الخطاب.

تشير جبلاوي إلى أن مقاربة كوك وكرون للتاريخ الإسلامي انطلاقاً من تجربة القرن الأول التأسيسية تختلف عن المقاربة الفرنكوفونية، ففي كتاباتهما نجد طغياناً للبراهين والإجابات والاستدلالات. فإصرار الباحثين على اعتبار تجربة الأسلام الدينية الأولى تجربة سياسية واقتصادية وعرقية قبل أن تكون تجربة روحية، يجعلنا نلمس تقاطعاً والتقاء بينهما وبين الفكر الأصولي في مواقفه من إسلام القرن الأول، فكلاهما يكرس مقاربات وتأويلات تستعمل المعجم المفهومي نفسه وترى في الإسلام منظومة جامدة.

كذلك تلفت المؤلفة إلى أن كوك وكرون تشبثا بمنهج واحد في أعمالهما كلها، منهج مادي أركيولوجي تفطّن إلى أمور وغفل عن أخرى، ويمكن تقسيم توجهات الدراسات الإسلامية إلى ثلاث مدارس: المدرسة الألمانية اتبعت خطاً فيلولوجياً تاريخياً، والمدرسة الفرنكفونية التي اتبعت خطاً تفكيكياً مع أركون، والمدرسة الأنغلوسكسونية التي اتبعت خطاً أركيولوجياً مادياً. وخضعت الكتابات الاستشراقية الأولى لاعتبارين انفصلا أحياناً وامتزجا أحياناً أخرى، وهما الضرورة السياسية الاستعمارية والضرورية المعرفية. وعلى رغم إيجابيات هذه الكتابات التي علينا الإقرار بها، من حفظ التراث وكشف عن مصادر ومخطوطات وقع التعريف بها بفضل عمليات الترجمة. وإن كانت الرهانات السياسية بارزة في بعض الأعمال الاستشراقية التي اقترنت بالحركات الاستعمارية، خصوصاً في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد وأوائل القرن العشرين، فقد أصبحت كامنة في الكتابات اللاحقة.

الجانب العرقي

تلاحظ جبلاوي أن مايكل كوك ركز في كتاباته على الجانب العرقي في كتابه {محمد}، واعتبر أن السامية العربية سامية لقيطة وغير أصيلة بما أن أم إسماعيل، ليست إلا أمة مصرية سوداء البشرة، وخصص كوك أكثر من صفحة للتشكيك في توحيدية إسماعيل وجعل وراثة الجذور الإبراهيمية من حق إسحق وذريته فحسب. وتستغرب الكاتبة موقف كوك هذا، لأنه من المفترض أن الخطاب المعرفي المعاصر تجاوز هذه الأحكام التفاضلية. هذا الموقف العرقي من تجربة محمد التوحيدية، موقف كرره مايكل كوك بعد أن صرح به في أكثر من مناسبة في عمله المشترك مع باتريسيا كرون {هاجريزم}. يضيف الباحثان إلى نظرية {الجنس والعرق} تحليلات حول همجية العرب وخشونة حضارتهم وحول عنف الإسلام وامتزاجه بالمحددين العسكري والسياسي، ذلك من خلال {مؤسسات} الفتوحات والجزية والخلافة.

على رغم اعتماد الباحثين أسلوباً تاريخياً لا يخلو من سعي إلى توخي الموضوعية، فإنهما يتوخيان نهجاً براغماتياً تجريبياً، يغيّب معطى تعتبره جبلاوي أساسياً في كل عملية تأريخ لديانة معينة، وهو المعطى القيمي- الأخلاقي والباحثان يغيبان تماماً المسألة القيمية في حديثهما عن تاريخ القرن الأول للهجرة. فتمثل مرحلة حساسة مثل تلك التي تشكل خلالها الإسلام ديناً وثقافة، ليس بالأمر الهين، وهنا تعترف جبلاوي بأنه بقدر ما كان للاستشراق الكلاسيكي تمثلاته حول فترة النبوة والخلافة الراشدة، كان لعلماء الإسلام تمثلاتهم وخيالاتهم حول الفترة نفسها، فالقرن الأول للهجرة يحمل شحنة رمزية لا تزال مؤثرة في ضمير المسلمين الجماعي. وتعلن المؤلفة أنها في كتابها وإن كانت ستؤاخذ أحياناً كلاً من مايكل كوك وباتريسيا كرون على انسياقهما وراء بعض المصادرات والتصورات التي من شأنها أن تضعف قيمة أعمالها العلمية، فإنها تؤكد أن هذه المؤاخذات ليست هدفها في هذا العمل، بقدر ما هي محاولة متواضعة للفت الانتباه إلى تقصير المهتمين بالدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي من داخل المجتمعات الإسلامية في محاولة التعامل مع التاريخ المقدس بشيء من الجرأة الموضوعية والتجرد من تمثلات المخيال الإسلامي لفترة النشأة.

تاريخ المقدس

ترى الكاتبة أنه وعلى رغم بعض الإلغاءات والانتقائية التي نلمسها في أعمال كل من كوك وكرون، فإن شروعهما في ممارسة فكر جريء على العصر التأسيسي ومحاولتهما إعادة كتابة تاريخ المقدس، يكتسي شجاعة كبيرة. وعلى رغم إغراق هذين الباحثين في البراغماتية أيضاً، وتعلقهما الشديد بالحقيقة الأركيولوجية، فإن جبلاوي تعتقد أنهما يقدمان لنا درساً في الجرأة وطرافة مقاربة القرن الأول التاريخية نحن في أمس الحاجة إليه. تضيف المؤلفة أنه وإن كانت لنا مؤاخذات حول موقفهما من المصادر العربية، وحول بعض النتائج التاريخية التي توصلا إليه، فلا يمكن إنكار أن تطرف هذا الموقف وراديكاليته، قد يكونان رد فعل طبيعياً على جمود مقاربات وتأويلات نابعة من داخل المجتمعات الإسلامية حول العصر الذهبي أو زمن النبوة والوحي وإجابة عن تمجيد المؤرخين المسلمين وثقتهم اللامتناهية في المصادر العربية.

تتابع المؤلفة أن المصادر العربية التي تؤرخ للقرن الأول للهجرة هي نصوص تاريخية بعيدة عن رهانات عصرها، لذلك يجب إعادة قراءتها، وتفكيكها في ضوء المناهج الحديثة، لأنه من غير الممكن إقامة روابط حية مع تاريخ القرن الأول إذا لم نضطلع بمهمة القيام بمسؤولية الحداثة كاملة، بمعنى أنه يجب القيام بمهمة نقد لمصادرنا وتاريخنا التأسيسي. فأول المصادر الإسلامية المدونة تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة أي أنها كتابات متأخرة وهي مؤلفات خضعت لغربلة من المؤسسة السنية، ما يجعلنا نعيش في المستوى الحالي الذي وصلت إليه الأبحاث والحفريات، نوعاً من الفراغ المعرفي بسبب هذا الغياب لمصادر إسلامية مدونة تعود إلى القرن الأول للهجرة، وهو غياب يرى فيه البعض بتراً تاريخياً أو نوعاً من الرقابة التي مارسها التراث الإسلامي على نفسه.

تضيف جبلاوي أن الأماكن التي عرفت الأحداث التأسيسية لا زالت تؤدي دورها كاملاً بما هي بقاع مقدسة ورموز حية للإسلام، فيبدو من الصعب أن نتوقع إمكان وقوع عمليات حفرية في هذه الأماكن، على الأمد القريب. وهذا ما يجعلنا نضطر إلى الإقرار بأن هذا الفراغ الذي يمس المصادر الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء إلى جانب المخطوطات والمادة الأركيولوجية، لا يسمح لنا بالقيام بعملية إعادة بناء لتاريخ القرن الأول للهجرة بشكل يحقق كل شروط الموضوعية التاريخية.

مخاوف

الذرائعية التي وسمت مقالة الباحثين في تاريخ الإسلام التأسيسي، جعلت كرون وكوك يطرحان أحياناً إشكاليات تفتقد إلى الوجاهة والأهمية، فتبدو تساؤلاتهما عن الماضي بعيدة كل البعد عن مصير الحضارة الإسلامية. وعلى رغم هذا التصور المفارق لقدر المسلمين الجماعي. فإن تصورهما يبدو مسكوناً برؤى ومخاوف جماعية غربية حول حاضر الإسلام، فالباحثان يقومان أحياناً بمقارنات غريبة بين نبوة محمد وادعاءات نبي{ماوري}، ينسب نفسه إلى الجذور السامية الإبراهيمية. كذلك يتحدثان في أماكن أخرى عن الأحداث السياسية المعاصرة، لمقارنتها بما حدث في القرن السابع، ويتطرقان إلى إيحاءات في شأن الثورة الإيرانية في كتاب {خليفة الله}. إذ تسعى كرون في هذا الكتاب إلى إثبات تماذج الدين الإسلامي بالمحدد السياسي، وتستقي من أحداث القرن العشرين السياسية أمثلة تدعم في رأيهما بنية العلاقة بين الدين والدولة التي تصوراها في القرن السابع للميلاد. ولا تخلو هذه الملاحظات، بحسب الكاتبة، من إسقاطات واضحة وإهمال لاختلاف ظروف التاريخ الإسلامي المقدس الخارجية من اعتداد وصلف عندما تعمد إلى إقصاء النصوص الع

justice
30-03-2010, 03:19 AM
هل كان البداية؟.. أم النهاية؟!
1492 العام الذي ولد فيه عالمنا وعولمتنا!


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C03%5C30%5Cc0af4446-e19f-4553-bbae-7f68c9447c7c.jpg

إعداد: محمد حسن
كان من المفترض ان يكون عام 1492 العام الذي ينتهي عنده التاريخ. هذا ما قاله المنجمون، والمتنبئون في أوروبا من روما إلى موسكو ممن شرعوا يعلنون نهاية العالم. بيد ان عام 1492، كما أوضح المؤلف فيليب فيرنانديز - ارميستو كان يمثل في واقع الأمر البداية وليس النهاية.
ولتوضيح ذلك ألّـف كتابه هذا الذي يمثل رحلة، ولكنها لا تشبه رحلات ماركوبولو أو غيره من الرحالة التي تذخر بالعجائب والحوادث المثيرة، وغنية بالوصف والحكايات. واقدم المؤلف هذه الرحلة في صحبة رحالة حقيقيين ونسج من خيوط تجربتهم قصة العالم في ذلك العام الذي تغيرت فيه صورة الكون. وهي رحلة طويلة كانت بدايتها في غرناطة، حيث انهارت آخر دولة اسلامية في أوروبا وانطلق بعدها إلى تيمبكتو، حيث برزت امبراطورية اسلامية جديدة في مالي. وانتقل مع المستكشفين البرتغاليين لزيارة بلاط أول ملك مسيحي في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. وأعطى لمحة لحركة النهضة التي بدأت في البروز في فلورنسا في عهد لورينزو العظيم ولروما الفاسدة في عهد الكسند بورجيا. كما يأخذنا في رحلة كريستوفر كلومبوس عبر الاطلسي إلى العالم الجديد.
وفي عام 1492 تم في الواقع تصميم أول نموذج للكرة الأرضية في نوريمبيرغ في شكل كرة من الخشب المصقول المدهون اللامع. ويعد ذلك أقدم نموذج للكرة الأرضية موجود إلى الآن. ومن شاهدوه اذهلهم جماله وألوانه. كما ادهشهم أمرٌ آخر، وهو صغر حجم النموذج الذي مكنهم من النظر إلى العالم كله، والتجول في أرجائه ببحاره وقاراته ودوله المختلفة مجتمعة في مكان واحد!
وقد جسّد نموذج الكرة الأرضية ذلك، التطلعات التي كانت تراود الرحالة في أواخر القرن الخامس عشر، واغلبيتهم ينتمون إلى الدول الأوروبية، خاصة من انطلق منهم من العالم القديم باتجاه العالم الجديد مثل كلومبوس.
الرحلة إلى الشرق
ولكن كانت هنالك طرق أخرى سلكها قادتهم إلى الشرق، حيث قام بعض الرحالة والتجار الأوروبيين برحلات إلى هناك بحثا عن البهار، والحرير ولم يكونوا يتوقعون ان يُستقبَلوا بالترحيب.
ويشير المؤلف من خلال تجربة اولئك الرحالة والتجار إلى ان الحضارات التي كانت سائدة في الهند والصين وبلاد الاسلام في ذلك الوقت، لم تكن أوروبا تمثل بالنسبة اليها مكانا يثير الكثير من الاهتمام، بل انه ينظر اليها على انها قارة بربرية يسود الدمار اغلبها. وعلى سبيل المثال فان بلاط الملك الانكليزي هنري السابع الذي كانت تطلق عليه صفة العامل «الحديث المتحضر»، كان يبدو للصينيين، وكأنه ساحة مهرجان ريفي صاخب. وعليه، فان الرحلات التي تمت في ذلك العالم اتاحت للرحالة الأوروبيين، فرصة أكثر للتعلم والكسب.
لحظة حاسمة
ففي بداية عام 1492 كانت هنالك لحظة حاسمة في تاريخ القارة الأوروبية تمثّلت في استسلام ملك غرناطة المسلم أبوعبدالله محمد الصغير أمام الملك القشتالي فيردناند الخامس. وهي اللحظة التي شكلت سقوط حكم المسلمين في الأندلس، أي نهاية الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا. وباتت المسيحية خلال الخمسمائة عام التالية مرتبطة ارتباطا عضويا بالقارة الأوروبية. فمنذ سقوط غرناطة وإلى اقامة دولة البانيا في عام 1925 لم تكن بالقارة أي دولة ذات أغلبية مسلمة.
ومن المجموعة الكبيرة للاحداث التاريخية المهمة التي يذخر بها الكتاب، يتضح للقارئ ان عددا كبيرا منها ناتج عن الصدفة وعدد من الأحداث غير المتوقعة، والعواقب غير المقصودة.
ويبدو التاريخ -نوعا ما- وكأنه مجموعة من اخطاء البشر. كما يسجل الكتاب كيف ان «بعض الأحداث العشوائية غير المتوقعة كانت مسؤولة عن احداث تغير ضخم». فالقضية لم تكن مرتبطة «بالتنمية» أو «التقدم» بل بعدد لا يحصى من الأحداث المتوالية التي يصفها المؤلف ارميستو بانها «هزات عشوائية» يبدو وكأنها تشكل نسقا مهما.
فالمسلمون الذين طردوا من أسبانيا استقروا في شمال افريقيا، وخلقوا بالتالي صلة في ما بين الاسلام، والأمم الأفريقية المجاورة وهي صلة قوية ووثيقة ظلت مستمرة منذئذ.
ولادة عالم جديد
ووفق هذا الكتاب، فقد تغير كل شيء في العالم في عام 1492 في ما يتعلق بالطريقة التي توزع بها السلطة والثروة في أنحاء الكرة الأرضية. والاسلوب الذي تقاسمت به الديانات والحضارات الكبرى العالم في ما بينها. وكذلك زيادة الترابط في ما بين الاقتصادات المختلفة، وهو ما بات يطلق عليه الآن صفة «العولمة».
ففي خريف هذا العام المهم، 1492، وصل كريستوفر كلومبوس إلى العالم الجديد. ويصفه المؤلف بانه شخصية مغامرة دفعته الحكايات والبطولة وليس البحث عن الذهب إلى القيام برحلته تلك. ويقول انه كان يسعى للوصول إلى الصين، ولكنه وجد نفسه بدلا من ذلك في جزر الكاريبي. ولو كان قد تمكن من الوصول إلى الصين في عام 1492 لكانت أذهلته تلك الدولة المنظمة البيروقراطية الثرية وشعبها المتعلم. وهي لم تكن تهتم بالبرابرة الذين يقيمون خارج نطاق حدودها.
ويطرح الكتاب سؤالا مهما، وهو: كيف استطاعت أوروبا التفوق على تلك الحضارات المتقدمة في تلك المرحلة؟ فهي لم تكن القارة الأكثر تطورا في مجال العلوم، مقارنة بجيرانها، كما لم تكن تلك القوة التجارية التي نعرفها الآن.
ويرى المؤلف ان بروز أوروبا وصعودها يعودان إلى فشل منافسيها في استغلال فرصهم، بينما استطاعت أوروبا بثقافتها -التي تقدر المغامرة كثيرا- تحقيق طموحاتها والتفوق على الآخرين.

- المؤلف: فيليب فيرنانديز ارميستو
- الناشر: بلومسبيري

الاصلاح الجذري: الأخلاقيات الاسلامية والتحرر


http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/06/154286_2sdar_small.jpg

صدر حديثاً عن 'الشبكة العربية للأبحاث والنشر' كتاب 'الاصلاح الجذري: الأخلاقيات الاسلامية والتحرر'، تأليف طارق رمضان (أستاذ الدراسات الاسلامية المعاصرة في كلية اللاهوت في جامعة اكسفورد)، وترجمة أمين الأيوبي.

يخاطب طارق رمضان، في كتابه هذا المجتمعات الاسلامية في الشرق والغرب على السواء، ويدعوهم الى إصلاح جذري قائم على التحول، ومتسلح بالوسائل الروحية والفكرية والعلمية للتعامل مع الواقع، والإبحار في ميادين المعرفة كافة، استعداداً لمواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والفلسفية والأخلاقية.




في هذا الصدد، يقترح رمضان ثلاث أطروحات: الأولى، إعادة النظر في طبيعة الإصلاح، والتكيف مع تطور المجتمعات والعلوم والعالم بغية الوصول الى التغيير الجذري المنشود. الثانية، إعادة النظر في جغرافية أصول الفقه ومصادره وتصنيفاته، والعمل على دمج المعارف الإنسانية والأخلاق التطبيقية، التي يمكن من خلالها تحديد غايات الإسلام السامية وأهدافه العليا. أما الثالثة، فهي العمل على تحقيق الانسجام بين علماء النصوص وعلماء الواقع من خلال الرسم الدقيق للكفاءات والتخصصات والأدوار المنوطة بهم في مختلف المجالات.

عندما تنبأ كمال جنبلاط بقتله وخاف على وليد من القتل!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C04%5C06%5Cc110cc74-db9b-41d1-b594-e9d765cc5558_main.jpg

جهاد فاضل
في كتاب جديد عن زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الراحل كمال جنبلاط يقول مؤلفه الدكتور خليل أحمد خليل، ان كمال جنبلاط كان ماضويا حاضريا يستشف مستقبله كلمح البصر. ذات يوم جاءه مُخبر يحدثه همساً عن محاولة اغتيال كميل شمعون في ساحة النجمة (المجلس النيابي في بيروت) وهو مغتبط. عبس كمال جنبلاط في وجهه وتولّى عنه: «لا تفرح بموت أحد قتلاً أو سهوا، هو ينجو وأنا أقضي قتلاً» بعدئذٍ كتب في ديوانه «فرح» قصيدة «العصفور»، واصفا كيف سيقضي العصفور البريء الى جانب دالية قريبة من طريق الخلاص، أو الموت. وعندما جرت محاولة اغتيال صديقه العميد ريمون أده بصاروخ أُطلق على بيته في جبيل، نُقل الى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث زاره كمال وهمس في أذنه: «اذهب الى فرنسا! أنت تنجو، أما أنا فلا».

وكان يقول عن أسرته آل جنبلاط: «قدرنا كالسنديان ان نموت قتلاً ونحن واقفون»! وعندما كان البعض يحثونه على تسييس ابنه وليد، كوريث وحيد مقبل لزعامته، كان يكشف هواجسه: «صدقوني يا عمّي ما بدي اياه يموت قتل»!
وقد ذهب فؤاد جنبلاط وأبو كمال جنبلاط قتلا أيضا. قُتل الأب زمن الانتداب الفرنسي، والابن أي كمال زمن الوصايات والتدخلات العربية والاعتداءات الاسرائيلية. يقول المؤلف: «يُقال ان فؤاد بك كان على صهوة جواد أبيض حين قُتل وهو مدير الشوف الفوقاني، ومقره في بعقلين، الرصاص الثائر شكيب وهّاب من الجاهلية. قيل ان ثوار 1958 استقدموه الى قصر المختارة، فقال له كمال جنبلاط: «كان ذلك خطأ غير متعمد. في الثورات يُقتل دائماً العصفور البريء. اني أسامحك، فارحل الآن بأمان ولا تجعلني أراك ثانية. لا تنس ان المقتول كان أبي، وان الح.لم قد لا يسبق دوما غضب السيف».
غابة ذئاب
وفي الحالين، يضيف المؤلف، ان مقتل الأب وإعدام الابن يعنيان انهما عاشا في غابة ذئاب تجعل البلاد ساحة حروب مفتوحة وشبه متواصلة. الابن كمال عاش طفولته مع صورة الأب المقتول التي صار قصر المختارة بروازها الكبير، والى جانبه مدفن العائلة. كما عاش بوهم مقتله هو ذات يوم، وبوهم مقتل الابن الوحيد مجددا.
ويرسم المؤلف صورا كثيرة جميلة لأمير الدروز الراحل: مثل كل ساحر سياسي ماهر، مثل قائد أوركسترا، منذ أيامالفارابي الذي يعزف لسامعيه موسيقى تضحكهم وتبكيهم، تنومهم وتوقظهم، كان كمال جنبلاط زعيما مزدوجا: حديثا /تقليديا، استثنائيا/ عاديا، يخاطب الخاصة بفكره، والعامة بخدماته. كانت الخاصة تعتقد ان كمال جنبلاط هو اميرها الحديث وحدها، امير نارها التي ستوقد هشيم الجماهير وتحدث التغيير. وكانت العامة تعتقد انه اميرها الاجتماعي الذي يصون تراثها ويحفظ وجودها ومصالحها.
كلتاهما: الخاصة والعامة، تريان الزعيم وتعميان عن الدولة.
وربما لهذا السبب غابت الدولة عن الوجود المؤسسي، وغاب عنها فكر الحداثة، فلم يلامس فكر كمال جنبلاط الا سطحها.
من مرقبه الشوفي، ابعد من عامة وخاصة، كان كمال جنبلاط يراقب اسماك لبنان التي تنط من مستنقع الى آخر كلما «زتَّ» لها زعيم فتفوتة خبز او قرص عسل. كان الشاعر رشيد نخلة، قائمقام صور، مولعا بشابة صورية حسناء كان رآها مدلوعة على شرفة محجرها، فتأوه حين شاهد ظلها يتراقص في مياه بركة المنشية ويتجمع حولها السمك: «تاري السمك بالمي بتحب الحلا..»، وفهمت ان الناس يكفيهم ظل زعيم يرقص في مياههم، وان النخبة يكفيها حبره المنثال على ياقات قمصانها المكوية «قلت للزعيم»: «لبنان صفّى نهر ورجاله سمك.. يا ويل السمكات الزغار من الكبار»، قال: هذه حال الدنيا!
حارس غابة الفقراء
ويرى الدكتور خليل احمد خليل ان كمال جنبلاط كان مثالا يقتدى به، وصادقا يحتذى. لقد صار الدرويش البايزيدي حارس غابة الفقراء على تخوم غابة الاثرياء. لقد تمنطق وتعملق وهو يتحقق ذاتيا، عربيا ودوليا، دون ان يتوج ملكا على لبنان. كان يرى نفسه سيدا بين سادة الارض واشرافها، شبيها بعبدالناصر ونظيرا لغاندي. كان محايدا في نزاهته، محتكما بعلمه ووهمه الى ضميره واخلاقه. وكان الحزب عنده وسيلة لخدمة القبيلة، وما نحن سوى قابلة تاريخية تستقبل المواليد الجدد برحابة. قبل بلوغنا صومعة سبلين، تساءلت: هل يكفيه ان يعترف به عرب او عالم، اذا لم يعرفه لبنانيون ويعترفوا به ضميرا لحريتهم، رسولا لكرامتهم، سيدا من ساداتهم، يكبر بهم ولا يستكبر عليهم؟ لم أبح بسؤالي هذا، واكتفيت بما انبسط هناك امامنا من الصنوبر وطيور الله التي راحت تعزف موسيقى الكون، موسيقى الافلاك العظمى التي لا يلتقطها الا من اوتي اذني العقل والكلمة، مثل كمالنا الذي كان يغذي النفس بالانفاس النظيفة قبل ان يطعمها على مائدة الرحمن طعاما من نبات وفواكه واطياب ويسقيها ماء من صلصال. بين عسل الزعتر والهندباء الاصلية ولبن الماعز، وخبز الاجداد والايام، كان الجلوس يحلو طويلا مع المعلم، وهو يتربع لا يمد رجلا ولا يرفعها، منتعلا حذاء ربما لم يغيره منذ سنوات. كان يحني رأسه قليلا فوق «الميسود» فتندلع خصلة على جبينه المطبوع بسنا الفجر، او بعمامة جبل الباروك
او حرمون، كان جبلا بين جبال، بعد كل لقمة يلتقطها، وهو يحثنا على مؤانسته في يومه (الاربعاء) يرفع وجهه الى السماء وهو يرتل: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله!
صور شخصية
ويروي خليل احمد خليل بعض الدقائق المعبرة في حياته حول مائدته: «كانت مائدته المحلية المفضلة في بيته تحفل بالزعتر الاخضر واليابس، بالعسل الجبلي، والمربيات واللبن واللبنة والحليب الطازج والزبيب، وبما طاب لنفسه من فواكه وخضار موسمية، كان يأكل بشهية، وكان طبق العدس من اشهى اطباقه اليومية ناهيك عن البيض البلدي المسلوق والمقلي. عموما كان يأدب منفرداً واحيانا مع الصفوة من اخوانه. كان لا يتناول خمرا لكن حين يضطر لمجاملة ضيف اجنبي او يكون في ضيافة اجانب، كان يكتفي بالمسايرة رافعا كأس ماء او نبيذ».
ويرسم صورة شخصية له: «كانت له عينان صغيرتان هادئتان كنبع الباروك الذي كان احد روافده يعبر قصر المختارة جاريا في الحدائق حتى الوادي، وكان بعينيه يطفئ حريقا او يلهب ثورة، كان يطعم خبزا فيتمشيخ ويضرب سيفا فيتأمر: بدأ آل جنبلاط مشايخ رتبة او دين قبل ان يصيروا بكوات، وما انفكوا يضربون بالسيف حتى لا يعود الطعام السياسي ناجعا.. هو امير فكر ونار، جعلته نفسه والطبيعة شاعراً، كان الجمع ينتظر نظرة حانية من عينيه يتبركون بها، وفي الوقت نفسه كانوا يحسبون الف حساب لغضبة عينيه ودمعتهما، لم اره دامعا الا مرة واحدة عندما كنا معا في مكتب الحزب ونقل اليه خبر اغتيال شقيقته الوحيدة ليندا واصابة بناتها في منزلهن بعين الرمانة (بيروت مايو 1976): «مسكينة عاشت معهم زوجت لهم بعض بناتها وظنت بهم خيرا، قتلوها لانها صدقتهم»! وقال لمخاطبه «المهم الآن نقل الجثة الى المختارة لدفنها، والاهتمام بالجريحات»! ثم مسح دمعة نفرت على وجهه، ومضى.
في ايام الحقيقة ايام الرجل الاستثنائي/العادي، كان المنظور يتجلى لناظريه، هو الشغوف بالآية الكريمة: وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة» كانت عينا كمال جنبلاط تشخصان الى داخله اكثر مما تنظران الى خارجه، وكان يتسلط بعينيه على علمه بنفسه.. وفي غير اتجاه كان يطلق فكره بلا هوادة، موصلا الى الكل رسائل مفصلة، كان المشهد التعارفي يدور بين الناظر الداخلي والمنظور الخارجي بين عينيه وبين الكون، وغالبا ما كان الشاهد الجنبلاطي يكتفي بلغة الاشارة حيث لا تفيد العبارة، وكان يقول: عندما تضطرب النفس لا بد من تهدئتها وطمأنتها، وقبل النوم كان يطوي جسده، عن عين الوجود، تماما كما كان دأب صديقه ميخائيل نعيمة في «همس الجفون».

اغمض جفونك تبصر
خلف الجفون عيون!
كتاب جميل عن شخصية تاريخية جميلة!

العمارة الإسلاميَّة من الصين إلى الأندلس... ثقافة العمران
بيروت - عبدالله أحمد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/08/154571_untitled1_small.jpg

صدر حديثاً عن «دار الصدى» كتاب «العمارة الإسلامية من الصين إلى الأندلس» للباحث خالد عزب، ويهدف إلى تعريف القراء بأهمية العمران كمظهر ثقافي وحضاري، وتوثيق هذا الإبداع العربي في مجالات التحضّر والتمدّن والعمران.

يرى خالد عزب أن الحضارة الإسلامية زخرت بتجارب لا حصر لها، أسدل الستار عليها، من بينها التجربة العمرانية والمعمارية، التي قامت على فقه العمارة، والمقصود بفقه العمارة هنا، مجموعة قواعد ترتّبت على حركة العمران نتيجة الاحتكاك بين الأفراد ورغبتهم في تشييد العمارة وما نتج من ذلك من تساؤلات طُرحت على الفقهاء الذين قدموا لها حلولاً سرعان ما تكونت منها قواعد عامة، احترمها أهل السلطة لاحترام المجتمع لها واعتباره إياها قانوناً شرعياً، ويفسر هذا الإطار حركة العمران في المدينة الإسلامية والقواعد التي شيدت وفقها العمائر.

أنصار

يفيد المؤلف بأن دراسة المدينة الإسلامية تنقسم إلى نزعتين. أنصار النزعة الأولى، هم أساساً من المدرسة الاستشراقية القديمة الذين لم يروا في المدينة غير السلبيات أي سككها الضيّقة وتعدّد أزقّتها وحاراتها الملتوية كالتواء المتاهة ومساكنها المنغلقة على نفسها، ولم يروا في مشهدها الحضري إلا مشهداً مضطرباً فوضوياً غير منظّم، تتداخل فيه كتل سكنية قليلة التهوئة بسبب نوافذ دورها المطلّة على الداخل. كذلك لم يحاولوا فهم المجتمع وقوانينه وتفكيك العوامل المتداخلة التي أعطت المدينة مظهرها العام، سواء كانت سياسية أو بيئية أو جغرافية أو اجتماعية أو دينية، ومن دونها مجتمعة لا يمكن فهم المدينة وعمارتها.

أما النزعة الثانية، وهي الأكثر موضوعية، فترى أن المدينة الإسلامية ليست مجرّد تجمّع فوضوي للأحياء والمساكن، بل تنظيم المجال الحضري، الذي يأخذ في الاعتبار رغبات السكان وحاجاتهم الحقيقية، في انسجام تام مع تركيبة اجتماعية متماسكة، إضافة إلى أن ما بدا للبعض أنه غير مرتب، قد يكون أحد أنماط التنظيم الذي يختلف عن التنظيم الهندسي وله جمالياته الخاصة.

يتابع الكاتب أن المدن القديمة التي دخلها المسلمون فاتحين تركوها على حالها وأحدثوا فيها ما يحتاجه الإسلام من أبنية كالمساجد، وجاء تعاملهم معها وفقاً لأحكام الشرع التي قسمت الأبنية إلى: البناء الواجب، مثل المساجد لتقام فيها الصلوات، بناء الحصون والأسوار والأربطة للدفاع عن ديار المسلمين، البناء المندوب كبناء المنائر التي تندب للآذان فيها كي يسرع الناس إلى أداء الصلاة، بناء الأسواق حيث يحتاج الناس إلى السلع وكي لا يتكلفوا عناء البحث عنها، فندب الشرع لذلك بناء الأسواق ليستقرّ فيها أصحاب السلع ويسهل للناس شراؤها منهم.

أما البناء المباح، فهو المساكن التي تبنى بهدف الاستغلال. من المعروف أن الشريعة جاءت لحفظ المقاصد الخمسة، الدين، النفس، المال، العرض والنسل، بينما البناء المحظور على غرار دور المنكر كالخمارات ودور البغاء والقمار والبناء على المقابر والبناء في أرض الغير، فأزاله المسلمون في المدن القديمة.

في ما يتعلق بالمدن الجديدة من بينها الفسطاط، وضع المسلمون مخططاً عاماً لها حددته السلطة، يقف عند حدود الخطّة أو الحي أو الحارة، ويتضمن طرقاً تكفي حاجة المسلمين طبقاً لظروف عصر التخطيط ولوسائل المواصلات التي كانت مستخدمة آنذاك، ويعتبر تخطيط مدينة البصرة أحد الأمثلة.

يضع المؤلف تصوراً لكيفية تشكيل المدينة الإسلامية من خلال عمليات البناء المتتابعة ووفق قواعد فقه العمارة، تستقرّ شوارع المدن بعد فترة من الزمن، حيث تستقرّ الفئة المستخدمة على شكل الشوارع التي تستخدمها ويصعب التعدي عليها بالبناء، فالطريق هنا ملك لجماعة المسلمين، بالتالي تعتبر السيطرة عليه من حق المارة أو المستخدمين له. ولأن كلّ ساكن في المدينة يمرّ بطرق معينة أكثر من غيرها، فهو بذلك عضو في الفريق المسيطر على الشوارع كافة التي يمرّ بها. لذلك اختلف عدد المسيطرين من طريق إلى آخر لاختلاف عدد مرات ترددهم عليه، بناء على موقع الطريق واتجاهه.

أما المسجد الجامع، فهو مكان لجمع المسلمين في مكان واحد وعلى قلب رجل واحد، مكان يحميهم من التقلبات الجوية والظروف المناخية. لا يتعدى الجانب الوظيفي في تصميم المسجد إيجاد الفراغ المناسب للمسلمين الذين يقيمون فيه الصلاة، متجهين في صفوفهم المتراصة قَبلة المسجد الحرام، ويتطلب المضمون الإسلامي في هذه النظرية المعمارية أن يأخذ المسجد شكلاً طولياً متعامداً باتجاه القبلة.

بالنسبة إلى المساكن، يفيد الكاتب بأن الاهتمام بها لم يقتصر على منازل الأثرياء وقصورهم وأبناء الطبقة المتوسطة، بل امتدّ إلى الفقراء من عامة الناس، خصوصاً في المدن المزدحمة كالقاهرة، حيث تحايل مهندسو العمارة الإسلامية لحلّ المشاكل من النواحي الاقتصادية والجمالية والاجتماعية. كذلك عرفت المدينة الإسلامية التكافل الاجتماعي عن طريق توفير السكن للمسلمين المعدمين، ففي مدينة رشيد العثمانية مثلاً ألحق الأغنياء بمنازلهم «أحواشاً»، وكل حوش هو عبارة عن فناء حوله مجموعة من الوحدات السكنية الصغيرة يسكنها المعدمون ويتولى صاحب المنزل الملحق به الحوش الصرف عليهم.

عصب

في مجال المؤسسات الخدمية في المدينة الإسلامية، يتحدث عزب عن عدم تكامل وظائف أي مدينة إلا إذا توافرت فيها مجموعة من المؤسسات الخدمية التي تشكّل عصب المدينة، وقد حرص المسلمون على إقامتها وتنظيم أداء وظيفتها بسهولة وانتظام.

يتناول عزب في كتابه المؤسسات ذات الفاعلية الشديدة في المدينة الإسلامية، خصوصاً المؤسسات التعليمية والتثقيفية والصحيّة وأولها المدارس، حيث كانت المساجد هي المعاهد الأولى للتعليم لدى المسلمين، يتلقون فيها مبادئ الإسلام وأصول الدين والحثّ على طلب العلم، وكانت مظهراً أولياً لنشأة حركة التعليم، فأصبحت المساجد هي الجامعة الأولى في القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة، أبرزها: المسجد النبوي الشريف، المسجد الحرام في مكة، المسجد الجامع في البصرة، مسجد الكوفة. شهد القرن الرابع الهجري تبلور فكرة المدرسة بظهور دور متخصصة للتدريس فيها مساكن للغرباء وأوقفت لها الأوقاف وجعلت فيها خزانات للكتب ودُرِّست فيها علوم مختلفة.

يتابع عزب حديثه عن المؤسسات الخدمية، ليصل إلى «البيمارستان» أو «المارستان» (المستشفى بالمفهوم العصري)، وهو إحدى المؤسسات الخيرية العامة التي شيّدها الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء وغيرهم من الموسورين من الرجال والنساء صدقة. وكان الحكّام الأمويون أول من أنشأ المستشفيات النظامية من العرب.

أقدم بيمارستان عرف في دمشق، عاصمة الأمويين، تنسب عمارته إلى معاوية بن أبي سفيان، تضمن أقساماً منوعة للعلاج: قاعة لمرضى الحميات وأخرى للرمد وثالثة للجراحة ورابعة لمن أصيب بالإسهال، وقد زود بمطبخ لتجهيز طعام المرضى، وكان فيه موضع للأدوية والأشربة، ومكان لترتيب المعاجين والأكحال وغيرها وبلغ التكامل ذروته عندما خصص مكان فيه لتدريس الطبّ.

نظافة

وبما أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية تأمر في أكثر من آية بالنظافة الدائمة، فقد اعتنى المسلمون بالحمامات، سواء الخاصة الموجودة داخل القصور ومنازل القادرين، أو تشييد عمائر للحمامات العامة يؤمها الشعب على اختلاف طبقاته. وكان لهذه الحمامات العامة شأن في الحياة الاجتماعية في العصور الإسلامية المزدهرة، إذ كان يخصص للنساء يوم أو أكثر أسبوعياً يلتقين فيه للاستحمام والترويح.

كذلك أولوا عناية بالأسبلة، جمع سبيل، وهي المواضع المعدّة والمجهّزة لسقي المارة لوجه الخير. بناء الأسبلة أحد الأعمال الخيرية الجاري ثوابها على أربابها بعد الموت ما دامت باقية منفعتها. والمعروف أن تسهيل الحصول على الشرب في المنطقة العربية قديم جداً ومعروف، لا سيما أن البيئة بجوّها الحارّ وبيئتها المتربة دفعت إلى التباري إلى إنشاء هذه الأسبلة لتأمين الخدمات للناس.

المصرية للسرديات» مؤتمر «السرد النسوي في الأدب العربي المعاصر».

شارك في المؤتمر نقاد وباحثون وأديبات من مختلف الدول العربية، وناقشوا قضايا المرأة المبدعة من وجهة نظر الرجال والمبدعات أنفسهن. قدم د. حسن عبد العليم يوسف موضوع «النقد النسوي في الأدب العربي المعاصر، ماهيته، شهادات بأقلام مبدعات»، رد فيه يوسف الاتهام عن الأدب العربي بأنه أدب ذكوري، مشيراً إلى مكانة المرأة كما وردت في مؤلفات عدة تعظم دور النساء، من بينها: «ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات» لأبي عبد الرحمن السلمي، «بلاغات النساء» لأبي الفضل أحمد أبي طاهر طيغور، و{الحدائق الغناء في أخبار النساء» لأبي الحسن علي بن محمد المعافري الملاقي.

كذلك رأي يوسف أنه ربما توافرت مؤلفات نسائية، لكنها أغفلت في مراحل الضعف والتخلف وغاب ذكرها عن كتب التراجم أو ضاعت مع ما ضاع من كتب التراث. لكن لو أن النساء كتبت مؤلفات ذات قيمة، فهل كانت لتغفلها كتب التراث كافة! ومن تهميش دور المرأة المبدعة وعدم ذكر أسماء الكاتبات من النساء في التراث إلى الكاتبة العربية المعاصرة التي تسعى إلى توثيق تجربتها وتحاول الهروب من المحاذير وحصار العادات والتقاليد البالية التي تقيد حرية المرأة، بكتابة شهادتها وسيرتها الذاتية... هذا ما تناوله د. أحمد عبد القادر الحسيني في دراسته «آليات السرد... شهادة الكاتبة العربية نموذجاً». اختار الحسيني لطفية الزيات ونوال السعداوي وسحر خليفة وليانة بدر وميرال الطحاوي.

بدوره، بيّن د. أيمن تعيلب في دراسته «الاستعارات النسوية المفهومية» أن الاستعارات النسوية لا تذكي الصراع بين الرجال والنساء، ولا تؤسس لسلطة الإعدام الرمزي للمجتمع أو رفض التراث، لكن تسعى إلى تعديل الوعي اللغوي والحضاري والديني العام كما أسسه العقل الذكوري المهيمن، وهذا التمرد في مواجهة الذكورة يقود النساء إلى رحاب قلق الاختلاف، والأصل في الوجود هو التعددية وهدم النظرة الاستعلائية التي نشرتها الثقافة الذكورية، لذلك كانت الاستعارة النسوية المفهومية قوة فكرية ومعرفية جدلية تنبع من قوة الحياة وثبات الأنا والذات التي تفجر ينابيع الخيال والإبداع.

كمثال على جماليات وقوة السرد النسوي طرحت د. عائشة قاسم محمد الشماخي «تقنية المرأة في السرد النسوي العربي لأحلام مستغانمي نموذجاً»، إذ تزدحم هذه الرواية بالنصائح لآلاف النساء العربيات اللائي يقدمن سنوات من عمرهن قرباناً لرجل لم يقدم لهن سوى الوعود، ويرين الحب ارتهاناً لشخص، ليس بالضرورة رهينة لهن، بل لمزاجه وأفكاره المسبقة وعقده وتطلعاته الشخصية.

في بحث د. محمود الضبع «الممنوع والمحرم في الرواية النسوية الجديدة الجسدية نموذجاً» تشتبك الرواية النسوية الجديدة مع الممنوع والمحرم لانتهاج طرق غير مألوفة وطرق تعبير جديدة، نظرة المرأة إلى جسدها باعتباره كينونتها ووجودها الحسي، تكتب وتعبر عنه بحب وتقدير وليس عورة يجب إخفاؤها والخجل منها، ما يقودنا لتساؤل مهم: هل الجسد رمز للأنا أم مجرد هوية جنسية؟ أجاب د. عبد الرحيم الكردي عن هذا التساؤل في «الإحساس بالهوية الجنسية في القصة النسائية القصيرة» ذاكراً أن المقصود بمصطلح الهوية الجنسية إحساس الذات بالذكورة أو الأنوثة وظهور هذه المشاعر في الإبداع القصصي. اختار الكردي 17 قصة قصيرة لأديبات عربيات مثل «عمة رفيق» لديزي المير من العراق، «جارة» ليانة بدر من فلسطين و{تجليات حادث عابر» لسهير سلطي التل من الأردن، «حديث حول الصمت» لتافلة ذهب من تونس، «القمر» لفوزية رشيد من البحرين «النشيد» لسلمى مطر سيف من الإمارات، و{في البدء كان السقوط» لنورة سعد من قطر و{الأصلة» لرجاء العالم من السعودية، «ولا خبر..لا» لليلى عثمان من الكويت... ورأى الكردي أن ثمة تضخماً واضحاً في الإحساس بالهوية الجنسية في معظم هذه القصص، فكل الشخصيات الرئيسية من النساء وجميع المشكلات والاهتمامات نسوية، بيد أن معظم هذه القصص يعبر تعبيراً واضحاً أو خفياً عن التبرم من هذه الهوية النسوية.هذا الإحساس بالقهر والدونية والظلم فطري في عقل المرأة العربية وقلبها، لا سيما المرأة الليبية. في هذا المجال رصد د. أحمد محمد عوين «صورة الرجل في القص النسوي الليبي، قراءة في نصوص مختارة» قائلاً: «كتبت المرأة الليبية لتعبر عن قضيتها واعتبار الرجل هو السبب المباشر لما تعانيه من حرمان وكبت واستغلال. في البداية كانت الكاتبات الليبيات ينشرن قصصهن ومقالاتهن باسم مستعار ومن هؤلاء زعيمة سليمان الباروني التي كانت تنشر باسم «بنت الوطن». ومن الكاتبات الأخريات اللائي برزن في الصحف والمجلات، خصوصاً مجلة «المرأة» لطيفة القبائلي وأماني نعلبة ومرضية النعاس وفوزية شلابي ونادرة العويتي وشريفة القيادي التي نشر لها روايتان، الأولى بعنوان «هذه أنا»
السرد النسوي في القاهرة... لا رجل يستحق دموع المرأة
القاهرة - أسمهان أبو الإسعاد

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/12/155022_44444-copy_small.jpg

لأهمية دور المرأة المبدعة في الحياة الفكرية والثقافية، عقدت جامعة قناة السويس و{الجمعية المصرية للسرديات» مؤتمر «السرد النسوي في الأدب العربي المعاصر».

والثانية «البصمات». والملاحظ في كتابات مبدعات ليبيات كثيرات أنها تدور حول أسئلة الذات والكينونة وقضايا المرأة وضياع الحقوق الأنثوية، في زمن قد يكون هذا التعبير انعكاساً واضحاً للواقع المعيش والبحث عن حياة أكثر رحابة، بعيداً عن سيطرة الرجل، وهل الأنوثة حكر على النساء وحدهن أم أنها رمز للعالم والحياة والتجدد؟».

في سياق متصل، تناول د. أحمد يوسف علي موضوع «أنوثة الشعر وتأنيث العالم» ليؤكد أن الأنوثة والذكورة وجهان لشيء واحد وهو الحياة، وأصبحت الأنوثة رمزاً للتقدير والتقديس عندما تصف مكاناً بالقدسية بأنه أم القرى، ولدينا في القرآن «أم الكتاب» وهي الفاتحة، ووصل الأمر إلى تأنيث العقل في القرآن لما له من دلالات فكرية تؤكد على مكانة المرأة في الإسلام على عكس الرؤية الفقهية السلفية. كذلك وعى الشعراء منذ القدم لتقدير الأنوثة أمثال أبي تمام وابن الرومي، وصارت المرأة رمزاً لتجليات الجمال الحسي والروحي والمطلق كما نراها بوضوح في قصائد العشق الإلهي. والمرأة الشاعرة لها مكانتها في التاريخ الإسلامي منذ الخنساء حتى الشاعرات المعاصرات، لكننا نعيش الاغتراب اليوم، خصوصاً اغتراب المرأة المبدعة ودفعها ثمن إبداعها من شعورها بالوحدة والغربة وعدم الانسجام.

من العرب إلى المسيحية والعكس
اللاهوت العربي.. تأرجح بين آليات الخروج ونقاء الفكر

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C04%5C13%5C7af7b4d6-143e-4b5a-b12d-0e9eb02cd6c6_main.jpg

صبحي موسى
لا يمكن القول إن الباحث المصري د. يوسف زيدان حاول في كتابه المهم «اللاهوت العربي»ـ الصادر أخيراً عن دار الشروق ـ تقديم حل لإشكالية المتكلمين سواء في الثقافة العربية أو المسيحية، بقدر ما حاول البحث عن جذور ومنشأ هذه الإشكالية، التي يرى أنها عربية حتى من قبل مجيء الرسول، بل إن سبب نشأتها الحقيقي هو وجود الثقافة العربية في مقابل الثقافة المصرية واليونانية القديمة، ومن ثم فإن علم الكلام، وفق رأيه، ليس علماً عربياً خالصاً، وليس العرب أول من تعرضوا له حسبما يرى الكثير من الباحثين، لكن الذهنية العربية المؤمنة بفصل الله عن الخلق هي التي تسببت في وجود هذا العلم سواء في الثقافة المسيحية أو الإسلامية في ما بعد.

قدم زيدان ـ في كتابه البالغ 230 صفحة من القطع الكبير، عبر سبعة فصول ومقدمة وخاتمة وفصل مزيد عن جدلية العلاقة بين الدين والسياسة والعنف ـ عرضاً لتاريخ الصراع الذهني بين الديانات السماوية الثلاث، نافياً أن يكون كتابه هذا بمنزلة انطواء تحت راية مقارنة الأديان، ومؤكداً على أنه سعى للكشف عما أسماه باللاهوت العربي، ذلك اللاهوت الذي كان سبباً في نشأة المدارس الكلامية سواء في المسيحية أو الإسلام، ومن ثم كان لابد أن يتعرض لتعريف علم الكلام، وكان التعريف الوحيد الذي استحق أن يصفه بالعبقري هو تعريف الإمام محمد عبده «علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن ينفى عنه». معتمداً هذا التعريف كبناء لفكرته عن اللاهوت التي انطلق بها من الثقافة الإسلامية إلى دائرة كل الثقافات الدينية الأخرى، أو التي اجتهدت في معرفة الله وصفاته.
ذهنيتان أمام المطلق
تقوم فكرة زيدان عن اللاهوت العربي من خلال المقارنة بين طريقة تعامل ذهنيتين مختلفتين مع المطلق أو الله، الذهنية المصرية واليونانية القديمة التي ذهبت إلى إمكان الإمتزاج بين السماوي والأرضي، والذهنية العربية التي سيطرت على شبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب، والتي قالت إن الله في السماء والبشر في الأرض، وثمة كهنة أو عرافون يقومون بدور الواسطة بينهما، ومن ثم ظهر اللاهوت حين انتقلت المسيحية إلى الشام، فقد تم الترحيب بها في مصر وتشكيلها وفق الثقافة المصرية، حيث الثالوث الرابط بين السماء والأرض، لكن الثقافة العربية في الشام رفضت أن يكون الأب هو الابن، وأن يكون للإله ثلاث صور أو أقانيم، وسعت عبر اجتهادات الآباء والقساوسة النسطوريين إلى تخليصه من هذا الامتزاج، فكان رد الأرثوذكسية المصرية صاحبة الإيمان القويم اعتبار ما نقيضها هرطقات، مما أدى إلى حدوث الانقسام بين الكنائس المسيحية حول طبيعة المسيح، وجاءت المجامع المسكونية كي تكون محكمة لا حكماً لهذه الأفكار، ورغم أن الإسكندرية كانت من النفوذ الذي يجعلها رأسا، غير أن مجمع خلقدونية أطاح بها، ومن ثم انفصلت عن باقي الكنائس لتشهد نوعاً من الاضطهاد العظيم حين جاء الإسلام إلى مصر.
اليهودية وعلم الكلام
لم تكن فكرة علم الكلام مطروحة لدى اليهودية، نظراً لأنها جاءت حسب الطرح العربي الخالص، فالله في السماء وموسى وجماعته في الأرض، وليس ثمة تزاوج أو تمازج، ومن ثم لم يأت الحديث عن صفات الله ولا عن طبيعة الابن، بل إن التوراة نفسها لم تتعرض لهذه الصفات إلا بإشارات قليلة عن الرب الحانق الغاضب النادم الحزين المدمر المتوعد لكل الشعوب من أجل أبنائه من اليهود، وهي في عمومها نوع من القصص التاريخي عن السلالة اليهودية منذ آدم حتى مجيء المسيح، لكن قصصها مليء بالسرود والمواقف التي لا تتسق مع قدسية الإله ولا نبل الأنبياء، ومن ثم رفض القرآن كل هذا، سارداً أغلب هذه القصص بطريقة راقية تتناسب مع فكرة العرب عن المطلق السماوي ورسله، كما سرد عن أنبياء لم تتناولهم التوراة في أسفارها أو كتبها، لأنهم كانوا أنبياء عربا وليسوا من بني إسرائيل كهود وصالح، فأسس بذلك لفكرة أن النبوة ليست حكراً على جماعة بعينها، كما ذهب زيدان إلى أن كلمة «أمي» التي وصف بها النبي ليست من الأمية ـ الجهل بالقراءة والكتابة ـ ولكن من الأممية، وهو الوصف الذي تناولته التوراة في وصف الأغيار أو الأمم من غير اليهود، كما قدم القرآن حلاً للإشكالية التي وقع فيها المسيحيون حول طبيعة المسيح، هو حل وصفه زيدان بأنه غير قابل للنقاش لأنه سماوي، فإما أن يقبل بالجملة أو يرفض بالجملة.
منشأ اللاهوت الإسلامي
لم ينشأ علم الكلام الإسلامي من طبيعة المسيح ولا علاقة السماء بالأرض كما نشأ في المسيحية، لكنه أيضاً لم ينشأ بمعزل عن هذا الفكر، فحين دخل الإسلام إلى الأمم المجاورة قام المسلمون بتغيير أنظمة الحكم، لكنهم لم يغيروا أنظمة الثقافة، ومن ثم لم يمض القرن الهجري الأول حتى أخذت هذه الأفكار في الظهور على أيدي أناس قيل إنهم كانوا مسيحيين أو إن معلميهم كانوا مسيحيين، في مقدمتهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وهم من أطلق عليهم آباء الكلام، لكنهم لم يتركوا منهجاً أو مذهباً متكاملاً، لكنهم تركوا مواقف وإشارات جعلتهم البذور التي انبثق منها الجيل الثاني أمثال واصل بن عطاء، ومثلما حرم وقتل آريوس، مكدونيوس، أبوليناريوس وغيرهم فقد قتل هؤلاء وعذبوا ولعنوا، وكل منهم كان من أبناء الشام، ومن ثم فقد لعبت الشام الدور الأساس في إنتاج ما أسماه زيدان باللاهوت العربي.
يعد كتاب يوسف زيدان واحدًا من الكتب المهمة في التعرض لفكر الجماعات الهامشية التي أحدثت خروجات ثقافية كبيرة في إطار المنطقة العربية، لكن ما قال به عن إمكان وجود لاهوت خاص بالذهنية العربية هو ما أحدث كل هذه الإشكالات في الفكرين المسيحي والإسلامي يحتاج إلى تمعن، فثمة العديد من التساؤلات حول نقاء هذا اللاهوت الذي أرخ له منذ البابليين والكلدانيين والآشوريين واليبوسيين وغيرهم ، ولا نعرف إلى أي مدى يمكن أن يتطابق فكر العربي المرتحل في الصحراء مع فكر العربي المقيم في الهلال الخصيب، ولا إلى أي مدى يمكن أن يتجاور فكر الأخير مع فكر المصري المقيم في حضن النيل، وإذا كانت الثقافة المصرية صاحبة التمازج بين السماوي والأرضي صكت المسيحية الوليدة على مزاجها، فلمَ تشابهت الأرثوذكسية القبطية مع الفكرة العربية في تشددها ضد كل ما هو نسوي، ولمَ انحازت روما للفكرة العربية وليس المصرية المتفقة معها في التمازج بين السماوي والأرضي؟ العديد من الأسئلة التي تدعونا إلى التمهل قبل الموافقة على وجود ما يمكن تسميته بلاهوت خاص بالفكر العربي.
هذا اللاهوت الذي ظهر في الثقافة المسيحية تحت مسمى الهرطقات وعاد من جديد مع الثقافة الإسلامية تحت مسمى علم الكلام، فمن الصعوبة حصر الأفكار بمكان أو جماعة بعينها رغم تغير الثقافات الحاكمة، كما أنه من الصعوبة رصد صراع ثقافي حيوي بهذا الحجم بمعزل عن الهيمنة السياسية الكامنة خلفه، لكن ذلك لا يمنع من القول ان مؤلف اللاهوت العربي رصد عبر قراءته الجادة تاريخ الصراعات الثقافية التي انتابت المسيحية والإسلام، وان ثمة تشابها كبيرا بينهما يجعلنا نتفهم آليات وفكر جماعات الخروج في الثقافة العربية، وربما في طبيعة الذهنية العربية، وهذا ما طرحه في بحثه الأخير بوضوح عن جدلية العلاقة بين الدين والسياسة والعنف.

justice
05-04-2010, 05:04 AM
جناح واحد لا يكفي للطيران
بيروت - سليمى شاهين

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/05/154131_22222-heifa2_small.jpg

تتابع الأديبة هيفاء بيطار تزويد المكتبة الروائية قصصًا تشدّ القارئ من مطلعها، فيذهب معها في رحلة تتخبط فيها المشاعر وتتالى الأحداث باندفاع، فلا تترك له سبيلاً للتوقف قبل أن يبلغ الخاتمة. وروايتها الأخيرة «نسر بجناح وحيد» صدرت عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» بالتعاون مع «منشورات الاختلاف»، فهل يتمكن هذا النسر فعلاً من الطير بجناح وحيد أم أنه سيبقى جاثماً

لا يستطيع التحليق؟

في حلمه كان «يحلم» بأن يصبح طبيبًا جراحًا تأتي الراحة على يديه وتحلّ الرفاهية في أرجاء بيته الوالدي. ذلك الولد الذي كان يمتلك طاقة على الحلم لا تضاهى، ما الذي جرى حتى غدت أحلامه كوابيس تجعله يصارع قوى وهمية طوال الليل؟

إنها الخامسة فجرًا! أفاق على طرقات قلبه الهستيرية تخبط في صدره، فاستوى في فراشه ليؤكد لنفسه أنه ليس سوى كابوس مرعب يشبه كوابيسه الأخرى. ولكن أين يكمن الرعب في هذا الكابوس؟ حلم بمقاعد الدراسة عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، وبثوبه وحذائه الجلدي الرخيص اللذين لم يكن يستبدلهما طوال العام فيثيران سخرية الطلاب منه. لكن الرعب لم يكن في هذا المشهد، بل كان في حلم الولد الذي كان يحلم بأن يغدو طبيبًا وتحقق حلمه.

انطلاقًا من حلم الفتى الرائع الذي تحوّل الى كابوس سيطر على حياة الدكتور كريم بعد أن تحقق، تأخذنا القاصة هيفاء بيطار في رحلة تروي فيها معاناة هذا الطبيب في حياته الداخلية والمهنية وفي علاقته بالآخرين. فالدكتور كريم، ذلك الشاب الطموح والذكيّ تفاجأ بالواقع الذي أصبح جزءًا منه بعد تخرجه، ولم يستطع التمرد عليه أو تغيير المسار الذي يسلكه. فما الذي حدث مع الحالم بالروب الأبيض والعيادة المزدحمة بالمرضى والسيارة الأنيقة والبيت الأرستقراطي والرحلات إلى الخارج؟

بطل اللوحة الأولى طبيب أنهكه العراك الطويل مع الأرق كل ليلة. فما إن بدأ حياته العملية حتى تصوّر له المستقبل بلا أمل. لم يقدر على التأقلم واستيعاب الظروف المستجدة إن في عيادته الفارغة من المرضى أو في المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه، فالتجأ إلى المنوّمات. بدأ بحبّة واحدة يبلعها ثم يغط في نوم عميق ينتشله من واقعه المزريّ. ولم تعد الحبّة تكفي فصار يستيقظ بعد منتصف الليل فيمد يده الى العلبة الصغيرة ليسرق منها حبة أخرى. وذات مرّة حاول بعزم أن ينقطع عن إدمانه الحبوب وتخفيف شرب القهوة، ولمّا حلّ المساء داهمه الخوف بأنّه لن يستطيع النوم، وأحسّ بوهن شديد في جسده، وتسارعت ضربات قلبه، فتناول قليلاً من الويسكي علّها تريح أعصابه، إلا أنه لم ينم سوى ساعتين. وحين حلّت الليلة الثانية حاول تكرار ما فعله، لكنه أحسّ بتوتر واضطراب شديدين، فبحث عن حبّة في صندوق الأدوية، وإذا بأصابعه تتلمس إبرة فاليوم فكسرها وشرب السائل رغم انتهاء مدة صلاحيتها منذ شهور.

لم تخل حياة الدكتور من مغامرات جنسية منذ بداية الرواية. فهو يتذكر يوم قصدته السيدة فريال في عيادته، فحرّك عطرها الأنثوي غرائزه. امرأة في الثلاثين متزوجة من رجل يكبرها بعشرين عامًا، لم تستطع الإنجاب بعد سبع سنوات لأن العيب في زوجها. أغرته بأسلوبها وأكرمته بمالها فأصبح طائعًا لمطالبها رغم معرفته بكثرة عشّاقها. وشرع يقصدها في بيتها عند غياب زوجها أو في سفره. يخرج من المشفى بعد التوقيع صباحًا كما يفعل الكثير من الأطباء والموظفين الرسميين، ويعود إليها عند اقتراب موعد التوقيع ظهرًا. كلّهم يتساوون في الهروب من الدوام الى عشيقاتهم أو إلى تسوية مشاغلهم.

سنوات تمضي على هذه الحال بين عيادته ومشفى الرخام الذي يبعد عنها مسافة ربع ساعة سيرًا على الأقدام. لكن الحياة بمختلف صورها تجري أمام عينيه. لوحات روتينية مأساوية تبعث المرارة والاشمئزاز في كيانه وتطرد من أمام عينيه ملامح الأمل والرجاء.

مأساة الدكتور كريم تستعرضها الروائية في قراءة غير مرتبة لمذكراته. فهذا القلم الذي خطّ ما يراود مخيلة الدكتور من خواطر لم يأت أبدًا على ذكر لحظة سعيدة. فالشكوى من الملل والفراغ الذي يشعر بهما في عيادته سوف يحوّلانه إلى تمثال من الجصّ، والضيق المادي والإفلاس المعنوي أفرغا حياته من معانيها، وصار يخشى اليوم الذي لن يتمكن فيه من القيام بمصاريف المعيشة اليومية.

لكن مسيرة الحياة لا تتوقّف والأحداث قد تقع بين فينة وأخرى بدون إرادة منا. وهذا ما حصل عندما كان جالسًا في عيادته يفكر بأنها المرأة الوحيدة المخلصة له والتي ستحبه إلى الأبد. وفكّر أنّه لم يتمكن من بيعها، وأراد أن يدوّن هذه الفكرة في دفتره، وإذا بفتاة سمراء تدخل عليه وفي يدها فنجان قهوة يرتعش. نظر إليها وعرف أنها الموظفة الجديدة التي تعمل في مكتب جاره المخلص الجمركي، إنها أمينة!

اعتاد الطبيب على رؤية أمينة وارتاحت نفس أمينة إليه. وتكرّر رشف القهوة معًا، فنسج الدفء خيوطه بينهما، وجمعتهما الألفة بعد وحدة وانعزال، فتعانق الجسدان في رقصة شهوانية ساحرة عبثت بنسائم الحنان والخجل.

لم تدم هذه المتعة طويلاً، وسرعان ما سافرت أمينة إلى الكويت لتعمل خادمةً هناك.

أين عساه يذهب؟ سأل الدكتور كريم نفسه. وقّع علامة حضوره على سجلّ المستشفى وخرج يتسكع. وفي طريقه يلتقي بنماذج عدّة من الناس تصفهم الروائية لتؤخذ منهم العبر من نهج حياتهم في المجتمع. كان يحارب الوقت بالنوم، فهذه حكمته الجديدة، وهو يتشاجر كل ليلة مع مسائه ولا تنتهي المعركة إلا بمساعدة المنوّم. أما في الصباح، في تلك اللحظات البكر من الفجر، كانت نفسه تصفو كمرآة لماعة تعكس كل أشعة الشمس حبًا وبهجة فيكتب على دفتره صفحات أشبه بمناجاة كونية. إنها ساعات الانفعال الصوفية التي كثيرًا ما كان يشك بحقيقتها. بروق خاطفة تلمع في خاطره فتبدّدها غيوم القنوط الرازحة على صدره.

لا تكتفي هيفاء بيطار بولوج عالم الطبيب المهني والاجتماعيّ والنفسيّ، بل تعدّته لتصف العلاقة القائمة بين أخ وأخته. فللدكتور كريم شقيقة يسمّيها سلوى الحبيبة تصغره بسنين. عاشا معًا في غرفة واحدة. طوال ربع قرن كان كريم خلالها نعم الصديق، يوفّر لها الأمان والمساعدة والنضج، ولم يخطر بباله يومًا أن شقيقته سترفض له طلبًا أو تترك في قلبه بعضًا من أسى.

تزوجت سلوى من مهاجر ثريّ بعد أن تخلّت عن حبيبها لأنه فقير. أسدل المال على عينيها برقع الأنانية فلم يعد للأخوة بنظرها تلك المعاني السامية. فالأخوة بتعبير آخر لم تعد سوى انزلاق من رحم واحد، وهذا ما خيّب آمال كريم. فبعد أن هاجرت سنوات وعادت في زيارة شهر قضته في بيت أهلها كره كريم الشخصية التي آلت إليها.

تفاقم الضيق على الطبيب ولم يعد بإمكانه دفع إيجار عيادته، فاستنجد بأخته الثرية علّها تعينه على تجاوز محنته، وإذا بجوابها يدمِّر كلّ إحساس بالأخوة في قلبه.

في اللوحة الأخيرة من الكتاب تصل هيفاء بيطار إلى ذروة المعاناة حيث جعلت بطلها مجرمًا بالصدفة. فبينما الأزمة المادية تشتدّ بخناقها على الطبيب لتصبح جيوبه خاوية تمامًا، قصده رجل يصطحب طفلاً صغيرًا يشكو ألمًا في الشرج.

فحص الدكتور الصغير وأدرك أن علاج هذه الحالة يستدعي وضع قطنة في الشرج لمدة سنة لتقوية الفوّهة، لكن صوتًا شريرًا في داخله أغواه أن يوهم الأب بأن ابنه بحاجة الى عملية جراحية ليستفيد من ذلك ببعض المال كما يفعل زملاؤه الأطباء.

وافق الوالد على إجراء العملية، وفي أثناء تخدير الصغير توقف قلبه عن الخفقان ومات.

زلزلت هذه الحادثة كيان الدكتور كريم ونهشه الألم واليأس وتأنيب الضمير. اتكل على الزمن لينجو من وضعه، لكن الزمن لن يغيّر شيئًا من الحقيقة المؤلمة فقد انتهى عالمه مع آخر نسمة خرجت من فم الصغير.

بعد الانتهاء من قراءة الرواية تمنيت لو أن المؤلّفة أطلقت عليها عنوان «نسر بلا جناحين»، ثمّ انتبهت إلى أن وجود جناح وحيد أم عدم وجوده سيّان!

مسيرة ماو غيرت حياة ربع سكان العالم
«بلا قيود».. حكاية المسيرة الصينية الطويلة

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C04%5C06%5C6513cfd0-9d12-4c4f-901d-d7b3605de526_main.jpg

محمد حسن
تمثل المسيرة الطويلة الملحمة التي أوصلت الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة بقيادة الزعيم ماوتسي تونغ. ويروي كتاب «بلا قيود» للمؤلف دين كينغ حكاية تلك المسيرة الأسطورية التي غيرت تاريخ ربع سكان العالم، وباتت معلما من معالم تاريخ القرن العشرين.
وقد أمضى المؤلف خمس سنوات يتابع خطى تلك المسيرة على الأرض. وركز خلال ذلك على حالة ثلاثين امرأة تم اختيارهن للمشاركة فيها، وقد تمكنت تلك المجموعة من النسوة من النجاة بعد تلك المسيرة والمخاطر التي واجهتهن، وذلك على عكس من الرجال ممن أدركهم الموت خلالها.
ويقول من تابعوا المسيرة انها قطعت 3750 ميلا من جنوب شرق البلاد إلى شمالها الغربي، غير ان زعيمها ماو قال انه قطع 6000 ميل.

تبدأ حكاية تلك المسيرة بعد تخلص الثوار من آخر امبراطور حكم الصين، وتأسيس صن يات - سين لجمهورية الصين. وقد كان لمؤسس الجمهورية مساعدان هما ماوتسي تونغ وشيانغ كاي - شيك. وبعد وفاته دخل الاثنان في نزاع مرير.
الارهاب الأبيض
وبعد تولي شيانغ كاي - شيك قيادة الجيش الوطني شن حرب «ارهاب أبيض» ضد الشيوعيين الموالين لماو. ورد ماو على ذلك بقيادة انتفاضة في مقاطعة هونان مسقط رأسه، وهي الانتفاضة التي تم قمعها بوحشية. وتشير التقديرات إلى انه قد جرى اعدام أربعة اخماس القادة الشيوعيين. وفي تلك المرحلة أعلن من تبقى من القادة عن قبول النساء ضمن صفوف حركتهم كرفيقات متساويات للرفاق الثوار. وكانت النساء في ذلك الوقت يعانين من التمييز، والاضطهاد في المجتمع الصيني، وبالتالي لم يكن من المستغرب تدفقهن للالتحاق بصفوف الثورة.
وفي عام 1934 حوصر الجيب الرئيسي للثوار بقيادة ماو في جنوب شرق مقاطعة جينانغ شي التي كانت تخضع للحكم الشيوعي. وشدد الجيش الوطني البالغ قوامه مليون جندي الخناق على الثوار. وكانت الطريقة الوحيدة أمام قوات ماو للنجاة هي الهرب من ذلك الجيب. وفي ليلة مظلمة من ليالي شهر أكتوبر عام 1934 تسلل 68 مقاتلا عبر صفوف الأعداء، ومن هناك انطلقت المسيرة الطويلة التاريخية.
ولم يكن أي من المشاركين يدرك كم من الوقت كانت ستأخذ تلك المسيرة التي شاركت فيها ثلاثون امرأة من بينهن زوجة ماو، وزوجة رفيقه القائد شو اين - لاي.
حكومة وجيش متنقل
ولقد شكل الثوار جيشا، وحكومة تسير على الاقدام. وكانوا يحملون معهم اطنانا من المعدات المكتبية، ومطبعة، وآلة تصوير بالاشعة السينية، وقوالب من الذهب، ونقودا معدنية. ولكن لم تكن معهم كاميرا تصوير سينمائي والصور الوحيدة التي وصلتنا لتلك المسيرة التاريخية بصنع صور فوتوغرافية قديمة غير واضحة، ولقطات لمجموعة من المقاتلين. ولهذا السبب لا يعرف الكثير عن تلك التجربة الفريدة.
وقد بدأت مسيرة الثوار بسرية تامة حتى ان شيانغ لم يكتشف أمرها الا بعد مضي ثلاثة أسابيع. وحال اكتشاف طائرات الاستطلاع لموقع المسيرة، يبدأ قصفها بالقنابل والمدافع الآلية، وكانت الطريقة الوحيدة أمام الثوار لحماية انفسهم، هي الانتشار والبحث عن سواتر تقيهم من الضربات. وفوق كل ذلك واجه الثوار العوائق الطبيعية، وهطول الأمطار الذي لا يتوقف الذي اتلف احذيتهم المصنوعة من الجريد. وان كان هطولها قد اوقف على الاقل طلعات الطائرات القاذفة، وكان الثوار يقطعون في المتوسط ما بين 25 إلى 30 ميلا في اليوم. وقد ارهقهم المشي المتواصل، واتلف احذيتهم التي استبدلوها بالخرق.
وكانت كل امرأة تحمل قدرا كبيرا للطهي وتناول الطعام، وغسل أرجلهن والجلوس عليه في المناطق الموحلة. وكان على المشاركين في المسيرة عبور سلسلة متتالية من الأنهار بواسطة جسور بدائية من القوارب والسلاسل. وكانت التيارات في بعض الأحيان قوية قد تجرف الحيوانات والحمالين. وقد فقد الثوار عند عبور أحد الأنهار تحت القصف المتواصل ثلاثين ألفا.
حساء الأحذية
وبعدها واجه الثوار عبور الهضبة التبتية بجبالها الثلجية الشهيرة التي يصل ارتفاعها إلى 14 ألف قدم. ولم يكن أمام الثوار بديل سوى تسلقها، وقد ظلوا يعانون من حالات الاغماء بسبب الارتفاع. وتلا ذلك محاولات عبور المناطق الصخرية الوعرة والمستنقعات ومناطق لا تعيش فيها أية حيوانات يمكن اكلها حتى جرذان الجبال. وشرعوا في ذبح البغال التي وفرت جلودها لهم فرصة صنع أحذية جديدة. كما بدأوا بعدها في غلي الأحذية في الماء لصنع الحساء، وخلط الحشائش مع الطحين لصنع الكعك.
وفي الأيام ذات البرودة القاسية كانوا يجدون اثنين من الرفاق جالسين ساندين ظهريهما بعضهما الى بعض دون حراك وقد توفيا من شدة البرد. كما توفي 400 مقاتل على الاقل نتيجة الجوع.
وعلى الرغم من ذلك كان الانضباط متبعا بصورة مثالية في اوساط المشاركين في المسيرة، إذ بدلا من اللجوء إلى النهب والسلب في المناطق التي تمر عبرها المسيرة كان يفرض على المقاتلين دفع ثمن ما يأخذونه، واعادة أي شيء استعاروه، واصلاح كل ما أتلفوا أو خربوا من الممتلكات، والأمر الأكثر صرامة كان عدم ممارسة الجنس لان الحمل يعيق حركة المسيرة. وعلى الرغم من ذلك وقع المحظور، حيث انجبت العديد من النساء أثناء المسيرة، وكن يقمن بلف الجنين بالقماش وتركه في مسكن مهجور على ان يعدن إليه في وقت لاحق. وقد تمكنت واحدة منهن على الاقل من استعادة طفلتها التي اطلقت عليها اسم «المسيرة الطويلة وو».
نهاية المسيرة
والتقى في نهاية المطاف الجيش الأول بقيادة ماو في شمال غرب البلاد مع الجيش الرابع الذي كان قد انطلق من الوسط. وبعدها جاءت الأوامر من موسكو بتوحيد جميع الأطراف الصينية للوقوف بوجه الغزو الياباني الذي كان قد احتل منشوريا. وكان ذلك يعني اقامة تحالف فيما بين الشيوعيين والقوات الوطنية التي كانت تلاحقهم. وأعطيت القيادة المشتركة إلى تشيانغ كاي - شيل الذي كانت تحت امرته أكبر الجيوش.
وكانت كراهية اليابانيين العامل الوحيد الذي وحد الصينيين، وذلك إلى عام 1945، حين هُزم اليابانيون، وبعدها تم استئناف الحرب الأهلية وكأن البلاد لم تعان بما يكفي.
وقد حققت المسيرة الطويلة انجازا واحدا هو تحول مناطق كبيرة في الوسط وفي شمال غرب البلاد إلى دعم الحركة الشيوعية. وبحلول عام 1949 انسحب تشيانغ إلى تايوان، وولدت جمهورية الصين الشعبية فوق أراضي البر الصيني.
ومن بين القوانين الأولى التي أصدرتها الدولة الوليدة قانون اصلاح الزواج الذي حظر زواج القاصرات والزواج القسري ووأد البنات والتعدد، والعمل على حماية الأرامل والأطفال.
حب جديد وزوجة جديدة
كما تمت مكافأة العديد من النساء ممن شاركن في المسيرة بمنحهن مواقع رفيعة في هيكل الحزب. ولم تحظ زوجة ماو البطلة بهذا التكريم. وبعد نهاية المسيرة تدفقت الشابات الطموحات إلى المقر الرئيسي لماو تسي تونغ ومن بينهن جيانغ كوينتش الممثلة الشابة القادمة من شنغهاي. وبعد وقت قصير نشأت بينها وبين ماو علاقة حب، وأصبحت فيما بعد مدام ماو الشهيرة ضمن عصابة الأربعة التي قادت الثورة الثقافية في عام 1966. وقد أرسلت زوجته الأولى إلى روسيا لتلقي العلاج إلى أجل غير مسمى.
وخلال الثورة الثقافية عانت المقاتلات ممن شاركن في المسيرة الطويلة من التهميش والاهانة، بل والسجن، مما دفع البعض منهن إلى الانتحار ولم يرد إليهن اعتبارهن إلا بعد وفاة ماو وسقوط مدام ماو. وعلى الرغم من ذلك فقد استمر ولاؤهن للحزب حتى الموت. وقد توفيت آخر واحدة منهن في العام الماضي.
والكتاب يزخر بتفاصيل عديدة حول مسيرة تأسيس جمهورية الصين الشعبية التي تحولت الآن إلى قوة اقتصادية كبرى وقوة سياسية وعسكرية صاعدة.

المؤلف: دين كينغ
دار النشر‍ ليتل براون

ندى عبد الصّمد في قصص عن يهود بيروت
ألم التاريخ طغى على جمال الأدب
بيروت - قزحيا ساسين
http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/07/154425_wadi_small.jpg
في زمن مضى كان لبنان أكثر رحابة للتعدّد الذي هو نعمة لا تخلو من نقمة، وجمال لا يخلو من ألم. وبعض من المعجزة، بالمعنى الأرضيّ، أن تتّسع جغرافية متواضعة لثماني عشرة طائفة لكلّ منها خصوصيّة وفرادة وتاريخ وأحلام. ولا شكّ في أنّ لبنان دفع ويدفع ثمن نسيجه الإنساني المتنوّع وهو منذ إعلان دولة لبنان الكبير يبحث عن ذاته وطنًا ذا طمأنينة وسلام.

وجود الطائفة اليهوديّة في عقد الطوائف اللبنانية حقيقة يثبتها زمان ومكان وناس وإن لم تكن واسطة العقد، غير أنّها لافتة الوجود، ولو استمرّت حاضرة إلى يومنا في سياق بعيد من التجاذب السياسيّ ومتلائم مع الوجدان اللبناني الموشوم بالسيادة، لكانت للتعدّد في لبنان نكهة أكبر...

في جديدها «وادي أبو جميل- قصص عن يهود بيروت»، تجرّأت الكاتبة ندى عبد الصّمد على فتح الباب المحظور وكتبت قصصًا حقيقيّة لها من تراب لبنان مكان ومن أبنائه شخصيّات، وحاولت القول إنّ من اليهود لبنانيّين وآخرين لجأوا إليه من العراق أو إيران أو غيرهما من الدول، وهم يومًا ما اختاروا لبنان وطنًا لهم شأن أيّ لبناني آخر، وتزوّجوا وأنجبوا وتاجروا وناضلوا ومارسوا النشاطات الحياتيّة كافة مثل كلّ اللبنانيّين وفي مختلف المجالات، لكنّهم تبخّروا بلا ضجيج، وغادروا على ظهور سفن لا توقظ المياه وهي تبحر... طاردت عبد الصّمد أخبار يهود وادي أبو جميل بقلم يرضي الأدب ولا يُزعل التاريخ، يعطي الحقيقة حقّها ولا ينتقص من حقّ فنيّة النصّ.

على امتداد ثلاث وعشرين قصّة قصيرة سعت الكاتبة إلى تأريخ الحضور والغياب، ومن الأسماء ما أوردته بحسب بطاقة الهويّة، وبعض الأسماء بدّلته واضطرّت الى تسمية شخصيّات منعًا للإحراج، وأكّدت أنّ ناس قصصها من صنع الحياة لا مخيّلة الرّوائي، وأنّ أفعالهم سردت كما هي، وبلا أيّ تعديل.

في مقدّمة الكتاب قدّمت عبد الصّمد نبذة عن تاريخ الطائفة اليهوديّة في لبنان التي وصلت إلى أوج حضورها في عشرينات القرن العشرين، وتزامنًا مع إعلان دولة لبنان الكبيرعام 1920 حصلت على حماية قانونيّة شأن سائر الطوائف. ولم يستطع يهود لبنان انتزاع مقعد نيابي على رغم طلبه من الرئيس إميل إدّه بسبب قلّة حماسة المندوب السامي الفرنسي. وقد ساعدت نكبة فلسطين على الهجرة اليهوديّة من الدول المجاورة إلى لبنان. أمّا هجرة اليهود من لبنان فبدأت مع حرب 1967 وتصاعدت وتيرتها مع الحرب الأهليّة اللبنانيّة سنة 1975. وتجدر الإشارة إلى أنّ أوّل كنيس بُني في لبنان كان في مدينة عاليه سنة 1890، ثمّ بُني كنيس في مدينة بحمدون سنة 1915... وأوردت عبد الصّمد معلومات دقيقة ولافتة عن جمعيّات الطائفة اليهوديّة ومؤسّساتها في مجالات متنوّعة استنادًا إلى مقالة نُشرت على الإنترنت ليهودي لبناني يُدعى فريد أزاروط.

قصّة «سليم مزراحي وماري السمن» هي أولى قصص «وادي أبو جميل» وأكثرها طولاً وقد تكون أغناها مضمونًا لما فيها من أحداث ذات قدرة على البوح بما قيل وبما لم يُقَل أيضًا.

ماري هي فتاة مسيحيّة، توفّي أبوها فاضطرّ أخوها إسبر إلى ترك المدرسة والعمل في السابعة عشرة من عمره. وانغمس في النضال لأجل حقوق العمّال، وانتسب إلى النقابات وبدأ يتعبّأ فكريًّا مع أصدقاء الحزب الشيوعي. وصار بعض اجتماعات الحزب الشيوعي يُعقد في بيت إسبر لأنّ الحزب محظور. وماري كانت تهتمّ بكلّ ما يجري وتناقش وتندفع وتتحمّس، إلى أن أصبحت عضوًا في الحزب الشيوعي. وفي سياق الاحتجاج الشارعي اعتُقلت في أجواء عنفيّة من السلطة، وعرفت بعد الإفراج عنها أنّ اليدين اللتين طوّقتا خصرها وشدّتاها إلى الخلف هما يدا شاب مناضل في الحزب الشيوعي وهو يهودي وافد من العراق، اسمه سليم مزراحي: «من فرع الحزب الشيوعي في وادي أبو جميل».

تطوّرت العلاقة بين ماري وسليم إلى أنّ تزوّجا بحسب الدين اليهودي، وضغطت ماري على أمّها إكرامًا ومسايرةً لأهل سليم، وهي لا تكترث دينيًّا وتعتبر المسائل هذه شكليّة، ولم تطبّق مراسم الاحتفال بحسب تقاليد الزفاف اليهودي كاملة: فلم «تنزل العروس عارية في بركة ماء ثمّ يجري تجفيف جسدها بمناشف يرسلها العريس». أنجب سليم وماري سبع بنات وكان المولود الثامن صبيًّا، فصار الحمل ثقيلاً على سليم ماديًّا، ومع تطوّر الأوضاع لم يعد الحزب الشيوعي محظورًا بعدما أعلن رفضه تقسيم فلسطين، وتسارعت الأحداث في لبنان والمنطقة وتصاعد الاحتجاج على قيام دولة إسرائيل... وتحت هذه الضغوط، وإغراءات الحاخام، انتقلت عائلة سليم مزراحي إلى إسرائيل بهدوء وصمت.

ومرّت الأيام ليعود وحيد سليم وماري «ماركو» جنديًّا على ظهر دبّابة إسرائيليّة إلى بيروت ويسأل عن أصدقاء أهله ويتقرّب... ثمّ يتوارى وتعود الحكاية إلى قمقم سرّها.

تكمن أهمية هذه القصّة في أنّ يهود لبنان لم يكن بإمكانهم البقاء فيه مهما فعلوا. فالحزب الشيوعي صورة جليّة للعلمنة وسليم مزراحي وماري ذهبا في الانتماء الشيوعي إلى حدود بعيدة، ما يعني أنّهما عمليًّا لم يعودا اليهوديّين بالمعنى الحقيقي وهما بشكل من الأشكال لبنانيّان فحسب. وعلى رغم ذلك أخذهما المدّ المثقل بأمواج السلبيّة ضدّ إسرائيل. وواضح أن في الأمر مشكلتين كبيرتين: الأولى شعور اليهود كجماعة أنهم في خطر ما بعده خطر، والثانية تدهور أحوالهم الماديّة بعدما قوطِعوا من غير اليهود اقتصاديًّا، تزامنًا مع تقلّص حضور اليهود العددي بسبب الهجرة الرائجة إلى إسرائيل وغيرها... حتى الحزب الشيوعي الذي يقي اليهود التصادم مع غيرهم دينيًّا لم يستطع إبقاءهم في لبنان. إنّما تحوّلوا بهجرتهم من خندق إلى آخر نقيض، ومن رفاق إلى أعداء... وكأنّ قدرًا ما أوصل اليهود إلى لبنان وقدرًا آخر أخرجهم منه. ومعظم نصوص عبد الصّمد في «وادي أبو جميل» توصل إلى هذه القدريّة. وليس الطرح ببساطة إذا قيل: لو بقي اليهود في لبنان وأعلنوا رفضهم لما تقوم به اسرائيل ضدّ فلسطين لكانوا استمرّوا موجودين بأمان. وقد يكون عدد اليهود القليل الذي لم يتعدّ الخمسة عشر ألفًا سببًا مباشرًا لهجرتهم أيضًا، لأنّهم لم يتمكّنوا من بناء سور منيع يرتكز إلى موقف سياسيّ معيّن...

أمّا النصّ الأخير «وحيدة وادي أبو جميل» فهو فائق التعبير عن زوال الطائفة اليهوديّة في لبنان، و{ليزا» الحسناء السابقة التي تحيا مع قطيع من القطط في البيت الأكثر وحشة من قبر مهجور تكاد تكون نقطة نهائيّة، نقطة من لحم ودم يهوديّين، مثقلين بالخيبة والمأساة.

في «وادي أبو جميل» طغى ألم التاريخ على جمال الأدب، وأثبتت واقعيّة الحياة أنّها أقوى من كلّ افتراض وتنظير، وأنّ الجغرافيا ثابتة ومن عليها متحوّل.

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/04/18/155764_untitled1_small.jpg

التلفزيونات الفضائيّة العربيّة... صراع الوسائط
بيروت - عبدالله أحمد

صدر لدى دار الفارابي كتاب {التلفزيونات الفضائية العربية: نظام إعلامي متطوّر 1960-2004}، للكاتبة والباحثة ثريا جعيبس (ترجمة فارس ضاهر). ترى جعيبس أنه وفيما تعيش بلدان العالم العربي حالاً من عدم الاستقرار السياسي، يقلق هذا الأمر الغرب ويثير اهتمامه، ما أفسح في المجال أمام جمهور عريض ليكتشف قنوات هذه المنطقة الفضائية، وقناة {الجزيرة} أكثرها شهرة بلا منازع. غير أن السؤال يُطرح حول مدى تأثير هذه الوسيلة بالضبط؟ وأي دور تؤديه؟ وأي تصوّرات تنقلها؟ وأي مجتمع تنطق باسمه؟

إذا كانت {الجزيرة} تشذّ نوعاً ما عن النمط السائد، فإن الميل يحدونا على أن نضعها قبالة الأكثرية الساحقة من القنوات العربية، وذلك تبياناً لمدى اتصافها {بالديمقراطية} ومدى انعدامها لدى القنوات الأخرى. بحسب المؤلفة، تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتخّطى، أخيراً، حدود هذا النمط من التفكير، وذلك انطلاقاً من مسلّمتين: الأولى تقضي بعدم الفصل بين وسائل الإعلام والمجتمعات التي تنبثق منها (وبالتالي العمليات التاريخية التي تخترق تلك المجتمعات)، والثانية تقوم على مقاربة الإعلاميات العربيات (لا يمكن فهمها وفهم تحوّلاتها إلا بتحليل كيفية تطوّرها بارتباطها ببعضها بعضاً). وقد أُبرزت الحالة المصرية كمثل يسند التفكير ويبيّن كيف أن تطوّر نظام إعلامي بعينه هو بالطبع ثمرة لمجموعة معقّدة من الضغوطات والفرص مصدرها داخل حدود البلد الإقليمية كما خارجها، وتنخرط فيها الدولة ولاعبو القطاع الخاص على حدّ سواء.

في مقدّمة كتابها ترى جعيبس أن الرأي العام العالمي أصيب بالدهشة والذهول حينما اكتشف خلال الحرب على أفغانستان عام 2001، وجود محطة للإعلام العربي، عابرة للقوميات، وهي {الجزيرة}. وبعد عامين، اكتُشفت محطة على الأراضي العراقية، بحيث انسجمت مع شبكات عربية أخرى، كتلفزيون {أبو ظبي} و}العربية} أو الـ {الحياة أل بي سي} ، علماً بأن محطات البلاد العربية ليست بنت ساعتها: فقد ظهرت خلال التسعينات، إثر حرب الخليج. عندها تحوّل الفضاء الإعلامي العربي بشكل جذري وراسخ، إذ أوجد حالة من التنافس بين مجموعة متعدّدة اللاعبين في محطات قوامها التلفزة الهرتزية أو الفضائية، الأهلية والقومية أو الأجنبية، الحكومية منها أو الخاصة، وتلك التي لا اختصاص لها أو الإعراضية (المتخصّصة ببيع المواضيع)، وقد تكاثرت بطريقة سريعة جداً وفي زمن قياسي. هكذا بدأت معركة النفوذ والسيطرة لجذب جمهور المستمعين الناطقين بلغة الضاد. وإضافة إلى المحطات العربية، ثمة محطة أميركية ناطقة باللغة العربية، مموَّلة من الكونغرس الأميركي، وهي {الحرة}، وقد أُطلقت في العام 2004، وبعد ذلك أرادت فرنسا اقتراح صيغة جديدة، فقررت إطلاق محطة فضائية فرنسية للإعلام العالمي.

تتابع جعيبس بأن الخطابات المنوطة بمسؤولية التلفزيون تجاه اندماج {الدول-القوميات} وتقويتها، والترابط القومي، وصيانة الثقافة القومية أو التنمية الاجتماعية، كتبريرات وحيدة لحق التصرّف للدول بمحطات التلفزيون المحلية، قد باتت مفتقرة الى الشرعية، وبالفعل أصبح مشاهدو التلفزيون للمرة الأولى، قادرين على مراقبة هذه المحطات وانتقادها، وذلك بالتحوّل عنها بسرعة والانتقال إلى مشاهدة محطات أخرى تحمل رسائل خارجية المنشأ. فذوبان أقاليم الاستقبال الأهلية التي تغزوها تعددية الدفق الإعلامي بالهوائيات المكافئة المقطع المستقبلة، قد أضعف بالتالي، {الدول- الأمم}.

تشير جعيبس إلى أن العولمة ليست في ميدان الإعلام والتواصل مجرد أسطورة، حتى لو كان هذا المفهوم حديثاً جداً إلى درجة تدفعنا إلى التفكير فيه كظاهرة عصرية، وحتى لو كانت التطورات العلمية ذات المستويات المتفاوتة تجعل القارئ يغوص في الشك والحيرة القصوى. فالدفاع عن فكرة العولمة كأسطورة يعني أن نتغاضى عن الآثار الناجمة عنها، وأن نجعل، في الميدان الاقتصادي المالي، البلدان الناجمة نفسها مسؤولة عن مصيرها بالذات، هذا المصير الذي يشبه التبعية اليوم أكثر من السابق، فالتفاوت بين موازين القوى ليس بأمر جديد، لكن الجديد هو الفكرة الخداعة القائلة بأن العولمة، وما تحمله في طياتها من تكنولوجيا جديدة في ميدان الإعلام والتواصل، ومن شركات متعددة الجنسيات، تتيح للجميع فرصة للخلاص، بشكل متساوٍ، في الوقت الذي لا تقوم فيه إلا بتعزيز قوة البلدان المسيطرة على الأسواق العالمية.

مقاومة العولمة

تتساءل جعيبس عن إمكان مقاومة العولمة، فترى أن الإجابة التي تقدّمها وسائل الإعلام العربية عن هذا السؤال تهكّمية، فالموكب الذي اعتمدته بعض الدول العربية لتدافع عن نفسها من هذه الظاهرة في الميدان السمعي- المرئي هو الانضمام إليها من خلال مضاعفة القنوات الرقمية الموجودة على أقمار صناعية عدة تبثّ إلى القارات كلّها، وإطلاق أحدث الأقمار الصناعية للبث التلفزيوني المباشر، وزيادة إنتاج البرامج والهيكليات المتعلقة بها وتحسينها، ونفخ روح الشباب العصرية و{الفكر الليبرالي الشامل} على برامجها.

تلفت الكاتبة إلى أن القمر الصناعي {عربسات} لاقى فشلاً ذريعاً في بداياته، إلا أن المشاكل المالية والتقنية والسياسية أبطأت من جهة قيام نظام إعلامي مشترك وبديل في الوقت الذي كانت فيه تبادلات البرامج متواضعة جداً، ومن جهة أخرى كان بثّ البرامج التي تدعو إلى التنمية الاجتماعية، أحد أهداف {عربسات} الأولية، معدوماً. أحد أسباب هذا الفشل الرئيسة، خشية الدول من نشر الرسائل التنافسية، وقد تمكّنت المملكة العربية السعودية من استيعاب عجز العملية المالي بسرعة كبيرة، ما سمح لها بترسيخ تفوّقها. وهي تملك اليوم غالبية رأس المال في المنظّمة، وفي الأحوال كافة لا يقتصر تفوّقها على هذه الناحية. في الفترة الأولى، لم يشكّل أي شيء مصدر تهديد لسيطرة الدول على أقاليم الاستقبال الأهلية، والدليل على ذلك ضعف التبادلات بين الدول العربية عبر {عربسات}. أما تقنياً فكان الأخير من الجيل الأول ويتطلب هوائيات ثقيلة مثبّتة على الأرض بسبب ضعف قوّتها. ووحدها الدول كانت تتمتع بالحقوق والقدرة المالية على اقتنائها، وكان يمكن بالتالي إعادة بث البرامج التي ينقلها {عربسات} من ضمن صلاحياتها.

تعتقد جعيبس بأن القنوات العربية تشكّل نظاماً خاصاً، وقد تعمل على تطوير اقتصاد جديد في الفضاء الإعلامي العربي يصبّ في مصلحة ملاءمة فعلية بين عرض المشغلين وطلب المشاهدين. وتفسّر التداخل بين القنوات العربية من خلال المثال التالي: {اشترت آرت في 1999 الحقوق الحصرية لنقل بطولات الاتحاد التي شارك فيها فريق كرة القدم المصري، ولم يتمكن المشاهدون غير المشتركين في القناة من مشاهدة الحدث مما أثار، سخط المصريين. وينبع هذا التداخل بين مختلف اللاعبين الإعلاميين من اهتمامهم كجماعة لغوية واحدة، الأمر الذي سمح لنا بتأكيد فرضية ظهور نظام تلفزيوني عربي}.

أما عن العلاقة التي تربط النظام التلفزيوني العربي وباقي العالم، فترى جعيبس أنه غالباً لا تكون معرفة البلدان الغربية بالمجتمعات العربية معمّقة، أو تكون المعلومات التي تردنا عن تلك البلدان، مثل فرنسا، تارة كاريكاتورية ومغلوطة وطوراً سطحية. كذلك، يبدو أن تطوّر معالجة الأنباء في البلدان العربية يتّجه نحو مزيد من الانفتاح الذي يسمح للمشاهدين بوضع ثقتهم أكثر فأكثر وتدريجاً بالقنوات العربية.

تتساءل الكاتبة هنا عن إمكان توطيد العلاقة بين الصحافيين الفرنسيين والصحافيين العرب في يوم من الأيام، لتجد أن هؤلاء يقعون أحياناً ضحية للرقابة المفروضة داخل بلدانهم. واليوم تواكب بعض البلدان العربية التطوّر في ميدان {عولمة الاتصال}، فهي تتمتع بمهارات مهنية وبأدوات الإعلام والتواصل التي تسمح لها بأن تقترح بنفسها صورة عن نفسها، والإجابة من خلال ذلك عن إحدى أكثر المطالبات إلحاحاً المرتبطة بالنظام العالمي الجديد للإعلام والتواصل، ربما استوفت في النهاية الشروط اللازمة لاتصال سمعي- مرئي ذي اتجاهين.

الجريده

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C04%5C20%5C94e9028a-42af-4608-8a0c-bf1baf7453f6_main.jpg


كتاب أجنبي
مغازلة الكارثة
كيف حافظت وكالة الاستخبارات المركزية على أميركا آمنة؟

بعد فترة قصيرة من سلسلة من الاجراءات التي اتخذها الرئيس الأميركي باراك أوباما لمنع التعذيب في قضايا الارهاب في السجون الأميركية، ووضع اجراءات تحقيق جديدة، سارع الحزب الجمهوري وأصوات داخلية أخرى نافذة لانتقاد السياسات الجديدة التي اتبعتها الادارة الأميركية واتهام الرئيس باراك أوباما بانه «ساذج» و«ضعيف» لا بل اتهامه لانه يمهد لهجمة ارهابية جديدة على غرار هجمات 11 سبتمبر.
ومن بين الكتب التي صدرت حديثا والتي تنتقد سياسات الرئيس باراك أوباما بمعالجة قضايا الارهاب، كتاب «مغازلة الكارثة»، لمؤلفه مارك تيسين الذي عمل كاتب خطابات للرئيس السابق جورج بوش ومن أبرز مستشاريه لشؤون الأمن القومي الأميركي.
انتقادات شرسة
ويطلق المؤلف والمسؤول الجمهوري السابق سلسلة من الانتقادات الشرسة ضد الرئيس الأميركي الديموقراطي باراك أوباما ويتهمه بانه بعد حوالي 48 ساعة فقط على تسلمه المكتب الرئاسي، عطل أوباما السلاح الأكثر تأثيرا في الحرب على الارهاب: برنامج تحقيق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الذي بدأه الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش وزاد من صلاحياته وسريته نائبه ديك تشيني).
وينتقد الكاتب بشدة قرار الرئيس باراك أوباما برفع السرية عن وثائق حساسة تنشر تفاصيل حول طرق التحقيق مع الإرهابيين، مشيرا إلى انه بتعطيل التكتيكات الاستخبارية التي أثبتت فعاليتها ونشر أسرارنا للعدو، لم يقم أوباما بمجرد فتح الباب لكارثة 11 سبتمبر قادمة، وانما أطلق فيضانا من الاتهام ضد ضباط الاستخبارات الذين قاموا بحمايتنا على مدى السنوات التسع الماضية. ويضيف الكاتب قائلا: «لقد سبّب أوباما الاضرار بالأمن القومي الأميركي في أيامه المائة الأولى في المكتب البيضاوي أكثر من أي رئيس آخر في التاريخ الأميركي»، على حد زعمه!
وراء الكواليس
ويمضي المسؤول الجمهوري السابق مارك تيسين في كتابه باستعراض مشاهد من وراء الكواليس لما جرى ويجري في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مقدما الدلائل، حسب قوله، لاثبات فعالية الاستراتيجيات والتكتيكات والوسائل التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في عدة قضايا يسردها الكاتب بالتفصيل، مبررا في الوقت نفسه صلاحياتها قانونيا واخلاقيا.
وينقل المؤلف شهادات كبار المسؤولين الأميركيين الذين عمل معهم أثناء عمله كاتب خطابات الرئيس جورج بوش ومؤلف خطابه الشهير عام 2006 حيث دافع عن برنامج وكالة الاستخبارات المركزية، وقدم عدة وثائق وملفات حساسة تمتلكها الحكومة الأميركية حول كبار المسؤولين والممولين و«الإرهابيين» من تنظيم القاعدة. ومن أبرز النقاط التي يستعرضها كتاب «مغازلة الكارثة»:
• لماذا لا تعتبر تكتيكات وكالة الاستخبارات المركزية، في رأي المؤلف، تعذيبا
• بحث تفصيلي لما يراه مارك تيسين «العقيدة الفريدة» في ايديولوجية الجهاديين التي تحرر الارهابيين من تمسكهم بالمعلومات أثناء التحقيق.

القوميه

الأعمال الكاملة لنبيه أمين فارس
القومية.. مرة أخرى!

جهاد فاضل
يعيد مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت اصدار الاعمال الكاملة للدكتور نبيه امين فارس، وهي الكتب الخمسة: «العرب الأحياء»، و«غيوم عربية»، و«الزاوية العربية»، و«هذا العالم العربي»، و«دراسات عربية»، و45 بحثا في مسائل وقضايا العرب، والاسلام، ولبنان، و24 مراجعة لكتب تراثية وحديثة، ومقدمات الكتب العشرة التي حررها، او اسهم بترجمتها، او قام بتحقيقها، اضافة الى ما كتبه من مقالات صحفية عكست رؤاه الانسانية والقومية والوطنية، وقد وضع الدكتور محمود حداد رئيس دائرة التاريخ في جامعة البلمند مقدمة عامة لهذه الاعمال عرض فيها لنبية امين فارس المؤرخ والباحث والانسان.

لا شك في ان اعادة اصدار اعمال نبيه امين فارس لها نتائج كثيرة، منها اعادة قراءته من جديد وتقييم اعماله بعد ان مرت، كما يقولون، مياه كثيرة في النهر، فالفكر القومي العربي الذي كان نبيه امين فارس احد رواده قد عرف في ربع القرن الماضي انتكاسة كبيرة، وبخاصة منذ فك عرى الوحدة بين مصر وسوريا، وعجز البعث في المشرق العربي عن تحقيق اي تقارب على صعيد الوحدة بين سوريا والعراق.
أكثر من حلم
ولكن نبيه امين فارس استاذ التاريخ في جامعة بيروت الاميركية ثم رئيس قسم التاريخ فيها، كان مؤمنا بان هذه الوحدة لا بد ان تتحقق مع الايام، لم يكن مجرد حالم او عاشق للعروبة، بل كان واقع العروبة واضحا جليا في فكره، كما كانت سبل التغيير مشرقة في قلبه وعقله وعزمه، «فلا حاجة للعربي ان يستسلم لليأس، فشمس العروبة لا محالة مشرقة»، وعروبته على جاري الفكر الذي كان سائدا في زمانه لدى رواد العروبة، أو اكثرهم، كانت «العروبة العلمانية» التي يشترك فيها العرب في مختلف اديانهم ومذاهبهم، وهي عروبة تتمثل في وحدة عربية «اتحادية» ترتكز على اللغة العربية والتربية التاريخية.
كان نبيه امين فارس (1906 - 1968) احد الدارسين المتعمقين للتاريخ العربي، منذ ان كان طالبا في جامعة برنستون بالولايات المتحدة، وقد كتب العديد من الدراسات في هذا المجال، لكن اكاديميته الصارمة لم تقده الى الانزواء عن الشأنين الوطني والقومي بل دفعتهفي طريق محاولة تقصي اسباب التراجع العربي والدعوة الى الفكرة القومية بصورة علمية وان لم تكن خالية تماما من العاطفة. وقد كتب في احد مقالاته «لن اتجرد من العاطفة لان العاطفة من جوهر الانسانية ولن استخف بشيء انساني او ازدريه»، وكان الدكتور نقولا زيادة زميله في التدريس «ان نبيه امين فارس كان قوميا عربيا الى درجة الاحتراف، وعندما انحلت الوحدة المصرية - السورية كاد يبكي».
المؤرخ قبل الإيديولوجي
الا ان تلميذه الدكتور كمال الصليبي يقول انه رغم قوميته العربية لم يكن ايديولوجيا صارما، بل مؤرخا يتبع الوقائع، ولم يكن ناشطا سياسيا في أي مرحلة من مراحل حياته، عكس الدكتور قسطنطين زريق الذي كان له في مرحلة من المراحل دور تنظيمي من ناحية، وكان يعتبر الأب الروحي لحركة القوميين العرب من ناحية اخرى.
الدكتور محمود حداد يقول انه على الرغم من اهتمام فارس وزريق بالتاريخ والايديولوجيا القومية، فان زريق كان الى الايديولوجية اقرب، بينما كان فارس الى التاريخ اقرب.
ويقول منح الصلح الذي كان تلميذا لنبيه امين فارس في الجامعة الاميركية في بيروت، انه كان يستغرب درجة علم استاذه بالأمور اللبنانية وهو المولود في فلسين والقادم من اميركا (ولد نبيه امين فارس في مدينة الناصرة لأب لبناني من بلدة بحمدون وقد درس في جامعة برنستون بالولايات المتحدة)، ولكن قربه من استاذه ومناقشاته معه دعته الى الاستنتاج بانه كان هو الذي كتب الفصول المتعلقة بتاريخ العرب الثقافي في كتاب فيليب حتي «تاريخ العرب»، وانه صارح استاذه بذلك فضحك الدكتور فارس وهز رأسه علامة الموافقة.
لم يكن نبيه أمين فارس كما يتضح من كتاباته العروبية، ينظر الى العروبة على انها فكرة ماضوية، بل على العكس من ذلك كان يراها فكرة حديثة متحركة نامية ترنو الى المستقبل من دون ان تسقط الماضي، وهي فكرة علمانية يشترك فيها العرب من مختلف اديانهم ومذاهبهم، وهو يشترك في هذا الاتجاه مع قسطنطين زريق الذي قال بالتمييز بين العروبة والاسلام.
وقد يكون نبيه امين فارس قد بالغ بعض الشيء عندما اعتبر ان «الفكرة العربية الحديثة واسسها الثقافية والادبية لبنانبية المولد والنشأة»، ولكنه دافع عن الاسلام ضد الذين اطلقوا نظرية جائرة تقول انه حائل دون تقدم العرب والمسلمين، كما دافع عن اللغة العربية دفاعا قويا بوجه دعاة العامية.
اما نظرته الى التاريخ فكانت منصبة على دراسة المجتمع العربي في التاريخ، ولهذا فقد اعطى اهمية كبيرة لكتابات اسامة بن منقذ عن المجتمع العربي ايام الصليبيين، وحاول ان يستخلص من كلام هذا المؤرخ العربي صورة الانسان العربي وقيم المجتمع العربي ايام الصليبيين، وكيف ان العرب كانوا متقدمين على
الصليبيين في امور وأخذوا عنهم في امور اخرى، وكانت لديه غيرة على العرب وعلى تاريخهم وعلى سمعة التراث العربي في التاريخ، ويعتبر منح الصلح ان عدم سطحية نبيه امين فارس جعلته، بالرغم من علمانيته، لا يعتبر الاسلام بانه غير علماني، وعندما يتكلم عن امراض الانسان العربي يقارب العقلية العربية بعمق قائلا: «آفة العرب ايمان ساعة وانتظار آية»! اي انهم ينتظرون هبوط الحل من فوق، ويأخذ عليهم عدم قدرتهم على الثبات.
نظرية الإشعاع
وفي دراسة له عنوانها «دور لبنان في تاريخ الثقافة» يسخر نبيه امين فارس من «نظرية الاشعاع اللبناني» التي تقول بلسان سعيد عقل وميشال شيحا وآخرين ان لبنان يستند الى ستة آلاف سنة من حضارة انسانية بناها على نحت الصخر وصهر المعدن، وتقويم المحراث وتدوير العجلة وتدوير جماجم الاطفال تطلبا للذكاء والجمال، وانه يتمرس بالحكم الديموقراطي تسنه مجالس الشورى منذ عهد السوافط (قبل المسيح بأكثر من الف سنة) وانه يتجاوز بعنايته طبقات الشعب جميعا الى العجماوات الكادحة في خدمته، فيسنّّ قبل 3300 سنة شرعة الرفق بالحيوان، وانه الف التعليم الجامعي قبل 1700 سنة!
يسخر نبيه امين فارس من نظرية الاشعاع اللبناني هذه ويفند كل تراث اللبنانيين عبر العصور منذ فجر التاريخ الى اليوم، فلا يرى ان اللبنانيين قدموا شيئا ذا شأن للحضارة والثقافة، ما عدا دورهم في عصر النهضة العربية الحديثة، فهذا الدور لا يغمط احد اهميته، ولكنه الدور الوحيد الذي اضطلع به اللبنانيون في التاريخ، «والواقع ان لبنان في اثناء الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر الى بدء الحرب العالمية الاولى، اتصف بطابع خاص هو السير في طليعة الاقطار العربية ورفع لواء النهضة الحديثة وفتح ابوابه للثقافة التي كان مصدرها وافساح المجال لتفاعل الافكار في جو من الحرية لم يتيسر جو في غيره من الاقطار الشقيقة، فكان بالنسبة الى العالم العربي الوسيط والسفير والمعلم والناقل والترجمان».
ويشيد بعد ذلك بحرية الفكر في لبنان «وهنا يكمن سرّ نجاحه، ومصيره مرهون بهذه الحرية، فما دام موئلا للحرية فانه سيظل عظيما. بيد ان الحرية تستلزم شعوراً بالمسؤولية وتسامحا وتواضعا ورصانة».

القبس

سوزان تلحوق في لستُ امرأة واحدة...
نصوص لا تتّسع لجناحَي القصيدة
بيروت - قزحيا ساسين

تعصف بحَمَلَة الأقلام رغبة جامحة في الطباعة والنّشر، وصاحب الحظّ منهم هو من يجد إنسانًا ناضجًا ذا تأثير عليه يقنعه بعدم سلوك درب المطبعة قبل أن يبلغ سنّ النّضج في الحبر. وكثيرون هم الذين طبعوا باكرًا، وندموا سريعًا، وكان ما كُتب قد كتب. والنّضج الكتابي قد لا يمتّ إلى العمر بصلة، إنّما يُنظر إليه بعمر التجربة فحسب. والرابح حقًّا هو الذي يطلّ من نافذة مكتملة على حقيقة الإبداع، ولو كانت إطلالته متأخّرة في حسابات العمر، ومتأخّرة جدًّا.

{لست امرأة واحدة} جديد شعري للشاعرة سوزان تلحوق، وفي مقدّمته يعلن الكاتب اسكندر حبش أنّ إصدار تلحوق الأوّل {إلى أن ألتقيك} لم يكن أكثر من تمرين ما: {مارست فيه سوزان تلحوق هوايتها في إقامة هذه العلاقة بينها وبين الكلمات}. وتجنّب حبش أي تقييم لكتابة الشاعرة واكتفى بتوصيفها. فرأى شعر تلحوق: {يقيم في عالمين، عالم غائب تحاول أن تستعيده وعالم حاضر تحاول أن تكتبه كي لا تفقده}.

يعلن عنوان كتاب تلحوق ما فيها من فائض أنثوي، فهي مُثْقَلة بأنوثتها، والمرأة فيها كثيرة، وقد يكون مردّ ذلك إلى منحى بركانيّ تأخذه عواطفها: {كيف نقنع الآخرين/ بحلم/ بسهوة صحوة/ بهمسة نسمة/ جعلَتْ كلّ امرأة فيّ تداعبُك}... فالمتكلّمة تبدو امرأة على تعدّد، محاوِلة، بتعدّدها هذا، إرواء الجموح المشاعري الذي يجتاح كيانها، ناظرة إلى نفسها بعين الدهشة: {فأجابتني المرأة الكامنة}، وكأنّها لم تكن تدري ما فيها من امتلاء وما في مياهها الأنثويّة من قدرة على القفز مثل الشلال... وفي نصّ {الساعة الثانية صباحًا}، تعلن تلحوق تعدُّدًا من نوع آخر: {كلّ امرأة تتألّم أنا/ ومن جرحها أحيا.../ وأنا كلّ امرأة مجروحة/ تأتي بعد منتصف الليل/ تستمع إلى أغنية حبّ قديمة}... هكذا تحاول تلحوق اختصار النساء العاشقات على سهر وكأس وسيجارة. إنّها تستعين على الحبّ الذي هدر دمها بدم العنقود، وبالهروب إلى دنيا النَّغم والصّوت. ورطتُها هي الحبّ وأشرعتُه التي لا تصل إلى مينائها. ومعظم نصوص الكتاب يبوح باللقاء الذي لا يُعْقَد، وبالوحدة التي عبثًا تحاول الكاتبة استثمارها إيجاباً: {غير وحيدة، كلّ ما حولي لي/ ولستُ لأحد}.

في قصيدة {لست امرأة واحدة} تجهر الكاتبة بأنّها لن تكون امرأة لكلّ الرجال: {لست امرأة واحدة لكلّ الرجال/ وليس كلّ الرجال رجالاً لي}، وتعترف بأنّها متواضعة الطموح على مستوى الرجال، إذ هي لا تريدهم كلّهم، إنّما تبحث في غابات الرجال الشاسعة عن رجلها معتمرة قبَّعتها الأنثويَّة، راكبة خلف جنونها: {لست امرأة لأيّ رجل/ وليس أيّ رجل ملكي/ أريده واحدًا أحدًا}... وبعد هذا الإصرار على الرجل الذي لا يتعدّد تقول تلحوق: {بل أنوثتي تدّعي الرجولة/ ورجولتي تدّعي الحياة}، وهذا الانتقال المعنوي مفاجئ وصاعق، فكيف الأنوثة تدّعي الرجولة؟ وما الفائدة من هذا الادّعاء؟ فالقارئ كان أمام امرأة تريد رجلاً واحدًا أحداً، ثم صار أمامها مستقيلة من رغبتها المركزيَّة، الوجوديِّة، طالبة أن تكون المرأة والرجل في آن واحد، وهي ذات أجساد متعدّدة أيضًا: {لست امرأة بجسد واحد}... ويتّضح من نهاية النصّ أن تلحوق تتحدّى ترابيّة الإنسان وهاجس البقاء والفناء: {سيأخذ الثرى المرأة والجسد/ وأبقى}. قد يكون مبرَّرًا الانتقال من معنى إلى آخر بلا رابط أو مسوِّغ أو منطق بالنسبة الى المتكلّم، أمّا الآخر، المتلقّي، فهو بحاجة دائمة إلى أن يكون مقتنعًا بالانتقالات المعنويَّة وإلا فسيصاب باضطراب ما عقليًّا وعاطفيًّا، الأمر الذي لا يخدم النصّ الفنيّ إطلاقاً.

تبدو تلحوق من حَمَلَة الجراح الثقيلة، وتؤمن بأن كلّ جرح في القلب لا بدّ من أن يظهر في مرآة العين، غير أنّ عينيها لا تُفتحان فتحة كاملة بسبب ثقل الجروح: {كلّ جرح في القلب/ تحمله العيون/ وأهدابي نصف مغلقة/ من ثقل جرحكَ}. غريب كيف يخزل العنوان الكاتبة فيأتي أحيانًا أطول من النصّ أو بحجمه تقريبًا، فعنوان أحد النّصوص، مثلاً، {بعدما حكمت على نفسي بالإعدام}، والنصّ كاملاً: {أخجل من اشتياقي/ تنام إلى جانب أخرى/ دمعتي خدعتني}. وإذا كان النصّ القصير ذا طاقة وقدرة هائلتين على التعبير في حال أُحْسِنَ بناؤه وإثْقالُهُ بالمعنى، فإنّ الكثير من نصوص تلحوق القصيرة لا تطبَّق عليه هذه المعادلة. وتحاول الكاتبة، على رغم إبحارها الوحيد في الحزن الذي لا ينتهي أن تجد فرحًا يليق برجل ما إن حضر: {صعبٌ على قلمي كتابة الفرح / لكنّه سيخترع حبرًا.../ لكَ منك}... فالحبيب الآتي، يضحك على شرفة ليل عاشق، والقلم يستبدل حبر الانتظار الحزين بحبر اللقاء الفرح الذي تجترحه روعة المجيء ومعجزة الوصول.

لتلحوق مشكلة مع قلبها: {وقلبي يخفي وجعك تحت قلبه/ يدفن كذبك وراء دقّاته}... فيتضامن مع من تحبّ عليها، ما يظهر سلطة العاطفة وتماديها مقابل قصر يد العقل وضعف نفوذ المنطق في كيان امرأة تعشق بلا تردّد ولا حساب... صحيح أنّ الوضوح سمة أساسيّة من سمات الكاتبة، غير أنّ الغموض يرد فجأة وكأنّه يفاجئ القارئ والنصّ في آنٍ واحد: {فأرتجلُكَ أمام شجرتي/ وأمحوك أمام حشراتي الزاحفة}. ولا أظن أنّ كلمة {حشرات} وردت في المكان المناسب، والله أعلم ما المقصود بـ {أرتجلك أمام شجرتي}!

تسعى تلحوق إلى رجل مكتمل، ولا تجد اكتماله خارج السياسة فتريده الأندلسيّ والفلسطيني والعراقي واللبناني في الوقت نفسه، وكأنّه تنشد تعويضًا للهزائم العربيّة المتكرّرة برجل واحد: {أندلسيّ أنت/ أخبّئك بين جفوني/ وحيرة وجعي/ وحداثة انتفاضتي / وتأوّه فلسطيني/ وسفك عراقي/ وأشلاء لبناني}... هذا الخطاب ثقيل على الحبّ ويعطّل النبض العاطفي في النصّ ويستحضر مشهد الساحة العربيّة الدامية بعيدًا من أيّ حضور للحبّ بين رجل وامرأة...

يشتمل {لست امراة واحدة} على نصوص قليلة تذهب الى السياسة مباشرة. ففي {جنازة العروبة} ترثي تلحوق فلسطينها متضامنة مع أهلها المشرّدين: {وأناسك يلعنون ساعة ولدوا على أرضك/ يحتارون بين الانتماء وهذيان الرفض}... أمّا في نصّ {بلادي مباحة} فتتّجه تلحوق نحو لبنان أكثر، وتقول: {بلادي مباحة/ لكلّ عابر يهوى المضاجعة}، وتخاف إن هي انحنت عليها أن تُغْتَصب معها، وتغمز الكاتبة من قناة الذين يقتلون {باسم الله،/ والقضيّة والعروبة والدفاع عن الوطن/ وتحرير فلسطين وكره أمريكا}... وتعلن في النهاية أن {... لا عرب ولا عروبة ولا عربيّة تولَد / إلا من رحم الأقلام}...

قد تكون سوزان تلحوق امرأة متعدّدة، في جديدها {لست امرأة واحدة}، لكنّ المرأة الشاعرة بين النساء اللواتي فيها لم تظهر كما يجب، لأنّ المباشرة والهدر اللغوي طغيا على نصوص المجموعة وغابت {الهزّة} الجميلة التي من المفترض أن يجترحها الشّعرُ في قارئه. ولا شكّ في أنّ النثريّة حضرت بقوّة، بسبب انحسار الرمزيّة والإيحاء. وخلاصة القول، إنّ {لست امرأة واحدة} عنوان موفّق لديوان شعر، بينما {الديوان} يطرح أكثر من علامة استفهام.

الجريده

justice
26-04-2010, 02:35 AM
سوزان تلحوق في لستُ امرأة واحدة...
نصوص لا تتّسع لجناحَي القصيدة
بيروت - قزحيا ساسين

تعصف بحَمَلَة الأقلام رغبة جامحة في الطباعة والنّشر، وصاحب الحظّ منهم هو من يجد إنسانًا ناضجًا ذا تأثير عليه يقنعه بعدم سلوك درب المطبعة قبل أن يبلغ سنّ النّضج في الحبر. وكثيرون هم الذين طبعوا باكرًا، وندموا سريعًا، وكان ما كُتب قد كتب. والنّضج الكتابي قد لا يمتّ إلى العمر بصلة، إنّما يُنظر إليه بعمر التجربة فحسب. والرابح حقًّا هو الذي يطلّ من نافذة مكتملة على حقيقة الإبداع، ولو كانت إطلالته متأخّرة في حسابات العمر، ومتأخّرة جدًّا.

{لست امرأة واحدة} جديد شعري للشاعرة سوزان تلحوق، وفي مقدّمته يعلن الكاتب اسكندر حبش أنّ إصدار تلحوق الأوّل {إلى أن ألتقيك} لم يكن أكثر من تمرين ما: {مارست فيه سوزان تلحوق هوايتها في إقامة هذه العلاقة بينها وبين الكلمات}. وتجنّب حبش أي تقييم لكتابة الشاعرة واكتفى بتوصيفها. فرأى شعر تلحوق: {يقيم في عالمين، عالم غائب تحاول أن تستعيده وعالم حاضر تحاول أن تكتبه كي لا تفقده}.

يعلن عنوان كتاب تلحوق ما فيها من فائض أنثوي، فهي مُثْقَلة بأنوثتها، والمرأة فيها كثيرة، وقد يكون مردّ ذلك إلى منحى بركانيّ تأخذه عواطفها: {كيف نقنع الآخرين/ بحلم/ بسهوة صحوة/ بهمسة نسمة/ جعلَتْ كلّ امرأة فيّ تداعبُك}... فالمتكلّمة تبدو امرأة على تعدّد، محاوِلة، بتعدّدها هذا، إرواء الجموح المشاعري الذي يجتاح كيانها، ناظرة إلى نفسها بعين الدهشة: {فأجابتني المرأة الكامنة}، وكأنّها لم تكن تدري ما فيها من امتلاء وما في مياهها الأنثويّة من قدرة على القفز مثل الشلال... وفي نصّ {الساعة الثانية صباحًا}، تعلن تلحوق تعدُّدًا من نوع آخر: {كلّ امرأة تتألّم أنا/ ومن جرحها أحيا.../ وأنا كلّ امرأة مجروحة/ تأتي بعد منتصف الليل/ تستمع إلى أغنية حبّ قديمة}... هكذا تحاول تلحوق اختصار النساء العاشقات على سهر وكأس وسيجارة. إنّها تستعين على الحبّ الذي هدر دمها بدم العنقود، وبالهروب إلى دنيا النَّغم والصّوت. ورطتُها هي الحبّ وأشرعتُه التي لا تصل إلى مينائها. ومعظم نصوص الكتاب يبوح باللقاء الذي لا يُعْقَد، وبالوحدة التي عبثًا تحاول الكاتبة استثمارها إيجاباً: {غير وحيدة، كلّ ما حولي لي/ ولستُ لأحد}.

في قصيدة {لست امرأة واحدة} تجهر الكاتبة بأنّها لن تكون امرأة لكلّ الرجال: {لست امرأة واحدة لكلّ الرجال/ وليس كلّ الرجال رجالاً لي}، وتعترف بأنّها متواضعة الطموح على مستوى الرجال، إذ هي لا تريدهم كلّهم، إنّما تبحث في غابات الرجال الشاسعة عن رجلها معتمرة قبَّعتها الأنثويَّة، راكبة خلف جنونها: {لست امرأة لأيّ رجل/ وليس أيّ رجل ملكي/ أريده واحدًا أحدًا}... وبعد هذا الإصرار على الرجل الذي لا يتعدّد تقول تلحوق: {بل أنوثتي تدّعي الرجولة/ ورجولتي تدّعي الحياة}، وهذا الانتقال المعنوي مفاجئ وصاعق، فكيف الأنوثة تدّعي الرجولة؟ وما الفائدة من هذا الادّعاء؟ فالقارئ كان أمام امرأة تريد رجلاً واحدًا أحداً، ثم صار أمامها مستقيلة من رغبتها المركزيَّة، الوجوديِّة، طالبة أن تكون المرأة والرجل في آن واحد، وهي ذات أجساد متعدّدة أيضًا: {لست امرأة بجسد واحد}... ويتّضح من نهاية النصّ أن تلحوق تتحدّى ترابيّة الإنسان وهاجس البقاء والفناء: {سيأخذ الثرى المرأة والجسد/ وأبقى}. قد يكون مبرَّرًا الانتقال من معنى إلى آخر بلا رابط أو مسوِّغ أو منطق بالنسبة الى المتكلّم، أمّا الآخر، المتلقّي، فهو بحاجة دائمة إلى أن يكون مقتنعًا بالانتقالات المعنويَّة وإلا فسيصاب باضطراب ما عقليًّا وعاطفيًّا، الأمر الذي لا يخدم النصّ الفنيّ إطلاقاً.

تبدو تلحوق من حَمَلَة الجراح الثقيلة، وتؤمن بأن كلّ جرح في القلب لا بدّ من أن يظهر في مرآة العين، غير أنّ عينيها لا تُفتحان فتحة كاملة بسبب ثقل الجروح: {كلّ جرح في القلب/ تحمله العيون/ وأهدابي نصف مغلقة/ من ثقل جرحكَ}. غريب كيف يخزل العنوان الكاتبة فيأتي أحيانًا أطول من النصّ أو بحجمه تقريبًا، فعنوان أحد النّصوص، مثلاً، {بعدما حكمت على نفسي بالإعدام}، والنصّ كاملاً: {أخجل من اشتياقي/ تنام إلى جانب أخرى/ دمعتي خدعتني}. وإذا كان النصّ القصير ذا طاقة وقدرة هائلتين على التعبير في حال أُحْسِنَ بناؤه وإثْقالُهُ بالمعنى، فإنّ الكثير من نصوص تلحوق القصيرة لا تطبَّق عليه هذه المعادلة. وتحاول الكاتبة، على رغم إبحارها الوحيد في الحزن الذي لا ينتهي أن تجد فرحًا يليق برجل ما إن حضر: {صعبٌ على قلمي كتابة الفرح / لكنّه سيخترع حبرًا.../ لكَ منك}... فالحبيب الآتي، يضحك على شرفة ليل عاشق، والقلم يستبدل حبر الانتظار الحزين بحبر اللقاء الفرح الذي تجترحه روعة المجيء ومعجزة الوصول.

لتلحوق مشكلة مع قلبها: {وقلبي يخفي وجعك تحت قلبه/ يدفن كذبك وراء دقّاته}... فيتضامن مع من تحبّ عليها، ما يظهر سلطة العاطفة وتماديها مقابل قصر يد العقل وضعف نفوذ المنطق في كيان امرأة تعشق بلا تردّد ولا حساب... صحيح أنّ الوضوح سمة أساسيّة من سمات الكاتبة، غير أنّ الغموض يرد فجأة وكأنّه يفاجئ القارئ والنصّ في آنٍ واحد: {فأرتجلُكَ أمام شجرتي/ وأمحوك أمام حشراتي الزاحفة}. ولا أظن أنّ كلمة {حشرات} وردت في المكان المناسب، والله أعلم ما المقصود بـ {أرتجلك أمام شجرتي}!

تسعى تلحوق إلى رجل مكتمل، ولا تجد اكتماله خارج السياسة فتريده الأندلسيّ والفلسطيني والعراقي واللبناني في الوقت نفسه، وكأنّه تنشد تعويضًا للهزائم العربيّة المتكرّرة برجل واحد: {أندلسيّ أنت/ أخبّئك بين جفوني/ وحيرة وجعي/ وحداثة انتفاضتي / وتأوّه فلسطيني/ وسفك عراقي/ وأشلاء لبناني}... هذا الخطاب ثقيل على الحبّ ويعطّل النبض العاطفي في النصّ ويستحضر مشهد الساحة العربيّة الدامية بعيدًا من أيّ حضور للحبّ بين رجل وامرأة...

يشتمل {لست امراة واحدة} على نصوص قليلة تذهب الى السياسة مباشرة. ففي {جنازة العروبة} ترثي تلحوق فلسطينها متضامنة مع أهلها المشرّدين: {وأناسك يلعنون ساعة ولدوا على أرضك/ يحتارون بين الانتماء وهذيان الرفض}... أمّا في نصّ {بلادي مباحة} فتتّجه تلحوق نحو لبنان أكثر، وتقول: {بلادي مباحة/ لكلّ عابر يهوى المضاجعة}، وتخاف إن هي انحنت عليها أن تُغْتَصب معها، وتغمز الكاتبة من قناة الذين يقتلون {باسم الله،/ والقضيّة والعروبة والدفاع عن الوطن/ وتحرير فلسطين وكره أمريكا}... وتعلن في النهاية أن {... لا عرب ولا عروبة ولا عربيّة تولَد / إلا من رحم الأقلام}...

قد تكون سوزان تلحوق امرأة متعدّدة، في جديدها {لست امرأة واحدة}، لكنّ المرأة الشاعرة بين النساء اللواتي فيها لم تظهر كما يجب، لأنّ المباشرة والهدر اللغوي طغيا على نصوص المجموعة وغابت {الهزّة} الجميلة التي من المفترض أن يجترحها الشّعرُ في قارئه. ولا شكّ في أنّ النثريّة حضرت بقوّة، بسبب انحسار الرمزيّة والإيحاء. وخلاصة القول، إنّ {لست امرأة واحدة} عنوان موفّق لديوان شعر، بينما {الديوان} يطرح أكثر من علامة استفهام.

الجريده

خارطة الحب لأهداف سويف... خروج على النمطيّة
بيروت - الجريدة

صدرت عن «دار الشروق» طبعة جديدة من رواية «خارطة الحب» للكاتبة البريطانية (المصرية الأصل) أهداف سويف، وهي الرواية التي كتبتها المؤلفة باللغة الإنكليزية عام 1999، ووصلت الى القائمة القصيرة في جائزة «بوكر» العالمية.

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2010/05/04/157987_Ahdaf3_front_small.jpg

«خارطة الحب» رواية «مثيرة للشجن» بحسب مجلة «التايمز» اللندنية، وتكتب نفسها بنفسها، تعيد قراءة الماضي في ضوء الحاضر والعكس بحسب الناقد صبحي حديدي، وهي تخرج عن نمط الروايات الغربية الأخرى التي تدور أحداثها خلال فترات الشعوب المختلفة، وتختزل البلاد المستعمرة إلى مجرد خلفيات مثيرة لما يدور بين أبطالها الغربيين من أحداث وتعمد إلى تهميش وجود السكان المحليين، وتسخّرهم بثيابهم المحلية الفولكلورية، وأحياناً بألوان بشرتهم وعجمة ألسنتهم.

اعتمدت الروائية على كمّ من وثائق متعلقة بتاريخ مصر والمنطقة، خصوصاً ما يتعلق منها بشخصيات معروفة مثل الشيخ محمد عبده وقاسم أمين والبارودي (الشاعر) وعشرات الشخصيات الأخرى. كذلك استعانت بوثائق متعلقة بأحداث معينة كان لها تأثيرها على الوقائع الكبيرة في المنطق، من دون أن تغفل تفاصيل متعلّقة بالروابط الأسرية والطقوس والعادات الاجتماعية .

تمرّدت سويف في روايتها على النمط العام في الرواية الغربية، فغدت مصر الرازحة تحت الانتداب البريطاني وما تمرّ به من تمخّضات سياسية واجتماعية جسد الرواية ولحمتها، بل بطلتها الرئيسة. أما السكان المحليون فليسوا فحسب أولئك الذين يتلحّفون بالملايات ويرتدون الجلابيات وينتعلون الخِفاف ويقودون الجمال والحمير، بل ثمة أيضاً شرائح كبيرة من وطنيين ومناضلين وسياسيين وفنانين ومحامين وعلماء دين، ونسمع ما يدور بينهم من حوارات عميقة وذكية إزاء ما يحيط بمصر في تلك الفترة التاريخية العصيبة.

أصحاب البلاد

نقلت الروائية ما يختمر في صدور أصحاب البلاد الأصليين، وتقديرهم للتوازنات المختلفة ورؤيتهم لامتلاك مصيرهم لتصبح مصر الحكاية الكبرى والأهم. وتستنتج أن المستعمر البريطاني مجرد تفصيلة صغيرة في اللوحة الرئيسة. حتى آنا وينتربورن، البطلة الإنكليزية الوحيدة في الرواية التي تعيش قصة حب رومنسية، تنحاز إلى البلد المستعمر وسكانه الأصليين، باذلة جهدها وجرأتها لتمكينهم من امتلاك مصيرهم بأيديهم.

تمثّل «خارطة الحب» أحد أشكال النضال، لكن بلغة راقية بعيدة عن الكليشيات والشعارات، فهي تنقل زمن الصراع في الماضي ضد هيمنة الاحتلال البريطاني، وهذا يأتي معكوساً على الحاضر في الصراع ضد الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وإذا كان شريف باشا البارودي يمثل الوطنية المصرية في الماضي، فإن عمر الغمراوي، سليله المعاصر الذي تمتزج في عروقه الدماء المصرية والفلسطينية.

استعادت سويف علاقتها بالتاريخ عبر «خارطة الحب» لتجد أنّها لم تكتب عن ذاتها كما كانت تعتقد، بل كان التاريخ المصري يتسلّل إلى فضاء الشخصيات رغماً عنها، إذ استدركت البطلة بالقول: «لكن هذه الرواية ليست روايتي». وخلصت إلى أنّ هاجس الروائي هو التاريخ مهما حاول الابتعاد عنه.

كانت سويف أوضحت في برنامج تلفزيوني أن «خارطة الحب» لم تنل جائزة «البوكر» العالمية لأنها «ضد السامية والصهيونية»، مشيرة إلى أن مترجمة الرواية هي والدتها فاطمة موسى، وطُرحت هذه الترجمة منذ بضع سنوات مع «الهيئة المصرية العامة للكتاب»؛ لكن كانت تحتوي على أخطاء عدة لم ترضَ عنها المترجمة أو الكاتبة، إلى أن أتت «دار الشروق» لإصدار الترجمة الصحيحة مطلع العام الجاري خلال فاعليات معرض القاهرة للكتاب.

نبذة

أهداف سويف أديبة مصرية تكتب بالإنكليزية وتعيش بين القاهرة ولندن. والدها أستاذ علم النفس الدكتور مصطفى سويف. درّست في كلية آداب القاهرة في بداية السبعينات، ثم سافرت الى لندن للدراسة واستقرت هناك حيث تزوجت من الكاتب والأديب والشاعر الإنكليزي المعروف أزبن هاميلتون وهو ناقد أدبي له مكانة مرموقة بين الأدباء الإنكليز، وأول مجموعة قصصية قصيرة صدرت لها العام 1983 وهي باللغة الإنكليزية بعنوان «عائشة» ثم أصدرت الرواية ذائعة الصيت «في عين شمس» عام 1992 وهي تقع في 800 صفحة واستقبلتها الأوساط الأدبية الغربية بحفاوة شديدة، ما دفع ناشرها البريطاني إلى القول عنها: «إنها رواية مهمة وشبه معجزة، إنها الرواية الإنكليزية العظمى عن مصر، وفي الوقت نفسه الرواية المصرية العظمى عن إنكلترا فهي تجمع بين عالمين متناقضين».

أبرز مؤلفاتها «زينة الحياة»، مجموعة قصصية، وأول كتبها الصادرة باللغة العربية، مروراً بـ{زمار الرمل» وهي مجموعة قصصية بالإنكليزية، وصولاً إلى «خارطة الحب».

عاصفة النار
تأليف: نيلسون ديميل
عن دار العربية للعلوم

ميشال مراد

يأمل نيلسون ديميل في كتابه «عاصفة النار» في أن يكون نموذجاً لخطة موجودة تقضي بضرب العالم الإسلامي بالسلاح النوويّ بعدما ضرب الإرهابيون مركز التجارة العالمي والبنتاغون في 11 سبتمبر/ أيلول العام 2001، لكنها تبوء بالفشل.

جمعت هذه الرواية الحقيقة والخيال. من الصعب جداً أن يستطيع القارئ التمييز بين ما هو من نسج الخيال وما هو حقيقيّ، لذلك ارتأى المؤلف أن يوضح في مقدمته أي موضوعات هي خيالية وأية وقائع هي حقيقية. لكنه استدرك قائلاً: «... إذا اعتقدت أن ما تقرأه يبدو حقيقياً، فهو كذلك فعلاً، فالحقيقة أشدّ». وهذا ما يجعلنا نرتاب في أنّ هذه المؤامرة الافتراضية ما هي إلا انعكاس لمؤامرات عدة تحاك في الخفاء لضرب بعض الدول الإسلامية.

يتألف الكتاب من عشرة أقسام تتضمن اثنين وخمسين فصلاً شائقاً جعلته يحتل المرتبة الأولى على قائمة «نيويورك تايمز». وهذا ليس بغريب على نيلسون ديميل الذي ألف أكثر من ثلاث عشرة رواية نالت استحسان القراء في العالم أجمع، وبخاصة «حلول الظلام» التي تبوّأت المركز الأول في قائمة الروايات الأكثر رواجاً في «النيويورك تايمز»، و «جزيرة النخيل» و«لعبة الأسد» و«ابنة الجنرال». وهاتان الأخيرتان صدرتا بالعربية عن الدار نفسها التي نشرت «عاصفة النار».

بطل الرواية جون كوري عميل خاص متعاقد مع الوحدة التكتيكية الفيدرالية لمحاربة الإرهاب، وكان في السابق تحرياً في قسم التحقيق الجنائي في شرطة نيويورك. أما زوجته كايت مايفيلد فهي عميلة لدى مكتب التحقيق الفيدرالي. وبينما كان جون وزوجته يقومان ببعض المهمات الروتينية أرسل مكتب التحقيق الفيدرالي زميلهما هاري مولر في مهمة أخرى يستكشف خلالها ما يجري في نادي كاستر هيل.

نادي كاستر هيل بيت كبير فخم مخصّص للصيادين في جبال أدير ونداك، يضم في عضويته بعضاً من أوسع رجال الأعمال نفوذاً والمسؤولين الحكوميين وضباط الجيش. يشكل هذا النادي ظاهرياً مكاناً للاسترخاء مع الأصدقاء القدامى، لكن في أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع من فصل الخريف يجتمع أعضاء المجلس التنفيذي للنادي ليتباحثوا بشأن مأساة الحادي عشر من سبتمبر ووضع اللمسات الأخيرة لخطة ثأرية تُعرف فقط باسمها الرمزي «عاصفة النار».

أثناء ذلك قطع التحري هاري مولر سياج النادي الشائك وتقدّم نحو البيت، وإذا بمجموعة من المسلحين يضبطونه ويقتادونه لمقابلة رئيس النادي مادوكس وبعض الأعضاء المهمين.

أخطر مؤامرة

يدور في هذه المقابلة حوار يكشف عن أخطر مؤامرة في التاريخ تقضي بضرب العالم الإسلامي لأنه مصدر الإرهاب في العالم. فبعد أن يعدد مادوكس الهجمات الإرهابية الإسلامية ابتداءً بمجزرة أولمبياد ميونيخ، سارداً قصصاً امتدت على ثلاثين سنة من خطف طائرات وتنفيذ تفجيرات وعمليات خطف وإعدامات وصولاً الى الهجوم على مركز المارينز في لبنان الذي أدى الى مقتل 241 أميركياً ثم تفجير طائرة البانام في رحلتها رقم 103 فوق منطقة لوكربي، يقول، «في السنوات القادمة سيكون الهدف مدينة أميركية بكاملها. قنبلة نووية وتقع الكارثة».

هذا الاعتقاد لدى المواطنين الأميركيين بأنهم أصبحوا عرضةً «للإرهاب الإسلامي» جعلت كل مواطن منهم بحسب قول مادوكس «يرغب في رؤية الإسلام وهو يستأصل بعملية إبادة جماعية نوويّة».

إنَّ هذا الاستنتاج الخطير والمجحف الذي غذته الصهيونية العالمية وتبنته بعض المذاهب المسيحية المتطرفة في أميركا جعلت أعضاء نادي كاستر هيل يبحثون عن تبرير هائل يدفع بالسلطة الأميركية الى ضرب الدول الإسلامية بالسلاح النوويّ لوضع نهاية سريعة للإرهاب.

نظر مادوكس الى التحري هاري مولر قائلاً: «هناك نحو سبعين حقيبة مجهزة بقنابل نووية فقدت من مخازن الاتحاد السوفياتي السابق... ونعتقد أن الإرهابيين الإسلاميين حصلوا على بعض منها»، وتابع: «سأقول لك شيئاً يا هاري يعرفه أقلّ من عشرين شخصاً في مختلف أنحاء العالم. لقد تمّ اكتشاف واحدة من تلك الحقائب النووية في العاصمة واشنطن العام الفائت ولم يتم ذلك لأن الحظ حالف فريق نست، بل نتيجة لتحرك مكتب التحقيقات الفيدرالي عقب تلقيه وشاية».

أحجم هاري مولر عن التعليق لكنه تابع الإصغاء الى مادوكس الذي أخبره أن الرئيس الأميركي أعلم رؤساء الحكومات الإسلامية كافة بأن أي هجوم على مدينة أميركية بواسطة سلاح دمار شامل سيقابل تلقائياً برد ثأري نووي يستهدف ما بين خمسين ومئة مدينة وأهدافاً أخرى في العالم الإسلامي. وبما أن احتمال الهجوم على مدينة أميركية بسلاح نووي يقوم به إسلاميون إرهابيون ضئيل جداً ــ على حدّ قول مادوكس ــ لذلك «فقد ابتكرنا خطة المشروع الأخضر التي تقضي بتفجير قنبلة نووية في مدينة أميركية مما سيطلق ردّ عاصفة النار الذي يعني التدمير النووي للإسلام».

لم يكن هاري في مكتبه عندما وصل العميل جون كوري الى المركز، وكان مفترضاً أن يُطلع رئيسه على نتائج مهمته فتوجّس مسؤولو الحكومة شراً وأرسلوا كوري وزوجته للبحث عنه في عقار نادي كاسترهيل.

وجدت شرطة الولاية جثة هاري مولر على مسافة بعيدة من النادي مما أثار ارتياب كوري وزوجته اللذين انصرفا الى التحقيق انطلاقاً من كل ما يتعلق بالنادي وخاصةً برئيسه باين مادوكس. تبيّن لهما أن مادوكس يتعامل مع ميخائيل بوتيوف العالم في الفيزياء النووية والباحث في أحد مراكز الاتحاد السوفياتي السابق.

وفي تفصيل الى آخر أحرز العميلان بعض التقدّم مما حداهما على مقابلة مادوكس وتوجيه التهمة إليه باسلوب مباشر، فسحب مسدسه بوجهيهما قائلاً: «كنتما تعرفان أنكما لن تخرجا وأنتما على قيد الحياة». ثم أخذهما الى منصة إطلاق القنابل النووّية الأربع بواسطة الأزرار المزروعة على لوحة الكترونية، وما لبث أن ضغط على زر فبدأت الأرقام تتناقص في عدّ تنازلي لخمس عشرة دقيقة تحتاج إليها أجهزة الاستقبال لفك الشيفرة.

تلك القنابل الأربع موجهة الى مدينتين أميركيتين حددهما «المشروع الأخضر» هما لوس أنجلس وسان فرانسيسكو لتكونا ذريعة لمؤامرة تدعى «عاصفة النار» تهدف الى ضرب أهمّ مدن العالم الإسلامي في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وغيرها...

كان جون كوري زرع بعض القذائف في العزف، ولما رأى أنه لا بد من تفجيرها أسرع الى ذلك ودارت معركة بينه وبين مادوكس فأطلق على رأسه ثلاث رصاصات أردته قتيلاً. وركض الى اللوحة الالكترونية ليفشل خطة «المشروع الأخضر» الذي كاد يتسبب بإطلاق «عاصفة النار».

إنها قصة مليئة بالتشويق منذ صفحاتها الأولى، لكنها تبعث القشعريرة في النفوس لما فيها من أقوال ومواقف عنصرية ومسبقة ضدّ الإسلام. أضمّ رأيي إلى رأي الناشر الذي أعلن في مطلع الكتاب أن الغاية من نشر هذه الرواية إطلاع القراء العرب عمّا يحيق بهم من أخطار وإن كانت ترد في إطار روائيّ.
الجريده

الأدب العجائبيّ والعالم الغرائبيّ
إعداد: كمال أبو ديب
عن دار الساقي بالتعاون مع دار أوركس

سليم نكد

هذا هو العنوان على الغلاف الخارجيّ. أمّا في الداخل فيُضاف إليه: «في كتاب العظمة وفنّ السرد العربي»، ممّا يدفع القارئ إلى التساؤل: هل هي دراسة عامة عن «الأدب العجائبيّ والعالم الغرائبيّ» وفنّ السرد العربي؟ أو هي دراسة خاصة لكتاب «العظمة»؟ وما هو كتاب «العظمة»؟ ولماذا لم يُذكر على الغلاف إذا كان هو الموضوع الرئيسي؟

أسئلة يطرحها القارئ وهو ما يزال بين الغلاف والصفحة الأولى من الكتاب. فهل هو أسلوب من أساليب التشويق وإثارة الفضول انسجاماً مع مضمون «عجائبيّ» و«غرائبيّ»؟

لا يلبث القارئ أن يدرك أن الكتاب تحقيق لمخطوطة عنوانها «كتاب العظمة» تطبع للمرة الأولى وقد صدّرها المحقق د. كمال أبو ديب بمقدمة طويلة تحت عنوان «فاتحات» يتناول فيها فنّ السرد في «كتاب العظمة» وينسبه إلى الأدب العجائبيّ أو الغرائبي.

يعود القارئ الى التساؤل: أما كان من الأجدى والأقرب إلى المنطق أن يبدأ بوصف المخطوطة أولاً ثم يعرض مضمونها، ثم يثبتها كاملة محققة ويلحقها أخيراً بالدراسة التحليلية؟

وإذ نشارك «القارئ» تساؤلاته، نتّبع هذا التصميم في عرض الكتاب.

يذكر المحقق، د. أبو ديب أنه عثر على المخطوطة في أوائل السبعينات بالمصادفة وهو يراجع فهارس المخطوطات في مكتبة بودلي في جامعة أوكسفورد يحدوه هاجس الكشف عن آثار عربية مغمورة ومتميزة تبرز جوانب من الإبداعية العربية كثيراً ما أنكرها أو تجاهلها الباحثون عرباً وأجانب، وهي، إذا نُشرت، تصحّح النظرة الى التاريخ والتراث العربي وتملأ ما يُعتبر فراغات فيه.

لا تحمل المخطوطة اسم مؤلّف وينسبها بروكلمان خطأً إلى الإمام أبي حامد الغزالي، ذلك أن الأسلوب والمضمون الديني مختلفان كما يرى د. أبو ديب. والذي يزيد الأمور تعقيداً أن عدّة مخطوطات تحمل العنوان ذاته لمؤلفين مختلفين من بينهم ابن عربي والأصفهاني وابن أبي الدنيا وابو العبّاس الحميريّ القمّي الشيعيّ. وبعد تردد يرجح المحقق أن يكون هذا الأخير هو المؤلف.

لمحات

يدور الكتاب حول عظمة الله ووصف مخلوقاته في السماوات والأرض وما تحت الثرى من الملائكة ومختلف الخلائق، كما يصف النار المعدّة للكافرين والجنة المعدّة للصالحين. يذكر المؤلف أن الله نزّل على آدم بواسطة جبرائيل العلم الذي ذكره في كتابه المنزّل: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»، فصوّر له ما كان وما هو كائن وما سيكون وذكر الطوفان وما يغرق من الأرض، فخشي آدم على العلم أن يذهب فكتبه على ألواح من طين وخبأها في مغارة يقال لها (المانعة) في جبل يقال له (المنديل) في سرنديب بالهند؛ والمغارة منغلقة لا تنفتح إلاّ مرةً في السنة في يوم عاشوراء. وردت الأخبار الى النبي دانيال فذهب الى المغارة مع عدد من تلامذته يوم عاشوراء مجهّزين بأدوات الكتابة ونقلوا جميع ما أرادوا ووضع دانيال هذا العلم على صحائف من نحاس، وبعد وفاته نشرها الله في الدنيا.

وفي سلسلة من الروايات المسنّدة الشبيهة باسانيد الأحاديث النبوية، يقول الحسن بن الحسن البصريّ: دخلتُ على أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فقال عثمان: سبحان من خلف الخلق ونشر الأمم في الأرض في البر والبحر والسهل والجبل... فقال عبد الله بن سلام (وهو حبر يهودي اعتنق الإسلام وأحد أركان رواية الحديث النبويّ): في كتاب «الدفائن» لدانيال ذكر لما خلق الله مما لا تدركه العقول وما لا يمكن وصفه، وما تقوله يا أمير المؤمنين عن هذه الدنيا، فما هي إلاّ كوكب صغير بين الكواكب في السماء. ويروي عبد الله بن سلام لأمير المؤمنين ما وجده في هذا الكتاب. من ذلك أن الله خلق المهوى وطوله ألف ألف ألف سنة وعلى جانب البحر عن يمينه ألف ألف ألف مدينة وعن شماله مثل ذلك، ولكل مدينة عشرون ألف مرج في كل مرج عشرون ألف روضة... فيهتف عثمان: لا إله إلاّ الله الملك القدوس. ويكمل الراوي وصفه لمخلوقات الله وعجائبها:أرض من حديد بينها وبين البحر مسيرة ثلاثة آلاف ألف ألف ألف سنة، وقد ألان الحديد فيفلحون ويزرعون ويغرسون الأشجار التي تتخللها الأنهار، وعلى تلك الأشجار طيور كالجمال أرجلها مثل أرجل الطيور ووجوهها كوجوه الناس... وتستمر الأوصاف لمخلوقات بالغة الضخامة، مقاييس طولها وعرضها بآلاف آلاف السنوات.

من الأوصاف الرائعة والمريعة وصف جهنّم وما يقاسيه الهالكون من ألوان العذاب: «وجعل في جهنّم ألف ألف بحر الى تسعمائة ألف ألف بحر من النار، أمواجها تتلاطم، فيها الزبانية سود مثل الجبال، لكل واحد منهم ألف عنق، في كل عنق ألف رأس، في كل رأس ألف وجه، في كل وجه ألف فم، في كل فم ألسن وأنياب طول كل سنّ مسيرة خمسمائة فرسخ»...

ابداع ادبي

يقول د. أبو ديب: «بمثل هذا النص يحقّ للإبداعية العربيّة أن تنسب لنفسها في سياق التاريخ الأدبي الذي كانت تعيه، ابتكار فنّ أدبي جديد هو فنّ العجائبي والخوارقيّ، فنّ اللاّمحدود واللاّمألوف، فنّ الخيال المتجاوز الطليق وابتكار المتخيّل الذي لا تحدّه حدود». وفي مواضع اخرى من المقدمة: «هكذا يبتكر النص نهجاً بديعاً في التعامل مع المختلف، الخياليّ، اللامعقول، الجامح، المتجاوز حدود التاريخي والمعقول بترسيخه وتجذيره في التاريخيّ والمعقول»... «وقد يكون كتاب العظمة اول نصّ سرديّ ينجز هذا الإنجاز الفني العظيم...».

بهذا الاسلوب التحليلي والتذوقيّ الانفعالي الذي يتخذ احياناً لهجة سجالية، تستمر المقدمة من فاتحة الى فاتحة. انه موقف قارئ محلّل ومتذوق في آن واحد، مزهوّ باكتشافه أثراً هو من كنوز التراث العربي يعتبره نموذجاً للإبداعية العربية، وكأن هذا الموقف رد فعل على مواقف بعض المتكربين او الجاهلين او قاصري النظر من الدارسين العرب والاجانب. انه نموذج للنقد الحيّ الذي بتنا نفتقده اليوم في النقد الادبي الحديث المسكون بهاجس علمويّ إحصائي تشريحي وبموضوعية باردة يتناول الرائعة الفنية كما يتناول الملصقات الدعائية، والجسد النابض بالحياة كما يتناول الجثة الهامدة، وكأن كل الشأن في المنهج لا في ما يؤدّي اليه. ذلك ان النقد الصحيح، مهما استوحي من منهجيات العلوم، وأية درجة بلغ في طموحاته ومناحيه العلمية، يبقى في صميمه تفاعلاً حياً، لان الذوق والحدس أنفذ الى قلب الأثر الفني من ادوات المناهج مهما أُتقنتْ وترهّفت.

من أجل تصحيح النظرة الى التراث العربي يدعو د. أبو ديب الى «ضرورة إعادة تصوّر التاريخ الثقافي العربي من منظار داخلي: إلغاء مفهوم عصور الانحطاط الذي ابتكرته حساسية فنية وفكر سياسي سحقه الغرب بمعطياته... والتخلص من عقد النقص إزاء الغرب... ورفض صورة الحضارة العربية التي تقوم على معطيات التاريخ الرسمي للثقافة وعلى الكتابة البلاطية... فما سُميّ «عصور انحطاط» هي عصور تحرير الأدب من لصوقيته بالسلطة ودوراته في مدارها...».

انها دعوة جادة ومحقّة لكننا نتساءل كم عدد الآثار التي تتضمن هذه الصفات والعناصر الفنية التي تغيّر طابع عصور بأكملها وهو لم يذكر واحداً منها كمثل لما يدعو اليه؟ مع العلم ان «كتاب العظمة» الذي يدرسه وينطلق منه لهذه الدعوة لا ينتسب الى هذا العصر، بل الى القرن الرابع الهجري كما يقول. ويبدو ان الانفعال في بعض المواضع يطغى على النظرة التحليلية الهادئة، فتتكرر صفات تنسب الى النص بحماسة طاغية: المدهش، المذهل، الفاتن، الرائع، الساحر... وكان من الافضل، في رأينا، ان يُترك للقارئ مجال الاستنتاج والشعور بالإعجاب من خلال التحليل.

غير ان نتائج الانفعال والموقف السجاليّ تبدو اكثر ما تبدو في نسبة «كتاب العظمة» الى نوع أدبي معيّن يدعوه «الأدب العجائبي» او «الخوارقي» او «الغرائبي» باعتبار انها مترادفات او قريبة من الترادف، وهو يرى بالتالي ان العرب سبقوا الغرب الى هذا النوع الذي سمّوه Fantastique، والذي ينسب T.Todorav ظهوره الى القرن الثامن عشر الاوروبي. ينتقد د. أبو ديب هذا الرأي ويصفه مرة بأنه ادعاء عبثي (ص9) ومرة بأنها نسبة عشوائية ( ص18).

دلالات

إذا كانت تعابير «العجائبي» و«الغرائبي» و«الخوارقي» غير محددة تماماً في اللغة العربية فتستعمل كمترادفات وكمقابل للتعبير الاجنبي Fantastique، فليست الحال كذلك في الفكر النقديّ الغربي حيث التمييز دقيق بين: L’étrange, Le fantastique, Le merveilleux, La féerie، وإذا تشابهت دلالاتها في الاستعمال العاديّ فهي ليست كذلك في لغة النقد الادبي التي تجهد لتحديد الانواع تحديداً دقيقاً. فالآداب اليونانية والرومانية القديمة، والادب الاوروبي في العصور الوسطى زاخرة بالخوارق من آلهة وأنصاف آلهة وجنّ وعفاريت... ومع ذلك لم تعرف هذه العصور الأدب الـ fantastique بالمعنى الحصري، وكذلك الحال آثار Dante، Milton وشكسبير. ليس هذا موقف Todorov وحده بل معظم الباحثين في هذا المجال، نذكر منهم R.Caillois، إذ تلتقي آراؤهم حول شروط اساسية نوجز أهمها: ان الذي يحدّد الـ fantastique هو شعور التردد الذي يعانيه بطل القصة كما يعانيه القارئ أمام الأحداث بين التصديق والإنكار. فالتصديق التام والإنكار التام يخرجان النصّ من هذا النطاق؛ والذي يخلق موقف التردد هذا تماسك العالم الواقعي وخضوعه الصارم لقانون السببيّة، ثم تعرّضه المفاجئ للاهتزاز او الاختراق. لهذا يلاحظ ازدهاره في فترات الاكتشافات العلمية وتعاظم الثقة بقوانين العلم ومنجزاته كما كانت الحال في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الاوروبي، وقد بلغ الذروة في هذه المرحلة التاريخية مع Gogol و Poe و Hoffmannو Maupassant وسواهم.

من شروطه الاساسية كذلك خلوّه من الاجواء الإلهية والمشاعر الدينية والأساطير وحياة القديسين وعجائبهم وتجنب الوعظ والدروس الأخلاقية كما نلاحظ ذلك في آثار أعلامه.

وإذا كانت كل فترة حضارية (او بدائية) تنعكس في لون أدبيّ يمثل روحها فقد تمثلت المرحلة التالية، وما تزال، في نوع آخر هيأته تطورات اخرى للعلم ونظرة مختلفة اليه هو «الخيال العلمي» Science-fiction.

«كتاب العظمة» اذاً، رغم ما يتضمنه من خوارق ومدهشات، او بسبب ذلك، لا ينطبق عليه وصف Fantastique.
كيف يصنّف اذاً وما هو النوع الذي ينتسب اليه؟

إنه يلامس انواعاً ولا ينتسب الى نوع محدد. ينمو على أصول الكتب الدينية يستوحيها كما يحلو للمخيلة ان تنطلق وتبدع، كما يغتذي مما تنسجه المخيّلة الشعبية حول بعض القصائد والتعاليم. له نظائر في بعض أناشيد «كتب الأموات» في الحضارات القديمة، و «رؤيا يوحنا» في الاستيحاءات المسيحية. انها رؤى أخرويّة او اسكاتولوجية.

وصف الجنّة

تتجلى لوحة الجنة كأبهى ما تكون بأوصاف تتخطى كذلك كل تصور في حشد هائل لكل ألوان الجمالات والمتَع: «إن الله تعالى خلق الجنة تحت العرش عن يمينه، وعرْضها كعرض السماوات والأرض من الذهب الأحمر والفضة البيضاء والدرّ والجوهر واللؤلؤ والزمرد الأخضر، وجعل لها ثمانية أبواب من النور ومسامير من الدرّ وستور الأبواب من السندس الأخضر ومفاتيحها من الياقوت الأحمر... وتسمّى كل جنة باسم معلوم: الأول جنة النعيم، الثاني دار السلام، الثالث دار الخلد، الرابع الفردوس، الخامس دار الجلال، السادس جنة عدن، السابع الدار العليا. طول كلّ دار مسيرة تسعمائة ألف ألف ألف ألف ألف سنة... والسنة ثمانون شهراً والشهر ثمانون يوماً واليوم ثمانون ساعة والسنة الواحدة الف سنة من سنينا هذه... في كل جنّة خلق الله تعالى ثمانمائة الف مدينة، في كل مدينة ألف ألف قصر من الذهب الأحمر والدرّ والجوهر والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر... على كل سرير ألف ألف فراش من الحرير والسندس الأخضر... والفرش مفروشة بعضها فوق بعض، جالس على كلّ من تلك الفرش حورية من الحور العين عليها سبعون حلّة... يجري في كل بستان نهر من لبن ونهر من عسل ونهر من خمر لذّة للشاربين... فإذا دخل أهل الجنة الجنة افترقوا الى منازلهم فتستقبلهم الحور العين، كل إنسان تستقبله سبعون حوراء... فينظر وليّ الله الى ما أعدّ له من النعيم ويتعجب من الحور فيقول: لمن هؤلاء يا ربّ؟ فيقول الله تعالى: «يا عبدي ما ترى كلّهنّ أزواجك ونساؤك ولأجلك خلقتهنّ»... ويمضي الوصف على هذا المنوال الأسطوري الغرائبيّ في تجسيد المتع على اختلافها بأبهى الصور وأصعقها للحواس والمشاعر. ويخاطب الله عباده: «يا عبادي لا تشربوا من الحور العين فها أنا أسقيكم بيدي فاشكروا نعمتي وانظروا الى عظمتي».

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/07/26/16416_aladb-al3ajbae-cmyk_small.jpg

الجريده

سَيْفُ فَارِس/ نادر شاه... من محارب قبلي إلى مستبدّ فاتح
القاهرة - الجريدة

صدر عن دار «الكلمة» كتاب «سَيْفُ فَارِس/ نادر شاه من محارب قبلي إلى مستبدّ فات» للكاتب مايكل أكسوُرْثي، وهو يعتبر أن قصة نادر شاه تتبع منحنى مأسوياً– من بدايات غامضة إلى مؤامرات شرسة وانتصارات عسكرية مظفرة وجلال وثراء وجاه، إلى خطأ وإرهاب وإحباط وفرط قسوة وخلل عقلي ووفاة، وتجري هذه الأحداث كافة في حقبة تاريخية وأماكن يجهلها معظم القراء في الغرب.

بدأت أولى صفحات قصة نادر في الربع الأول من القرن الثامن عشر، كقائد عسكريّ مغمور ذي أصول غامضة، حرّر فارس من احتلال الأفغان وأخرج الأتراك العثمانيين وتغلّب على الروس، وغزا الأراضي العثمانية، وألحق الهزيمة بالعثمانيين في عقر دارهم. كذلك أعلن نفسه شاهاً وهاجم الأفغان في أراضيهم، وأنزل بهم الهزيمة، ثم غزا الهند وفتح دلهي، لينطلق نحو آسيا الوسطى، حيث استرضى الأوزبك قبل عودته إلى الغرب وشنه ثانية حرباً على العثمانيين.

في بداية أربعينات القرن الثامن عشر، ربما كان الجيش الذي بناه نادر أقوى قوة عسكرية في العالم، ما جعله مدرسة تخرج فيها زعماء أقاموا في ما بعد دولاً مستقلة في أفغانستان وجورجيا. لكنه لم يلبث بعد غزو دلهي أن فقد توازنه، واصطلحت عليه الأمراض، واستبدت به روح الجشع والغضب والقسوة ليلقى مصرعه في نهاية المطاف علي أيدي ضباطه.

يقول المؤلف إنه لولا نادر شاه لآلت إيران إلى مصير بولندا نفسه في القرن الثامن عشر، اقتسامها كلياً أو جزئياً بين الدول المجاورة: الأفغان والروس والأتراك العثمانيون. وكانت بوادر هذه القسمة ظهرت فعلاً عند بروز نادر على الساحة. ولو ابتُلعت فارس، لتغيرت علاقات القوة بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا وآسيا الوسطى وأفغانستان والهند، واتخذت طابعاً مختلفاً تماماً في العقود والقرون التالية.

يضيف المؤلف: «بعدما فتح نادر دلهي، تنبّهت شركة الهند الشرقية إلى ضعف دولة المغول في الهند، وإمكان توسيع مشاريع الشركة هناك على نطاق أوسع وأكثر تحقيقاً للربح بتغاضي الحكام الهنود المحليين. ولولا نادر لجاء الحكم البريطاني متأخراً وفي صورة مختلفة، وربما لم يأتِ إطلاقاً مع ما يستتبعه ذلك من تأثيرات عالمية مهمة».

كذلك يبين المؤلف أن الفكرة السائدة في العصر الفيكتوري كانت عن شعب فارس، وبلاد المشرق عموماً، أنه شعب سلبي يستشري فيه الفساد والانحطاط وفريسة سهلة للاستعمار وجهود الإصلاح الخارجية. ولما كان نادر حاكماً قويّاً شديد الكفاءة لا يتماشى مع تلك الصورة هُمِّش.

اتجاهات جديدة

كشف كل من فيليم فلور (Willem Floor) ومنصور صفاتجول (Sefatgol) وإرنست تاكر (Ernst Tucker) عن معلومات جديدة مهمة في هذا الصدد، واستعرضوا أهميتها بأساليب من شأنها تعزيز فهمنا للأحداث وأخذنا إلى اتجاهات جديدة. ولا شك في أن كمية المعلومات والمواد المأخوذة عن سجلات شركة «شركة الهند الشرقية الهولندية»، والتي ترجمها فيليم فلور ونشرها، تقف على جانب كبير من الأهمية.

حاول الكاتب في أثناء اطلاعه على الوثائق النادرة توخي الاجتهاد والتمييز بقدر الإمكان. وإضافة إلى المادة التي تناولت الحقائق بشكل مباشر فقد كان لكثير من القصص والحكايات المشكوك في أصلها والتي لا يمكن توثيقها إطلاقاً، إسهام متفاوت الأهمية من موضع إلى آخر. وحتى إن كانت تلك القصص مجرد خرافات فإنها تكشف جوانب عن رأي المعاصرين لنادر فيه. وفضل المؤلف استعمال تلك المادة (الخرافية) مع التحذير من عدم مصداقيتها أحياناً، كي يسمح للقارئ أن يصدر حكمه الشخصي عليها.

«سَيْفُ فَارِس/ نادر شاه من محارب قبلي إلى مستبدّ فاتح» لا يسعى إلى تقديم جميع الأبحاث الحديثة التي تتناول حياة نادر شاه، والتي ظهرت مع كتاب لورنس لوكهارت (Laurence Lockhart) الصادر في عام 1938. وعلى رغم أنه يعرض لغالبية المادة الجديدة ويفسر الأحداث من منظور جديد، يقدم تحليلات جديدة لعدد من الأحداث المهمة في هذا الإطار. ويرمي الكتاب إلى طرح رواية تاريخية لقصة نادر على جمهور جديد من القراء، لأنها قصة مشوقة وصادمة في آن، مثل قصة ماكبث أو ريتشارد الثالث.

ت
صورة الآخر في التراث العربيّ... حوار مع الذات
بيروت - عبدالله أحمد

صدر حديثاً عن «الدار العربيّة للعلوم ناشرون» وعن «منشورات الاختلاف» كتاب «صورة الآخر في التراث العربيّ» للكاتبة والناقدة السورية ماجدة حمود.

تعتقد الكاتبة أن هذا الإصدار أحد أنواع الحوار مع الذات الذي نحن اليوم أحوج ما نكون إليه، لأن الحوار مع الآخر لا بد من أن تسبقه معرفة بالذات أولاً، كي نقف على أرض صلبة في مواجهة سوء الفهم والعداء، رفيقا الجهل غالباً.

ترى المؤلفة أن الهجمة على الثقافة العربية وعلى أهم مكوناتها اشتدت بعد أحداث سبتمبر 2001، ومنذ ذلك الحين يرى كثر أن الموروث أحد أسباب الإرهاب ورفض الآخر. لذا سلّطت حمود الضوء على ما قدمته حضارتنا، عبر أبرز المؤلفات الأدبية، في مجال نظرتها إلى الآخر في فترتي السلم والحرب، معتبرة أنه من المؤلم أن نسعى إلى تشويه صورتنا بأيدينا اليوم، فنشوه تراثنا بمقدار ما نشوه ذاتنا. كذلك تلاحظ أن تشويه الأنا اليوم ينعكس سلباً على رؤيتنا للآخر، فنلجأ إلى رسم صورة مشوهة له بمقدار ما نعظم أنفسنا وننزهها عن الخطأ، لذا من الضروري فهم ذواتنا أولاً، ثم فهم الآخر، أي أن نعرف كيف تبدت الذات العربية الإسلامية في تراثنا، وما هي جوانب ضعفها وجوانب قوتها؟ وكيف تعاملنا مع الآخر المختلف في العقيدة والعرق والمرتبة الاجتماعية؟

تضيف المؤلفة أن الإرهاب الفكري الذي نمارسه في حق الآخر المختلف، هو إرهاب في حق ذواتنا أيضاً، إذ نغلق نوافذ الحياة المتجددة، ونرضى أن نعيش في ظلمة الجهل رافضين ثقافة التسامح التي أسست ازدهار حضارة أجدادنا. لذا بحثت حمود في كتب التراث العربي الإسلامي عمّا يعزّز هذه الثقافة، من دون أن يعني هذا إغفال الصور التي تجسد التعصب فيها، ذلك من خلال دراسة صورة الأنا والآخر فيها. تعبّر الكاتبة عن دهشتها من تراثنا الأدبي في انفتاحه على الذات وعلى الآخر، وقد لمست ذلك في لحظات القوة (الجاحظ، ابن قتيبة، أبوحيان التوحيدي) ولحظات الضعف زمن الصليبيين (أسامة بن منقذ).

تعمدت ماجدة حمود في هذا الكتاب اختيار كتب أدبية (البخلاء، الإمتاع والمؤانسة، عيون الأخبار، كتاب الأخبار، ألف ليلة وليلة) تحتوي على مشاهد قصصية، وملامح السيرة الذاتية، لأن هذه الكتب تبدو شديدة الصلة بالحياة اليومية، وفيَّة لسياقها الاجتماعي والثقافي، وحفظت لنا قصصاً واقعية تتسم بالعفوية والصدق، إذ عايشنا فيها مشاهد التسامح مع الآخر، وإن احتوت على مشاهد التعصب أحياناً.

التراث العربي

تطمح المؤلفة من خلال هذه الدراسة لصورة الآخر في التراث العربي أن تكون نوعاً من حوار الذات بعيداً عن أوهام تقديس الذات أو مجاملتها، علماً أن أجدادنا سبقونا إلى ذلك، فقد سعوا إلى النظر إلى الآخر المختلف بعين العدل والمحبة، مثلما ينظرون إلى أنفسهم تماماً. كذلك تحاول المؤلفة ألا تكون هذه الدراسة علمية تغفل خصوصية الأدب وروحه، لذا لجأت إلى مشاهد نقدية تدرس اللغة باعتبارها أحد أهم ملامح الصورة، من دون أن تغفل الاستفادة من العلوم الإنسانية (علم التاريخ، علم النفس، علم الاجتماع).

كذلك، تحاول حمود في هذه الدراسة توسيع مفهوم الآخر، فهو المختلف عرقياً ودينياً الذي كان شريكاً في الحضارة الإسلامية، ولم يكن عدواً صليبياً فحسب. لذا لم تحصره في مفهوم جغرافي غربي (يوناني....)، بل درست أيضاً الآخر الشرقي (الهندي، الفارسي....)، علماً أن دراسات مقارنة كثيرة اهتمت بدراسة صورة الآخر الغربي، وأهملت ذلك الشرقي.

تشير المؤلفة إلى أن دراسة صورة الآخر أحد أهم العوامل التي تسهم في إغناء شخصية الإنسان، فيزداد فهماً لذاته وللآخر معاً، ما يجعل منظومة المفاهيم التي يتبناها أقل صلابة، وأكثر مرونة وحيوية، ويؤدي إلى نضج الشخصية الفردية إنسانياً ومعرفياً، فيتم التعرف إلى الذات والآخر في الوقت نفسه، هذا على المستوى الفردي، أما جماعيّاً فتفيد دراسة صورة الآخر في تصريف الانفعالات المكبوتة تجاه الآخر، وفهم أوهام المجتمع الكامنة في أعماقه وتحليلها، فتعري الذات والآخر معاً، بذلك تبين الصورة المغلوطة المكونة عن الذات والآخر، وتسهم في إزالة سوء التفاهم الذي ينزع إلى إعلاء شأن الأنا وتحقير الآخر، كي تؤسس لعلاقات معافاة من الأوهام، التي هي نتيجة تشويه صورة الآخر السلبي أو الإيجابي، بذلك تسهم المعرفة في تغيير الصورة، وإسباغ رؤية موضوعية على الذات والآخر معاً.

الجاحظ

تلاحظ ماجدة حمود كيفية تقديم الجاحظ لصورة الآخر عبر رؤية جمالية، إذ أضفى جاذبية على صورة البخيل على رغم أنها تمثل عادة مستهجنة في المجتمع العربي، من دون أن يميز في رسم هذه الصورة بين العرب والفرس، لذا لم نجد في إلحاق صفة البخل بالآخر دليلاً على أن الجاحظ قدّم صورة مشوهة للفرس، فعايشنا بفضله مرحلة حضارية جديدة بدأت تفرض قيمها الاجتماعية والاقتصادية غير المألوفة، فتركت أثراً على سلوك الناس وأفكارهم بغض النظر عن أعراقهم. وعلى رغم حماسته للغته العربية وردّه على الشعوبيين في «البيان والتبيين»، إلا أنه لم يقصر الفصاحة والبلاغة على لغته. بذلك قدّم لنا مثلاً عن تفاعل الأديب مع عصره بشكل مبدع، فأسس لرؤية موضوعية في تقديم صورة الآخر، من دون أن نعرف استعلاء أو عنصرية، إذ لم ير الآخر الذي يشاركه الدين ويصنع معه الحضارة نقيضاً له، بل شريكاً معه في إغناء الحياة الإنسانية.

كذلك تلفت حمود إلى أن جماليات الصورة في «ألف ليلة وليلة» تكمن في تعددها، إذ لم نجدها تتسم بالسكون، وإنما ثمة ما يفاجئ المتلقي، فيخلخل معارفه، ويغير الصورة النمطية التي شكّلها عبر أوهامه الثقافية. فقد بدت لنا الصورة التي تجسد العلاقة مع الآخر المختلف أقرب إلى الموضوعية حين تبدو متأثرة بالمعايشة اليومية، لكن حين تؤخذ سريعاً يغلفها الرعب والشر. من هنا يبدو أن التطور في العلاقات الإنسانية وإزالة سوء التفاهم محكومان بالمعرفة واقتراب الإنسان من أخيه الإنسان. وقد أسهمت اللغة في منح الصورة حيوية وغنى، واستطاعت أن توحي لنا بالبيئة الثقافية التي ينتمي إليها البطل والعصر الذي يعيش فيه. وعلى رغم تأثر الليالي بما قدمته الحضارات الإنسانية كلّها، فإن أثر الحضارة الإسلامية كان الأبرز فيها، وبدا ذلك في لغتها وسيطرة مفاهيمها على الحياة الاجتماعية وسلوك الإنسان.

المرأة

بحسب حمود، تأثرت صورة الآخر بالمعتقد الديني، فكلما كان الآخر قريباً من قيم الإسلام كانت صورته إيجابية، لذلك كان التشوه من نصيب الكافر سواء أكان إنسياً أو جنياً، لذا بدا لنا في الليالي عالم الجن أقرب إلى عالم الإنس. كذلك لمسنا تشويهاً لصورة الآخر الزنجي، ينمّ عن نظرة استعلائية، فألحقت به الصفات السيئة كافة، الجسدية منها والمعنوية. ولاحظنا أيضاً وجود ملامح صورة موضوعية للمرأة، لم تبق في ذاكرة المتلقي، فقد طغت الملامح السلبية (خائنة، عبدة لشهواتها، محتالة...) على الإيجابية التي جسدتها شهرزاد وغيرها (مخلصة، حكيمة، شجاعة...). ويبدو أيضاً أن العلاقة بين الرجل والمرأة خضعت للتطور وللعلاقات الإنسانية مع الآخر، فلم نعد نجد حرمان العاشق من الزواج بحبيبته، بل تغيرت القيم وبات أهل المعشوقة يمدّون يد العون له، كما حصل مع ابراهيم بن المهدي.


الجريده

ما موقف طه حسين من الصهيونية؟

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C11%5C09%5C449f69a3-80d1-4c8a-a8f5-2462ba62ec92_main.jpg غلاف الكتاب
جهاد فاضل
في كتاب جديد صادر عن دار الهلال بعنوان «طه حسين والصهيونية»، يعيد الباحث المصري حلمي النمنم كتابة سيرة طه حسين الفكرية، وبخاصة موقفه من العروبة بوجه عام، وكذلك موقفه من الصهيونية.
الواقع ان هناك، بنظر بعض الباحثين، التباسات كثيرة في سيرة طه حسين لجهة موقفه من العروبة ومن الصهيونية، وفي قضية فلسطين بالذات. فقد شاع كثيرا ان طه حسين لم يكتب مرة عن قضية فلسطين، فهي غائبة غيابا تاما في كتاباته، حتى اسم فلسطين لم يرد اصلا في هذه الكتابات. ولكن الباحث يعود الى الارث الفكري الذي تركه عميد الادب العربي ليجد انه غني وافر الغنى في فلسطينيته، كما انه عامر بمواقفه السلبية من الصهيونية.

يبدأ الباحث بالاشارة الى ان الهجوم على طه حسين اشتد واتسع بعد وفاته، اذ تم احياء معارك مضى عليها اكثر من نصف قرن مثل معركة كتابه «في الشعر الجاهلي». بل ان بعض الذين بالغوا في مدحه والثناء عليه في حياته انقلبوا الى النقيض بعد رحيله، منهم انور الجندي، الذي ما ان مات طه حتى اصدر كتابا عنوانه «طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام» ليتهمه في عقيدته الدينية وفي وطنيته وضميره الانساني واخلاقه، بل وفي رجولته.
وانبرى اخرون ليقولوا انه كان من دعاة الفرعونية ومن الكارهين تماما للعرب والعروبة، ومن المطالبين بالاندماج مع الغرب، واخذ كل شيء عن اوروبا، واهمال تراثنا كله. وهو مساند للاستعمار ومدافع عنه، كما هو مناصر لليهود، عميل للصهيونية، يكره فلسطين بشدة، ولم يكتب في حياته كلمة فلسطين! كما انه يعتدي على الاصول الاسلامية ويعمل على هدم القرآن وينفذ افكار الاستشراق والمستشرقين في الثقافة الاسلامية، بل في الاسلام نفسه، كما انه ليس مسلماً، فقد تنصر وتم تعميده في احدى الكنائس اثناء بعثته في مقتبل حياته.
اتهامات باطلة
يفند حلمي النمنم في كتابه هذا التهم الموجهة الى طه حسين.
ويقول ان طه حسين عاش حياته امينا ومدافعا عن اللغة العربية، كان رئيسا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى وفاته سنة 1973،
وكان رئيسا لاتحاد المجامع العربية، وهو الذي خاطب يوسف ادريس في بداية تألق هذا الاخير بضرورة الرفق باللغة الفصحى وعدم التوسع في العامية. وقد نبه الى خطورة العاميات على العربية. وقد دافع عن الحرف العربي بوجه دعوة صديقه عبدالعزيز فهمي الى اعتماد الحروف اللاتينية، كما فعل أتاتورك مع اللغة التركية.
وطه حسين هو صاحب الكتابات المتعمقة والرصينة في الإسلاميات، وقد بدأ حياته الفكرية بالاهتمام بابن خلدون عندما قدم رسالة دكتوراه عنه في السوربون سنة 1917 تكشف عن اعتزازه الصادق بالعروبة والدفاع عن العرب وعن ابن خلدون بالذات.
ولكن طه حسين ينتقد هجوم ابن خلدون في «مقدمته»، على العرب، خاصة فكرته التي طرحها بان العرب لا يتغلبون على بلد الا حل به الخراب وكأنهم اعداء الحضارة والعمران، يرى طه ان ابن خلدون لم يدقق جيدا في حكمه ولا في كلمته، ويشرح ذلك..
ويرفض طه حسين المقولة الشائعة ان معظم العلماء في الحضارة العربية الاسلامية ينتمون الى العنصر الفارسي.
وفي مقدمة اطروحته للدكتوراه عن ابن خلدون، يتحدث طه حسين عن رسالة الغفران للمعري وصداها الواسع في الكوميديا الالهية لدانتي، واطروحته هذه مليئة بالتمجيد لما أسماه «العبقرية العربية» والدور الذي لعبه العرب في ازدهار الحضارة.
رغم كل ذلك يردد بعض الباحثين ان طه كان «تابعاً» للمستشرقين يردد اقوالهم كأنه طبل أجوف.
وقد جزم بعضهم بأنه كان منحازا لأوروبا، معاديا عداء مطلقا للإسلام، لم يستوعب ولم يتابع حجم ما كان يجري على ارض فلسطين من صراع بين العرب والصهاينة.
تجاهل الحقائق
ولكن الباحث يقول ان ارشيف طه حسين يكذب هؤلاء على نحو قاطع، ذلك ان طه حسين كتب كثيرا عن فلسطين (يعدد الباحث ذلك بالتفصيل مع ذكر الموضوعات وما تتضمنه)، ولكنه كان يفرق (كما يفرق جيلنا اليوم) بين اليهود واليهودية كديانة وبين الصهيونية كحركة سياسية وفكرية. وقد فعل هذا قبله رشيد رضا وشكيب ارسلان وجرجي زيدان وآخرون من الكتاب والمفكرين الكبار. وله محاضرة شهيرة بالاسكندرية عن «اليهود في الادب العربي»، وهي محاضرة تفيض احساسا عميقا بالعروبة وبالمصرية على السواء. ولكن البعض اخذ عليه في هذه المحاضرة حديثه عن دور او فضل اليهود على الأدب والثقافة العربية يتمثل في مشاركتهم في نقل التراث اليوناني الى اللغة العربية، وهي واقعة صحيحة عمل الى جانبهم فيها المسيحيون ايضا. ولكن الذين اتهموا طه حسين بشبهة الصهيونية والميل لليهود في تلك المحاضرة يجهلون
الكثير من الحقائق. ذلك أن دارسي المخطوطات العربية يعرفون جيدا أن بعضها قد فُقد أصله العربي ولم يبق منه سوى الترجمة العبرية. وبفضل هذه الترجمات تمّ التعرف على الدور والجهد العربي. والمتابع للمؤتمر السنوي الذي يعقده مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية يجد أن هذا الموضوع قد أُشبع درسا وبات من البديهيات. فمع خروج العرب من الأندلس فُقدت مخطوطات كثيرة، وما كان لنا أن نعرف شيئا عنها الا عبر الترجمات، ومنها الترجمات الى العبرية التي قام بها باحثون يهود في ذلك العصر.
قضية اخترعها الغرب
وقد كتب طه حسين ان القضية الفلسطينية اخترعها الغرب وانه المسؤول عنها، وان فلسطين عربية ويجب أن تبقى كذلك، وعلى الغرب ان يُنهيها كما اخترعها وبدأها. ولم يكن طه حسين غافلا عن مشكلة اليهود وما جرى لهم من مذابح وعنصرية، لكن هذه المشكلة لم يصنعها الفلسطينيون ولا يتحملون مسؤوليتها، بل هي مشكلة أوروبية خلقتها أوروبا وهي المطالبة بحلّها.
وفي مقال آخر لا يوجه الاتهام الى أوروبا كلها، كما فعل سابقا، بل يشير بإصبع الاتهام نحو بريطانيا والولايات المتحدة.
وفي مقال ثالث ينفعل، كما لم ينفعل مرة من قبل، فيكتب مهاجما الأمم المتحدة التي أصدرت قرارا هو الظلم بعينه بعد أسبوع من صدور قرار التقسيم مباشرة: «لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة، ولم آخذها قط مأخذ الجد، ولم أُسَمّها قط بيني وبين نفسي إلا هيئة الأمم المختلفة». واستعرض في مقاله ما قامت به الهيئة، وبالأحرى ما لم تقم به من الإنصاف والعدل.





القبس

justice
01-05-2010, 01:18 PM
قراءة
«رمل وثلج»: حرية مجنحة ولذة خالصة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
محمد العشري
أحلام الطفولة والرغبة في حياة أفضل بالهجرة إلى أوروبا، تفاصيل العائلة الكبيرة العدد، لحظات الحب والزواج والصداقة، الثقافة والجغرافيا ولمس الأمكنة، الروتين الحكومي والخلفيات السياسية والاجتماعية، وحياة الفقراء ومعاناتهم، تلك بعض ما تحاول أن تقبض عليه الذات المبدعة عبر ثماني عشرة قصة قصيرة، تشكل عالماً ثرياً ومتشعباً، تعبره وتحفر في تفاصليه الكاتبة التونسية المهاجرة إلى ألمانيا كوثر التابعي في مجموعتها القصصية «رمل وثلج»، الصادرة حديثاً في تونس «دون تصدير لدار النشر»، وهي المجموعة الأولى للكاتبة باللغة العربية، حيث صدر لها من قبل مجموعة قصصية بعنوان «الخادمة الصغيرة» باللغة الألمانية في فرانكفورت عام 2004.
تفاصيل صغيرة
تنسج كوثر التابعي من التفاصيل الصغيرة الكثير من قصصها: «حكايتي تنطلق بدءا مع الأحذية الطويلة التي كانت تبهرني وأنا تلميذة في السنة الثانية ابتدائي»، تلك الرغبات الطفولية التي تكبر في الداخل، وتظل راسخة في الذاكرة، دون أن تتبدل أو تمّحي: «مرّت السنون، ولم يبرح داخلي الحلم بحذاء طويل».
وفي القصة التالية تخرج الكاتبة إلى تفاصيل أكثر مرارة وألماً من خلال محاولة التعامل مع الروتين الحكومي، وتخطي الكلمة المعتادة «ارجع غدوة»، التي يطلقها الموظف الحكومي في وجه المواطن، حتى دون أن يقف على سبب توقفه أمامه، وهو مرض مزمن ينخر في عصب الأجهزة الحكومية في معظم مؤسساتنا الرسمية على امتداد البلاد العربية، من أجل طلب صغير لتفعيل أوراق جواز سفرها لعدة أيام في بلدها، تعاني بطلة القصة وتقضي بقية أيام اجازتها في التردد على المؤسسة، وهي التي تكابد في غربتها من أجل أخواتها وأسرتها، الذين يتواطؤون بشكل غير مباشر مع القهر الذي تعانيه: «وكيف كنت أحرم نفسي لأرسل لهم حوالة آخر الشهر، مقتطعة من عمري وعرقي وشهوة نفسي لأعيش يوما واحدا دون مرارة التقشّف والحاجة. إخوتي الذين لا يعرفون كم هو باهظ ثمن العملة الصعبة».
ولا تلبث تلك الذات الساردة أن تعلو فوق ما يسجنها، وتنطلق حرة في فضاءات تحرك فيها الحنين، وتجعلها أكثر التصاقاً بذاتها: «أذكر كلمة «أريانة» وقد امتلأت رئتاي بشذى كل حرف منها وفاض بي الحنين إلى أجوائها وإلى مقام «سيدي عمّار» بشجيراته الرشيقة الحيية وميدانه الذي طالما لعبت ورتعت في أرجائه». ومن تلك البلدة تطير إلى «طبرقة» في «فداء العندليب» وبداية تعرّفها على سلوك الأب ولحظات انطلاقه ومرحه، الذي وقفت ملياً تتأمله وتسعى لفهمه وفهم جيناتها الموروثة منه: «بل إنني ليتملكني أحياناً فخر بجريرتك تلك ولا ريب أنني أحمل في داخلي البعض من جنونك وعدم واقعيتك وهوسك بالكلمة والنغم وكل ما يلامس أوتار الوجدان».
ضد المقولات الجاهزة
وفي قصة طويلة العنوان «الزمان والرجال ما فيهمش أمان أو وجب التساؤل من جديد» تسعى الكاتبة لدحض المقولات الثابتة، والتي تندرج في قاموس الحكم الشعبية، وهي دعوة كي لا يستسلم القارىء إلى المقولات الجاهزة، دون أن يكون قد خبرها واختبرها بنفسه: «أرفض هذا المثل.. القمة في الانحطاط الأنثوي! الاستسلام والكراهية معا! يا له من خليط سام!»، حتى وإن تعرضت إلى هزة عنيفة في حياتها العاطفية: «تسللت يدك الحبيبة خلسة، تلك منبع ارتوائي واتزاني لتسدد لي ضربة قاضية من الخلف»، لكنها تصر على عدم الخضوع إلى تلك المقولات الثابتة. ومن عمق جرح الحبيب تخرج تلك الذات إلى الصداقة في قصة «زهيرات الحب والموت» وما يعتريها من تغييرات وتذبذب.
ناس وأماكن
وتسعى كوثر التابعي إلى تقديم بعض المعلومات والمعرفة إلى قارئها، بشكل سردي لافت، كما في قصة «فيكتور هيجو 2002»، وهي تلقي الضوء على حياته، وأفكاره، وقناعاته، واتساقه مع ذاته ككاتب وإنسان حتى النهاية، وهو الذي قال: «يمر الواحد منا ولا يبقى منه ولو طيف على الحائط»، لكنه رحل تاركاً الكثير والكثير للإنسان وللإنسانية: «رحل فيكتور هيجو وبقيت كلماته حية، إرثا للإنسانية جمعاء، وبلسما مطلق الصلوحية».
للأماكن حضور طاغ في قصص كوثر التابعي، كما للأسماء والشخصيات والأحداث، مثل: «قرطبة»، «بالارمو»، «مصر». كما تسعى إلى الخروج عن المألوف في علاقاتها بالإنسان والأشياء، ويظهر ذلك جلياً في قصصها: «بائعة المرطبات»، «سامحتك يا أبي»، «فاطمة»، و«الفتاة غادرت المرأة». وكلها قصص تبحث عن الكامن في الذات، والنائم في الذاكرة كلغمٍ في انتظار لمسة كي يصحو، ويصبح كامل الحضور والتأثير. وجاءت كلمة ظهر الغلاف إلى حد كبير معبرة عن تفاصيل داخلية، وذاتية، وسردية، وهو ما يقلق كوثر التابعي ويمنح مجموعتها عمقاً وجاذبية: «في هذه المجموعة تتبدى بوضوح ملامح مشروع الكاتبة وعلاقتها باللغة والحكاية، حيث لا تتقاطع المعاني وتتشابك كبؤر للدلالات لديها فقط بل تبدو كنداءات داخلية مُلحّة وحنين وتطهير وطقوس وعناق وشوق..».

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C05%5C01%5C5d3599dd-c54f-411a-8609-0bb8d0bd480e_main.jpg

الأدب العجائبيّ والعالم الغرائبيّ
إعداد: كمال أبو ديب
عن دار الساقي بالتعاون مع دار أوركس

سليم نكد

هذا هو العنوان على الغلاف الخارجيّ. أمّا في الداخل فيُضاف إليه: «في كتاب العظمة وفنّ السرد العربي»، ممّا يدفع القارئ إلى التساؤل: هل هي دراسة عامة عن «الأدب العجائبيّ والعالم الغرائبيّ» وفنّ السرد العربي؟ أو هي دراسة خاصة لكتاب «العظمة»؟ وما هو كتاب «العظمة»؟ ولماذا لم يُذكر على الغلاف إذا كان هو الموضوع الرئيسي؟

أسئلة يطرحها القارئ وهو ما يزال بين الغلاف والصفحة الأولى من الكتاب. فهل هو أسلوب من أساليب التشويق وإثارة الفضول انسجاماً مع مضمون «عجائبيّ» و«غرائبيّ»؟

لا يلبث القارئ أن يدرك أن الكتاب تحقيق لمخطوطة عنوانها «كتاب العظمة» تطبع للمرة الأولى وقد صدّرها المحقق د. كمال أبو ديب بمقدمة طويلة تحت عنوان «فاتحات» يتناول فيها فنّ السرد في «كتاب العظمة» وينسبه إلى الأدب العجائبيّ أو الغرائبي.

يعود القارئ الى التساؤل: أما كان من الأجدى والأقرب إلى المنطق أن يبدأ بوصف المخطوطة أولاً ثم يعرض مضمونها، ثم يثبتها كاملة محققة ويلحقها أخيراً بالدراسة التحليلية؟

وإذ نشارك «القارئ» تساؤلاته، نتّبع هذا التصميم في عرض الكتاب.

يذكر المحقق، د. أبو ديب أنه عثر على المخطوطة في أوائل السبعينات بالمصادفة وهو يراجع فهارس المخطوطات في مكتبة بودلي في جامعة أوكسفورد يحدوه هاجس الكشف عن آثار عربية مغمورة ومتميزة تبرز جوانب من الإبداعية العربية كثيراً ما أنكرها أو تجاهلها الباحثون عرباً وأجانب، وهي، إذا نُشرت، تصحّح النظرة الى التاريخ والتراث العربي وتملأ ما يُعتبر فراغات فيه.

لا تحمل المخطوطة اسم مؤلّف وينسبها بروكلمان خطأً إلى الإمام أبي حامد الغزالي، ذلك أن الأسلوب والمضمون الديني مختلفان كما يرى د. أبو ديب. والذي يزيد الأمور تعقيداً أن عدّة مخطوطات تحمل العنوان ذاته لمؤلفين مختلفين من بينهم ابن عربي والأصفهاني وابن أبي الدنيا وابو العبّاس الحميريّ القمّي الشيعيّ. وبعد تردد يرجح المحقق أن يكون هذا الأخير هو المؤلف.

لمحات

يدور الكتاب حول عظمة الله ووصف مخلوقاته في السماوات والأرض وما تحت الثرى من الملائكة ومختلف الخلائق، كما يصف النار المعدّة للكافرين والجنة المعدّة للصالحين. يذكر المؤلف أن الله نزّل على آدم بواسطة جبرائيل العلم الذي ذكره في كتابه المنزّل: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»، فصوّر له ما كان وما هو كائن وما سيكون وذكر الطوفان وما يغرق من الأرض، فخشي آدم على العلم أن يذهب فكتبه على ألواح من طين وخبأها في مغارة يقال لها (المانعة) في جبل يقال له (المنديل) في سرنديب بالهند؛ والمغارة منغلقة لا تنفتح إلاّ مرةً في السنة في يوم عاشوراء. وردت الأخبار الى النبي دانيال فذهب الى المغارة مع عدد من تلامذته يوم عاشوراء مجهّزين بأدوات الكتابة ونقلوا جميع ما أرادوا ووضع دانيال هذا العلم على صحائف من نحاس، وبعد وفاته نشرها الله في الدنيا.

وفي سلسلة من الروايات المسنّدة الشبيهة باسانيد الأحاديث النبوية، يقول الحسن بن الحسن البصريّ: دخلتُ على أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فقال عثمان: سبحان من خلف الخلق ونشر الأمم في الأرض في البر والبحر والسهل والجبل... فقال عبد الله بن سلام (وهو حبر يهودي اعتنق الإسلام وأحد أركان رواية الحديث النبويّ): في كتاب «الدفائن» لدانيال ذكر لما خلق الله مما لا تدركه العقول وما لا يمكن وصفه، وما تقوله يا أمير المؤمنين عن هذه الدنيا، فما هي إلاّ كوكب صغير بين الكواكب في السماء. ويروي عبد الله بن سلام لأمير المؤمنين ما وجده في هذا الكتاب. من ذلك أن الله خلق المهوى وطوله ألف ألف ألف سنة وعلى جانب البحر عن يمينه ألف ألف ألف مدينة وعن شماله مثل ذلك، ولكل مدينة عشرون ألف مرج في كل مرج عشرون ألف روضة... فيهتف عثمان: لا إله إلاّ الله الملك القدوس. ويكمل الراوي وصفه لمخلوقات الله وعجائبها:أرض من حديد بينها وبين البحر مسيرة ثلاثة آلاف ألف ألف ألف سنة، وقد ألان الحديد فيفلحون ويزرعون ويغرسون الأشجار التي تتخللها الأنهار، وعلى تلك الأشجار طيور كالجمال أرجلها مثل أرجل الطيور ووجوهها كوجوه الناس... وتستمر الأوصاف لمخلوقات بالغة الضخامة، مقاييس طولها وعرضها بآلاف آلاف السنوات.

من الأوصاف الرائعة والمريعة وصف جهنّم وما يقاسيه الهالكون من ألوان العذاب: «وجعل في جهنّم ألف ألف بحر الى تسعمائة ألف ألف بحر من النار، أمواجها تتلاطم، فيها الزبانية سود مثل الجبال، لكل واحد منهم ألف عنق، في كل عنق ألف رأس، في كل رأس ألف وجه، في كل وجه ألف فم، في كل فم ألسن وأنياب طول كل سنّ مسيرة خمسمائة فرسخ»...

ابداع ادبي

يقول د. أبو ديب: «بمثل هذا النص يحقّ للإبداعية العربيّة أن تنسب لنفسها في سياق التاريخ الأدبي الذي كانت تعيه، ابتكار فنّ أدبي جديد هو فنّ العجائبي والخوارقيّ، فنّ اللاّمحدود واللاّمألوف، فنّ الخيال المتجاوز الطليق وابتكار المتخيّل الذي لا تحدّه حدود». وفي مواضع اخرى من المقدمة: «هكذا يبتكر النص نهجاً بديعاً في التعامل مع المختلف، الخياليّ، اللامعقول، الجامح، المتجاوز حدود التاريخي والمعقول بترسيخه وتجذيره في التاريخيّ والمعقول»... «وقد يكون كتاب العظمة اول نصّ سرديّ ينجز هذا الإنجاز الفني العظيم...».

بهذا الاسلوب التحليلي والتذوقيّ الانفعالي الذي يتخذ احياناً لهجة سجالية، تستمر المقدمة من فاتحة الى فاتحة. انه موقف قارئ محلّل ومتذوق في آن واحد، مزهوّ باكتشافه أثراً هو من كنوز التراث العربي يعتبره نموذجاً للإبداعية العربية، وكأن هذا الموقف رد فعل على مواقف بعض المتكربين او الجاهلين او قاصري النظر من الدارسين العرب والاجانب. انه نموذج للنقد الحيّ الذي بتنا نفتقده اليوم في النقد الادبي الحديث المسكون بهاجس علمويّ إحصائي تشريحي وبموضوعية باردة يتناول الرائعة الفنية كما يتناول الملصقات الدعائية، والجسد النابض بالحياة كما يتناول الجثة الهامدة، وكأن كل الشأن في المنهج لا في ما يؤدّي اليه. ذلك ان النقد الصحيح، مهما استوحي من منهجيات العلوم، وأية درجة بلغ في طموحاته ومناحيه العلمية، يبقى في صميمه تفاعلاً حياً، لان الذوق والحدس أنفذ الى قلب الأثر الفني من ادوات المناهج مهما أُتقنتْ وترهّفت.

من أجل تصحيح النظرة الى التراث العربي يدعو د. أبو ديب الى «ضرورة إعادة تصوّر التاريخ الثقافي العربي من منظار داخلي: إلغاء مفهوم عصور الانحطاط الذي ابتكرته حساسية فنية وفكر سياسي سحقه الغرب بمعطياته... والتخلص من عقد النقص إزاء الغرب... ورفض صورة الحضارة العربية التي تقوم على معطيات التاريخ الرسمي للثقافة وعلى الكتابة البلاطية... فما سُميّ «عصور انحطاط» هي عصور تحرير الأدب من لصوقيته بالسلطة ودوراته في مدارها...».

انها دعوة جادة ومحقّة لكننا نتساءل كم عدد الآثار التي تتضمن هذه الصفات والعناصر الفنية التي تغيّر طابع عصور بأكملها وهو لم يذكر واحداً منها كمثل لما يدعو اليه؟ مع العلم ان «كتاب العظمة» الذي يدرسه وينطلق منه لهذه الدعوة لا ينتسب الى هذا العصر، بل الى القرن الرابع الهجري كما يقول. ويبدو ان الانفعال في بعض المواضع يطغى على النظرة التحليلية الهادئة، فتتكرر صفات تنسب الى النص بحماسة طاغية: المدهش، المذهل، الفاتن، الرائع، الساحر... وكان من الافضل، في رأينا، ان يُترك للقارئ مجال الاستنتاج والشعور بالإعجاب من خلال التحليل.

غير ان نتائج الانفعال والموقف السجاليّ تبدو اكثر ما تبدو في نسبة «كتاب العظمة» الى نوع أدبي معيّن يدعوه «الأدب العجائبي» او «الخوارقي» او «الغرائبي» باعتبار انها مترادفات او قريبة من الترادف، وهو يرى بالتالي ان العرب سبقوا الغرب الى هذا النوع الذي سمّوه Fantastique، والذي ينسب T.Todorav ظهوره الى القرن الثامن عشر الاوروبي. ينتقد د. أبو ديب هذا الرأي ويصفه مرة بأنه ادعاء عبثي (ص9) ومرة بأنها نسبة عشوائية ( ص18).

دلالات

إذا كانت تعابير «العجائبي» و«الغرائبي» و«الخوارقي» غير محددة تماماً في اللغة العربية فتستعمل كمترادفات وكمقابل للتعبير الاجنبي Fantastique، فليست الحال كذلك في الفكر النقديّ الغربي حيث التمييز دقيق بين: L’étrange, Le fantastique, Le merveilleux, La féerie، وإذا تشابهت دلالاتها في الاستعمال العاديّ فهي ليست كذلك في لغة النقد الادبي التي تجهد لتحديد الانواع تحديداً دقيقاً. فالآداب اليونانية والرومانية القديمة، والادب الاوروبي في العصور الوسطى زاخرة بالخوارق من آلهة وأنصاف آلهة وجنّ وعفاريت... ومع ذلك لم تعرف هذه العصور الأدب الـ fantastique بالمعنى الحصري، وكذلك الحال آثار Dante، Milton وشكسبير. ليس هذا موقف Todorov وحده بل معظم الباحثين في هذا المجال، نذكر منهم R.Caillois، إذ تلتقي آراؤهم حول شروط اساسية نوجز أهمها: ان الذي يحدّد الـ fantastique هو شعور التردد الذي يعانيه بطل القصة كما يعانيه القارئ أمام الأحداث بين التصديق والإنكار. فالتصديق التام والإنكار التام يخرجان النصّ من هذا النطاق؛ والذي يخلق موقف التردد هذا تماسك العالم الواقعي وخضوعه الصارم لقانون السببيّة، ثم تعرّضه المفاجئ للاهتزاز او الاختراق. لهذا يلاحظ ازدهاره في فترات الاكتشافات العلمية وتعاظم الثقة بقوانين العلم ومنجزاته كما كانت الحال في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الاوروبي، وقد بلغ الذروة في هذه المرحلة التاريخية مع Gogol و Poe و Hoffmannو Maupassant وسواهم.

من شروطه الاساسية كذلك خلوّه من الاجواء الإلهية والمشاعر الدينية والأساطير وحياة القديسين وعجائبهم وتجنب الوعظ والدروس الأخلاقية كما نلاحظ ذلك في آثار أعلامه.

وإذا كانت كل فترة حضارية (او بدائية) تنعكس في لون أدبيّ يمثل روحها فقد تمثلت المرحلة التالية، وما تزال، في نوع آخر هيأته تطورات اخرى للعلم ونظرة مختلفة اليه هو «الخيال العلمي» Science-fiction.

«كتاب العظمة» اذاً، رغم ما يتضمنه من خوارق ومدهشات، او بسبب ذلك، لا ينطبق عليه وصف Fantastique.
كيف يصنّف اذاً وما هو النوع الذي ينتسب اليه؟

إنه يلامس انواعاً ولا ينتسب الى نوع محدد. ينمو على أصول الكتب الدينية يستوحيها كما يحلو للمخيلة ان تنطلق وتبدع، كما يغتذي مما تنسجه المخيّلة الشعبية حول بعض القصائد والتعاليم. له نظائر في بعض أناشيد «كتب الأموات» في الحضارات القديمة، و «رؤيا يوحنا» في الاستيحاءات المسيحية. انها رؤى أخرويّة او اسكاتولوجية.

وصف الجنّة

تتجلى لوحة الجنة كأبهى ما تكون بأوصاف تتخطى كذلك كل تصور في حشد هائل لكل ألوان الجمالات والمتَع: «إن الله تعالى خلق الجنة تحت العرش عن يمينه، وعرْضها كعرض السماوات والأرض من الذهب الأحمر والفضة البيضاء والدرّ والجوهر واللؤلؤ والزمرد الأخضر، وجعل لها ثمانية أبواب من النور ومسامير من الدرّ وستور الأبواب من السندس الأخضر ومفاتيحها من الياقوت الأحمر... وتسمّى كل جنة باسم معلوم: الأول جنة النعيم، الثاني دار السلام، الثالث دار الخلد، الرابع الفردوس، الخامس دار الجلال، السادس جنة عدن، السابع الدار العليا. طول كلّ دار مسيرة تسعمائة ألف ألف ألف ألف ألف سنة... والسنة ثمانون شهراً والشهر ثمانون يوماً واليوم ثمانون ساعة والسنة الواحدة الف سنة من سنينا هذه... في كل جنّة خلق الله تعالى ثمانمائة الف مدينة، في كل مدينة ألف ألف قصر من الذهب الأحمر والدرّ والجوهر والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر... على كل سرير ألف ألف فراش من الحرير والسندس الأخضر... والفرش مفروشة بعضها فوق بعض، جالس على كلّ من تلك الفرش حورية من الحور العين عليها سبعون حلّة... يجري في كل بستان نهر من لبن ونهر من عسل ونهر من خمر لذّة للشاربين... فإذا دخل أهل الجنة الجنة افترقوا الى منازلهم فتستقبلهم الحور العين، كل إنسان تستقبله سبعون حوراء... فينظر وليّ الله الى ما أعدّ له من النعيم ويتعجب من الحور فيقول: لمن هؤلاء يا ربّ؟ فيقول الله تعالى: «يا عبدي ما ترى كلّهنّ أزواجك ونساؤك ولأجلك خلقتهنّ»... ويمضي الوصف على هذا المنوال الأسطوري الغرائبيّ في تجسيد المتع على اختلافها بأبهى الصور وأصعقها للحواس والمشاعر. ويخاطب الله عباده: «يا عبادي لا تشربوا من الحور العين فها أنا أسقيكم بيدي فاشكروا نعمتي وانظروا الى عظمتي».

http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/07/26/16416_aladb-al3ajbae-cmyk_small.jpg

الجريده

كتاب
ذكريات مثيرة ووثائق نادرة! رجال في تاريخ الكويت في طبعة ثالثة

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2010%5C11%5C09%5C99044785-e20b-4e20-a39d-943d8101c7e8_main.jpg غلاف الكتاب
حين تقلب صفحات الاصدار الجديد من الجزء الأول من «رجال في تاريخ الكويت» طبعته الثالثة للزميل يوسف الشهاب.. تشعر كأنك تتنقل بين زهور صديقة غناء عريقة التاريخ متعددة الزهور بألوانها واشكالها وروائحها الجميلة.. فالكتاب الذي يمثل جزءا مهمًّا من تاريخ الكويت يقدم لك - أطباقا - شهية من المعلومات التاريخية للكويت بأحداثها المختلفة ومواقف الرجال فيها الذين عاصروا هذه الأحداث أو كانوا شهودا عليها.. ويعطي أيضا للأجيال الحاضرة صورة لتلك الأزمان التي عاصرتها سبعة عشر شخصية تحدثت عن رحلة حياتها في 556 صفحة إلى جانب صور نادرة بلغت 294 صورة تاريخية، يطالعك أحمد زيد السرحان بتاريخ حياته الدراسية وتجارته وحكايته مع الكتلة الوطنية أو كتلة الشباب التي أُسّ.ست عام 1938.
ثم يأتي أحمد الخطيب يروي تاريخ دراسته حتى الجامعة الأميركية في بيروت والمواقف التي واجهها ثم انخراطه بالعمل كطبيب في المستشفى الأميري بعد تخرجه واستقالته إلى العمل الخاص في أول عيادة له - بالصالحية - وأما أحمد الغانم الجبر، فيتحدث للمؤلف عن حياته ومعركة الجهراء وعن رحلته إلى القاهرة ثم البحر التي استغرقت 12 يوما، ويطالعك خالد عبداللطيف الحمد بتاريخ حياته التجارية والمجلس التشريعي 1938، وأما جاسم القطامي فيروي للمؤلف حكاية مهرجان الوحدة بثانوية الشويخ ورفضه تقمع المظاهرات حين كان مديرا للشرطة وتقديم استقالته من الوظيفة والشيخ عبدالله الجابر يتحدث طويلا مع المؤلف عن جوانب من تاريخ الكويت ومواقعها الحربية وتاريخ التعليم وموقفه من تدخل الانكليز في شؤون التعليم بالكويت وقصة الوساطة التي قام بها بين عبدالناصر والاخوان عام 1953. ثم عبدالعزيز الصقر الذي يسلط الضوء على أحداث كثيرة من تاريخ الكويت الاقتصادي والسياسي ومفاوضاته مع اليابانيين ببناء أول ناقلة كويتية نفطية. ويأتي عبدالعزيز الراشد مقدما جانبا من تاريخ حياته وموقفه من صاحب الأمانة التي وضعت لديه، وعبدالله زكريا الانصاري يسدل الستار عن أول اضراب ضد تغيير مناهج الدراسة وبيت الكويت، ثم تأتي ذكريات الحديث عن المشاركة النفطية على لسان عبدالرحمن العتيقي مع حديث عن ذكريات حياته، وأما اللواء المتقاعد عبداللطيف الثويني فيروي للمؤلف تاريخ الشرطة والأمن بالكويت ويكشف عن أول اعدام نفذ بالرصاص بقصر نايف والكتاب تتضمن صفحاته جزءا عن حياة محمد يوسف المضف وضريبة الجمارك ودوره في مشاركته في أول وزارة بالكويت عيد الاستقلال.
وفي الجزء الخاص في محمد أحمد الغانم يروي فيه قصة وثيقة المجلس التشريعي التي كانت معه خلال أحداث وعن مواقفه وذكرياته في لبنان حين كان سفيرا فيها يتحدث محمد يوسف العدساني عن محاولات اغتياله واحتلال السفارة الكويتية ويختتم المؤلف يوسف الشهاب كتابه الوثائقي في لقاء مع مهلهل المضف الذي يتحدث هو الآخر عن حياته ودراسته ودخوله الحياة الدبلوماسية.. والكتاب مزود بصور نادرة تعود بالقارئ إلى الماضي، وهو كتاب وثائقي تاريخي يحتاجه كل باحث ودارس ومكتبة كويتية.

justice
13-11-2010, 07:33 PM
نوادر الكتب في طبعة جديدة أمير الشعراء شوقي كما رآه أمير البيان شكيب أرسلان
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C01%5Cd9ba7088-b153-472d-97ef-4e6eb84fe550_main.jpg نسخة نادرة
'شوقي او صداقة اربعين سنة' عنوان كتاب للامير شكيب ارسلان صدر لاول مرة قبل ثلاثة وسبعين سنة من اليوم، اي بعد وفاة امير الشعراء شوقي عام 1933 بسنتين. والعنوان يشي بمضمونه، فهو يروي سيرة الصداقة التي ربطت بين شكيب وشوقي، كما يحمل تقييما وافيا له، لان الامير شكيب كان مثقفا وباحثا كبيرا في آن. والكتاب كان مفقودا من المكتبات منذ سنوات طويلة الى ان اعادت احدى دور النشر المصرية، وهي دار الفضيلة، اصداره من جديد في باب 'نوادر الكتب' اخيرا، وهو فعلا كذلك. كما ان الكتاب يمثل لا مجرد شهادة يعتد بها، بل وثيقة من الوثائق الادبية والتاريخية تتصل بمرحلة كما تتصل بشاعر ولا كالشعراء. فهو اميرهم، كما هو علامة فارقة في تطور الشعر العربي المعاصر من حال الى حال.
في بداية كتابه يروي شكيب كيف التقى لاول مرة بشوقي في باريس: كنت اسمع بشوقي واعجب بشعره قبل ان التقي به، وبقيت لا اعرفه معرفة شخصية الى سنة 1892 اذ ذهبت من الاستانة الى فرنسا قاصدا السياحة ومستشفيا من مرض طرأ علي.
وكان احمد شوقي يددرس علم الحقوق في مونبلييه وفي اثناء العطلة المدرسية جاء الى باريس ومعه رفيق اسمه دلاور. فبينما نحن في الحي اللاتيني اذ جمعتنا الاقدار، وما عدت اتذكر كيفية اجتماعنا وتعارف بعضنا الى بعض. ولكن لم نجتمع حتى صرنا كأخوين، وغدونا نجتمع كل يوم مرة بل مرتين واكثر. وتلاقينا كان في مقهى يقال له مقهى داركور. ومن غريب الاتفاقات اننا في سنة 1926 تلاقينا انا وشوقي في باريس. جاء فسلم علي في فندق ماجستيك، فذهبت ارد له السلام في فندق كان نازلا به في الحي اللاتيني. فسألت عنه فقيل انه خرج الى النزهة، واذا بهذا الاوتيل على مسافة مائة متر من مقهى داركور، واذا بشوقي جالسا هناك ومعه مطربه محمد عبدالوهاب، فجلست اليهما واخذت اتأمل في دوران الدهر ورد العجز على الصدر. فقد كنت اول مرة عرفت فيها شوقي اجلس واياه في هذا المقهى نفسه، ومضى على ذلك ستة وثلاثون حولا ولم نجتمع في باريس، فلما اجتمعنا اذا بنا من دون تعمد في هذا المقهى ايضا.
شكيب ارسلان هو الذي اقترح على شوقي ان يسمي ديوانه 'بالشوقيات'. وفي الطبعة الاولى من هذا الديوان، وقد صدرت سنة 1898، ذكر شوقي هذه الحكاية فقال: 'جمعتني باريس في ايام الصبا بالامير شكيب ارسلان، وانا يومئذ في طلب العلم، والامير، حفظه الله، في التماس الشفاء، فانعقدت بيننا الألفة بلا كلفة، وكنت في اول عهدي بنظم القصائد الكبر، وكان الامير يقرأ ما يرد اليه منها منشورا في صحف مصر، فتمنى ان تكون لي يوما مجموعة، ثم تمنى علي اذا هي ظهرت ان اسميها 'الشوقيات'، ثم انقضت تلك المدة فكأنها حلم في الكرى او خلسة المختلس'.
كما قلت:
صحبت شكيبا برهة لم يفز بها
سواي على ان الصحاب كثير
حرصت عليها آنة ثم آنة
كما ضن بالماس الكريم خبير
فلما تساقينا الوفاء وتم لي
وداد على كل الوداد امير
تفرق جسمي في البلاد وجسمه
ولم يفرق خاطر وضمير
ويقول شكيب ان شوقي صدق في هذه الابيات واحسن ما حكى الحال 'فقد كرعنا من الوفاء بنمير، وتفارقنا ولم يتفارق خاطر وضمير، وبقيت اكتب له ويكتب لي، وابثه ما في نفسي ويبثني ما في نفسه، واداعبه ويداعبني، ونتناجى على بعد الديار، ونتراءى بالقلوب لا بالابصار.
ويضيف شكيب: وكنت احبه لعذوبة اخلاقه وحسن معاشرته واجله لعلو فكره وبداعة شعره، واجمع فيه بين الحب والحرمة، وما اسعد الانسان اذا كان يحب من يحترم ويحترم من يحب، وما اصدق قول المتنبي:
ضروب الناس عشاق ضروبا
فأعذرهم اشفهم حبيبا
ويروي شكيب انه التقى بشوقي لآخر مرة في السويس قبل وفاة شوقي بقليل، اتى شوقي من القاهرة الى السويس خصيصا للقاء شكيب (وكانت واأسفاه الملاقاة الأخيرة بيننا)، لحظت عليه آثار الضعف بادية وكأنما كان اكبر من سنه بعشر سنوات على الاقل.
وعجبت من ان تنال الشيخوخة منه هذا النيل وبين الاخوان الذين كانوا قد اجتمعوا هناك من هم اعلى سنا بكثير ولم يتقوس لهم ظهر، ولم يتغضن لهم جبين، ولم يأخذ منهم الدهر ما أخذ من شوقي، فشعرت في نفسي بالخوف على صحته ورأيته قد سبق سنه بمسافة طويلة، فبعد ان تفارقنا كنت لا ازال اترقب اخبار صحته، واتمنى لو يأتي الى سويسرا فأشاهده، وما زلت اتحسر على تلك الفرقة وانشد قول عباس ابن الاحنف:
سبحان رب العلى ما كان اغفلني
عما رمتني به الايام والزمن
من لم يذق فرقة الاحباب ثم يرى
آثارهم بعدهم لم يدر ما الحزن!
يدافع شكيب ارسلان دفاعا حارا عن شوقي في كتابه، فهو يرى انه اعظم الشعراء واعظم الناثرين معا، يخالفه في ذلك، كما يقول الشيخ ابراهيم اليازجي الذي عقد في مجلته البيان فصلا حول رواية شوقي 'عذراء الهند'، قال فيه: 'كيف يرضى انسان بعد ان يكون في الشعر هو الاول، ان يكون في النثر هو الاخير'.
وقد هب شكيب للدفاع عن شوقي، معتبرا ان اليازجي قد ظلمه.
'فشوقي شاعر كامل الادوات وكان ريان من العربية الفصحى، وكانت لغته متساوية مع فكرته، فاذا سألت عليه شعاب الفكر، جاء بكل لفظ فحل ومعنى بكر، وحاط كلامه من قرنه الى قدمه بنحو راسخ ولغة تبعد عنها الركاكة فراسخ، ولكن المشكلة في اليازجي، فقد كان مولعا بالتعنت، متهافتا على التنقص، لا يتردد عن تحجير الواسع مهما اتسع، وكان اذا لم يطلع على مسألة من المسائل نفاها عن العربية، وان لم يجد في المعاجم المعروفة بين ايدينا لفظا من الالفاظ أسجل بانه ليس بعربي'.
وشوقي عند شكيب شاعر مطبوع رأى فيه الشاعرية بجميع شروطها: 'النسج الرقيق المتين والاسلوب الرشيق الرصين: اللغة العربية الفصحى التي لا تؤتى من جهته والمعنى المتناهي في الدقة، اللابس من اللفظ اجمل حلة، والانسجام المطرد من الاول الى الآخر في سكب واحد، وسبك متوارد'.
ويضيف: ان شوقي وان اسرف في المديح، وفي مديح امير بلاده خاصة، فلم يلوث شعره بالهجاء، ولم اسمع له قصيدة يهجو بها احدا، وقد عصمه الله من ذلك، فان من اقبح ما قبح سمعة الشعراء وجعل الخلق ينظرون اليهم بشيء من الريبة، ان كثيرا منهم رتعوا في لحوم الناس، وسيروا المثالب التي قد تكون بلا اصل، او يكون لها اصل ضعيف.
ولكن الناس حفظوها وتدارسوها لبراعة قوالبها خلفا عن سلف، حتى انتهى الامر بان صدقوا فحواها وصارت في نظرهم وقائع تاريخية، فلو كان شوقي شتاما مقذعا مع ما اوتي من الاجادة لكان ثلم اعراضا، وخلد مقابح، واورث احقادا، وقيد فضائح، كان هجا نفسه بهجوه لغيره، فعفة لسان شوقي وتنكبه طريقا طالما سلكها شعراء كبار وصغار ومتوسطون، هذا دليل على ذكاء طبعه وفرط حيائه، وايضا على رجاحة عقله وأصالة رأيه. فكم أحدث الشعر من فتنة، وأراق من دم، واحرج من جماعة، وحرم العالم من نعمة. وأي نعمة كانت اعظم من شعر المتنبي الذي كانت حياته كلها اقوالا عبقرية آخذا بعضها برقاب بعض. ولكنه رغم جميع حكمه الاجتماعية وآرائه الفلسفية، لم ينتبه الى ما للهجو من الاستهداف للمقت والتعرض للهلكة، فقال من الاقوال الصغار ما يخالف تلك الحكم التي تفرد بها، وأسف في الهجو إسفافا يحار العقل في صدوره من مثله، وانتهى بأن ذهب فريسة اقذاعه.
اما شوقي فكان عفا طاهر اللفظ صافي النفس تنعكس على مرآة نفسه النقية المحاسن دون القبائح. وكان لا يسلم من الحسد والمنافسة، ومثله من يحسد ويغص بمكانه، ولكنه كان يمر باللغو كريما، وبالحسد عظيما، وكأنه كان يرى نفسه فوق ان يزاحم، ويجد شوطه ابعد من ان يسابق، فيعف عن قدرة، ويتواضع عن أنفة.
وقد كان يتجنب ايضا المساجلات والمناقشات في شعره فلا يهاجم ولا يهاجم. وربما نيل منه في غيابه، ولكنه كان يقابل بالسكوت. ولعل سكوته هو لما تقدم من ثقته بنفسه، وشعوره بأنه الصخرة التي ينحط عنها السيل.
إن قارئ كتاب الامير شكيب قد يلحظ فيه عبارات لم تعد مألوفة اليوم. فلغته لغة عربية متينة، كانت سائدة في الربع الأول من القرن العشرين، ولكن هذه اللغة تراجعت اليوم لمصلحة لغة عربية عصرية، حافظت على اسس الصرف والنحو، ولكنها انفتحت على العامية وعلى الاجنبية. وبذلك اختلفت الى حد بعيد عن اللغة التي كتب بها شكيب كتابه عن شوقي في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي. لكن كتاب شكيب لايزال صالحا لإعادة رسم صورة عن شوقي في عصره وبعيون معاصريه من كبار الادباء.
وهو بلا شك يؤلف وثيقة اجتماعية وتاريخية شديدة الاهمية لدراسة بيئة ومجتمع مصر والبلاد العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
جهاد فاضل

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C01%5C2e457cc6-ec01-414a-b732-f5860771d146_maincategory.jpg ..وطبعة جديدة


القبس

كتاب أورويل ساعده على صياغة موقفه من المسألة جلال أمين يحاول فك لغز التقدم والتأخر.

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C08%5C5a2f31f1-82e8-41f0-86c0-08492a519a26_main.jpg

ولم يمض وقت طويل حتى وجدنا أن القوى التي حررت شعوب شرق أوروبا والبلقان من القبضة الخانقة للدولة اللينينية هي نفسها القوى التي تساند برامج تجويع الجماهير وتفتيت الأمم وتمكين قوى الهدم والتخريب والتناحر في البلقان والشرق الأوسط وآسيا المسلمة.
كل هذه التطورات جعلتني أعيد التفكير في فكرة التقدم التي بدت يقال إنها مسيحية في أساسها. وبدا لي أن الإسلام سد النقص الذي عانى منه الفكر الإنساني السابق على البعثة المحمدية بخصوص فكرة التقدم أو سعي الإنسان إلى الارتقاء بحياته، عندما حذر الإنسان من الانسياق وراء أوهام لن تجعله 'يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا'. وعندما حذر من أنه إذا أخذت الأرض زينتها وظن أهلها أنهم قادرون عليها، كان ذلك إيذانا بنهاية الحضارة البشرية، بأمر إلهي.
وهكذا بدأت أفكر في التقدم ليس باعتباره تحقيق الأفضل أو الارتقاء بالحياة، في المطلق، بل باعتباره مواكبة التغيرات التي تطرأ على حياة كل جيل، وهي تغيرات يحتمها الجهد البشري المتواصل لإحكام السيطرة على الطبيعة والذي وصل إلى منافسة الطبيعة والاستعلاء عليها.
فالإنسان اليوم يستعلي على الدواب بالقطارات والسيارات وعلى الطيور بالطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية. ويستعلي بكل هذه المخترعات وبغيرها على قيود الزمان والمكان والجاذبية. كما يستعلي بالمواد المصنعة على المواد الطبيعية من طعام وملابس وأدوية.
هذه بعض مظاهر 'التقدم' وهي مفيدة وضارة. تحقق للإنسان الكثير من المنافع وتجلب عليه الكثير من الأمراض الجسمية والنفسية. لكن رفضها يعني 'التخلف' عن العصر بخيره وشره.
ويمكننا أن نقول الأمر ذاته عن منجزات التقدم في المجالات الإبداعية (الرواية، الشعر، المسرح، السينما، التلفزة، الرسم، النحت.. الخ) (فمفاهيم الإبداع اليوم تقدم لقارئ هذا العصر ما هو نتاج عصره، وما يساعده على التعامل مع هذا العصر قبولا أو رفضا، تثبيتا أو تغييرا، أما مفاهيم الإبداع القديمة فلا تفعل ذلك.
ويعد الموقف الإسلامي العام من رواية سلمان رشدي 'آيات شيطانية' تعبيرا عن رفض لمفاهيم الإبداع المقبولة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وهو الرفض الذي دفعت ثمنه جمهورية إيران الإسلامية عندما حملت لواءه نهاية الثمانينات. وبوسع المرء أن يقول إن رفض رواية سلمان رشدي، بالأسلوب الذي عبرنا به كمسلمين عن هذا الرفض، ساعد على تهيئة الأجواء الكارهة للإسلام والمسلمين في الغرب والتي لم تكن، حتى هذه اللحظة إلا ستار دخان يخفي أمورا لا علاقة لها بالأديان والأعراق ولا علاقة لها بالإبداع، فهي أمور عسكرية وسياسية تتصل بما يسمى 'النهب الإمبريالي لثروات أمم الشرق'.
وحادثة تفجير تمثالي بوذا في أفغانستان دليل آخر على تفاوت كبير بين فهم ? شرقي مسلم ? للإبداع ورموزه، وفهم آخر غربي مسيحي ? يهودي.
هل يجوز لنا أن نسأل أي الفهمين أفضل؟ بالقطع، لا. ولكن هذا التفاوت في الفهم يجعل التواصل صعبا. وعلى كل أمة أن تجري حساباتها لتوازن بين اعتبارات الحفاظ على الأصالة واعتبارات الحاجة إلى التواصل مع الآخرين.
ظننت أن جلال أمين سيقول كلاما مثل هذا في كتابه " خرافة التقدم والتأخر" وأني سأجد في كتابه هذا تأصيلا للموقف الذي أشرت إليه.
لكني فوجئت به يرفض، في الكتاب، فكرة أن يكون هناك تقدم أو تأخر يلمح إلى أن القبول بالتقدم، وهو مطروح علينا اليوم في صيغة ولدت في أوروبا الغربية وتطورت في أميركا الشمالية، لن يكون أفضل من صفقة الدكتور فاوست الذي باع روحه للشيطان مقابل ملذات جسمية وعقلية.
ورغم أن الدكتور أمين يشير إلى أكثر من عمل علمي وأدبي ساعد على تبلور هذه المواقف الرافضة للتقدم في ذهنه، فإني أحسب أن الكتاب الذي أثر في صياغته للموضوع هو 1984 الرواية التي ألفها جورج أورويل، والتي قرأها جلال أمين لأول مرة عقب هزيمة العرب في 1976 وما كشفته من أكاذيب الإعلام العربي الرسمي بل وأكاذيب النظم الحاكمة.
ثم أعاد قراءتها عام 1990 عقب هجوم صدام حسين على الكويت لأنه يعلم، حتى من قبل ذلك الهجوم، أن صدام سياسي كذاب وان مبرراته للهجوم على أشقائه كاذبة ومصطنعة وأنه ليس إلا عميلا أميركيا ? إسرائيليا.
ومرة ثالثة، يعيد د. أمين قراءتها عقب الهجوم على نيويورك وواشنطن في سبتمبر2001 لعجزه عن التصديق بأن مجموعة من الإرهابيين العرب أو المسلمين خططت ونفذت هذا الهجوم من أجل رفعة الإسلام ومن أجل الانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل.
في هذه الرواية، رواية 1984 نكتشف أن المجتمع الذي يدعي انه وصل ذروة التقدم هو في الحقيقة واقع في وهدة التخلف. وان دعاة الرحمة هم جلادون قساة وأن دعاة الفضيلة وحراسها هم زباينة الرذيلة.
والإطار العام للرواية يدفع إلى الاعتقاد بأن استكمال الدولة الحديث لأدوات الحداثة يجعلها وحشا خرافيا يلتهم البشر ويجعل الحداثة أو التقدم كابوسا مرعبا.
لكن، أليس ممكنا أن نبرئ الحداثة من ذنوب الحداثيين كما برأنا المسيحية من ذنوب المسيحيين والإسلام من ذنوب المسلمين؟
وهل يمكن أن نعالج أمراض الحداثة بأدوية من القرون الوسطى أو ما قبلها؟ أم يتعين علينا أن نعالج الحداثة بالحداثة؟
قلت إن كتاب اورويل هو الذي ساعد جلال أمين على 'صياغة' موقفه من التقدم والتأخر.
القراءات زودته بالشكل أو بالغلاف أما المحتوى أو الجوهر فقد يكون له مصدر آخر نابع من تربيته في بيت أحد الثقات في دراسة الحضارة الإسلامية، ودخوله مرحلة الشباب والرجولة مع الوثبة الناصرية التي لم تثق أبدا في الغرب، وإن ظلت، مثلها مثل جلال أمين، من البداية للنهاية تشك فيه ولا تقدر على الطلاق منه. وها هي الوثبة التي انتهت بالنكسة امتزجت فيها رؤى التقدم بدعوى التخلف وسيطرت على الأجواء البارانويا التي تفسر كل ما يجري بمؤامرات تحاك في الخفاء.
أسامة الغزولي
قبل أن تقع عيناي على كتاب 'خرافة التقدم والتأخر' الذي كتبه الدكتور جلال أمين، بعدة سنوات كنت قد بدأت أشك في فكرة التقدم.
فبعد سقوط النظام السوفيتي في نهاية التسعينات وانحسار الظل الروسي الطويل والعريض عن بلدان أسيرة كثيرة، أصبحت القوى التي درج العالم على وصفها بأنها 'تقدمية' منذ العقد الثاني للقرن العشرين، تلعب دورا رجعيا يحاول أن يمنع الشعوب من الإفلات من قبضة الكرملين وتوابعه، فيما برزت القوى الموسومة بالرجعية كلاعب أساسي في تحرير هذه الشعوب وإطلاق طاقاتها، كما قيل آنذاك.


القبس

دراسة عن فن الفكاهة في الأدب العربي
الذهنية العربية ظلمت الأعراب لأن القرآن وصمهم بالكفر والنفاق!

عرف الأدب العرب طيلة عصوره فن النوادر والملح، كما عرف العرب كثيرا من الظرفاء وأصحاب اللطائف الساخرين، وربما كان جحا وأشعب وغيرهما من أشهر أبطال هذه القصص والمرويات المتواترة في تاريخ الأدب تحت مسمى النوادر، لكن أن تكون النادرة مفتاحا لدراسة اجتماعية وافية عن جماعة بشرية كاملة، فهذا ما سعى إليه الباحث الأكاديمي د. أحمد عبد التواب في كتابه الصادر أخيراً عن سلسلة التراث في الهيئة المصرية للكتاب تحت عنوان «نوادر الأعراب»، وكما هو واضح من العنوان، فإن الباحث اختار لمادته حكايات ومرويات جماعة من البشر عرفوا على مدى التاريخ بارتباطهم بالبادية أو الصحراء، وما بها من ظروف بيئية أصلت بداخلهم ثقافة إنسانية تتسم بالبخل والطمع حد الشره، والمباشرة والوضوح حد الفظاظة أو الجلافة، لكن هذا لا يمنع من أنهم كأي جماعة بشرية أخرى يتمتعون بالحيل والذكاء والفطنة والعلم ببعض الأمور والجهل التام ببعضها والخلط أحياناً بين هذا وذاك، وهذا ما أبرزته النوادر التي جمعها من بطون كتب التراث وفي مقدمتها الأغاني للأصفهاني والأمالي للقالي وجمع الجواهر للقيرواني، والحيوان للجاحظ، وزهر الآداب للقيرواني والعقد الفريد لابن عبد ربه وعيون الأخبار لابن قتيبه وغيرها.

ويأتي الكتاب في أربعمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير على هيئة ثلاثة أبواب الأول رصد فيه حياة الأعراب ومعنى كلمة عرب في قواميس اللغة والفرق بين العرب والأعراب، وبين الأعراب المقيمين والأعراب شبه المقيمين والأعراب الرحل، والخلط التاريخي في مفهوم الأعراب، وكيف كان يطلق هذا المصطلح قبل الإسلام على كل سكان الجزيرة، ثم حدد بعد الإسلام بأهل الوبر في مقابل أهل المدر قاطني القرى والمدن، ثم استثنى منهم رسول الله القائمين على حواف المدينة أو ما شابهها، إذ أنهم اكتسبوا أخلاق المدر وتعاملاتهم، ومن ثم نشأ التقسيم بين الأعراب المقيمين ذوي الحضارة، ثم شبه المقيمين، وهم رعاة الأغنام على هوامش المدن، ثم رعاة الإبل وهؤلاء مرتحلون طيلة العام حسب وجود المرعى، وأظهر الباحث أن هذا التقسيم لا ينطبق على قبيلة بكاملها، فقد يكون بطن منها مستقرا وآخر مرتحلاً وثالث شبه مرتحل، كما رصد من حيث اللغة كلمة ندر التي جاءت منها النادرة وتعني تغير الحال المفاجئ كالجلوس من القيام أو السير فجأة أو العكس، ومعنى الندرة قلة التكرار، ومن ثم فالأمر يحمل معنى الدهشة والمباغتة التي يستحملها العقل، لكن النادرة ليس شرطاً لها أن تأتي من قول لبق أو إجابة سديدة أو فعل عظيم، لأنها من المفارقة غير المتوقعة التي تكمن في القول الحسن، كما في غير الحسن.
أنواع النوادر
وقدم عبد التواب بابه الثاني عن النوادر التي قسمها إلى خلقية ( الجهل، الجفاء، الاعتبار والتذكر ) وسياسية (مواقف الأعراب بالخلفاء والأمراء والشرفاء ) واجتماعية (الطعام، الزواج، البخل والكرم)، وعقلية (الذكاء،حسن التخلص)، وقام الباب الثالث على دراسة أسلوبية لفن النوادر قدم فيه عبدالتواب رصداً تحليلياً لقالب وشكل النادرة وأنواعها، كما رصد طرائق بناء الصورة في النادرة بدءاً من التشبيه، مروراً بالاستعارة والكناية وانتهاءً بالجناس والطباق.
ورغم أن الباحث قدم من خلال دراسته ما يفيد أن النادرة واحدة من الفنون القولية المهمة لدى العرب، إذ توافر لها شرط الانتشار والتعاقب والتطور والاختصاص بظواهر أسلوبية واضحة، كما قدم تحليلاً اجتماعياً مهما لقطاع واسع من طبقات المجتمع العربي، هذا التحليل الذي يمكننا أن ندخله ضمن إطار الدراسات الاجتماعية عما يسمى بثقافة الفقر، غير أنه على رغم أهمية هاتين الإضافتين أخذ انحيازاً مسبقاً من الطبقة الاجتماعية التي يقوم بدراستها، ربما لأنه اتخذ وجهة نظر الرواة في كتب التراث، هذه التي قد يكون بها بعض المبالغة الفنية في كثير من الأحيان.
أشد كفرا..
ولعل انتشار النوادر عن جهل الأعراب وحماقتهم وعدم معرفتهم بالدين وآداب اللياقة مع الملوك أو احترام الذوق العام يرجع إلى أن القرآن قال عنهم «الأعراب أشد كفراً ونفاقاً»، فقد أصبحت الذهنية العربية مؤهلة لسماع ما هو غريب ونادر عن هؤلاء الذين لا خلاق لهم، ولعبت المفارقة الفنية لدى الرواة دورها في تعميق الفكرة الدينية المسبقة عنهم، كما أن الرواة في أغلبهم كانوا من أهل الحضر لا البداوة، وهؤلاء ليس من عنايتهم البحث في أسباب الظاهرة وانتشارها بقدر عنايتهم بالتأكيد على الفارق الحضاري بين أهل المدن وأهل البادية بما لديهم من سلوك غير متمدن، ومن ثم فقد وقع الباحث في التناقض آن تحليله للعقلية الأعرابية من خلال ما تواتر عنهم من نوادر في كتب الأدب، فوجدناه يفسر النادرة في موضع على أنها حمق وجهل وجفوة وعدم معرفة بالدين ثم يفسرها في موضع آخر على أنها ذكاء وكياسة وحسن خروج من الموقف من ذلك ما قاله الأعرابي حين أصاب الجدب بلاده فأنشأ يقول «رب العباد ما لنا ومالك، قد كنت تسقينا فما بدالك، أنزل علينا الغيث لا أبالك» فحين سمع سليمان ابن عبد الملك ذلك لم يجد سوى أن يخرج الأعرابي من المأزق قائلاً «أشهد أنه لا أبا له، ولا ولد ولا صاحبة، وأشهد أن الخلق جميعاً عباده» ولعل سليمان لم يخرج الرجل من مأزق الجهل أو الاتهام بالزندقة، ولكنه كان أفهم إلى طبيعة الرجل وما به من سذاجة وما لديه من إيمان العوام، ولو كان هذا الأمر منسحب على عامة الأعراب، ما وجدنا النادرة التي تقول إن أعرابياً سطا عليه بعض اللصوص، فذهب شاكياً إلى الخليفة، لكن الحجاب والأعوان رفضوا دخوله عليه، وسألوه من أنت كي ندخلك عليه فقال لهم أنا رجل لي ما ليس لله، وعندي ما ليس عند الله، وأهرب من رحمة الله، وأحب الفتن وأبغض الحق وأشهد بما لا أرى. فدخل الأعوان فأخبروا الخليفة بزندقته، فتعجب وقال ائتوني بهذا الغمر كي أسمع كفره من فمه وأعاقبه، فأتوا به فسأله أأنت القائل ان لك ما ليس لله، ولله ما في السماوات والأرض فكيف تدعي ذلك يا جاهل؟ فقال الأعرابي نعم أنا قائل ذلك، فأنا لي زوجة وبنين، وليس لله شيء مــن ذلك، فقال الخليفة أنت القائل ان عندك ما ليس عند الله؟ فقال نعم عندي الكذب والخديعة وما عند الله شيء من هذا، فقال الخليفة أأنت القائل أنك تهرب من رحمة الله؟ فقال نعم أهرب من المطر وهو من مراحم الله، فقال الخليفة وكيف تحب الفتنة يا شقي؟ قال الأعرابي المال والبنون وهما أشد فتنة، قال الخليفة وأنت تبغض الحق؟ قال نعم أبغض الموت وهو حق على كل حي، فسأله الخليفة وأنت القائل انك تشهد بما لا ترى؟ قال نعم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم أر أحداً منهما. فسر به الخليفة وحصَّل له ما سلبه اللصوص وقربه إليه. فهذه النادرة تبرز فهم الأعراب ولباقتهم وحيلهم وبساطة تعاملهم المادي مع الأشياء، لكن الذائقة العربية أبت أن تتعامل مع الأعراب إلا على أنهم في درجة أقل من السلم الحضاري، وذوي طباع تستحق التندر بها، خاصة في مسألتي الدين والطعام.
نوادر الأعرب
وقد ساق الباحث في كتابه العديد من النوادر عن الأعراب الذين رفضوا طعام الملوك، والأعراب الذين أظهروا كرماً فائقاً حين نزل الملوك عليهم، حتى انه قال ان الأعراب يحبون أن يكرموا الأمراء كما يكرمونهم، ولعل الكرم في الطعام يعود إلى طبائع الحياة في الصحراء والتحايل على قسوتها، ومن ثم فالأعراب يبكرون بالغداء حتى إذا نزلوا على غيرهم لم يتعجلوا الطعام، وإذا أكلوا لا يكبهم الجوع على وجوههم، أما أن يكون هناك استثناء لغير هذه العادات، فذلك من طبائع الأمور، والنادرة لا تهتم إلا بكل ما هو شاذ ومختلف ومفارق، أما عدم التزامهم بالسلوك المعتاد لدى المدنيين، فذلك لأنهم أبناء بيئة ومكان مختلفين، ولعل أبرز هذه الاختلافات مسألة التعلم والارتباط بالدين، وهذه ظهرت بجلاء في نوادر الأعراب، ربما لأن أغلبهم أميون، وأسلموا بالسماع وليس على أيدي فقهاء، ولم يختلفوا إلى حلقات علم أو مجالس علماء، ولكن أخذهم الترحال خلف الرعي من مكان لآخر، ومن ثم كان إيمانهم إيمانا قلبيا لا حرفيا، وكثيراً ما اختلطت لديهم الحكمة بالقرآن والآحاديث النبوية، ربما لأن كلا منهما يحض على الخير ومنفعة الناس، كما أن الإسلام لم يلزم كل مسلم بحفظ القرآن كاملاً، لكن لأن هذا مناط ضعف واضح في حياة الأعراب، فقد كثرت النوادر عن ذلك، حتى ان الكثير منها يمكننا الشك أن يكون من باب الزيادة عليهم، لأن أخبارهم في هذا الشأن يتوقف المدنيون إلى سماعها والأمراء إلى معرفتها، فلا يمكننا أن نصدق أن مسلماً عاقلاً يبتدئ وضوءه بغسل الكفين والوجه ثم يستنجي، وحين يسأل عن ذلك فيقول انه ليس من المعقول أن يبدأ بالخبيثة ثم الكريمة، وسبب آخر يمكننا أن نلحظه في نسبة أغلب هذه النوادر وما بها من حمق إلى الأعراب، وهو السبب نفسه الذي عن طريقه نسب الكثير منها إلى جحا وأشعب وأبي الشمقمق وغيرهم من مشاهير أصحاب النوادر، وهو الاتفاق المسبق أو اليقين المسبق بإمكانية أن يفعل الأعراب أو جحا مثل هذا الفعل، ولدى أغلب الشعوب جماعات بشرية تنسب إلى نوادر الحمق لا لشيء سوى أنها أقل في السلم الحضاري، وعادة ما يكون بينها وبين آخرين نوع من المنافسة أو الصراع، ومن ثم فمتلقي النادرة في حالة نفسية مؤهلة مسبقاً بتلقي الطرفة الساخرة، قد أبرز الباحث جانبا من هذه العوامل المساعدة على وجود النوادر، خاصة في الفصل المعني بنوادر الأعراب مع الخلفاء والأمراء، وأوضح أن بعض النوادر ـ وكان فيها الأعرابي أكثر كياسة وذكاء من الخليفة ـ وضعت في زمن العباسيين للنيل من الأمويين.
دراسة جادة
ويمكننا القول في النهاية ان هذه واحدة من الدراسات الجادة التي جمعت بين الأدب والعلوم الاجتماعية، وأن الباحث يمكنه أن يتعرض لمجتمعاتنا الراهنة، فيدرس ما لديها من طرف ونوادر، وربما يستطيع بمنهجيته البحثية بين الأدب وعلم الاجتماع أن يصل إلى نتائج مهمة تتفهم نفسية وتفكير الجماعة العربية، خاصة أن الأدب الشفاهي أكثر تعبيراً ومعرفة عن الجماعة البشرية من الأدب الرسمي أو المكتوب.
صبحي موسى

القبس

قصة مدينة مختفية البطالمة «تألهوا» وشيدوا «الجنة» فانعزلوا عن مصر!

ليست الاسكندرية اقدم مدن العالم، لكنها قد تكون اكثر المدن التي شهدت عددا من الحضارات المهمة في تاريخ البشرية، بدءا من الفرعونية، مرورا باليونانية والرومانية والاسلامية ذات العصور والسمات المختلفة، وانتهاء بالمصرية الحديثة، من ثم فقد ذهب عالم الآثار الفرنسي جان ايف امبرور الى عنونة كتابه الهام عنها بـ «الاسكندرية ملكة الحضارات»، ذلك الكتاب الذي الفه هو وعدد من باحثي الآثار الفرنسيين.
ويرصد امبرور ورفاقه الاثريون ما يمكن ان نسميه قصة مدينة تحت سطح الارض، فهم لا يرصدون التاريخ والنشأة وعوامل الازدهار والنمو ولكنهم يوضحون بالخرائط وما تواتر عن المؤرخين والباحثين القدامى وما توصل اليه علماء الآثار في العصر الحديث شكل المدينة وما كانت عليه وكيفية الحياة فيها، وما توصل اليه البحث الاثري من طرق ومنشآت وقنوات وشبكات مياه، جاء ذلك في ستة فصول تناولت نهاية الدولة الفرعونية ودخول الاسكندر مصر وتخطيطه بنفسه لمدينته، ثم العصر البطلمي تاريخياً، ثم الثقافة والفن في الاسكندرية البطلمية، ثم الحياة الدينية بها، وهي مادة تاريخية تضعنا امام العديد من الاسئلة.
وتبرز اهمية الثقافة في تاريخ البشر، فرغم الضعف السياسي الذي دب في الدولة الفرعونية عقب انتهاء حكم الرعامسة، وتعاقب العديد من الاسر سواء الليبية او الفارسية او المصرية على الحكم طيلة ما يزيد على سبعمائة عام، غير ان ما كانت عليه مصر من قوة ثقافية تغلبت على شتى اشكال الاحتلال، بل انها جعلت اقصى طموح المحتل ان يعمده كهنتها فرعوناً، فيضع على رأسه التاج المزدوج ويسمي نفسه ملك مصر العليا والسفلى، متناسياً انه ابن لمكان مختلف وحضارة مختلفة كالحضارة الفارسية او اليونانية، ومن ثم فقد حرص الاسكندر كغيره من الغزاة ان يضع هذا التاج على رأسه، وان يعمده كهنة آمون فرعوناً، وان يغير بعض الاثار على المعابد ليكون فرعون مصر العليا والسفلى، لكن الاسكندر كان ذا مأزق مختلف عن سابقيه، فهو ابن ثقافة تقارب الثقافة المصرية لكنه ليس ابن شرعياً لها، فهو مقدوني وليس يونانيا، وكان اليونان ينظرون الى المقدونيين على انهم اقل منهم في السلم الحضاري، ومن ثم فقد كان حلم الاسكندر التخلص من هذه الثنائية، ولذا فبعدما حقق اول انتصار له على الامبراطورية الفارسية في اسوس اقام حفل زواج جماعياً، تزوج فيه هو وسبعمائة قائد في جيشه من سيدات شرقيات، في محاولة للمزج بين الدم اليوناني والدم الشرقي، ويبدو ان هذا كان اول حجر في بناء ما اسمي في التاريخ بالثقافة الهيلينية. ورغم ان الامر تغير قليلاً مع خلفائه عن هذا الانفتاح والتمازج، غير انه ظل العنصر المكون لفكرة البطالمة في مصر، فمن حيث الاختلاف ذهب البطالمة الى جعل الجيل الثاني منهم عنصراً مختلفاً في ذاته، فقاموا بالتزاوج من داخل الاسرة الا في حالات نادرة بسبب الظروف السياسية والحاجة الى آخرين او مهادنة خصم ما، اما من حيث الاتفاق مع الاسكندر فلقد ذهبوا جميعاً الى الجمع بين الثقافتين اليونانية والمصرية، حتى انهم حملوا التاج المزدوج وتسموا بالفرعون وتزاوجوا على غرار الاسطورة المصرية في بدء الخلق، حيث تزوج اوزوريس من اخته ايزيس، كما ان محاولتهم للجمع بين الثقافتين انتجت إلهاً يجمع بين معالم اله المعابد المصرية وآلهة الاوليمب اليوناني، وكان العجل آبيس وزيوس هما هذا المزيج الذي تسمى سيرابيس، وجاءت هذه الديانة من ان المصريين كانوا يعلون في نهاية العصر الفرعوني من قيمة العجل آبيس رمز تحوت واوزيريس اله المعرفة والعلم والخصب، وكان في كل معبد لتحوت سرداب توضع فيه رفات العجل ابيس بعد ان يموت، ومن ثم فحين نقل بطليموس الاول مركز حكمه الى الاسكندرية بنى معبدا ذا سرداب طويل ورواق من الاعمدة اسماه معبد سيرابيس او آبيس واوزوريس، وعمل خلفاؤه على التقرب من جانب الى الشعب المصري فاعلوا من شأن آبيس، ومن جانب آخر على الاحتفاء بثقافتهم اليونانية فاضفوا عليه ملامح زيوس، واصبح معبد السيرابيس اهم المعابد البطلمية، رغم ان الاسكندر حين اختط مدينته حدد عددا من المعابد اليونانية التي تبنى، ولم يحدد سوى معبد مصري واحد كان للإلهة الام ايزيس، لكن الصراع الثقافي بين ندين احدهما منتصر والآخر منهزم لم يترك امام البطالمة، فيما يبدو غير هذا المزج، ويمكننا القول ان الهيمنة الثقافية المصرية هي التي سادت حيث تسمى المحتل باسم الفرعون، وحرص ان يكون اسمه على المعبد ملك مصر العليا والسفلى، وان يخالف تقاليد الاديان كلها، فيتزوج من اخته تحت دعوى انهم آلهة من سلالة ايزيس واوزيريس، فكان الملك يتزوج من اخته وامه وابنته وغيرهن من اشكال المحارم، ويبدو ان هذه العادة اثارت عليهم غضب المصريين الذي تجسد في ثورات متتالية.
سطوة ثقافية
ويبدو ان السطوة الثقافية للحضارة المصرية لم تهيمن على البطالمة وحدهم، ولكن على الامبراطورية الرومانية الناشئة ايضا، فقيصر لم يفكر في غزو مصر رغم ما بدا عليها من ضعف و انقسام جعل حكامها – كليوباترا السابعة – يستنجدون به، فحين عاقب البطالمة بحرق مدينتهم عام 47 قبل الميلاد، لم يكن ذلك الا لحماقة بطليموس الثاني عشر (شقيق كليوباترا)، فقد كان قيصر قد انتصر على غريمه بومبي الذي لجأ الى شواطئ فلسطين طالبا لجوءا الى مصر، ففكر بطليموس في قبول طلبه لكن خشي ان يثير ذلك غضب قيصر ففكر في رفضه ولكن خشي أن تدور الدوائر وينتصر بومبي ذات يوم، ومن ثم قرر قتله بمجرد نزوله إلى الشاطئ، فرأى قيصر أن فعلاً كهذا لا يليق أن يحدث لخصم شريف وند قوي كبومبي، ولذا خرج في حملة بحرية على مصر، وتصادف أن كليوباترا التي خرجت هرباً من أخيها – بطليموس 12 – إلى فلسطين كانت قد أعدت جيشاً وجاءت تنازعه الملك هي وأخوها الثالث عشر، فما كان من قيصر إلا أن نفى الثاني عشر، وزوج كليوباترا الثالث عشر، وسرعان ما تخلصت منه بمعاونة قيصر الذي اصطحبهما في رحلة إلى أسوان، ثم اصطحبها في رحلة إلى روما، وفي طريق العودة قتل قيصر ودعاها مارك أنطونيو إلى رحلة معه، وكان قائداً قوياً يتمتع بنفوذ وشعبية كبيرة على نقيض غريمه أوكتافيوس – ابن شقيق قيصر – وأخذته الثقافة المصرية، فرأى أنه أوزيريس وأن كليوباترا وابنها قيصرون إيزيس وحوريس، وهكذا كونا الثالوث المصري، وراح يحضر الاحتفالات المصرية على أنه الفرعون غير المتوج، وزاد في الأمر فقال انه سيقسم العالم الشرقي على ابنيه وكليوباترا وبطليموس الخامس عشر (قيصرون)، وكان هذا الإعلان أسوأ دعاية له في روما، فقد تناقصت شعبيته بشكل كبير، وما لبث ان هزم أسطوله في معركة أكتيوم، بعدما انسحب الأسطول المصري، وسلم جيشه – أنطونيو – نفسه لقيصر، فانتحر، ودخل قيصر الإسكندرية، ولم يكن في رغبته القضاء على كليوباترا لكنها انتحرت، فسلم السلطة لقيصرون لكن أعوانه زينوا له القضاء عليه ففعل. وهكذا أصبحت الإسكندرية عاصمة إقليمية لروما، وصارت لأول مرة قراراتها نابعة من عاصمة أخرى لا يفصل سوى البحر بينهما.
النخبة المصرية في الظل
لكن ذلك لا يعني حسبما قال أمبرور إن المصريين كانوا مرحبين بأي من الحضارات التي دخلت على حياتهم، فقد شهدت مصر الغزو الفارسي والنوبي والليبي واليوناني والروماني، وكانت الثورات أبرز معالم هذه الفترات التاريخية، وما لم تفعله الثورة فعلته الثقافة، فقد حولتهم جميعاً إلى حكام مصريين، لكن الملاحظة المهمة ان النخبة المصرية كانت دائماً في ظل كل من يحكم، وكان تعامل هؤلاء الوافدين مع هذه النخبة، في حين ان عامة المصريين كانوا رافضين لأي منهم. وقد سجلت الآثار المتناثرة في ربوع مصر سخرية المصريين من حكامهم الاجانب، ورفضوا ان يكون فرعونهم اجنبيا، كما رفضوا الانصياع للنخبة الحاكمة باسمه، ومن ثم كان التشدد والعسف والظلم البطلمي على اشده، حتى ان بطليموس الرابع جند جيشه كله لقمع ثورة كادت تنهي حكم البطالمة، كما ان هذا الجيش كان من المرتزقة اليونان، وكانوا يده في جمع الضرائب بشكل متعسف. ولم تكن حال مصر اقتصاديا كما يصور الخيال الادبي عن الحكم البطلمي رغم ما كانت عليه الاسكندرية من ازدهار ونشاط اقتصادي، وربما تعود هذه الخديعة الى ازدهار النشاط الثقافي، سواء عبر مكتبة الاسكندرية، التي بناها بطليموس الاول او عبر المعابد التي اقيمت على مقربة من قصر الحاكم، او مجموعة القصور التي اقيمت على الجانب الآخر من القصر، وهي تزيد في عددها على ثلاثمائة قصر سكنها قادة الجند والتجار واليونانيون الذين جاءوا مع الاسكندر، وتعد الاسكندرية ومنف رمزي هذا الازدهار لان منف كانت السلطة الدينية التي لا بد من شراء كهنتها بأي ثمن، اما الاسكندرية فكانت محل الاولمبيات التي تقام كل اربع سنوات، وكانت العاصمة التجارية التي اقيم ــ لأجل السفن الوافدة ــ عليها فنار فاروس الذي مثل احد اعاجيب الدنيا السبع، والذي عاند اكثر من ثلاثمائة وثمانين زلزالا، والذي اقيم على صخرة مربعة، فارتفع عن الارض مائة واربعين مترا على هيئة ثلاثة طوابق، محتويا على ثلاثمائة غرفة كان يخزن بها الوقود اللازم للشعلة التي يعلوها تمثال زيوس، واستمر تشييده خمسة عشر عاما، وانهار على مراحل بفعل الزلازل العنيفة، فحول احمد بن طولون الطابق الثاني منه الى مسجد فكان اعظم واعلى مسجد، وحاول صلاح الدين ترميمه لكنه مع مجيء زمن المماليك كان قد انهار تماما فاستفاد من احجاره قايتباي في بناء حصن في المكان نفسه يعرف الآن بقلعة قايتباي.
لعلية القوم وليس للشعب
ويذهب صاحب «الاسكندرية ملكة الحضارات» ورفاقه الى ان الزخم في الآثار البطلمية جاء من كثرة المحاجر المتنوعة في الصحراء المصرية، تلك المحاجر التي ورثوها عن الفراعنة، واستخرجوها لتحويلها ورش الفنانين المهرة الى كنوز ذهبية وفضية واحجار ثمينة واوان زجاجية، وقد كان لبطليموس الرابع في قصره كهف مبطن بالذهب ومزخرف بالاحجار الثمينة، واهدى لاحد الملوك مائدة من ذهب واحجار ثمينة، اما مارك انطونيو فحين ركب مركب كليوباترا الفاخر الثمين المحتوي على كنوز لا تحصى فقد قرر ان يستغني بالاسكندرية عن روما، وان يجعل امبراطوريته في هذه الجنة التي لا تنفد كنوزها ولا مواردها، ويبدو ان الاسكندرية في ذلك الوقت كانت مكانا اقل ما توصف به الجنة، فقد تحدث المؤرخون والرحالة عن القناة التي تجيئها بالماء العذب من النيل، هذه التي حفر محمد علي ترعة المحمودية على غرارها، وبحيرة مريوط التي تموج بالماء العذب، وشوارعها المهندسة المتقاطعة الفسيحة، فقد كان عرض الشارع خمسة عشر مترا، في حين ان الشارع الرئيسي الذي يجيء من الشمال الى الجنوب كان ثلاثين مترا، وكان القصر الذي بناه الاسكندر اكبر القصور عامة، وفيه اقيم السيرابيوم (مجمع المعابد) وبالقرب منه الموسيون (مركز الثقافة والادب)، وفيه جاءت مكتبة الاسكندرية التي انشأها بطليموس الاول، واخذ خلفاؤه والكهنة في تزويدها بالمخطوطات، حتى ان انطونيو جاءها من مكتبة تقاربها في روما بمائتي الف مخطوط او كتاب، اما الاحتفالات فكانت في الشوارع على غرار احتفالات اثينا، وكانت من كثرتها لا تنتهي، وليس هناك افضل من التعبير الذي قاله مؤلف الكتاب وهو ان الاسكندرية كانت مدينة استعراض.
وعلية القوم من التجار والكهنة والعلماء هم الذين اقاموا في هذه الجنة، ولم يدخلها من الشعب الا عمال مهرة، بل ما كان يسمح لهم ان يقيموا فيها.
صبحي موسى

الكتاب: الاسكندرية ملكة الحضارات
المؤلف: جان ايف امبرور
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
الصفحات: 400 قطع متوسط

القبس

جمال الغيطاني متحدث استثنائي، يتحدث عن كتاب عنوانه: «وصف مصر» ، احتوى على اسرار التاريخ المصري وجمالياته وحربه وسلمه وعلومه وفنونه ويرتبط بتاريخ مملوء بالحكايا والاحداث التي تركت اثرها في مصر منذ الحملة الفرنسية بقيادة نابليون، «بونابرته» كما كانوا ينادونه آنذاك، وصولا الى عصور متقدمة تأثرت بهذه الحملة، سواء سلبا او ايجابا، اما كيف كان ايجابا فهو مايراه الكاتب الغيطاني: «بان هناك اغراضا فكرية وايديولوجية جاءت مع الـ27 الف مقاتل الذين قاموا بالحملة العسكرية، حيث كان الى جوارهم علماء ايضا ومطابع، وعلوم تلقتها مصر فاستفادت منها».

حدث غريب
، وبدا الغيطاني ممسكا ببراعة بمداخل الحديث عن الكتاب النادر فأعطى لمحة وافية رغم تكثيفها عن الحملة الفرنسية، وقال ان في هذه الحملة شيئا غريبا فقد حملت، الى جانب الـ27 الف مقاتل والـ2200 ضابط، نخبة من اكبر علماء فرنسا في كل المجالات مثل غومار ومونش ما يؤكد وجود هدف فكري وايديولوجي ايضا وراء هذه الحملة التي لم يكن احد في البداية يعرف الى اين تتجه سفنها فقد كان اغلب الظن انها متوجهة لقتال الانكليز، ثم وفي عرض البحر تبين انها تتجه صوب مصر التي قاتلت الحملة ولم تسمح لها بالدخول بسهولة الى البلاد عبر الاسكندرية، الى ان وصلت الى الاهرام ووقعت معركة في «الامبابة» والتي هي اليوم تسمى «الكيت كات».
وتحدث الغيطاني عن شغف نابليون بمصر والتي كان يعتبرها قلب العالم، ويرى ان من يسيطر على مصر فقد سيطر على العالم. وشرح الغيطاني اوضاع مصر ابان الحملة وكيف كانت الارضية مهيأة للهزيمة امام هذه الحملة بسبب التفكك والفوضى والصراعات بعد ربع قرن على الغزو العثماني وهزيمة الجيش المملوكي في معركة مرج دابق، وكانت المعركة بين المصريين والفرنسيين غير متكافئة البنادق والسيوف القديمة في مواجهة القنابل والتي كانوا يطلقون عليها «قنبر». وانتقل الغيطاني من الحملة العسكرية الى الحالة العلمية للحملة فقد اصدر نابليون اول صحافة مطبوعة وجاء بالمطبعة للتأثير في المصريين فكريا واقناعهم بنفسه فارتدى في سعيه لذلك حتى الزي العربي. وقال: في اول جلسة للمجمع العلمي تقرر انشاء مجمع العلوم وضم اربع شعب منها الفيزياء والادب والاقتصاد والفنون، والطريف في الامر ان نابليون كان نائبا لرئيس المجمع الذي هو مونش.. وبحثوا جملة من القضايا بعضها طريف مثل ايجاد بدائل عن الخبز الفرنسي وعن الجعة، الى جانب تنقية مياه النيل ودراسة ايهما افضل طواحين الماء ام الهواء وافضل الوسائل لانتاج البارود وتعويد الناس على الطب الجديد بدلا من الذي كان يعلم في الازهر، واستطرد الغيطاني: ان الازهر كان موئلا لكل العلوم وكان فيه رواق خاص يدرس فيه الاقباط.
قصيدة في مديح نابليون
وتحدث الغيطاني ايضا عن فكرة تشريح الجثث وأن نابليون لم يتمكن من اقناع المصريين بها، ولكن الذي فعل ذلك هو محمد علي باشا. وتطرق الى تاريخ الجبرتي وما اورده عن مشاهداته في اختراع الكهرباء واعجابه بالمحاكمات الفرنسية حيث يعطى المتهم فرصة للدفاع عن نفسه بمن فيهم البطل سليمان الحلبي الذي قتل الجنرال كليبر في حديقة منزله ثم قدم للمحاكمة قبل اعدامه.. وأشار الى دراسة موجودة في الكتاب اعدها شابرول عن الشعر في مصر وورد فيها قصيدة لشاعر مصري اعجب بنابليون فامتدحه بقصيدة مذكورة في الكتاب.
وذكر الغيطاني انهم كانوا يعتمدون في الكتاب النادر على الرسم، وكان من بينهم الرسام البارع دينون، الذي تجول في المنيا واسيوط وسوهاج ورصد تفاصيل مهمة وعظمية بعضها لم يعد موجودا وبعضها يعتبر معجزة في ينائه مثل معبد ابيدوس، لذلك فالكتاب يسجل اليوم حياة اختفت عن الوجود.
استنساخ الكتاب
واشار الغيطاني الى ان الكتاب صدر لاول مرة عام 1802 ويحوي رسومات لجيرار وديفليه وتصف طبائع المصريين، وكان في طبعته الاولى مهدى الى نابليون ثم في الطبعة الثانية اختفى اسمه بعد عزله وظهر بدلا منه اسم «حكومة الادارة». وأشار الى وجود 416 لوحة يضمها الكتاب بما فيها من خرائط ووصف عمائر وسقف نادر جدا في معبد ايزيس عليه اقدم صورة لابراج السماء، ويوجد اليوم في متحف اللوفر، وقال ان الكتاب ينفرد بدراسة عن مسجد ابن طولون الذي يتفرد بمئذنة تحاكي مئذنة سامراء، واشار الى ان الكتاب الذي في المكتبة هو الطبعة النادرة جدا، والذي يعد مفخرة حقيقية للمكتبة، وان الكتاب ظل حتى عام 1969 بلا ترجمة، وفي ختام محاضرته القيمة اقترح الغيطاني ان يتم استنساخ الكتاب طبق الاصل لانه «مهم جدا».

ليوان المعارف
18-11-2010, 11:41 PM
إستهداف إيران
ميشال مراد

تأليف: سكوت ريتر

ترجمة: أمين الأيوبي

عن الدار العربية للعلوم

لا شك في أن الملف النووي الإيراني من أخطر الملفات التي واجهت العالم عبر تاريخه، أزمة تجرى اليوم بشأنها لقاءات بين كبار الممثلين لسياسة الاتحاد الأوروبي وكبار المفاوضين الإيرانيين وسط رفض طهران تعليق نشاطات نخصيب اليورانيوم.

اتهم الأميركيون إيران منذ 20 عاماً، بأنها ستمتلك قنبلة نووية في العام المقبل. هم الذين لا يجدون حلاً سوى لجم إيران ومنعها من استكمال أي نشاط حتى لو كان محدوداً، علماً أنّ ما من بند في معاهدة عدم انتشار السلاح يشير إلى موجبات مماثلة.

عايش سكوت ريتر مؤلف كتاب «استهداف ايران» فترة طويلة هذه المعاناة. فهو كان أحد كبار مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في العراق في الفترة الواقعة بين عامي 1991 و1998، وكان خدم قبل عمله مع الأمم المتحدة، ضابطاً في مشاة البحرية الأميركية ومستشاراً للجنرال نورمان شوارزكوف في شؤون الصواريخ البالستية أثناء حرب الخليج الأولى.

في هذا الكتاب يروي سكوت ريتر قصة تحدّيه للسلطة الأميركية في الفترة التي سبقت غزو العراق وكشفه الأكاذيب التي نشرتها ادارة بوش والقسم الأكبر من وسائل الإعلام حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.

غداة الفشل التام في السيطرة العسكرية والسياسية على العراق ثبتت صحة اتهام المؤلف بأن هذا التبرير لم يكن إلاّ ذريعة أطلقها الحكم الأميركي بهدف إطاحة صدام حسين والاستيلاء على النفط والإمساك بالمنطقة.

محور الشر

يقول سكوت ريتر إن البيت الأبيض وحلفاءه المحافظين يحبكون اليوم السيناريو نفسه ويطلقون التحذيرات عن برنامج ايراني مزعوم لصنع أسلحة نووية. ما يدعم هذه التحذيرات في بعض نواحيها تصاريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي غالباً ما يهاجم إسرائيل والغرب بشراسة في خطبه زاعماً أن الإبادة الجماعية التي تدعيها إسرائيل بحق شعبها ليست أكثر من أسطورة وهميّة.

منذ مطلع العام 2002 صاغ الرئيس بوش في خطابه عبارة «محور الشرّ» للمرة الأولى بطريقة علنية، وكان يشير بذلك الى العراق وإيران وكوريا الشمالية. قال: «إن دولاً كهذه وحلفاءها الإرهابيين يشكلون محور شرّ يتسلح من أجل تهديد السلم العالمي. وبسعيها الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل تشكل هذه الأنظمة خطراً داهماً ومتنامياً، كما يمكنها توفير هذه الأسلحة للإرهابيين لتصبح في أيديهم وسائل تضاهي كراهيتهم فيستطيعون شنّ هجمات على حلفائنا أو محاولة ابتزاز الولايات المتحدة. وفي أيّ من هذه الحالات سيكون ثمن اللامبالاة كارثيّاً». أعطى بوش نفسه حق اقتلاع الشر الذي بات يهدد العالم بنظره، وأوّل هدف له سيكون صدام، ومن بعده دور إيران.

باتت المواءمة أمراً واقعاً وأصبحت ايران عضواً مؤسساً في محور الشرّ الذي وصفه جورج بوش. تمّ ربط إيران والعراق باستراتيجية عامة للأمن القومي لادارة بوش تمحورت حول تغيير إقليمي للأنظمة في الشرق الأوسط وتبني فكرة تنفيذ عمليات عسكرية استباقية أحادية الجانب بوصفها الآلية الرئيسية لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

في ذلك الوقت شعر المواطن الإيراني علي رضا جعفر زادة، مسؤول الارتباط الرئيسي لدى الكونغرس والمتحدث الصحافي باسم المكتب التمثيلي للبرلمان الإيراني في المنفى والمجلس الوطني للمقاومة في إيران، بأن الوقت حان لتغيير جذري في النظام الإيراني فدعا «لجنة إيران الديمقراطية» المرتبطة مباشرة بإسرائيل ومنظمة «مجاهدي خلق» الى الضغط على الولايات المتحدة لتشمل حربها على العراق الجمهورية الإيرانية أيضاً، وتلك كانت حال حكومة أرييل شارون ففي حين لم تكن إسرائيل لتذرف الدموع على اسقاط نظام صدام سرى اعتقاد واسع أن على الولايات المتحدة أن تتهيأ بعد غزو العراق لاكمال مهمتها من المنظار الإسرائيلي أي تغيير النظام في كل من سوريا وإيران وضرب حزب الله في لبنان وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حماس في فلسطين.

تقاسم أرييل شارون ووزير دفاعه بن أليعازر مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الخوف من برنامج التسلح النووي الإيراني واعتقادهم أن ايران ستمتلك أسلحة نووية بحلول العام 2005. تزايد هذا الشعور عندما أثار الرئيس بوش مسألة بناء مفاعل نووي في بوشهر مع الرئيس بوتين. لكن الروس فاجأوا الجميع بالتوقيع على اتفاق مع الايرانيين يقضي ببناء خمس منشآت نووية إضافية لتوليد الطاقة في ايران. ورغم احتجاج الولايات المتحدة الشديد فإن الروس مضوا قدماً في تنفيذها ضمن خطة تعاون مع الإيرانيين تمتد الى عشرة أعوام.

وعاد جعفر زادة ليكشف عن العديد من البرامج النووية السريّة التي يجري العمل عليها من دون معرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأكثرها أهمية منشأة ناتانز النووية ومنشأة آراك التي تقع في وسط إيران. تحوّلت هذه المعلومات التي أفضى بها الى أزمة عالمية هددت في صيف 2006 بدفع العالم الى شفير الهاوية.

إقتراحات إيرانية

بناء على هذه المعلومات غير المؤكدة وعلى مزاعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة بأن كل نشاط تقوم به ايران وله علاقة بمواد نووية، سواء أكان لأغراض سلمية أم لا، فإنه يدخل في سياق برنامج لإنتاج أسلحة نووية، وسعت السلطة الحاكمة في أميركا نطاق حملتها ضدّ إيران وشرعت ادارة بوش تبذل قصارى جهدها لنقل تركيز أي مواجهة وشيكة مع ايران الى معادلة تضعها في مواجهة العالم كله.
يقول سكوت ريتر إن ايران كانت تسعى الى حمل الولايات المتحدة على الدخول في حوار مباشر في أعقاب الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 إلى حدّ أنها اقترحت عبر وسيط سويسري التوصل الى سلام دائم مع اسرائيل يرتكز على اعلان بيروت 2002، كما اقترحت قطع الأموال عن حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية والسعي الى وقف الهجمات الإرهابية التي تستهدف المدنيين داخل حدود العام 1967، ووافقت ايضاً على صيغة خاصة بأعمال التفتيش عن الأسلحة النووية وموادها، لكن ادارة بوش لم ترد على المبادرة الإيرانية لأن سياستها الأساسية تهدف الى تغيير النظام في ايران لا التفاوض معه والسماح باستمرار وجوده.
«استهداف ايران» تقويم استخباراتي قومي أعدّه المؤلف وتوصل من خلاله الى خلاصة مفادها أن التاريخ يعيد نفسه. فأوجه الشبه التي سلكتها الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة في غزو العراق هي نفسها التي تسكلها اليوم لدخول حرب مع إيران. الوقت ليس متأخراً لكي تغيّر أميركا المسار الذي انتهجته منذ عدة سنين، لكن هذا التغيير في المسار يتطلب مشاركة من المواطنين الأميركيين ورفض لسياسة بوش وإدارته، كما يتطلب اعادة انعاش الكونغرس بدم جديد وتطلعات إيجابية بعيدة عن العجرفة والفوقية في إملاء طريقة للتعايش على ستة مليارات من البشر!

تذوّق

لم تكن المشكلة الرئيسية في اتفاق باريس تكمن في التفاصيل التي تتحدث عن واجبات ايران المتعلقة بتعليق برامج التخصيب، وإنما في مدة هذا التعليق. فقد اعترف اتفاق باريس بأن التعليق الإيراني غير ملزم، وموقت، وطوعي. لكن ما فشل في التصدي له كان الموقف الإيراني من أن تعليق نشاطات التخصيب سيستمر لفترة طويلة وحسب. فقد أعلن رئيس مصلحة تشخيص النظام، الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، عن موقف ايران بشأن تحديد المدة التي يمكن توقعها لأي تعليق لنشاطات التخصيب، قائلاً: «أنا لا أعتقد بأنه ينبغي أن يزيد سقف هذه المدة عن ستة شهور لكي نثبت لهم بأن إيران لا تسعى الى تطبيقات عسكرية».

أوضحت إسرائيل والولايات المتحدة خطوطهما الحمراء المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية: لا تخصيب. ولكن كان لدى إيران خطوطها الحمراء الخاصة بها، كما أشار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي صرح بأن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتخلى عن نشاطاتها النووية بالتأكيد».

كان اتفاق باريس مجرد تدبير موقت من المحتم أن يلاقي الفشل ما لم تكن إيران أو الولايات المتحدة (وإسرائيل) على استعداد لتغيير موقفها. وهذا ما يفسر، أكثر من أي شيء آخر، الموقف الذي اتخذته إدارة بوش عشية التوقيع على اتفاق باريس وصدور التقرير الإيجابي للوكالة الدولية، حيث عبرت الولايات المتحدة عن دعمها الحذر لمبادرة الترويكا الأوروبية.

بذلت الولايات المتحدة جهداً في ديسمبر/ كانون الأول 2004 من أجل زيادة فاعلية محاولاتها لإحالة الملف الإيراني الى مجلس الأمن عندما شرعت في جهود لحرمان البرادعي من الحصول على ولاية ثالثة على التوالي. حقق البرادعي لنفسه سمعة طيبة لنزاهته وشدته في تعامله لا في القضيتين العرا قية والكورية الشمالية وحسب، بل وفي الوقوف في وجه الولايات المتحدة في مسألة البرنامج النووي العراقي. وعندما واجهت الولايات المتحدة صعوبة في بثّ الحماسة حتى في أقرب حلفائها للتخلص من البرادعي، قام جون بولتون شخصياً بخطوة غير عادية عندما أمر وراجع بنفسه الاتصالات التي تم اعتراضها والتي دارت بين البرادعي وغيرْ في مسعى للعثور على دليل يثبت ارتكاب عمل خاطئ. لم يتم اكتشاف شيء، وتم تثبيت البرادعي في منصبه للمرة الثالثة بدون مشكلات. ولكن الشعور بالكراهية استمر بين المدير العام للوكالة الدولية والولايات المتحدة.

justice
19-11-2010, 09:05 PM
http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/08/09/18541_beirut-cmyk3_small.jpg (http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2007/08/09/18541_beirut-cmyk3.jpg)

الجريده

بيروت 1982
تأليف: غسان شبارو
عن الدار العربية للعلوم
ميشال مراد
إنه 4 حزيران، يوم اخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية أجواء العاصمة بيروت. طلاب الجامعات يناقشون أساتذتهم والرجال يقومون بأعمالهم والنساء منهمكات في منازلهن. وإذا بدويّ الانجفارات يمزِّق السماء ويتصاعد الدخان الأسود فوق المدينة الرياضية والجامعة العربية وحيّ الفاكهاني.
لم تكن أهداف إسرائيل أهدافاً عسكرّية كما تدّعي دائماً، بل أصابت في غاراتها المدنيين الآمنين حتى باتت المستشفيات شبيهة بالمسالخ البشرية.
عايش غسان شبارو هذه المأساة من بدايتها وعانى مع مواطنيه أهوالها على البشر والحجر فانكبّ يروي تفاصيلها في إطار خيالي يتفاعل أبطاله ويتماهون مع الواقع. فالحوادث موثّقة وكان لها تأثير كبير على مسار تاريخ لبنان الحديث خلال الغزو الإسرائيلي له واقتحامه العاصمة وحصاره لها في العام 1982، أمّا الأبطال والشخصيات فهم افتراضيون، أسماؤهم من نسج الخيال.
لوحة الحرب
تنطلق الرواية من مقاعد طلاب الجامعة الأميركية في بيروت ولا يخفى كم لهذا الخيار من رموز على الصعيد الوطني. ففي الجامعات تنشأ مراكز البحوث وفي ملاعبها تتكوّن التظاهرات وفي أروقتها تتمخض الثورات. وتتشعّب الرواية فتدخل أروقة المنازل وغرفها والمجالات والملاجئ الضيّقة.
يتنقل غسان شبارو باسلوب رشيق من مشهد الى آخر فتكتمل لوحة الحرب بمآسيها وبطولاتها وتترابط موضوعاتها المختلفة بحبكة متينة على بساطة في التعبير وقدرة في تجسيد المشاعر المكنونة. وهو إلى ذلك يضمّن النص بعض المبادئ والمواقف التي يصرّ على إبرازها فالبروفسور شومان الاستاذ في الجامعة الأميركية صاحب مبدأ ولا يدخن السجائر الأميركية منذ أن أعلنت الجامعة العربية عن مقاطعة البضائع الأميركية في العام 1967 إثر هزيمة حزيران، رغم أنه سكن في أميركا لسنوات عديدة وتزوج من أميركية وحصل على جواز سفر أميركي.
نلمس أيضاً مشاعر المؤلف النبيلة حيال التعايش بين الطوائف المحمدية والمسيحية. يصف النواحي الإيجابية والإنسانية في علاقات اللبنانيين بعضهم ببعض وبخاصة أولئك الناس الطيبين الذين يقطنون البناية عينها أو الشارع نفسه وربطت بين أبنائهم صلات المودة والصداقة.
ترتكز الرواية على محور مهم من محاور تلك الحرب الطاحنة هو تطوير صاروخ سام 7 الذي يطلق عن الكتف وتستخدمه المقاومة الفلسطينية. أظهر هذا الصاروخ عدم فاعليته لأنّ الإسرائيليين ابتدعوا البالونات الحرارية التي تجذب صواريخ سام اليها فتُشتت مسار الصواريخ فتنفجر في الجو بعيداً عن الطائرات المستهدفة أو تسقط حطاماً على الأرض.
كان البروفسور شومان يشاهد الطائرات الحربية الإسرائيلية تطير على ارتفاعات منخفضة جداً الى درجة أنه كان يمكن مشاهدة رأس الطيّار من قمرته وكذلك النجمة السداسية المرسومة عليها، ما جعل الطيارين يتجرأون على استخدام رشاشاتهم الثقيلة من عيار 800 ملم لإرهاب السكان المدنيين المتنقلين في سياراتهم في منطقة الروشة.
وكان البروفسور يتألم أشدّ الألم لدى رؤية الأجساد تتكتل على بعضها بعضاً في ملاجئ الأبنية وتفوح منها الروائح، بينما يرتفع بكاء الأطفال ممزوجاً بصوت انفجار القذائف المثير للأعصاب.
تعرّف البروفسور سامي شومان الى زوجته جولي خلال دراسته في كلية ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة وكانت زميلته في الاختصاص. أعجب بانسانيتها ودفاعها عن حقوق الإنسان الذي كان همّاً مشتركاً بينهما فأنجبت له ثلاث فتيات تدعى كبيرتهن رنا.
في تلك المعركة غير المتكافئة انصرف البروفسور للبحث عن دور له يدعم المقاومة الفلسطينية في تصدّيها للهجوم الغادر الذي يبغي تصفيتها وتهجيرها من لبنان فوجد غايته في العمل على تطوير مواصفات الصاروخ سام 7 لتمكينه من تعطيل أجهزة الإنذار والتشتيت العاملة على الطائرات الحربية الإسرائيلية فتسهل بذلك إصابتها.
شهب اللهب
رأى البروفسور في تلميذه راشد المساعد النجيب لتحقيق هذا الإنجاز فأوكل إليه مهمّات عديدة كان يقوم بها بحمية واندفاع، شرح له أن الهدف من أبحاثه جعل الصواريخ تتقصّى حرارة الأشعة ما فوق البنفسجية من مصدرين في الطائرات: بدن الطائرة من جرّاء احتكاكها بالهواء، ومن شهب اللهب الصادر عن عادم الطائرة، وفي هذا الحالة لن يستشعر الصاروخ حرارة الأشعة ما تحت الحمراء الصادرة عن البالونات الحرارية المضلّلة فيصيب الطائرة نفسها ويفجرّها.
في حين كان البروفسور منهمكاً يبحث في تلال الكتب والمراجع عن كيفية الوصول الى نتيجة مرضية، كان العدو يتقدم متجاوزاً مدينة صيدا الى الدامور حيث كمنت المقاومة فجرت معركة صاخبة بين الدبابات الإسرائيلية ودبابات جيش التحرير الفلسطيني الأثرية أسفرت عن كارثة عسكرية.
بشير الجميل
في الناحية السياسية ركّز غسان شبارو على اللقاءات والاتصالات التي كان يجريها بشير الجميل وأعوانه مع القوات الإسرائيلية ومع المسؤولين الأميركيين وبعض الجهات العربية. ولفت الى عدم تحرك أي دولة عربية في وقت كانت اسرائيل احتلت أكثر من ربع مساحة لبنان.
أصبح المحتلّ في ضواحي العاصمة بينما كانت صواريخ بوارجه الحربية تعاقب بيروت الغربية لصمودها ودفاعها عن كرامتها، وكان أحد أهدافه الرئيسية ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان.
في حين كان البروفسور شومان يجري مع راشد التطوير اللازم لصاروخ سام، كانت علاقة الصداقة بين الطالب ورنا ابنة البروفسور تحوّلت الى حبّ عذريّ بريء. وبعد أن انتهيا من وصل آلية التفجير وتأكدا من عمل نظام التوقيت فيه انصرفت رنا الى رسم كنار عليه بينما جلس البروفسور وراشد جنباً الى جنب يضعان النقاط الأساسية على طاقم إطلاق الصاروخ والطريقة الأسلم لضمان استخدامه في إصابة الهدف.
وبعد أيام معدودات نقلت وسائل الاعلام خبر إصابة طائرة فانتوم إسرائيلية بصاروخ سام أطلقه أحد المقاومين في سهل البقاع.
لم يهنأ البروفسور شومان وعائلته بهذا النصر، ففي اليوم التالي اشتعلت بيروت من جرّاء القصف البري والبحري، وكان راشد على وشك الخروج عندما استوقفه أحد أصدقائه طالباً إليه التريث قليلاً ليهدأ القصف ولو اضطر الى التأخر عن موعده مع البروفسور.
كانت الاستخبارات الإسرائيلية علمت أن أحد المسؤولين عن اسقاط طائرة الفانتوم يسكن عمارة في شارع اسكندر في منطقة الروشة فأرسلت طائرة 15 F لتطلق صاروخين على البناء الذي انهار معظمه وتحوّل الى تلّ من الحجارة والرمال والأخشاب والأثاث. وعندما وصل راشد على دراجته وقف مرتعباً، خائر القوى، وشرع يبحث في الركام عن أثر ما فإذا به يسمع صوت الكنار الذي أهداه إلى رنا يوم عيد ميلادها.
ازداد الضغط العسكري على العاصمة بوسائله المرعبة وتعدّدت الاتصالات والمخارج لانتخاب بشير الجميل المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية، بينما كانت القيادة الفلسطينية تعيش بشخصيتين متناقضتين تدعو إحداها المقاتلين الى الصمود والأخرى تفاوض فيليب حبيب بطريقة غير مباشرة على الرحيل من لبنان. لكن الخيار الثاني كان الأرجح فتمّ ترحيل الكوادر الفلسطينية عبر بوابة المرفأ.
إنفجار
علمت الاستخبارات الإسرائيلية بالعملية التي يعدّها الحزب القومي الاجتماعي لاغتيال بشير الجميل بعدما انتخب رئيساً للجمهورية لكنها لم تقم بأي محاولة أو تحرك لمواجهة الوضع. وفي 14 أيلول 1982 اغتيل بشير في الانفجار الذي حصل في بيت كتائب الأشرفية عندما كان يحثّ قيادة حزبه على دعم السلطة الشرعية وقواها على الأرض، وتبعت ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا.
عمّ هذا النبأ جميع الدول وقامت التظاهرات في المدن فاضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى سحب جيوشها من لبنان. غير أن راشد وبعض المجموعات الفدائية لن يدعوا الإسرائيليين ينسحبون بسهولة بل سيلحقون بهم حتى الحدود الجنوبية.
تذوّق
سحابة من الكآبة كانت تلفّ مقهى «ابو عفيف» حيث جلس راشد متورم العينين من الأرق وقد أطلق لحيته، ممسكاً ثمرة تين بين أصابعه المضمّدة، وهو يطعم كنار رنا عبر أسلاك القفص الذي وضعه على الطاولة. إلى جانبه جلست مدام ناديا محاولةً التخفيف عنه. روت له كيف أصاب القناص زوجها في رأسه قبل سبع سنوات وبقي ينزف وينازع لأكثر من خمس ساعات وهو يسبح بدمائه حتى أسلم الروح. ولم يستطع أحد سحبه عن قارعة الطريق لمدة يومين، بسبب عنف الاشتباكات بين المنطقتين الشرقية والغربية. بينما بقيت هي طوال هذين اليومين بلا طعام أو نوم، وهي مختبئة وراء حائط في بناية مقابلة تراقبه باكية ومنتظرة هدنة لوقف إطلاق النار لسحب جثته، بينما كانت القطط والجرذان والذباب تحاول نهش جسمه، وهي ترشقها بالحصى محاولة إبعادها عنه.
مسحت مدام ناديا دموعها المتجددة قائلة: إنه قدرنا، يجب أن نؤمن بأن كل ما يحصل لنا مقدر، وكل مقدر وراءه عبرة لبني البشر.
لمن هذا الكنار الجميل؟ سأل «رويتر» وهو يجلس الى الطاولة: ولماذا تركت شعر ذقنك ينمو بهذا الشكل يا راشد؟
إنها قصة طويلة. أجابته مدام ناديا.
خير إن شاء الله؟
روى راشد لهما ولجمال وعلي اللذين انضمّا إليهم كيف فجرت الصواريخ الإسرائيلية مبنى سكن البروفسور وهدمته بينما كان هو في طريقه لمقابلته، وكيف اكتشف جثته وجثث عائلته، وكيف ساعد في وضعهم في ثلاجة المستشفى بانتظار أن يتعرف عليهم أحد أفراد عائلتهم.
وماذا حصل لأصابعك؟ سأل جمال.
لقد جرحتها وأنا أبحث في الحطام، كما أن عيناي تقرحتا من الغبار والرمال والدخان... والدموع التي ملأتهما.
رحمة الله عليهم جميعاً. ولكن للأمانة يا راشد فإن ذقنك هذه لا تعجبني! بادره «رويتر» محاولاً ترطيب الأجواء.
ما رأيك يا راشد لو قمنا بطباعة صور للشهداء في المطبعة التي يعمل فيها علي ونلصقها على جدران الشوارع؟
لا، لا داعي لهذا، فالبروفسور رحمة الله عليه، لم يكن يحب هذه التصرفات.
تمنى راشد لو كان باستطاعته أن يخبر الجميع عن الإنجاز الذي حققه البروفسور والذي يستأهل بحق تكريماً أكثر من طباعة صور له. ولكن للأسف فإنه مضطر لكبت هذه المعلومات كي لا يعرض نفسه للخطر، فجواسيس إسرائيل في كل مكان، فمن كان يظن أن تصل ذراعهم الى البروفسور؟

justice
19-11-2010, 10:12 PM
القبس


ديوان الشاعر العلامة عبدالحسين الصادق سقط المتاع: رجل الدين الذي يحجب وجهه الشعري عن الناس

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C25%5C9d65754a-bcdc-41d0-84fc-fe345e2fdb7d_main.jpg • عبدالحسين صادق
عن دار مؤسسة الانتشار العربي و«المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» صدر ديوان «سقط المتاع» للشاعر العلامة الشيخ عبدالحسين صادق احد ابرز وجوه العلم والثقافة ونوابغ الشعر في لبنان، وتحديدا في الجنوب خلال نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين الماضي.
جمع الديوان وحققه وقدم له، وهو الثاني بعد «عَرْف الولاء» ابن الشاعر الراحل، الاديب والشاعر المميز حبيب صادق.. هنا بعض المقدمة:
من الطبيعي ان يكون السؤال الأول بشأن الديوان هو لماذا تسميته «سقط المتاع»؟
وفي هذا يقول حبيب صادق في المقدمة:
«يتعين علينا ان نطرح هذا السؤال على انفسنا ليس من باب مقاربة ما وراء التسمية من مضمون شرحا وتحليلًا، بل من باب مقاربة الشكل توضيحا ليس غير.
ولذلك قصة لا مندوحة عن روايتها ليستقيم امر التوضيح وادراك المعنى.
حجب كامل
تبدأ القصة من تاريخ اصرار الشاعر، العلامة الشيخ عبدالحسين صادق، على حجب وجهه الشعري عن الناس حجبا كاملا، وهذا التاريخ يعود الى زمن التحاقه بجامعة النجف الدينية في العراق اسوة بآبائه واجداده، وانقطاعه عقب العودة إلى الاضطلاع بمسؤولياته الدينية في مجتمعه العاملي، (جبل عامل في جنوب لبنان)، وما كان اصراره الا تجليا لحرصه الشديد على فرادة وجهه الديني ونقاوته، سيرا على تقاليد السلف الصالح، فهو قبل كل شيء وبعده، عالم ديني له منزلة عالية بين اقرانه العلماء، وله مهابة واجلال في اوساط الناس، عامة وخاصة، فليس من المستغرب في بيئته الاجتماعية في ذلك الحين، ان اصر على حجب وجهه الشعري رافضا نشر قصائده سواء في كتب مستقلة او في مجلات وصحف سيارة. واذ توالت على الشاعر التمنيات، دون انقطاع، من قبل زملائه العلماء والشعراء والادباء ومن قبل اصدقائه المقربين وعارفي مقامه الشعري، سمح لابنائه، اخيرا، ان يضطلعوا بمهمة نشر المحفوظ لديه من الشعر، وهو ليس مجموع شعره، شريطة ان تجري عملية النشر بعد وفاته وليس قبلها، وان يطلق على ما ينشر، منه، تسمية «سقط المتاع» لا غير، «وهي تسمية تعبر، تماما، ــ بحسب قول العلامة السيد كاظم علي ابراهيم ــ عن نظرة صاحبها وأمثاله من علماء الدين الزاهدين في متاع الدنيا وزخرفها وهي نظرة تشير الى انه ينبغي على العالم الديني ألا يشتهر بها (بالشعرية) وان كانت قصائده حبيبة الى نفس صاحبها وتقدم صورة لحياته الخاصة، لعواطفه كانسان عادي يشترك مع بقية الناس في مشاعرهم وهمومهم، ولكنها يجب ان تبقى بعيدة عن الانظار، انها الجزء الجواني في حاية العالم».
عرف الولاء
ويوضح حبيب صادق كيف بدأ شعر العلامة الراحل يظهر الى الناس، ويقول انه عقب وفاة الشاعر 1942 تولى كبير ابنائه، من الاحياء، العلامة الشيخ حسن صادق، مهمة الاشراف على تراث والده الشعري، واذ قرر الشروع في اطلاقه من اسار الاحتجاب، اخذ بمذهب الاختيار على نحو ما جاء على سن قلمه «.. هذا ما عنيت به ووقع اختياري عليه من شعر المرحوم والدي».
وبعد سبعة اعوام، او نحوها من تاريخ الوفاة، ظهر الى الناس الجزء الاول من هذا الشعر، حاملا تسمية «سقط المتاع» تنفيذا لوصية الوالد الآنفة الذكر ثم ظهر في اثره، الجزء الثاني وقد اسماه المشرف «عرف الولاء» (2005).
لقد استوقفنا من امرهما ان تاريخ النشر لم يظهر في كليهما لذلك لجأنا الى الذاكرة العائلية فأخذنا بتقديرها المفيد: ان هذا التاريخ يعود، ربما، الى آخر الاربعينات ومطلع الخمسينات من القرن المنصرم.
ونظرا إلي تقادم الزمن على ذلك التاريخ مقرونا بنفاد النسخ المطبوعة جميعها من دون استثناء.
واستجابة لدعوات المطالبة بالحصول على الديوان بجزءيه من قبل الاقارب والاصدقاء والمعارف ومن قبل الراغبين في الاطلاع على تراث جبل عامل الشعري.
ثم لداع استثنائي في قيمته الادبية، وفي وزنه التراثي متمثلاً في اكتشاف مخطوطة لا علم لنا بأمرها من قبل، مخطوطة تضم، بين دفتيها المتآكلتين، مجموعة كبيرة نادرة من شعر الراحل الكبير طابت ذكراه.
لهذه الدواعي كلها، اضافة الى ما تقتضيه الضرورة الملحّة من اعادة النظر جذرياً في تلك الصيغة التي اعتمدت في الطبعة الاولى، وجاءت حافلة بالكثير من السلبيات.
عقدنا العزم على اعادة اصدار الديوان بجزءيه الاثنين في حلّة جديدة، مزيدة، منقحة ومبوبة، على الرغم من العقبات التي تعترضنا في هذا السبيل. ولم نلبث ان باشرنا العمل ابتداء باجراء تعديل في تراتبية النشر، ويستدعيه موضوع النص الشعري، فجعلنا «عرف الولاء» الجزء الاول من الديوان و«سقط المتاع» الجزء الثاني، نظراً للمنزلة المتميزة التي يتحلى بها موضوع النص الشعري في «عرف الولاء»، فهو مرصود بكامله للخطاب الديني ومشتقاته، في صفاء تام، بينما يتمحور «سقط المتاع» في مجموع نصوصه الشعرية، حول خطاب الدنيا ومتفرعاته والابعاد.
والخطة المنهجية التي اعتمدناها في اخراج الجزء الاول «عرف الولاء» قد اعتمدناها في اخراج الجزء الثاني «سقط المتاع» مضيفين اليها بعض الجديد الذي يستدعيه حجم المحتوى من جهة، وتنوع موضوعاته من جهة اخرى، مع التركيز على الثوابت التالية:
اولاً: تحديد مصادر المادة الشعرية ــ القصائد.
ثانياً: جمع القصائد وفرزها وتبويبها.
الديوان مجدداً
سيراً على الخطة المنهجية التي رسمناها لاخراج «سقط المتاع» الجديد في حلة جديدة، مزيدة، مبوبة، ومحققة، وفور فراغنا من احصاء القصائد المتوافرة لدينا من بطون المصادر الثلاثة: «سقط المتاع» القديم، و«المخطوطة»، والكتب والمجلات الأدبية»، إضافة إلى ما وراه لنا مشافهة أصدقاء ثقة، انصرفنا إلى القيام بعمليتي نقل وجمع هذه القصائد على النحو التالي:
أ – نقلنا من المصدر الأول «سقط المتاع» القديم، إلى «سقط المتاع» الجديد، ستاً وخمسين قصيدة مستقلة أي لا وجود لها البتة في «المخطوطة».
ب – ونقلنا إليه، من المصدر الثاني أي «المخطوطة» أربعين قصيدة مستقلة أي لا وجود لها في «سقط المتاع» القديم.
ج – ونقلنا، إيه تسعاً وأربعين قصيدة مشتركة أي موجودة في المصادر الثلاثة، على تفاوت في الأحجام: «سقط المتاع» القديم و«والمخطوطة» و«الكتب والمجلات الأدبية».
د – ثم نقلنا إليه أخيراً من المصدر الثالث أي «الكتب والمجلات الأدبية مقطوعة شعرية من ثلاثة أبيات مستقلة تفرد بها كتاب «المهاجر العاملي» ومقطوعة واحدة مستقلة من مجلة «العرفان» هي: أبيات التشطير بعنوان «أطعت هوى نفسي» وهاتان المقطوعتان لا أثر لهما في المصدرين السابقين.
هـ – إضافة إلى ما سبق فقد أثبتنا، في «سقط المتاع» الجديد ثلاث مقطوعات شعرية مستقلة رواها لنا، مشافهة صديقان أشرنا إليهما، تفصيلاً في الحواشي ذات الصلة.
في ضوء ذلك يبدو لنا بوضوح ودقة رقمية ان حصيلة جمع القصائد والمقطوعات الشعرية المنقولة من المصادر الثلاثة، إضافة إلى مقطوعات المشافهة، إلى «سقط المتاع» الجديدة، تبلغ: مئة وخمسين قصيدة ومقطوعة شعرية، يضاف إلى ذلك نصوص «البند» الثلاثة.
قديم وجديد
في ضوء حصيلة عمليات النقل والجمع والفرز والتبويب، يبدو بجلاء أن حجم «سقط المتاع» الجديد بات نحو ضعفي حجم سابقه «سقط المتاع» القديم، وذلك بسبب ما ضممنا إليه من معين المصدرين الثاني والثالث أي «المخطوطة» و«الكتب والمجلات الأدبية» إضافة إلى مقطوعات المشافهة.
كما يبدو، بجلاء أيضاً، أن جديداً متميزاً طرأ على إخراجه، باستخدامنا التقنيات الحديثة سواء في ميدان الطباعة أو في سياق صناعة الكتب، فبرز «سقط المتاع» الجديد، في حلةجديدة كل الجدة قياساً على سابقه.
ثانياً: تحريك المفردات وشرح العصي على الفهم منها
يتعين علينا هنا استكمالاً لما تقدم، أن تقف ونستوقف قليلاً عند شأنين اثنين وازنين: شأن تحريك مفردات النصوص العشرية، وشأن شرح العصي على الفهم منها في «سقط المتاع» الجديد. وإذ نعلم ان هذه المفردات جاءت، في جلها، مستلة بدراية فائقة، من معجم لغوي شاق على استيعاب غير المتضلعين في لغة الضاد، ندرك بعمق مدى الحاجة التي تستدعي إجراء تحريك سليم، للمفردات وشرح العصي على الفهم منها شرحاً دقيقاً.

justice
20-11-2010, 05:22 AM
بعد ثلاثة قرون من الرعب.. يسقط وكر الحشاشين

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C01%5Cd9e01c45-0260-453b-85f1-2ad2d014b7a6_main.jpg

أستاذ تاريخ الشرق الأوسط، والشرق الأدنى في جامعة لندن، المؤرخ والمستشرق الانكليزي، البروفيسور برنارد لويس، الذي قدم مجموعة من المؤلفات عن المنطقة «جذور الاسماعيلية، العرب في التاريخ، ظهور تركيا الحديثة، اسطنبول وحضارة الامبراطورية العثمانية، الشرق الأوسط والغرب» ــ هو صاحب الكتاب موضوع عرضنا.
ظهر الكتاب في الوقت الذي تفجر فيه الصراع العربي - الاسرائيلي عام 1967، الأمر الذي لفت أنظار العالم بشدة الى المنطقة. تابع المؤلف تاريخ فرقة الحشاشين منذ البداية وحتى قضى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، على قوتهم، وأصبحوا مجرد تابعين له يعين رئيسهم ويعزله وقتما يشاء، بل يسجنه، وقد يموت هذا الرئيس في سجنه كما حدث مع سريم الدين مبارك حاكم قلعة «العليقة»، الذي سجنه بيبرس عند مخالفته الاوامر ويصل الى حصاره لقلاعهم، ثم احتلالها بعد ذلك عام 1273.

وقبل أن ندخل الى الكتاب يهمنا التوقف لملاحظة نراها جديرة بالنظر، وهي خاصة بالمترجم محمد العزب موسى، فقد تجاهل ترجمة الجزء الأخير من الكتاب، وهو الذي يحتوي على مجموعة المصادر التي رجع اليها المؤلف، والذي أعطاه عنوان «ملاحظات»، ويقع في عشرين صفحة، ويقول المترجم في ذلك «.. حتى لا يشق على القارئ»، وهو قول لا يعطيه هذا الحق في اقتطاع جزء مما يريد المؤلف ايصاله الى قارئ كتابه، ومن المعروف أن من يفكر في قراءة مثل هذه النوعية من الكتب يهمه بالمقام الأول مدى ما يوفره الكتاب من مراجع.
اكتشاف الحشاشين
تحت عنوان «اكتشاف الحشاشين» يبدأ المؤلف كتابه حيث يعود بنا الى النصف الأول من القرن الرابع عشر عندما كان فيليب ملك فرنسا يجهز لحملة صليبية جديدة، وجه له قس ألماني بروكاردوس رسالة يقول فيها «.. اذكر الحشاشين الذين ينبغي أن يلعنهم الانسان ويتفاداهم، انهم يبيعون أنفسهم، ويتعطشون للدماء البشرية، ويقتلون الأبرياء مقابل اجر».
وفي سجلات الصليبيين عموما كانت كلمة الحشاشين تعني «تلك الفرقة الاسلامية الغريبة التي يتزعمها شخص غامض يعرف بشيخ الجبل، وهي فرقة مكروهة بسبب عقائدها وأفعالها، من جانب المسيحيين والمسلمين على السواء».
وفي رسالة مبعوث فريدريك الثاني الشهير بـ«بارباروسا» أو «الزنديق الأعظم» الى سلطان مصر قطز في محاولة لتحذيره من الحلف الذي يدبر بين البابا انوسنت الرابع وخان المغول بشأن غزو مصر، ونلحظ من خلال الرسالة مدى التشابه بين نشأة شباب الحشاشين وبين ما هو معروف عن نشأة المماليك حيث العزلة التامة هي الحصن الأساسي الذي تتم عبره مراسيم تلقين الطاعة العمياء، ويأتي ثمة اختلاف مهم بين الاثنين حيث تزيد الجرعة الموجهة للمريد عن جرعة المملوك، فالأول يتم تدريبه على مجموعة من اللغات حتى يصبح قادرا على التحدث بأكثر من لغة بصورة يصعب كشف غربته عنها، في حين تقول مصادر التاريخ أن بعض من تسلطن من المماليك لم يكن يستطيع الحديث بالعربيـة، وهذه التدريبات هي أهم سلاح يعطى للفدائي ــ حسب التعبير السائد لدى الفرقة ــ فهو مفتاح الدخول للمكان المعين له القيام باغتيال الشخصية التي قرر أصحاب الأمر في الفرقة اغتيالها
وهناك تشابه آخر بينهم وبين المماليك من حيث الأخذ بمنطق أن الحكم والزعامة للأفضل الذي هو الأقوى والأعلى تأثيرا وان كانوا قد اخذوا بالوراثة في اخرياتهم لكنها وراثة غير مستقرة، فقد كانت الأمور كما هي من حيث أن القاعدة تظل بحيث تكون الرئاسة للأقوى ولا دخل لأولوية الوقوف في طابور التوريث.
يلقي المؤلف الضوء على مجموعة من النقاط منها التصور العام بكيفية حياة زعماء الحشاشين وقد وصف الرحالة ماركوبولو قلعة «ألموت»، وهي المقر الأساسي للــــفرقة، «..ولذا فقد نظمها بالوصف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، للفردوس كحديقة جميلة تفيض بانها من الخمر واللبن والعسل والماء مليئة بالحور العين..».
كما تعرض لتأثير فكر الحشاشين في السياسات الأوروبية، فقد استغل الحكام الأوروبيون هذا الفكر وروجوا اشاعات تنفى عنهم القيام بالاغتيال السياسي والقاء التهم على الفرقة، وهي السياسة التي مازال الغرب يتبعها في الوقت وتلقي الحالي فيصفى خصومه ويلصق التهمة بالمسلمين.
ويعرض لأول محاولة غربية في تتبع علمي لتاريخ الفرقة في الدراسة التي نشرها دنيس ليبى دي باتيلي عام 1603م، وفيها يقول «..ليضيفوا على منطق العنف العاري غطاء أيديولوجيا براقا»، ويصل الى الجهود الأخرى التي حاولت تتبع نشأة الفرقة وكيف حصلت على اسمها الذي أخذته من اسماعيل بن جعفر ليصل نسبهم الى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وآل وأصحابه، وماذا قال المستشرق النمسوى جوزيف فون هامر «الذي وضع الحشاشين وفرسان المعبد والجيزويت وحركة الاستنارة والبنائين الأحرار وقتلة الميثاق الوطني الفرنسي، في كفة واحدة من موضع المقارنة باعتبار أن كل هذه الفرق اعتمدت العنف نموذجا للعمل تسير على هديه في كل ما تقوم به من أعمال، وظلت المعلومات حول الفرقة يتوالى ظهورها حتى نهاية الحرب العالمــــية الأولى ( 1914- 1918) والجدير بالذكر أن مجهودات الدارسين الروس قدمت مجموعة كبيرة من المخطوطات أسهمت في التقدم الكبير الذي أحرزته الدراسات حول الاسماعيلية» وبفضل هذه الدراسات الحديثة لم يعد الحشاشون مجرد عصابة من السذج المخدرين يقودهم أفاكون مدبرون للمكائد، أو مؤامرة لارهابيين عدميين، أو جماعة من القتلة المحترفين، وهى نتيجة مهمة ــ فيما نرى ــ وان كانت ماتزال غير مفعله، حيث لم يغير الغرب من نظرته تجاه من يقوم بمقاومة الاحتلال ويعتبرونه ارهابيا، وأيضا لا يزال الخلط الغربي قائماً حيث أنهم لا يفرقون بين السنة والشيعة، ويعتبر من يخالفهم من الاثنين ارهابيا.
في الفصل الثاني يتعرض المؤلف للتاريخ المفصل للاسماعيلية بداية من أول أزمة بعد وفاة النبي عام 632م وما حدث في البيعة والخلافة حتى استخلاف عثمان ثم قتله، وتولى علي ومقتله هو أيضا، وحالة التوسع الاسلامي الأمر الذي أدخل ثقافات كثيرة أثرت على محصلة الثقافة الاسلامية في ذلك الوقف وبدأ نوع من التداخل بين الشريعة والخرافة في خلطة «يهودية مسيحية وثنية» أفرزت كماً يصعب حصره من الفرق وأشباهها.
ويصل المؤلف الى عهد الخليفة السادس في دولة الفاطميين في مصر، ذلك الذي اختفى في ظرف غامض عام 1021، فقال البعض بأنه استتر وقال البعض الآخر انه مات وعليه تم اختيار من يخلفه وانشق الكيان، وأحد المنشقين هو محمد بن اسماعيل الدرزى وهو من اصل وسط أسيوي، ويقال انه كان تزرياً.
وهنا يثور سؤال يقول هل هناك اثر لتحريف النطق الذي يحدث عند الغربيين من الأسماء العربية والشرقية، فأصبح الترزي درزياً؟!
هذا ان صح ان محمد بن اسماعيل قد مارس الحياكة، كما يقال.
المهم أن أتباع هذا الرجل هم من يطلق عليهم الآن اسم الدروز، وهم طائفة تتواجد ما بين سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؟ (اسرائيل).
ورجوعا الى الدولة الفاطمية، وموت الحاكم بامرالله وصولاً الى المسنتصر، وهو الثامن منـهم ( 1036 - 1094) وصلت الدولة لأعلى نقطة، وبعده بدأت في التمزق، كانت الدولة في يد الادارة الحكومية، والهيئة الدينية والقوات المسلحة الأولى في يد الوزير، و الثانية في يد داعي الدعاة، أما الثالثة، فكان أمير الجيوش هو من يملك زمامها، ومنذ اختفاء الحاكم بدأ نفوذ قواد الجيوش في الزيادة والجور على باقي الثلاثة وحدث هذا بداية من استدعاء المستنصر لبدر الجمالي عام 1074 قائداً للجيوش، سرعان ما أصبح السيد الفعلي للبلاد واصبح يحمل الألقاب الثلاثة مجتمعة، وأن ظل العامة يطلقون عليه لقب «الجيوشي»، وعند وفاة المستنصر كان الأفضل بن بدر الجمالي هو رجل الدولة القوي، وكان قد دبر زواج ابنته من المستعلي ابن المستنصر الأصغر فاقامه مكان والده المتوفى متجاوزا ولي العهد الشرعي نزار ــ الشقيق الأكبر للمستعلي، وهو شقاق وتصدع جديد يصيب الدعوة الشيعية، وعندما توفي أخر الحكام الفاطميين، أعلن رجل مصر القوي ــ وقتها ــ صلاح الدين، الدعاء للخليفة العباسي الجالس في بغداد، وبهذا رجعت مصر سنية بعد اكثر من قرنين من الزمان، وشهدت الأيام ذهاب اتباع المستعلي الى اليمن والهند ليأخذوا لقب «البهرة» ومنهم الجماعة التي تتولى شؤون مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة، وأما اتباع نزار فقد يمموا ناحية الشرق، وكانوا على موعد مع ثورة عبقرية قدمها لهم وللعالم حسن الصباح، وهو ما يفرد له المؤلف الفصل الثالث وفيه يعرض لمسألة طال الأخذ والرد فيها، وهي التي تجمع بين كل من الشاعر عمر الخيام، الوزير نظام الملك، وحسن الصباح والتي يقال فيها أن الثلاثة تتلمذوا معا، وأنهم تعاهدوا أن من ينجح منهم، يمد يد المساعدة للآخرين.
ومرحلة ما بعد حسن الصباح هي قوام الفصل الرابع التي يعرض فيها المؤلف الى خلفاء، ويتوقف عند الثالث حسن بن محمد بن بزر حميد الذي أعلن ما اسماه بـ«القيامة»، أفرد برنارد لويس الباب الخامس من كتابه، والذي جعل عنوانه «شيخ الجبل» حيث يرجع الى بداية الدعوة الجديدة التي قادها حسن الصباح الذي أرسل دعاته الى الغرب (سوريا) وكان اختياره هذا مبنياً على أساس الجغرافيا التي تجعل منها مكانا استراتيجيا، اضافة الى ما كان يكتنفها من انتشار لحالة من التشرذم العقائدي، الذي يستتبعه بالضرورة تشرذم سياسي، وما أشبه اليوم بالبارحة.
الفصل السادس يعرض المؤلف لسياسة الفرقة، ويبين وجهة نظره في أهم نشاطاتهم «الاغتيال»، وهو بداية يأخذ تعريفا للارهاب من دائرة معارف العلوم الاجتماعية «الارهاب تمارسه منظمة محدودة صغيرة، وتلهبه أهداف واسعة النطاق يضمها برنامج متماسك ترتكب من اجله الأعمال الارهابية».
ويتوقف في النهاية ليعترف بأن الأمر يحتاج لأكثر من مجرد النظرة السطحية والحكم الانطباعي، وانه يجب دراسة أمور الاسلام بعمق حتى يمكن الوصول الى رأي مستند الى معلومات وافية تمت دراستها باستفاضة!
محمد الزرقاني

الكتاب: الحشاشون
تأليف: برنارد لويس
ترجمة: محمد العزب موسى
الناشر: مكتبة مدبولي
قطع صغير 203 صفحات

القبس

justice
20-11-2010, 03:22 PM
ي إلى فاروق الأول ملوك مفلسون ومطرودون (1) حياة لاهية وموت مأساوي: زحام من التفاصيل

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C15%5Ce16dc89d-4790-4e26-9b83-0214fe7392cc_main.jpg • سنوات الطفولة البريئة
في مصر الآن فورة اهتمام بملك مصر السابق فاروق الأول. لا أحد يذكر ابنه أحمد فؤاد، الذي كان ملكا على الورق، من 26 يوليو 1952 وحتى 18 يونيو 1953، فاروق هو آخر ملك لمصر في ذاكرة مصر، وفي ذاكرة العالم.
ومثل كل حكام مصر، منذ آلاف السنين، فبمجرد أن أصبح «سابقاً» صار دمه مباحاً وتاريخه الذي وصل إلينا امتدت إليه أياد كثيرة بالحذف والاضافة، ولفه ضباب التاريخ حتى اصبحنا نجد صعوبة بالغة في التمييز بين الحقيقة والاكاذيب في ما يقال عنه.
وفي واحد من أهم الكتب التي ترجمت إلى العربية عن حياته في الفترة الاخيرة كتاب «فاروق ملك مصر: حياة لاهية وموت مأساوي»، الذي كتبه وليم ستادين وترجمه أحمد هريدي. في هذا الكتاب زحام من التفاصيل التي ارتبطت بحياة الاسرة المالكة في مصر . وفي قلب هذا الزحام أجساد أنثوية عارية، سواء كانت حقيقية من لحم ودم وأعصاب، أم تماثيل منحوتة بحساسية بالغة وبشهوانية لا تخفى، أو لوحات مرسومة بألوان تشعل النار في خيال الناظر إليها.


وفي كل الأحوال كانت النساء الحقيقيات أو تماثيلهن لعبا يلهو بها فؤاد الأول وفاروق الأول ورجال رددت الإشاعات أسماءهم من وزراء وضباط وموظفين وخدم، نجحوا في اختراق اسوار الحريم وعبثوا بحرمات الملكين.
لم تكن كل النساء في الحرملك ملكات أو أميرات . فالقصور امتلأت بالوصيفات والجاريات الشركسيات والتركيات والخليلات المصريات والاميركيات والاوروبيات، كما امتلأت بالمغامرات الغامضات وأخطرهن إيرين غونيل. لم تكن إيرين مجرد امرأة يهودية دخلت حياة فاروق. فحياة فؤاد الأول وفاروق الأول أدارت جانبا مهما منها سلسلة طويلة من النساء اليهوديات، من مختلف الأعمار.
وسنتحدث عن إيرين، بالتفصيل.
لكن الحديث عن النساء في حياة فاروق لابد أن يبدأ بالحديث عن نازلي، أمه البائسة التي تزوجت رجلا لم يخفق قلبها له هو فؤاد الأول، السمين القصير الصارم المستبد. كره المصريون فؤاد لأنه كان يكره معبودهم سعد باشا زغلول. لم يطق فؤاد أن يرى فلاحا مصريا يحكم البلاد بالدستور ويذكره بأن الملك يملك ولا يحكم. فناصبه العداء. وحاول أن يقلل من سلطاته. فاحتمى سعد باشا بالدستور وبالشعب. وخضع له الملك ودمعت عيناه وهو يخضع لفلاح مصري.
عظمة فؤاد الأول
وهذه هي عظمة فؤاد الأول الذي منح المصريين الدستور وجعل بلادهم مملكة مستقلة لها عرش ووزراء وسفراء، وعندما اختلف مع سعد لم يتآمر ضده ولم يقتله، بل قبل الاحتكام إلى الدستور، لأنه أبو الدستور.
وكانت نازلي، زوجة فؤاد، تحب سعد باشا كما أحبه المصريون. ربما لأنها كانت تكره فؤاد الذي أفزعته أنوثتها فحبسها في الحرملك (جناح الحريم) ستة عشر عاما وأحاطها بالخدم النوبيين المخصيين وأوكل أمورها إلى مدام قطاوي اليهودية التي كانت صديقة حميمة لمدام سواريز وهي يهودية أخرى كانت القوة الحقيقية وراء عرش فؤاد.
لقد كان فؤاد اميراً مفلساً. لكن مدام سواريز رئيسة الجالية اليهودية في مصر التقطته واعتبرته مشروعها فزوجته من الاميرة شويكار، احدى اغنى اميرات الاسرة المالكة، ثم راحت تستثمر اموال شويكار في البورصات العالمية حتى أصبح فؤاد من أغنى ملوك الشرق، ثم استغلت علاقاتها الدولية الناجحة لاختياره سلطانا ثم ساعدته على أن يكون ملكا، في تسلسل يبدو محسوبا.
وبصعود فؤاد صعدت مصر من سلطنة هي محمية بريطانية الى مملكة مستقلة (على الورق) .
نازلي كانت حبيسة الحرملك لا يصلها بالعالم الخارجي إلا مدام قطاوي. وغير مسموح لها بأن تر ى ابنها فاروق إلا لوقت قصير في الصباح ولوقت قصير في المساء. لماذا؟ لأن فؤاد كان يتعامل مع ولده الوحيد، منذ ميلاده، لا باعتباره ابنا ولكن باعتباره مشروع ملك. ولهذا فقد رسم له كيف يتعلم كل ما من شأنه أن يجعله ملكا ناجحا. واعتبر فؤاد أن نازلي لا تملك العقل الراجح أو الخلق الرصين الذي يجعل تأثيرها طيبا على ملك المستقبل. فعزل الأم عن ابنها وعزل الولد عن أمه.
صراع الأب والأم
لكن إحساس الأب بما في الأم من جموح يبدو أنه تسلل الى الطفل الذكي الحساس. فعندما دخل فاروق وهو في الرابعة من عمره على مربيته ووالدته أسرع بمعانقة المربية . وسألته أمه: لماذا لا تعانق ماما؟ فقال لها: لأنك تضعين على وجهك مساحيق حمراء أكثر مما يجب!
هذا الطفل الحساس استقبل مربية جديدة بأن أحاط خصرها بذراعيه وقال لها بإنكليزية نقية: أنا سعيد بوجودك وأنا أحبك. وكانت هذه أول مرة يراها فيها .
لم يكن له صديق لأن أباه أحاطه بالمعلمين والمربين والخدم والجواسيس الذين كانت مهمتهم أن يراقبوا الملكة حتى لا تقترب من ولي العهد وتفسد خطة الأب في تربيته.
علم فؤاد أن في الأسرة ميلا الى السمنة فحرم على ابنه أن يأكل شيئا، إلا حسب برنامج صارم، وكان الأب يجوع نفسه يومين من كل أسبوع لا يأكل فيهما إلا الفاكهة.
لكن الأم كانت تهرّ.ب إلى فاروق الصغير أكوام الكعك والزبد والعسل، وعندما كانت تفشل في ذلك كان فاروق لا يجد ما يسد جوعه سوى أن يأكل طعام القطط.
وسط هذا الجو المشحون بالكراهية بين الأب والأم عاش فاروق بلا صديق، لكنه أخذ صورة ابن مربيته السويدية ووضعها بجوار سريره واعتبر ذلك الصبي الذي لا يعرفه صديقه الصدوق.
الكذب والسرقة
وكانت هذه بداية عالم خيالي أغرق فاروق في الاقتراب منه مبتعدا عن العالم الحقيقي ومنذ صغره بدأ يظهر ميلاً الى اختلاق الأحداث وهو ما تحول إلى إدمان للكذب، وككل طفل محروم من الحب صار مهووسا باقتناء الأشياء وبأخذ ما ليس له، حتى أن كل من عرفوه قالوا عنه إنه كان مريضا بداء السرقة القهرية CLIPTOMANIA .
رغم كل هذه العيوب ظل فاروق، طوال حياته، رقيق المشاعر لا يقبل أن يؤذي أي إنسان، ميالا إلى التودد الى الناس، خصوصا البؤساء منهم . فقد كان ينفر من القوة والأقوياء وأجمل صفاته كانت مرحه الطفولي الذي صاحبه، حتى نهاية حياته.
وعندما غربت شمس القوة والمجد في حياته يوم 26 يوليو 1952 لم يفارقه الاحساس بالسخرية، حتى في هذا الموقف المرير.
لقد وجد أمامه علي ماهر باشا، السياسي الاكثر ولاء للعرش والتاج، يحمل إليه وثيقة التنازل عن العرش التي صاغها البكباشي (المقدم) أنور السادات ووقعها اللواء محمد نجيب.
اتهمته الوثيقة بالفساد وبالعبث بالدستور وبتجاهل طموحات الشعب واتهمته بأنه جعل المواطن المصري غير آمن على حياته وبأنه آوى في قصره الفاسدين والمحتالين والخونة، وطالبته الوثيقة باسم الجيش بأن يتنازل عن العرش لمصلحة وريثه الأمير أحمد فؤاد، وبأن يغادر البلاد قبل مغيب شمس 26 يوليو1952.
في هذا الموقف العصيب وقف فاروق يمزح لأن الثوار يريدون للبلاد ملكا رضيعا ولأن هذا الرضيع هو الذي سيتعين عليه أن يواجه الجيش الذي خرج من ثكناته، كما يخرج المارد من القمقم فيستحيل على أي إنسان أن يعيده إليه.
لم يضحك علي ماهر باشا كما كان ــ هو وكل رجال القصر ــ يضحكون لكل دعابة يطلقها «مولانا» وتنهد فاروق وصمت .
لم تكن الدعابة ضعفا منه، ولم تكن التنهيدة ضعفا منه، فقد سبق دخول علي ماهر باشا إليه صراع مسلح شارك فيه فاروق بنفسه فأطلق النار من الشرفة على القوات التي حاصرت قصره وقتل أربعة من الجنود، طبقا لرواية وليم ستادين، ولم يكن يرتجف كما صوره سكرتيره الخاص في تقرير نشرته مجلة آخر ساعة بعد إعلان الجمهورية.
القرار النبيل
هذه الشجاعة في مواجهة الثوار سبقتها تصرفات أخرى تنم عن الشجاعة وبعد النظر. لكن أشجع وأنبل قرار اتخذه فاروق الأول في ذلك اليوم العصيب كان قراره بوقف المواجهة العسكرية مع الثوار.
بعد أن قرأ وثيقة التنازل اشترط عدة شروط أولها أن يصحب إلى منفاه خادمه الإيطالي أنطونيو بوللي، ثم أن يحتفظ باليخت الملكي «المحروسة» وأن يأخذ معه ميدالياته ومقتنياته الخاصة وأن تبقى أراضيه وأراضي شقيقاته ملكا للأسرة تدار لمصلحة شقيقاته.
هذه المطالب تعكس فهم فاروق للمساحة الفاصلة بين الحياة الخاصة للملك وخادمه وأشيائه الشخصية وشقيقاته وبين ما يخص الدولة . لكن علي ماهر باشا لم يقبل ولم يرفض بل تعين عليه أن يعود لمشاورة قائد الثوار الحقيقي الذي لم يكن اللواء محمد نجيب، بل كان ضابطا شابا لم تعرفه الحياة السياسية المصرية قبل ذلك وكان اسمه جمال عبد الناصر حسين، الذي عرفناه بعد ذلك باسم «ناصر».
رفض ناصر، قائد الثورة الحقيقي، كل شروط فاروق ولم يقبل إلا بضمان المحافظة على حياته وإطلاق 21 طلقة مدفعية تحية له، وهو يغادر البلاد .
هنا طالبت البحرية المصرية بأن يستمر القتال ضد الثوار، لأن البحرية كانت موالية للملك حتى خرج من البلاد . وكانت في قصر رأس التين ــ الذي احتمى به الملك ــ قوة من المقاتلين السودانيين الأشداء قوامها 800 رجل وكان يمكن للملك ان يقاوم بهؤلاء وهؤلاء، لكنه رفض ان يتقاتل جنوده أو أن يدفع بالبلاد إلى حرب أهلية حفاظا على عرشه.
فقرر وقف المقاومة. وأعلن قبول توقيع الوثيقة وحضر رئيس المحكمة العليا يحمل وثيقة التنازل وحضر إلى القصر السفير الأميركي جيفرسون كافري الذي استدعاه الملك طلبا لحمايته.
تحية الوداع
وفي تعبير عن تقديره لموقف البحرية المصرية خرج فاروق من البلاد في ملابس امير البحر وكانت تحية وداع كريمة لا يقل عنها كرما أن اللواء محمد نجيب، الزعيم العسكري الذي اختاره مجلس قيادة الثورة ليقف في مقدمة الصفوف، اصر على وداع الملك وحسب رواية ستادين فقد كان اللقاء وديا ومؤثرا، ربما لأن ستادين تجنب الإشارة إلى الحماقات التي بدرت من الطيار جمال سالم الذي أظهر وقاحة في حضرة الملك المخلوع فأمره محمد نجيب بالتزام الانضباط العسكري.
وفي نهاية اللقاء انحنى محمد نجيب على يد الملك فقبلها وملأت الدموع المآقي.
وروى أحد الجنود الذين كانوا في صفوف الحرس الملكي في ذلك اليوم، لكاتب هذه السطور، أن الملك بكى وأن كل الموجودين بكوا بمن في ذلك الجنود الذين دافعوا عن الملك والذين خلعوه بقوة السلاح.
قضي الأمر وفقد فاروق عرشه وانتهت أسباب الصراع وعاد كل الجنود المصريين والسودانيين وكل موظفي القصر فريقا واحدا يستقبل العهد الجديد ويستعد له.
وراء كل هذه النبالة كانت تختفي مهارة عابثة أقدم عليها فاروق الذي ظل طفلا عابثا طوال حياته . لقد ألح على الثوار في أن يسمحوا له بأن يأخذ معه زجاجات الخمر المعتق التي في سراديب قصره.
ووافق الثوار، معتبرين ذلك دليلا دامغا على أنه سكير عربيد. فأخذ الزجاجات معه لكن بعد أن أفرغ كل ما فيها من الخمر وملأ الزجاجات بالماس والسبائك الذهبية التي هرب بها إلى روما.
أسامة الغزولي


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C15%5Cb9f55050-a864-4f7d-a3da-942ef7b124b8_maincategory.jpg • غلاف الكتاب http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C15%5C5d52def9-8488-4491-bc2d-01d83e1c7371_maincategory.jpg • فاروق في نضارة الشباب


من محمد علي إلى فاروق الأول.. ملوك مفلسون ومطرودون (2) نساء كثيرات وطفل كبير لا يعرف الحب
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C22%5C9f62ba13-4310-4629-a316-fe4accf5e8a3_main.jpg • نشأ في اجواء ايطالية مصرية
في مصر الآن فورة اهتمام بملك مصر السابق فاروق الأول. لا أحد يذكر ابنه أحمد فؤاد، الذي كان ملكا على الورق، من 26 يوليو 1952 وحتى 18 يونيو 1953، فاروق هو آخر ملك لمصر في ذاكرة مصر، وفي ذاكرة العالم.
ومثل كل حكام مصر، منذ آلاف السنين، فبمجرد أن أصبح «سابقاً» صار دمه مباحاً وتاريخه الذي وصل إلينا امتدت إليه أياد كثيرة بالحذف والاضافة، ولفه ضباب التاريخ حتى اصبحنا نجد صعوبة بالغة في التمييز بين الحقيقة والاكاذيب في ما يقال عنه.






وفي واحد من أهم الكتب التي ترجمت إلى العربية عن حياته في الفترة الاخيرة كتاب «فاروق ملك مصر: حياة لاهية وموت مأساوي»، الذي كتبه وليم ستادين وترجمه أحمد هريدي. في هذا الكتاب زحام من التفاصيل التي ارتبطت بحياة الاسرة المالكة في مصر . وفي قلب هذا الزحام أجساد أنثوية عارية، سواء كانت حقيقية من لحم ودم وأعصاب، أم تماثيل منحوتة بحساسية بالغة وبشهوانية لا تخفى، أو لوحات مرسومة بألوان تشعل النار في خيال الناظر إليها.


ما اكثر اسماء النساء في تاريخ فاروق، لقد نشرت احدى الصحف الأوروبية قائمة بهن ضمت الاميرة فاطمة طوسون والممثلة كاميليا والراقصة سامية جمال والاميرة باتريشيا والمغنية الفرنسية آني بيريه، وغيرهن كثيرات. لكن تبقى بين المصريات ناهد رشاد التي انعم عليها برتبة صاغ (رائد) كما انعم على شقيقته فايزة برتبة لواء، ابرز من احطن به من المصريات
نقلت سهير حلمي القائمة في كتابها «فاروق ظالما ومظلوما» وهو كتاب ممتع، لكن تظل كتابة لطيفة سالم عن فاروق محل تقدير، مصريا ودوليا، اكثر من اي كتابة اخرى.
وقد قرأت في صباي كتابا عن فاروق وضعه الصحافي الراحل احمد بهاء الدين بعنوان «فاروق ملكا»، لا اذكر منه الا ان سامية جمال كانت تريد دخول قصر عابدين فلما حاول الحرس منعها دخلت الى القصر عنوة،، وعجز الضباط عن التصدي لها.
ولا اذكر اين قرأت ان فاروق كان يقول لمن حوله انه لا يريد ان يشير اليه الناس بلقب «صاحب الجلالة» ويكفيه ان يقولوا عنه «صاحب سامية».
ربما تفسر هذه الاشارة ما قاله عنه مستشاره الصحفي كريم ثابت الذي المح الى ان الملك كان يعاني من عيوب خلقية تمثلت في صعوبة اتمام الاستعداد لممارسة المعاشرة الجنسية، ثم في القذف المبكر، ولهذا كان حريصا على ان يشيع انه مغامر لا يشق له غبار وان الجميلات متيمات به.
ومن الروايات التي سبقت شهادة كريم ثابت في الوصول الى الجمهور العام ان فؤاد الاول، بعد ان ولد له فاروق، خاف ان يكون الوليد غير مؤهل للزواج فاستدعى طبيبا ايطاليا فحص الوليد ثم قال ان ما لديه يكفي للزواج وللانجاب ايضا.
روايات كريم ثابت عن فاروق مسجلة باسمه في المجلات المصرية التي نقلتها عنها منذ الخمسينات بعد ان نقل ولاءه من التاج الملكي الى النسر الجمهوري، ثم في كتابين اصدرتهما دار الشروق في طباعة فخمة.
اما الرواية عن الطبيب الايطالي فليست منسوبة الى احد. لكن يبدو ان الخدم هم اهم مصدر للروايات عن فاروق وقد كان كريم ثابت احد خدام الملك المخلصين ولو الى يوم خروجه من البلاد.
حكايا الخدم

لعب الخدم دورا مهما في حياة فاروق الذي لم يكن يجد حوله في القصور الا الانتهازيين والجواسيس والجاريات. الخدم المصريون علموه اللهجة المصرية، فكان اول ملك مصري يجيد لغة البلد، لكن بقيت الفرنسية لغة الاسرة العلوية الاولى، فعندما كان يتلقى تقريرا مهما بالعربية او بالانكليزية كان يطلب ترجمته للفرنسية.
ومع خدمه المصريين كان يلعب الورق، عندما كان اللعب بريئا وعندما تحول الى المقامرة صار يلعب مع الامراء والبارونات وكبار رجال المال والفن والسياسة والاعلام.
اما خدمه من الايطاليين، الذين ملأوا قصره، فكان يقضي معهم وقتا طويلا في مرآب قصر عابدين، فقد كان مهتما بالالات عموما وبمحركات السيارات والطائرات خصوصا، وكان يعشق الاسلحة ويحمل في جيبه دائما مسدسا صغيرا، وفي سيارته بندقية، والمسدس والبندقية عند فرويد رمزان لعضو التناسل، وهذه اشارة، من فرويد وليس من كريم ثابت، لعقدة فاروق.
وفتح له الايطاليون بابا آخر، هو باب العلاقات العاطفية مع نساء من كل الجنسيات. وكان مهندس القصر الايطالي الجنسية فيروتشي كبير موردي النساء لفاروق، كما يقال.
رمز الطهر
ويجمع من أرخوا لفاروق على ان انغماسه في العلاقات العاطفية بدأ بعد طلاقه من فريدة. ورغم ان التاريخ الرسمي المصري يحب ان يرى فريدة رمزا للطهر والعفاف، فإن مؤرخين بريطانيين يزعمون ان الملكة وقعت في غرام رسام بريطاني بعث به السفير البريطاني مايلز لامبسون ليرسم لها لوحة زيتية.
وقد اشتهر ذلك الرسام بأنه لا يرسم امرأة، اميرة كانت ام فقيرة، الا بعد ان يضاجعها، وقد تم ابعاد الرسام عن مصر بعد ان ثارت الشائعات حول علاقته بالملكة. ويصر شيخ المؤرخين المصريين المعاصرين الدكتور رؤوف عباس على ان الرسام البريطاني لم ينل من شرف الملكة.
وتروي لطيفة سالم في كتابها «فاروق» ان فريدة لاحظت ان النور مضاء في جناح الملك في ساعة متأخرة فتوجهت الى هناك لتجد امرأه غريبة. وعندما سألتها عمن تكون قالت لها المرأة انها راقصة مغربية قابلها الملك واعطاها موعدا في الجناح. ويبدو ان الملك نسي الموعد معها وذهب الى مقصد آخر.
وسألتها الملكة: وكيف دخلت الى هنا؟
قال الراقصة: الملك اعطاني كلمة سر الليل (تقصد ما يعرف بالانكليزية بكلمة PASSWORD). وهذه الكلمة تفتح ابواب القصر لمن يملكها.
وهاجت الملكة وماجت واخذت المرأة الى قسم شرطة عابدين وحررت لها محضرا.
كانت قصص غرام الملك تدور في الخفاء حتى طلقت فريدة ثم صارت على كل لسان بعد ان ارتبط بالممثلة ليليان كوهين المعروفة باسم كاميليا. يوحي الاسم بأن الفتاة يهودية والحقيقة انها ابنة غير شرعية لم تجد امها المسيحية من تسجل باسمه طفلتها سوى صاحب بنسيون يهودي هو المسيو كوهين. وهكذا حملت ليليان اسما يهوديا، دون ان تكون يهودية.
وعندما نشبت حرب 1948 بين مصر والدولة اليهودية انتشرت بين المصريين مخاوف من دور كاميليا في القصر وخطرها كيهودية على امن البلاد «فخافت على نفسها واعلنت للصحافة انها مسيحية».
أنيس منصور وكاميليا
لكن الموت كان يلاحق كاميليا، فقد كانت احدى الطائرات تستعد للسفر الى سويسرا وكان انيس منصور - وكان كاتبا شابا، على اول الطريق، ايامها - احد ركابها وتنازل انيس منصور، فجأة عن مقعده على الطائرة المشؤومة. واشترت كاميليا بطاقة السفر واحترقت بها الطائرة. ولا يعقل ان انيس منصور ترك مقعده لكاميليا استجابة لطلب من جهة ما، كانت تريد تخليص البلاد من اليهودية المزيفة.
وتبقى اخطر امرأة اقتربت من فاروق وهي ايرين غينيل المطلقة اليهودية التي اشار اليها وليم ستادين دون ان يشير الى سبب طلاقها الذي جاء في كتاب ظهر في التسعينات بعنوان TOORICH (غني اكثر مما يجب) ويذكر الكتاب ان ايرين تزوجت فتى وسيما من الارستقراطية اليهودية المقيمة في مصر منذ مئات السنين.
تم الزفاف في فندق سيسيل على شاطئ الاسكندرية وبعد ان اغلقت الابواب على العروسين فوجئت ايرين بقرينها الشاب يخرج عصا انيقة من البلاستيك كانت مطوية داخل علبة، ويطلب منها ان تضربه بها ضربا مبرحا بعد ان خلع ملابسه. انه مريض يحب ايذاء الذات MASOCHISM ولا يمكنه ان يتهيأ لممارسة الجنس الا اذا آلمته المرأة التي تريده ان يشتهيها. ولن يشتهيها الا اذا آلمته !! وكان الطلاق.
صورة معاكسة

وجدت ايرين في فاروق صورة معاكسة. كان رقيقا. طفوليا. يحب الضحك والمرح ويخلع ملابسه ويجبرها على خلع ملابسها ويتجول الاثنان عاريين في قصر عابدين بعد ان ينام كل من فيه. او يسبحان في حوض السباحة، معا، تحت ضوء القمر. وماذا عن الجنس؟ تقول ايرين: لا جنس. بل عبث صبياني كانت ايرين جاسوسة. لمن؟ تقول الوثائق انها كانت جاسوسة للبريطانيين بقصد ابعاد فاروق عن المحور. كانت في قصر فاروق اجهزة ارسال واستقبال هي الاقوى في الشرق الاوسط. واراد البريطانيون ان يعرفوا هل هو من يتجسس لصالح المحور ام لا. فسربوا اليه معلومات عن حجم قواتهم في الصحراء الغربية واضافوا صفرا الى يمين الرقم. ومن حجم القوات الايطالية التي واجهتهم بعد ذلك تبينوا ان فاروق سرب الرقم الى الايطاليين.
أنا اشك في هذه الرواية، فلو ان فاروق كان يتجسس لصالح المحور لعزل بل ولأعدم. ورأيي ان ايرين كانت ترافق فاروق لاسباب صهيونية وانها كانت تعمل في خدمة مشروع اقامة اسرائيل وليس في خدمة الحلفاء. لقد حرصت الصحافة الصهيونية على تشويه صورة الرجل لكن علاقاته القوية مع الاميركيين طوال الاربعينات تدل على انه لم يكن لا مع المحور ولا مع البريطانيين.
واغلب الظن ان ايرين غيينل ومن قبلها اليهودية كاميليا، اليهودية الزائفة، كانتا تعملان بتعليمات من الصهيونية. واذا كانت هزيمة جيش فاروق في 1948 قد ارتبطت بطلاقه من الملكة فريدة فإن تدهور شعبيته ارتبط بزواج اخته فتحية من الدبلوماسي القبطي رؤوف غالي، الذي قيل انه كان عشيقا لامها قبل ان يوقعها هي في شباكه.
هل كانت نازلي مسلمة أصلا؟
هل كانت نازلي مسلمة في اي وقت من الاوقات ثم تنصرت؟ ام انها مسيحية حتى قبل ان تعلن تحولها للمسيحية بعد ان شفيت من عملية جراحية خطيرة؟
الاحتمال الثاني هو الارجح، ولهذا فهي لم تجد غضاضة في ان ترتبط ابنتها برباط الزواج بالشاب القبطي رغم اعتراض الناس جميعا وتوسلات فاروق اليها.
وعندما كانت في لوس انجلوس سألها احد الصحافيين الاميركيين كيف تتزوج اميرة مسلمة وشقيقة اشهر ملك مسلم من مسيحي؟ فردت وهي ترقص، ودون ان تتوقف عن الرقص لترد على السؤال، ان المهم سعادة ابنتها.
وهاج الشعب على فاروق وامه وشقيقاته، لكن هناك سؤالا لا يقف عنده احد، فبعد خروج فاروق من مصر ارتبط بسيدات وفتيات كلهن اجنبيات مسيحيات، وماتت امه وشقيقته فتحية ودفنتا كمسيحيتين وارتبطت غالبية اعضاء الاسرة بغير المسلمين. حتى الولد الغلبان الذي ضحك عليه الدوق الاكبر رينيه في موناكو والملك الراحل في المغرب وشخصيات مهمة في الخليج واوهموه بامكانية ان يستعيد عرش «آبائه» في مصر، حتى هذا الغلبان تزوج من يهودية تسمت باسم فضيلة استعدادا لان تجلس على عرش النيل، ولما ظهر ان المسألة كلها سراب في سراب انهار الزواج.
السؤال الذي لا يقف عنده احد: لماذا يرتبطون بأجانب؟ كبرى بنات فاروق وحدها هي التي تزوجت مصريا لانها تزوجت عندما كان ابوها ملكا لمصر، اما الباقون فارتبطوا بأجانب. لماذا؟
انا لا اقدم اجابة لكني اطرح تساؤلا. والتساؤل الاخطر: هل صُلّ.ي على جثمان فاروق في كنيسة صغيرة في روما قبل ان يصلوا عليه صلاة الجنازة، حسب الشريعة الاسلامية؟
أسامة الغزولي





http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C22%5C8cf35b10-4664-4589-ac2f-b47cc27d5302_maincategory.jpg • فاروق ملك مصر http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C22%5Ca7e5535c-2185-418d-a37d-38d5b3d3e81a_maincategory.jpg • فاروق.. ظالما ومظلوما http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C22%5C4315433c-ee57-4dd4-9898-d76b0c7b380c_maincategory.jpg • انجليزية - سهير حلمي http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C22%5Cc31e3958-8759-43f1-a127-d268af69d51f_maincategory.jpg • عشر سنوات مع فاروق

justice
23-11-2010, 12:09 AM
من محمد علي إلى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (3) خمسة رجال ضيعوا العرش



http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C29%5C8cb2f2e1-62da-4fbc-9a2f-fb881cc53f6d_main.jpg

كيف يمكن للإنسان أن يقبـض على زمام حياته ولا يتركه لأحد ممن حوله ؟ كيف ندافع عن هويتنا وسط هذا الزحام من الناس والأحداث التي تغمر حياة كل فرد منا ؟
السبيل الوحيد لذلك أن نتزود بالحب الذي يملأنا بالثقة لكي يمد الواحد منا قدمه، غير هياب، على الطريق إلى المستقبل. ولا يأتي هذا الحب إلا ممن يحيطون بنا ومن أوكلت إليهم الأقدار صناعة مصائرنا من الأب والأم وأقرب الأقربين.
يقول فاروق، في الحديث الصحفي الوحيد الذي أدلى به في حياته، والذي نشرته امباير نيوز الأسبوعية بعد عزله عن العرش بثلاثة أشهر: إن أي طفل ملكي لا يمكن الاستقلال بحياته، وأنه عاش طفولة صارمة شاقة زاد من صرامتها تعنت مربيته الانكليزية المسز تايلور.
وقد تحدثنا عن دور النساء في إتراع حياة فاروق بالتعاسة، لكننا نتحدث اليوم عن الدور الذي لعبه في مأساته اقرب الرجال إليه.
في حياة فاروق خمسة رجال هم الذين رسموا مسار حياته، وقادوها إلى نهايتها المأساوية

الرجل الأول في حياته، وفي حياة كل واحد منا، هو الأب. وهو هنا فؤاد الأول الأمير المفلس الذي كان يريد أن يصبح رأسا لأسرة ملكية، والثاني والثالث هما الرجلان اللذان كلفهما الأب برعاية الأمير الصغير وتوجيه خطواته الأولى على طريق الحياة عزيز عالي باشا وأحمد حسنين باشا، والرابع هو خصمه البريطاني العنيد السفير مايلز لامبسون الذي تجسدت فيه عنجهية الاحتلال وحقد الغرب على الشرق، أما الخامس فهو خصمه السياسي الذي اختارته الأمة زعيما لها كما اختارت قوانين الوراثة السياسية وإرادة القوى الأجنبية فاروقا سيدا للبلاد.
القاضي الريفي
هذا الأخير هو مصطفى النحاس باشا القاضي ذو الأصل الريفي، ذو الضحكة المجلجلة، والعبارة الواضحة المنطلقة كالصاروخ، فهم النحاس باشا أن مصلحة البلاد هي أن يتفاهم مع البريطانيين على طريقة يخرجون بها من البلاد عبر حل وسط، وألّا يضحي بالديموقراطية ولا بسيادة القانون لأي سبب كان.
لكن «الوطنجية» من أحزاب الأقلية والإخوان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني اعتبروا أن التفاهم مع البريطانيين خيانة وأن لا سبيل إلى إخراجهم إلا بالقوة، ولم تكن مصر ولا أي دولة في العالم تملك القوة التي تفرض بها إرادتها على بريطانيا العظمى، لكن «الوطنجية» اتهموا الوفد بممالأة الاحتلال وبالمساومة على القضايا الوطنية، واستغل فاروق هذه الاتهامات للضغط على الوفد ظنا منه أن الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا (كما كان الشعب يسميه) يريد أن يحرمه من حقه في أن يكون الحاكم المطلق للبلاد رغم أن الدستور يقيد سلطة الملك ويضع السلطات التنفيذية في يد رئيس الوزراء.
ورغم كل سيئات الملكة الأم نازلى، فقد نصحت ابنها فاروق بأن يحترم النحاس باشا وأن يتعاون معه، وطلبت منه ألا يستمع لما يقوله أحمد حسنين باشا، حبيب قلبها والرجل الوحيد الذي شجعها على أن تعيش حياتها كامرأة بحرية لم تتح لها كملكة.
صحيح أنها أحبت حسنين باشا بجنون.لكن ذلك لم ينسها، في البداية، أن مصلحة ابنها هي في احترام الدستور واحترام زعيم الأغلبية.
لكن فاروق كان يعلم أن الصراع في مصر يدور بين ثلاثة رجال: الملك، وزعيم حزب الوفد، والسفير البريطاني، ولهذا تعامل مع زعيم الوفد ومع السفير كما يتعامل الطفل المدلل مع خصمين يخطفان منه الكرة، في مباراة حامية، فلا ينازلهما بقوة ورجولة، ولكن يضرب الأرض بقدميه ويصرخ طالباً المساعدة من «بابا» و«ماما» والمربية والخدم.«بابا» فؤاد الأول مات في 1936 و«ماما» تقدم له النصائح لكنه لا يحترم نصائح أم فقدت احترامها بالتبذل والمجون، وكيف تزعم أن حسنين باشا مخطئ ويجب الحذر منه وهي ترمي نفسها تحت قدميه؟
لم يبق إلا الخدم
لم يبق إلا الخدم لم يبق إلا الخدم. لقد عاش فاروق حياته مع الخدم، حتى أنه ألغى كل سلطة لموظفي القصر وترك الحبل على الغارب للخدم الذين أصبح يدير من خلالهم شؤون الدولة وكان الشماشرجي (الخادم المسؤول عن ملابس الملك) هو الذي يبلغ أوامره للحكومة عبر سكرتير الملك الخاص حسن حسنى باشا ووكيل الديوان حسن يوسف باشا وكل واحد منهما عالم جليل ورجل دولة بارع.
وكما كره فاروق مصطفى النحاس باشا فقد كره السفير البريطاني مايلز لامبسون. كان طفلا يحب ويكره لا رجلا من رجال السياسة يناور ويعقد الصفقات ويتحرك بحساب العقل، لا بحساب العواطف الجياشة.
وإذا كان فاروق ضخم الجثة فقد كان مايلز لامبسون ضخما هو الآخر ولم ير فاروق ضخامته بقدر ما رأى ضخامة خصمه، فأطلق عليه اسم جاموسة باشا وبالمقابل لم يكن لامبسون يشير إليه باسم الملك بل كان يقول عنه «الولد».
وفي 4 فبراير 1942 اجتمع خصماه على إذلاله أجبره السفير البريطاني على أن يختار زعيم الوفد رئيسا للوزراء، وأصر زعيم الوفد على أن تتشكل وزارته من أعضاء حزبه فقط، دون أن يدخلها أحد من السياسيين المنتمين لأحزاب الأقلية.
وهاج «الوطنجية» من يومها والى هذه اللحظة واعتبروا أن موافقة الوفد على تشكيل حكومة يرضى عنها البريطانيون جريمة، رغم أن رهان مصطفى النحاس باشا على الحلفاء هو الرهان الرابح الذي يحكم العالم بنتائجه حتى اليوم، ورهان «الوطنجية» على المحور (النازيون والفاشلون) كان خاسرا كما نعلم جميعا.
وقبل فاروق مطالب السفير حتى لا يفقد عرشه، لكن إحساسه بالذل لم يفارقه منذ تلك اللحظة وحتى مات.
لحظة الإذلال
لحظة الإذلال هذه هي التي شهدت تحول فاروق من «شاب طيب برىء رشيق انعقدت حوله آمال الجميع»، الذي هو «فاروق البداية» كما عرفه المصريون طوال السنوات الست الأولى من حكمه، إلى شخص مترهل محبط، يشعر بالعار وتسيطر عليه الرغبة في امتلاك ما لدى الآخرين، الذي هو «فاروق النهاية»، الذي اتصف بالبلادة بالانفعالية وفقدان المشاعر وإقصاء القيم والمعايير الاجتماعية والعنف غير المبرر واللامبالاة والاستهتار وسرعة الغضب والاندفاع والسهولة الشديدة في تفريغ العدوان وفقدان القدرة على مقاومة الإغراء.
ببراعة، تحسب للمترجم أحمد هريدي وللمشرفين على كتاب الجمهورية الذين قدموا للقارئ العربي كتاب «فاروق ملك مصر»، أضاف المترجم إلى نص الكتاب ما يشبه الملاحق التي تحتوي كتابات تلقي الضوء على صورة الملك حيث حيث ينجح وليم ستادين في إضاءته.
وهذه الكلمات عن فاروق البداية وفاروق النهاية، هي كلمات لطيفة سالم أستاذة التاريخ في جامعة عين شمس التي تحظى باحترام مصري وعالمي كبير. ومفهومها، الذي يقسم حياة الملك إلى نصفين متتاليين، سيطر على غيرها من الكتاب الذين أرخوا لفاروق، بعدها، خصوصا محمد عودة الناصري، الذي كان كتابه عن فاروق غزلا علميا في الملكة نازلي والملكة فريدة، باعتبار ان الاثنتين سمراوين، وكان - رحمه الله - شغوفا بالسمراوات، ومنهن صديقات لي تجاوزن السبعين، وأداعبهن بهذا الكلام الذي أقوله بلا حرج، لأني أعتبر الكاتب المبدع كائناً حياً حتى بعد أن يفارقنا بجسده.
ومحمد عودة، بالنسبة لي حي يرزق، وأتبسط في الحديث إليه، الآن، أكثر مما كنت أفعل أثناء حياته.
انهار فاروق عندما قدم له السفير البريطاني وثيقة التنازل.كان السفير البريطاني غاضبا ومندفعا ويريد عزل فاروق، إذا لم يستسلم له، وأن يضع مكانه على العرش الأمير محمد علي، الذي كان معماريا موهوبا لكنه وصف بخلاعة ماجنة لا تتفق مع الرجولة.
وكان النحاس غاضبا من تجاهل الملك لحقوقه الدستورية كزعيم لأغلبية المصريين ومن عبث ثعالب أحزاب الأقلية التي زورت الانتخابات وتآمرت مع الملك والانكليز ضد الإرادة الشعبية.
كان فاروق غاضبا من اتفاق الاثنين ضده وهكذا كتب على مصر العذاب لأن مصيرها كان بأيدي ثلاثة رجال غاضبين.
خلل نفسي
لكن غضب فاروق كان يكشف عن شيء مختلف، عن خلل نفسي سببته التربية المنعزلة، والجفوة بين الأب والأم، والقواعد الصارمة التي فرضها عليه أبوه، والصورة الخرافية التي أرادوا أن يصور نفسه بها.
وقد أدرك فاروق في طفولته بلاهة التصور الذي رسمه القصر لملك المستقبل عندما سأل مدرب الفروسية العسكري الذي كان يدربه لماذا لا أسقط أنا من فوق جوادي ولو مرة واحدة كما رأيت بعيني أمير ويلز يسقط من فوق جواده تسع مرات؟
تكرر سؤال الطفل الذكي مرات ومرات حتى التقطه المحيطون به وسجلوه. لكن الأيام مرت. وفقد الطفل براءته وادعى العظمة ليخفي بها الشعور بالضعف. وعندما سقط أمام السفير البريطاني لم يقم مرة أخرى ليستعيد كرامته، بل ظل يتقلب في الوحل حتى نهاية عهده كملك.
ارتكب فاروق حماقة كبرى عندما تصور أنه يستعيد كرامته إذا عينه البريطانيون جنرالا في جيشهم، ولو أن الخطاب العام عقلانيا لكان طلبه بأن يعين في الجيش البريطاني برتبة جنرال أمراً بروتوكوليا حميدا لكنه كان يجب أن يدرك أن «الوطنجية» سوف يشهرون به.
ومنحه البريطانيون لقب جنرال بريطاني وأعجبته اللعبة وأصر على أن يمارس مهامه كجنرال ويذهب للتفتيش على الوحدات العسكرية البريطانية.
هذه التصرفات الطفولية العجيبة من انفعالية وتغطية على الضعف الداخلي بالاستعراض ارتبطت بتصرفات مرضية أخرى منها السرقة القهرية CLEPTOMANIA ويقال إن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل اثناء جلوسه بجواره في فندق ميناهاوس اكتشف ضياع حافظة نقوده فقال فاروق: إنه يعرف من سرقها، وغاب دقائق ثم عاد بها، ليصفق الحاضرون لبراعته البوليسية في معرفة السارق وإعادة المسروق.
الملك هو الذي نشل تشرشل، كما تروي سهير حلمي، وهو تعلم النشل من المجرمين الخطيرين الذين أتى بهم من السجون ليعلموه النشل مقابل العفو الملكي.
ولطيفة سالم تؤكد هذا الكلام وخادمه اللبناني الأصل كريم ثابت يروي أن فاروق كان يلعب القمار في نادي السيارات عندما مد يده إلى داخل حقيبة سيدة تجلس بجواره وسرق ولاعتها الذهبية.
ولا أستطيع أن أصدق أو أكذب لكني أقول أمرين: إن الاثني،ن اللذين أشرفا على تعليمه، لهما دخل في اضطرابه، أولهما الجنرال عزيز عالي باشا المصري الذي كان سياسيا عثمانيا مغامرا من مواليد شبرا بشمال القاهرة ولعب دوراً كبيراً في تقرير مصائر السلطنة، وكان بالغ الصرامة مؤمنا بالعسكرية البروسية (الجرمانية)،
والثاني أحمد حسنين باشا مغامر من طراز آخر يحب النساء مثل عزيز باشا الذي كانت له عشيقة بريطانية (واحدة على الأقل) يحب المؤرخون الوطنجيون أن يتجاهلوها. لكن حسنين عاش مشغولا بترتيب حياته الخاصة وليس بترتيب مصائر الأمم والشعوب مثل عزيز باشا، وقد سيطر حسنين على القصر من خلال سيطرته على الملك وعلى أم الملك، وظل يتلاعب بالقصر والدولة والشعب حتى صدمته سيارة عسكرية بريطانية على كوبري (جسر) قصر النيل.
هتلر وإدوارد الثامن
هذا هو الأمر الأول ويتعلق بتربية الملك، أما الأمر الثاني فهو أن فاروق كان صديقا لأدولف هتلر، الزعيم النازي الذي خسر الحرب العالمية الثانية وخسرها معه كل أصدقائه، ومن بينهم فاروق، الذي أكرر أنه لم يكن جاسوساً للألمان بل كان متعاطفاً معهم وبالغ الصهاينة في هذه المسألة، قبل إعلان دولتهم بثلاث سنوات، حتى يذلوا الملك ويتلاعبوا به كلما احتاجوا إلى ذلك.
وتتعلق بهذه النقطة نقطة أخرى وهي صداقة فاروق لملك بريطانيا المخلوع ادوارد الثامن، الذي كان - هو أيضا - صديقا لهتلر ومعجبا به ويدعوه «ابن العم»، وقد خلع عن عرشه عند اقتراب الحرب لأنه لا يعقل أن تدخل بريطانيا الحرب ضد ألمانيا وعلى عرشها متعاطف مع النازية. وبعد خلع إدوارد الثامن، اخترعوا له قصة الملك العاشق الذي تنازل عن العرش من أجل حبه لليدي سمبسون الأميركية المطلقة ليتحول من ملك إلى نبيل يحمل لقب «دوق وندسور».
وفي مذكرات الليدي أن أيامها ولياليها مع دوق وندسور كانت كابوسية وأن حبيبها الحقيقي كان ميكانيكي سيارات فرنسيا، حيث عاشت مع الدوق في جنوب فرنسا حتى نهاية حياتهما.
لقد كان ممكنا أن نعرف الكثير عن فاروق وعن صديقه الملك ادوارد الثامن، الذي سقط مثله عن العرش، لأنه كان صديقا للزعيم الذي حارب العالم كله فحقت عليه الهزيمة لولا أن ما تركه لنا الرجلان لا يتجاوز إشارات عابرة.. وكما قال إدوارد الثامن لفاروق «فإن الملك إذا كتب مذكراته فسوف يتحدث عن كل شيء إلا الأشياء المهمة».
أسامة الغزولي





http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C29%5C9e1d35c6-dc83-474f-b88d-40369391c6e3_maincategory.jpg • مصطفى النحاس

justice
23-11-2010, 12:11 AM
من محمد علي إلى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (4) تجاهله الحاضرون فخلع فاروق نياشينه وبكى

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C05%5C06%5C0914b7ff-3743-4aaa-8b9d-b6ec2acc92f6_main.jpg

أغرب النبوءات هي تلك التي تحقق نفسها. وقد تنبأت انت بزوال ملكك. صدقت الروايات التي أشاعتها جهات غامضة تحدثت عن خطر شيوعي يهدد البلاد. قلت لمن حولك: لن يبقى في العالم ملوك إلا خمسة. ملوك ورق اللعب الاربعة وملكة بريطانيا. وعندما رايت أبناء شعبك يتثاقلون عندما يتعين عليهم الوقوف تحية للسلام الملكي اقترحت تغيير اسمه الى السلام الوطني ليحترمه الناس ويقوموا واقفين لتحيته.
وتحققت نبوءتك وسقطت الملكية لأنك تصرفت على العرش كموظف يريد أن يحافظ على وظيفته لا كسياسي يستكشف اتجاهات التاريخ ويدفع باتجاهها. لم تعرف كيف تحافظ على ملكك فتحققت نبوءتك السوداء.

وعندما خرجت من البلاد قيل انك خلفت وراءك ثروة مقدارها 35 مليون جنيه مصري تساوي مليارات الدولارات بأسعار اليوم. وظلت زوجتك الأولى فريدة تعتقد أنك كنت تخبئ في بنوك سويسرا ثروة قدرت آنذاك بما يزيد عن 75 مليون دولار.
رفض الثوار أن يتركوا صديقك الايطالي بوللي يسافر معك لانهم كانوا يريدون أن يستنطقوه ليبوح بأهم اسرارك وخاصة ثروتك السرية المزعومة.
وبعد سفرك قلت لأحد المقربين منك إن ثروتك لا تتجاوز خمسة ملايين وهو ما يساوي ثروة واحد من باشواتك وهو احمد عبود باشا.
روى مصري مقيم في ايطاليا لكاتب هذه السطور أن دبلوماسيا مصريا في روما كان يقف أمام محطة القطار في طابور انتظار سيارة أجرة (تاكسي) عندما سمع شخصا واقفا وراءه يتمتم بالعامية المصرية معلنا عن سخطه على الطقس المطير وعلى همجية الطليان. التفت ليرى ذلك الشخص فاذا بـه فاروق. كان المصريون في روما آنذاك يندر أن ترى منهم أحدا إلا ثريا أو دبلوماسيا أو زائرا مهما، وفي حالات نادرة. سأله:
> جلالة الملك فاروق؟
رد الرجل متبرما:
ـ ايوه ياسيدي أنا فاروق.
وبعد طول انتظار جاءت سيارة التاكسي ولان الدبلوماسي كان الأحق بالركوب فقد عرض على الملك أن يتنازل له عن دوره لكن الملك وافق على أن يركبا معا وظلا يتسامران حتى عرف الملك أنه يقيم بشقة في المبنى نفسه الذي يسكنه فتجهم ولزم الصمت حتى نزلا من السيارة.
ولم يعد يحييه أو يرد تحيته اذا رآه. ربما ساءه أن يتدهور حاله حتى يسكن في مبنى واحد مع أحد رعاياه.
لكن هذه هي الدنيا. ماذا يمكن أن يتوقع ملك فقد عرشه وتاجه؟
لم تستقبلك ايطاليا بحفاوة. دخلها يختك الملكي وعلى متنه ملك مصر، ابنك أحمد فؤاد الثاني. لكن المدفعية لم تنطلق تحية لكما. ولم تجد في انتظارك إلا مندوب الخارجية الايطالية والسفير المصري عبد العزيز بدر. صحيح أنك ملك مخلوع. لكنك استقبلت ملك ايطاليا عندما طرده النازيون، الاستقبال للائق بملك صديق هل نسيت ايطاليا ذلك؟ وهل نسيت أنك جعلت قصرك مزرعة ايطالية؟ واذا كنت أنت ملكا مخلوعا فلماذا يتجاهلون أن ابنك الرضيع هو ملك مصر أحمد فؤاد الثاني وأنه سيبقى كذلك حتى مايو 1953، أي الى ما بعد وصولك بعشرة أشهر؟
لعبة الأمم
لعبة الأمم تدور مبتعدة عنك. فقدت عرشك فاحـرص على أن لا تفقد حياتك.
لم يمض وقت طويل على وصولك الى ايطاليا حتى احترمت الخلافات بينك وبين زوجتك ناريمان، تاريخك السابق يمكن أن يفسر ما جرى. أنت تحب السهر تريد ان تخرج وحدك. تتعلق هي بذراعك. تطلب منك أن تأخذها معك. وأنت ترفض. وتغضب أنت وتغضب هي.
هل تصدق ما قاله سكرتيرك الخاص فهيم ريان عن هذا الموضوع؟ يروى أنك أنت وناريمان كنتما تتبادلان الشتائم، وأن الأمر أصبح اكثر فظاعة وسوقية بعد أن انضمت اليكما أمها، حماتك. هل صحيح ما رواه سكرتيرك من انك لكمت زوجتك لانك تعلمت من «ابناء البلد» أن ضرب الزوجة ضرورة عائلية؟
يشوه الخدم، دائما، سير أسيادهم.
وقد يكون الصحيح في رواية فهيم ريان ما قاله من أنك أردت أن تنشئ الملك الصغير بالصرامة التي نشأت أنت عليها في ظل «ابيك الصارم» فأي جدوى في هذا كله؟ ما فائدة التربية الصارمة؟ ألم تفقد عرشك وتاجك؟ وقع الطلاق بينك وبين زوجتك الثانية. وذهبت ناريمان لتعيش في فيللا فـي سويسرا، قبل أن تعود هي، نهائيا، الى مصر وتبدأ حياة جديدة مع الطبيب أدهم النقيب الذي ارتبطت به.
فاروق والصبية
أما أنت فوقعت في غرام ايرما. كانت صبية في الخامسة عشرة. قدمت اليك الزهور اثناء زيارتك إيطاليا عام 1946. وعندما رايتها بعد أن كبرت تذكرتها على الفور.
عرفت أين تقع مدرستها. رحت تنتظرها على باب المدرسة كمراهـق صغير، لكي توصلها الى مسكنها في سيارتك الرولزرويس الحمراء. لكي تهديها الزهور.
انها ابنة سائق تاكسي من حارات نابولي الشعبية وضعتها الاقدار في طريق ملك فاخترعت لنفسها تاريخا ارستقراطيا وزعمت أنها من سلالة مينولتو الايطالية العريقة.
أخلص امرأة
يقول الكثيرون ان إيرما كانت اخلص امراة عرفتها في المنفى بعد أن خلعوك عن عرشك. ورغم حنانك البالغ عليها فقد كنت تتركها، كل ليلة، لتسهر وحدك مع صديقاتك الكثيرات. ومع رفاق القمار. كانت كل صديقاتك في عمر بناتك: سونيا رومانوف اليوغسلافية (22 سنة) وآناماريا غاني التي كانت في مثل عمرها. كانت الاولى ممثلة والثانية مصففة شعر وصبية اصغر منهما كانت السويدية بريجيتا ستنبرغ عندما عرفتها وهي في الثامنة عشرة.
ورغم ذلك فقد كنت تقابل إيرما إلا مرتين في الأسبوع. وعندما كنتما تسافران معا كنت تؤجر لها جناحا منفصلا عن جناحك. لم تتحدث معها، ابدأ، عن السياسة. ولم يتيسر لها ان تلتقي اسرتك إلا يوم جنازتك، عندما لم يعد بوسعك أن تمنعها من اللقاء معهم.
وقد حرصت على أن تجعل منها مغنية أوبرا مشهورة. وعندما وقفت على مسرح الأوبرا لتغني انتشى الناس بغنائها وبالتاج الماسي على رأسها وعقد الزمرد الاخضر حول جيدها.
كل هذا كان من صنعك. انت الذي اهتممت بصقل موهبتها وبإيصالها الى ذروة النجاح. ولم تكن إلا واحدة من فنانات بالغات الحساسية أحطن بك: منهن الممثلة اليوغسلافية سونيا. الكاتبة السويدية بريجيتا ستنبرغ والاديبة البريطانية بربارة سكلتون. وزوجتاك فريدة وناريمان اللتان ساقتهما الاقدار الى حياتك وكانتا رسامتين، وبعد ان سقطت الملكية في مصر عاشتا في بيروت، كرسامتين محترفتين، من دون أن تكون لاحداهما علاقة بالأخرى.
أنت ايضا كنت تملك حساسية انسان مثقف يقدر الفن والأدب. عندما كنت تجد وقت فراغ كنت تقضيه في مطالعة الشعر الفرنسي. وعندما منحتك الاقدار الولد الذي لطالما تطلعت اليه وقفت تتلو على زوجتك، أم الولد، قصيدة روديارد كبلنغ عن الوليد الملكي.
ويروي احد أقاربك أن أهتمامك بالجيولوجيا (علم طبقات الارض) ومقتنياتك المتصلة بهذا العلم كاهتماماتك بعلم الأحياء تشيران الى ثقافة علمية عميقة.
المثقف الماجن
وقد لاحظ كاتب هذه السطور الثقافة العميقة التي تمتع بها الامير محمد علي باشا عم الملك فاروق وولي عهده حتى ميلاد احمد فؤاد. كان ذلك الرجل فنانا معماريا كبيرا وكان عظيم الاهتمام باقتناء اللوحات لكبار الفنانين العالميين وبالصيد وتحنيط الحيوانات البرية. ورغم ذلك كانت حياته الشخصية على مستوى من المجرن الذي يدعو إلى الاشمئزاز كما أن الجناح الخاص به في قصره الرائع، الذي يحتوي واحدة من أعظم الحدائق في العالم من حيث ثروتها النباتية، كان شديد القذارة والقبح.
وكذلك كان فاروق يقتني أعظم المقتنيات العلمية والأدبية كما كان يقتني الأفلام الإباحية الرخيصة واللوحات الجنسية الماجنة. وتنطوي شخصيته على ملامح العظماء وعلى سذاجة الأطفال واندفاعهم.
هذه الازدواجية هي التي اسقطت فاروق عن عرشه. وعندما وجد نفسه في المنفى فكر في أن يبحث لنفسه عن وظيفة وحاول أن يعمل بالعلاقات العامة، وفشل.
لكنه بدأ يدرك عمق مأساته عندما اخذ إحدى بناته ليقدمها للجميع الارستقراطي في روما بعد سنوات من استقراره فيها. وفوجئ بالجميع يظهرون اللامبالاة بالملك المخلوع وبالاميرة السابقة.
وداعا للنياشين
وانتحى فاروق بنفسه مكانا بعيدا وبدا ينتزع أوسمته ونياشينه التي على صدره ويبكي.
رأته إيرما وهو يبكي ذات مرة. كان يقود بها السيارة على ساحل نابولي وذكره ساحل نابولي بالإسكندرية فأوقف السيارة وانخرط في بكاء مر.
وذات ليله ودع إيرما وذهب للسهر مع صديقته الحلاقة آنا ماريا غاتي بعد أن أعفى سائقه وحارسه الألباني رستم من مهام خدمته حتى الصباح.
دخل الاثنان مطعم «إيل دي فرانس» في شارع فيافنتو بروما. جلسا الى مائدة العشاء التي كان فوقها 12 قطعة روبيان. قطعتان من لحم الضان المشوي مع البطاطا. شطائر محشوة بالمربى. أكل فاروق. واشعل سيكارا كوبيا. وفجأة بدأ يسعل. واحتقن وجهه. ورفع يديه الى حلقة وسقط على المائدة. مات فاروق.
اختفت صاحبته: هل أفزعها مشهد النهاية؟ هلى خافت الفضيحة. والسؤال الأخطر هل كانت لها يد في قتله؟
كان ذلك في عام 1965. القوى المعادية لجمهورية يوليو كانت تتحرك ضدها حركة بلغت ذروتها في 1967. فهل كان موت فاروق في روما ـ كموت سيد قطب في القاهرة ـ نتيجة مبادرة دفاعية قامت بها الجمهورية ضد اعداء حقيقيين أو متوهمين؟
قد تكون أصابع الاتهام أشارت ـ من دون دليل ـ الى صديقته الحلاقة الايطالية ولكن هل فكر أحد في دور لصديقته الممثلة اليوغسلافية ولمخابرات تيتو الذي لم يكن يريد لجمهورية يوليو أن تسقط تحت سنابك الغزو الصهيوني ـ الغربي؟ لماذا لم تبادر سلطات ايطاليا الى تشريح الجثة؟ هل لمشروعات التعاون الصناعي بين مصر وايطاليا لانتاج سيارات الفيات دخل بما جرى؟
لا أحد يدري. وقد تفتح غدا ملفات مغلقة منذ الأمس البعيد، ليقرأ الناس ويعرفوا. وقد تبقى الأسئلة معلقة إلى الأبد.
أسامة ا لغزولي


==============================

القبس

justice
23-11-2010, 12:14 AM
من محمد علي الى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (5) كسب الخديو ثروة طائلة وخسر العرش
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C05%5C13%5C6d65bc18-139b-4ad5-8e61-8ae996b6817f_main.jpg

ليست أقدار الملوك كأقدارنا نحن البشر العاديين. فقد تجمع شخصية الملك كل صفات العظمة ثم تعانده الأقدار وتسقطه عن عرشه، ويجلل تاريخه بالعار. وقد يكون صغير النفس انتهازيا وتدفعه الأحداث الى أعلى مكان.
واذا كان فؤاد الأول هو نموذج للملك صغير النفس، سيئ الخلق، الذي وفرت له الأقدار كل وسائل بلوغ المجد والعظمة فان أبن أخيه عباس حلمي الثاني اجتمعت في شخصه كل صفات القوة واتساع الأفق وعلو الهمة لكنه انتهى معزولا عن مملكته محروما من عرشه منفيا في أقصى الأرض.

سبق عباس حلمي عمه فؤاد الى الجلوس على العرش الخديو المصري وحقق لبلاده في الفترة من 1892 الى 1914 ما لم يحققه لها إلا القليلون من الحكام الذين تولوا شؤونها. ورغم كل ذلك فقد خلع عن عرشه وهو في شرخ شبابه وذروة فتوته.
ورغم الأمجاد السياسية والاقتصادية والثقافية التي حققها عباس فان حياته الشخصية أكثر جاذبية من حياة أي حاكم مصري، والابحار فيها متعة حقيقية لكل من يحب أن يتعمق في تأمل الحالة الانسانية والتعاسة التي تبدو قدر الانسان الذي لا فكاك منه.
لقد درس عباس في أعظم المعاهد العلمية. واكتسب المهارات القتالية والعلمية التي تجعل منه انسانا عصريا مستوعبا للتطورات الهائلة التي عرفها العالم في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.وعرف أجمل النساء. وصادق كبار المثقفين. وخالط القيادات البريطانية والفرنسية والنمساوية والألمانية والتركية التي كانت بأيديها مصائر العالم.
وفجأة أفلتت حياته من قبضته المحكمة كما يسقط كوب ماء من يد طفل عابث.
ولو سألنا عباس، الذي نجده حيا في مذكراته ومذكرات زوجته الثانية الأميرة جويدان وفي كتب التاريخ، عن سبب سقوطه لقال لنا: لقد وضعوا (يقصد الانكليز) على رأس نقاط ضعفي الطموح والتعطش الى القيادة.
ملك يلومه المحتل لأنه طموح ومتعطش الى أن يكون قائدا حقيقيا لشعبه لا تابعا ضعيفا مثل أبيه الخديو توفيق.
مأساة ملوك الشرق
هكذا ملوك الشرق. اذا كان لديهم طموح اصطدموا بجبل الهيمنة الغربية. واذا كانوا ضعافا داستهم عجلات المركبات الحربية الغربية. فأين المفر؟
عندما كان عباس صبيا أرسله أبوه ليتعلم في سويسرا، لماذا سويسرا التي تعلم فيها محمد عبده وقاسم أمين واحمد لطفي السيد؟
وعندما بلغ الثالثة عشرة ذهب للدراسة في أكاديمية التريزيانوم في فيينا، تحت رعاية مباشرة من امبراطور النمسا فرانسوا جوزيف، الذي كان يعرف أن هذا الأمير الشاب سوف يخلف أباه يوما ما، على عرش مصر.
ووجه البلاط الامبراطوري دعوة للأمير الشاب ليتعشى على مائدة فرانسوا جوزيف. وانشغل عباس بأمور كثيرة ولم يغادر الأكاديمية الا في الساعة المحددة للعشاء. وأدرك أنه تأخر فانطلق بعربته يحث السائس على أن يركض بالخيول الى القصر الامبراطوري.
ووصل متأخرا. تطلع اليه الخدم وهو يدخل، بدهشة واستنكار: كيف يجرؤ هذا الأمير الصبي على أن يجعل الامبراطور والامبراطورة والبلاط التقليدي المحافظ في الهابسبورغ ينتظرونه؟
بحيوية الشباب انطلق صاعدا السلم، أربع درجات بأربع، محاولا تفادي النظرات القاسية من كل جانب. انفتح أمامه باب قاعة الطعام على مصراعيه. وجد الكل في انتظاره بالتيجان والأوسمة والنياشين، حول المائدة. أسرع في اتجاههم. وقع على الأرض من فرط ارتباكه. لكنه لم ينفعل. نهض بكل ثقة. توجه الى الامبراطور الذي صافحه مبتسما ووجهه الى حيث يجلس، كأن شيئا لم يكن.
هذه الحادثة تلخص حياة عباس. اندفاع شاب. نظام امبراطوري يراقب اندفاعه. سقوط مفاجئ. الفارق أن الملك النمساوي كان صديقا يعفو عن أخطاء الأمير الشاب. أما التاج البريطاني فقد تصيد أخطاءه وأسقطه الى الأبد.
ولما توفي والده وهو في الثامنة عشرة من عمره استدعي الى عاصمة بلاده، الى القاهرة، ليجلس على العرش، وقال له امبراطور النمسا انه - هو أيضا - صعد الى العرش في الثامنة عشرة.
وقبل أن يأخذ عباس الباخرة الى الاسكندرية تقرر أن يسافر معه مجموعة من أصحاب الكفاءة المدنيين والعسكريين الأوروبيين أهمهم الأستاذ السويسري (!!) لوي روييه الذي كان أستاذه لمادة القانون الدولي في الأكاديمية في فيينا. وقد وصف عباس هذا الرجل بأنه كان رفيع الذكاء، عميق الثقافة، يتمتع بمزايا العنصر السويسري العقلية والسلوكية المحبة للعلم والنظام.
وفي الطريق الى الاسكندرية ظل الأستاذ السويسري يلقن الأمير الشاب مبادئ الحكم. وعندما وصلا الى عاصمة البلاد عينه عباس سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء.
لم يكن عباس مجرد حاكم بل كان تاجرا وفلاحا مثل جده اسماعيل باشا. لكنه تعلم مما جرى لاسماعيل ان كرم الملوك قد يكون سببا في افلاسهم فأصبح حريصا على المال. وقد أنشأ خطاً للسكة الحديد كمشروع تجاري خاص به في الصحراء الغربية، وأرادت الحكومة المصرية أن تشتريه لتوصل به بين مصر وفلسطين، عبر صحراء سيناء. ولأن سعر الكيلومتر الواحد من الخطوط الحديدية كان يتراوح بين 2000 و4000 جنيه مصري فقد اعتبر عباس انه ضحى من اجل بلاده عندما باع الحكومة الكيلومتر الواحد بمبلغ 800 جنيه.
وقال في مذكراته: صنعت هذا الخط من خامات جيدة. لكنني بعته للحكومة بثمن منخفض. لكي اثبت أني مصري صميم.
مات أبوه مفلسا
مات أبوه توفيق مفلسا لأنه تنازل عن أملاكه لتخليص البلاد من بعض ديونها. وأراد أن يكون عكس أبيه فأظهر حرصا كبيرا على المال. ولهذا فقد استصلح الأراضي الشاسعة في منطقة المنتزه وأقام فوقها القصر المحاط بالخضرة الذي ظل أجمل القصور الملكية، الى اليوم، رغم ما حل به من دمار على أيدي البيروقراطية بعد 1952. واستصلح الأراضي الشاسعة في أدفينا والاسماعيلية. وبنى العمائر الضخمة في القاهرة. وكان يشرف على أعمال الزراعة بنفسه. ويتابع البنائين الذين يشيدون له البنايات كأنه مقاول وليس ملكا.
تقول زوجته جويدان انها لاحظت عشقه للعمل اليدوي كأنه نجار أو حداد في مختلف مرافق القصور فاشترت له آلات فضية للنجارة والحدادة وأعمال الكهرباء فتلقاها شاكرا.
وأثناء الحرب بين تركيا وبلغاريا قرر الخديو مساعدة لاجئي الحرب من رعايا الدولة العثمانية دون تفرقه في الجنسية أو الدين أو اللغة. وذهب اليخت الملكي المصري «المحروسة» ليأتي بأعداد كبيرة منهم.
واظهر الخديو نشاطا، كأنه ضابط شاب ذو رتبة صغيرة، في تهيئة قاعات كبيرة العدد في قصر رأس التين لاقامة هؤلاء. فنصبت مئات الأسرة. وأُعدت غرف للأطفال. وأماكن خاصة لغسل ملابس الرضع وتغذيتهم.
وتدفقت التبرعات من أغنياء مصر لمساعدة اللاجئين بالأغذية والملابس والأحذية والأدوية والمشروبات والتبغ والسكائر.
كان اذا رأى الخدم يتباطأون في فتح صندوق أخذ منهم أدوات النجارة وأزال البراغي وفتح الصناديق بمهارة وعزم.
ووسط هذا كله كان يخصص وقتا لمقابلة رجال الدولة والدبلوماسيين الأجانب.
وظهرت مشكلة، فاللاجئات كن يخفن خدم القصر. لأن اللاجئات مسلمات والخادمات أوروبيات. ولاحظت الأميرة جويدان، قرينة عباس، ذلك الأمر، فقالت لهن: الخادمات مسلمات لأنهن مؤمنات بالله. وطبعا الخادمات البولنديات والمجريات كن مسيحيات لكن جويدان اعتبرت أن المؤمن بالله مسلم، أيا كان دينه.
لقد كان كل من في القصر، من أصحاب الوظائف المهمة، من الأوروبيين ما عدا السياسيين وأسافل الخدم. وعندما أراد القصر أن يعلم قرينة الخديوي اللغة العربية وتاريخ الاسلام جاؤوها بالمستشرق الألماني هسي HESSE الذي علمها الاسلام من خلال الآيات القرآنية التي تشرح أركان الدين ومبادئه وفلسفته.
العري البدني والروحي
وكلما ذهبت لتلقي دروسها على يدي هسي HESSE لبست معطفا وغطت رأسها. لكن المستشارين المصريين في الديوان ومسؤولين أتراكا طلبوا منها أن تغطي كفيها حتى لا يرى المدرس يدها العارية.
ولكن جويدان قالت: كيف لا يرى المعلم يدي وهو الذي يرى روحي ويقوم بصياغتها من جديد؟
وقد قربت جويدان اليها خادمة كاثوليكية اسمها غابربيلا. وصحت ذات يوم من نومها على كابوس فاكتشفت أن غابربيلا تقف بجوار سريرها وفي عينيها نظرات مخيفة. واعتذرت الخادمة عن وجودها بجانب الفراش بأنها ظنت أن الأميرة نادتها.
ثم تبين لها أن غابربيلا تسرق الملابس والحاجات الشخصية. ولما واجهوها بتهمتها قالت انها فعلت ذلك وتبرعت بكل ما سرقته لأحد الأديرة. وأنها تنتظر العقاب دون خوف.
ولما تركوها دون عقاب انضمت الى احد الأديرة حيث عاشت بقية حياتها.
رغم هذه الأجواء الغريبة فقد فتح عباس أبواب قصره لكبار مثقفي عصره. وقد كان الشاعر أحمد شوقي صنيعته في عالم الشعر وعلي يوسف صنيعته في عالم الصحافة ومصطفى كامل صنيعته في عالم السياسة وجورج ابيض وعثمان جلال حظيا برعايته في عالم المسرح ومحمد تيمور في عالم الأدب وعبده الحامولي ومحمد عثمان في عالم الغناء والموسيقى. ويكفي أن عباس حول شارعا يملكه الى شارع للفن هو شارع عماد الدين حيث قامت المسارح ثم دور السينما حتى الستينات من القرن العشرين.
في عهد عباس حلمي الثاني صدرت في مصر 53 صحيفة أشهرها صحيفة اللواء التي أسسها مصطفى كامل باشا، رجل الخديوي الذي تخلى عنه الخديوي.
والاهم أن عهد عباس شهد تأسيس مائة وستين شركة، مجموع رأسمالها ثلاثة وأربعون مليون جنيه مصري وهو رقم هائل في ذلك الزمان.
الكفر في بلاد الشام
صحيح ساعدت الظروف عباس. لكنه أحسن استغلالها. فقد غضب السلطان عبد الحميد لأن بلاد الشام (سوريا ولبنان) مشت على طريق الكفار اذ كان الابداع كفراً فأنشئت المسارح وازدهرت الفنون وراجت الصحف، فهجم عليهم النظام التركي هجمة دموية جعلت كل المبدعين يهربون من الشام الى مصر حيث ساهموا في نهضتها.
ولولا الاستقرار والتسامح ما ذهبوا الى مصر. ولا أبدعوا ما أبدعوه فيها.
بقي عباس على العرش اثنين وعشرين عاما ثم أسقطه الانكليز.لماذا ؟ لأنة أظهر ودا بالغا تجاه تركيا. كانت الحرب العظمى توشك أن تقوم وقال كثيرون ان عباس المحب لتركيا كان يمثل خطرا على انكلترا لان تركيا انضمت للألمان وبالتالي فقد كان ارتباط عباس بتركيا خطرا على المصالح الانكليزية.
لكن المؤكد أن عباس لم يكن يرى في تركيا الا عبئا ثقيلا عليه وعلى بلاده. وهو يميل الى الأتراك بحكم العنصر والدين.
وقد بالغ الانكليز في تقدير عاطفته الدينية. والدليل في هذه القصة : ذهب عباس ليعود السير الدون غورست، الذي كان يحبه كثيرا، أثناء مرضه الأخير. ولما عاد قال لجويدان : تحدثنا لبعض الوقت ثم صلينا معا. وجئت.
اعتبرت جويدان أن صلاة ملك مسلم مع نبيل انكليزي دليل على التسامح. لكن المسيحي يصلي جالسا أو راكعا. أما المسلم فيقوم وينحني ويسجد ويقعد. فكيف يصلي الاثنان معا؟
هل يقصد أن كلا منهما دعا الله وتوسل اليه؟ ربما لان كلمة PRAY تعني الدعاء أو الصلاة. وكلمة صلاة لها المعنى ذاته ولكن الاستخدام الاسلامي الدارج للكلمة حددها، في عصورنا الحديثة، بالصلوات الخمس وما يلحق بها من الصلوات.
فما معنى هذا الكلام؟
ما هي حقيقة المشاعر الدينية لهذا الملك؟
لقد حرص عباس، كلما أراد أن يمتدح أحد المثقفين، على أن يوضح انه كان راجح العقل «رغم» ثقافته الدينية.
فهو يقول عن الشيخ علي يوسف: لم يكن تعليمة الديني يؤثر، الا بدرجة بسيطة، على اتجاهاته الليبرالية. ولم يخضع للاتجاه العروبي وبريقه.
لقد أراد عباس أن يحول الرابطة التي تربط بين المصريين من رابطة دينية الى رابطة وطنية وقد نجح في ذلك. لكنه لم يجن ثمار نجاحه عندما اختلف مع مصطفى كامل وتخلى عنه فأرجع التاريخ فضل الانبعاث القومي لمصطفى كامل وليس لسيده ومحركه الحقيقي خديوي مصر.
خسر عباس انكلترا بسبب ميله لتركيا. وخسر تركيا بسبب حرصه على عرشه. وخسر الوطنيين المصريين لأنهم كانوا، بنظره مجرد أدوات يحركها كيفما شاء.
قالت عنه زوجته: «لم يكن لعباس الثاني أصدقاء بمعنى الكلمة. فرفاق الصبا أصبحوا رجالا في التشريفات فقط. أما صداقة الماضي فلا ذكر لها. فالحكام يعيشون بلا أصدقاء. ومنذ عرفت عباس الثاني تمنيت لو أني خلقت رجلا لكي أصبح صديقا يخلص له باعتباره صديقا لا سيدا. بيد اني لو كنت رجلا لما استطعت أن اعرفه».
بعد أن عزله الانكليز ظل يسعى لاستعادة عرشه حتى أصبح عمه سلطانا على مصر فتنازل له عن الحق في العرش مقابل راتب سنوي قدره ثلاثون ألف جنيه مصري.
وفرض عليه الانكليز أن يعيش منفيا في نابولي مثل جده اسماعيل ومثل فاروق. لكنه تمكن من السفر الى سويسرا ليعيش في جنيف ويموت فيها عام 1944.
أما فاروق فكان أجبن من أن يغادر المنفى الايطالي الذي وصله عام 1952 فأرسل بابنه الوحيد وبناته وزوجته ناريمان ليعيشوا في سويسرا. ما حقيقة البعد السويسري في تاريخ مصر الملكية؟
العجيب أن هذا الملك الحريص على المال كان يؤجر ميناء قصر رأس التين للصيادين ويشتري منهم احتياجاته من الربيان. ويؤجر حدائق القصر لتجار الفاكهة. ويصدر أزهار بساتينه الملكية الى أوروبا. واذا بليت الملابس أمر بها أن ترفى وترتق. وعندما مات في جنيف كانت ثروته سبعة ملايين جنيه مصري.
كسب المال الطائل وخسر العرش.
أسامة الغزولى


=================



القبس

justice
24-11-2010, 05:46 PM
من محمد علي باشا إلى فاروق الأول ملوك مفلسون ومنفيون (6) إسماعيل باشا.. جعل بلاده جنة لتعجب الحبيبة الفرنسية
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C05%5C20%5C908209d8-3442-48c1-a93e-a902111c7c0a_main.jpg

أربع سيدات منقبات كلهن فوق السبعين في حديقة فندق هو أفخم فنادق جنيف يتسامرن ويتهامسن كأنهن صبايا مرحات تجمعهن مودة قامت على صداقة قديمة جعلتهن كالشقيقات وهن في الحقيقة ضرائر. إنهن أرامل إسماعيل باشا خديو مصر الذي كانت بين مواهبه الفذة موهبة قل أن تتيسر لرجل غيره: أن يجعل النساء المتيمات به صديقات، يجمعهن حبه ولا تفرقهن المنافسة على مودته. ويرجح من عرفوا الخديو أن سخاء إسماعيل كان كالبحر، يأخذ منه الناس جميعا، ولهذا فقد جمعت المحبة بين الضرائر.
ولكن الحقيقة قد تكون غير ذلك فسيد عابدين (قصر الحكم منذ نزلت السلطة من قلعة صلاح الدين إلى اليوم) في كل الأزمان لم تكن له حياة شخصية، في أغلب الأحوال.
ولم يكن إسماعيل وأبناؤه يعايشون نساءهم. بل كان لكل واحد منهم جناحه الذي تدخله قرينته بترتيب سابق أيام تعدد الزوجات.
ثم أصبحت لسيد عابدين زوجة واحدة بعد أن حرم الخديو توفيق على الحاكم أن تكون له إلا زوجة واحدة، وبدأ بنفسه فطلق ثلاثا واحتفظ بأم ولي العهد.ولم تعد هناك حاجة إلى جدول زمني تدخل به الضرائر مخدع الملك.

لكن بقيت الحواجز قائمة. فسيد البلاد مشغول بنفسه وبعشيقاته، ومشغول بمستشاريه وبأعوانه وبخصومه في الداخل والخارج وعندما كان يسافر أي ملك من ملوك الأسرة العلوية كان يجعل لقرينته جناحا خاصا بها في الفندق الذي ينزل به ومقصورة خاصة بها في السفينة التي يبحر بها بل إن القطار الملكي، الذي ظل عبد الناصر يستخدمه حتى نهاية حياته، كانت فيه مقصورة للملكة وأخرى للملك.
لكن إسماعيل تميز، بين سائر ملوك الأسرة العلوية بتأثيره الطاغي على النساء. وكان يلمح، هو وأبناؤه إلى أن السر في فحولته وقدرته النادرة على الإشباع الحسي لكل امرأة ترتبط به.
ويروي المستشار الصحفي للملك فاروق كريم ثابت باشا أن فاروق كان يدعي أمامه أنه عاشر في اليوم الواحد عدة نساء. ويأخذ في سرد تفاصيل لقاءاته بهن، في جناحه الملكي. ويغمز خادمه محمد حسن للباشا بعينه، مؤكدا أن هذا كله «تفنيص» ومحمد حسن أدرى الناس، لأن كل امرأة،وإن كانت الملكة نفسها، لا تدخل مخدع الملك إلا تحت رقابته.
وعندما يبدي كريم باشا انبهارا مصطنعا يضحك فاروق مختالا بنفسه ويقول: ماذا تظن؟ ألا تعرف أني حفيد إسماعيل باشا؟
ويروي المؤرخون أن إسماعيل كان يزور نبيلا فرنسيا فوقع في غرام ابنته. وأثناء الحديث أظهرت النبيلة الشابة إعجابا بالغا بقصر من القصور العظيمة في فرنسا. وراحت تتحدث عنه في لوعة المشتاق إلى حبيب.
وبمجرد أن انصرف إسماعيل من هذه الزيارة أرسل في طلب صاحب القصر واشتراه بالثمن الخيالي الذي طلبه المالك «المذهول»، وفي صباح اليوم التالي ارسل إسماعيل باشا إلى النبيلة الشابة عقد شراء القصر ومعه تنازل إسماعيل باشا عنه لمصلحتها، باعتبار ذلك تحية «متواضعة» لجمالها ورقتها اللذين يفوقان كنوز الدنيا.
وتقول الأميرة جويدان إن إسماعيل باشا وضع الخطط الطموحة لتحديث مصر وإنشاء البساتين والقصور والطرق الحديثة لمجرد أن يجعلها مكانا يستحق أن تزوره معبودته الفرنسية الإمبراطورة أوجيني.
سر شغفه بالعمران
ويكشف المؤرخ والصحافي جورجي زيدان عن بعد آخر في مشروعات إسماعيل النهضوية عندما يتحدث عن تعليمه، فقد أرسله جده محمد على باشا مع نخبة من شبان مصر الأذكياء إلى مدرسة باريس، يتولى رئاستهم وجيه ارمني اسمه اصطفان بك«وقد تعلم إسماعيل، في تلك المدرسة، اللغة الفرنسية والطبيعيات، والرياضيات وخصوصا الهندسة، وعلى الأخص فن التخطيط والرسم، وهذا هو سر شغفه، بعد ذلك،بتنظيم الشوارع وزخرفة البناء».
وقبل أن يتعلم إسماعيل الفرنسية كان يجيد العربية التي تعلمها على أيدي معلمين كبار، ومارسها مع أصدقائه من أبناء الفلاحين وأشهرهم صديقه المشير إسماعيل باشا المفتش الذي أعدمه إسماعيل سرا، بعد أن غضب عليه.
وأجاد إسماعيل أيضا التركية والفارسية ولاشك أنه كان، هو وكل أبناء أسرته، يجيدون الأرمنية، فرائده في البعثة التعليمية إلى باريس كان أرمنياً، وهو اصطفان بك. وأقرب الناس إلى أبيه وأكثرهم حظوة عنده كان بوغوص بك الأرمني. وأحد أبرز رجاله ورئيس وزرائه، الذي كاد يسرق منه كرسي حكم مصر رغم أنه مسيحي، هو نوبار باشا.
وقد حول إسماعيل باشا القاهرة من مدينة عثمانية تعيش في القرون الوسطى إلى مدينة عصرية من أجمل مدن العالم في القرن التاسع عشر، وأهم مما أنشأه من قصور وبساتين وأهم مما شقه وعبده من شوارع وما أقامه من متاحف ومكتبات أنه أدخل مياه الشرب بالأنابيب إلى بيوت العاصمة وأنارها بالغاز الطبيعي، وأنشأ الإطفائيات والمستشفيات، وعمم زرع الأشجار في المدن والضواحي.
وطور الإدارة والقضاء والمجلس النيابي ووضع نظاما محاسبيا للدولة بعد أن كان المحاسبون المسلمون والمسيحيون يحتفظون بدفاتر ماليات الدولة في بيوتهم ويورثون أسرارها لذرياتهم.
ومن أجمل ما صنع أحد رجاله وهو ميريت باشا خبير الآثار الفرنسي أنه اكتشف «أبو الهول» الذي كانت تغطيه الرمال ولا يظهر منه إلا رأسه فأزاح الرمال من حوله، وأخرجه للناظرين ليكون، منذ ذلك اليوم من سبتمبر1850 حتى هذه الساعة، واحدا من أعظم الآثار على وجه الأرض.
وإذا كانت آثار إسماعيل العظيمة باقية إلى اليوم فإن أزمة الديون التي بدأها سلفه (شقيقه الأكبر) سعيد باشا تفاقمت في عهده، كما أن هيمنة الأجانب على الحكم زادت. وما زالت مصر تعاني من المشكلتين ليومنا هذا.
وبلغ إسراف إسماعيل واستهتاره بأمور المال أنه كان يصدر أمرا بصرف مبلغ من المال لشخص ما، ولا يحدد الغرض من هذا الصرف. وتصرف خزينة الدولة ما أمر به ولا تعرف إلى أين ذهب المال، وأحصيت هذه الأموال مجهولة المصير، بعد وفاته، فبلغت 84 مليون جنيه مصري وهي تفوق ديون مصر وتزيد.
ومن أجمل ما قيل عن محمد علي باشا أنه ارتقى سلم المجد وأصبح حاكما قبل أن يتعلم القراءة والكتابة، لكنه كان «يقرأ قلوب الرجال» أي أنه كان صاحب فراسة. ينظر إلى الرجل فيقرأ شخصيته كأنها كتاب مفتوح أمامه.
ويقول معاصرو إسماعيل إنه كان مثل جده صاحب فراسة قوية وعندما رأى أحمد عرابي باشا عندما كان الأخير ضابطا شابا نصح ابنه وولي عهده توفيق باشا بألا يرقي هذا الضابط كي لا يعرض العرش والحكومة والبلاد للمتاعب.
فراسة إسماعيل موروثة
ولا نظن هذا إلا بعضا من الأساطير التي نسجت حول عرابي بعد أن خسر معركته مع الانكليز، لكننا لا نشك في فراسة إسماعيل الذي يلقبه المؤرخ والأديب الراحل الدكتور لويس عوض بـ«إسماعيل العظيم».
وقد كان إسماعيل قوي الشخصية يأسر من يتحدث إليهم بسحر شخصيته فتمنعهم هيبته من معارضته، ويقال إنه درس التنويم المغناطيسي.
ولكن التنويم يحتاج أن يسلط المنوم (بكسر الواو المشددة) نظرات عينيه على من يتحدث إليه ولم يكن هذا ممكنا لإسماعيل الذي كانت إحدى عينيه أكبر من الأخرى ويبدو أنه كان مصابا بالحول، كما يقول القنصل الأميركي هارتمان، الذي كان شديد الإعجاب به.
والأرجح أن تعليم إسماعيل في فرنسا والخبرة التي اكتسبها من اسطنبول وفي البلاط الشاهاني لسلطان تركيا وثقافته الشخصية تفاعلت مع جينات العظمة التي ورثها عن آبائه، ومع ميوله الفنية والعلمية والقيادية وقوته الطبيعية الفياضة وتمكنه من عديد من لغات العالم الحية، وخلقت منه شخصية آسرة تملك النفوذ المطلق والعلاقات الدولية الواسعة والمال والرغبة في السيطرة، فمن يستطيع أن يقاوم كل هذا الجبروت من الرجال أو النساء؟
لم تنج الصفات الساحرة إسماعيل من الغرق في الديون فسقطت البلاد تحت رحمة الأجانب الذين استرضاهم ليأتوا ويستثمروا.
في حفل افتتاح قناة السويس كان البذخ غير متصور. يقول موظف أوروبي شارك في هذه الاحتفالات إنه دخن من الحشيش، طوال أيام الاحتفال، أكثر من راتب موظف مصري طوال ثلاثين عاما من الخدمة الحكومية.
ويقال إنه أثناء الاحتفالات دخل إلى بهو كبير، في حضور الخديو وكبار رجال الدولة والضيوف، أربعة نوبيين أشداء يحملون فوق أكتافهم صينية ذهبية ضخمة فوقها كومة من القشدة.
وتحت القشدة امرأة لا يظهر إلا رأسها فوق كومة القشدة هي زوجة موظف أجنبي من كبار موظفي الحكومة، ووزعت الملاعق الذهبية على الحاضرين فأخذوا يغترفون القشدة ويأكلون والزوجة الأوروبية تضحك وفجأة صرخ الزوج: كفى، فهي عارية تحت القشدة، ولو واصلتم رفع القشدة فسوف ينكشف عريها.
وأشار الخديو بيديه فتوقف الجميع عن نزع القشدة وحملها الخدم إلى أعلى، إلى غرفة نوم الخديو. حكايا لا تعرف الصادق من الكاذب منها. لكن إسماعيل مثل حفيده فاروق، كان يحب أن يعرف بالفارس ساحر النساء.
وقد دفعته «فروسيته» إلى حرب فاشلة في أثيوبيا لقي الجيش أثناءها هزيمة منكرة وبعد الثروة الطائلة.. التي حققتها البلاد أيام الحرب الأهلية الأميركية توقفت الحرب وعادت أميركا تصدر القطن فكسدت تجارة مصر وتراجعت إيراداتها.
وتلقى وزير خارجية فرنسا تقريرا من قنصله في مصر يتساءل مستنكراً - ومشيراً بطرف خفي إلى سفه إسماعيل -: «ما هو مآل النقود التي دخلت القطر، بتدفق، منذ عدة سنوات؟ الإحصاءات الجمركية تدل على أن جانبا عظيما منها لم يخرج من البلاد فكيف يصح، والحالة هذه، الكلام على متربة البلد وعلى تعذر دفع الديون التي عليه».
هذا نص البرقية التي تلقتها الخارجية الفرنسية كمـا ترجمها المؤرخ إلياس الأيوبي.
اشتد الكرب على الفلاحين الذين كانوا مصدر الضرائب والذين تعين عليهم أن يسددوا ديون الدولة من أقواتهم.
الباشا المجاهد
وأراد إسماعيل باشا أن يكسب رضا الشارع فطرد الوزيرين الأوروبيين اللذين فرضهما الدائنون أعضاء في حكومته وطرد كثيرا من الموظفين الأوروبيين وبدأ يدعو المصريين إلى «الجهاد» ضد الكفار الأجانب.
هذا الرجل الذي جرت الخمور في قصوره أنهارا والذي لم يكتف بالعشيقات من الحرائر فاقتنى لنفسه 450 جارية ووزع على أتباعه 400 جارية أخرى قبل أن يلغي الرقيق.
هذا الذي قضى عمره في صحبة الأوروبيين والذي كان يحتقر الفئات الشعبية أشد الاحتقار ويعاملهم بكل صرامة، فجأة أصبح محبا للشعب وداعيا للجهاد!
وتحرك الأوروبيون فصدر قرار من سلطان تركيا بعزله وتولية ابنه محمد توفيق باشا مكانه.
ووسط العويل والنحيب المتصاعدين من أجنحة الحريم ارتقى إسماعيل باشا درج القصر ليقدم التهنئة لابنه، سيد البلاد الجديد.
قائلا له: مبروك يا أفندينا.
ويرد عليه توفيق بعظمة الفرعون: الله يبارك فيك يا باشا.
أصبح إسماعيل مجرد باشا من باشوات البلاد الكثيرين وأصبح ابنه ولي النعم.
وبعد وفاة إسماعيل كانت الأميرة جويدان مع زوجها عباس باشا الثاني في جنيف عندما رأت أرامله الأربع جالسات معا ينتظرن، بشوق بالغ، امرأة خامسة تدلهت بحب إسماعيل، إنها الإمبراطورة أوجيني التي أقبلت عليهن تشاركهن متعة استعادة ذكرى رجل كن كلهن عاشقات له.
وبعد سنوات يصعب حصرها أقامت الحكومة الجمهورية مزاداً علنياً دولياً لبيع مقتنيات ملك مصر المخلوع فاروق الأول الذي أرسل أوروبيا ليشتري، من المزاد، هدايا أوجيني لجده إسماعيل باشا.
وفاء متبادل وراءه علاقات قوية ومشاعر عميقة يصعب التكهن بها.
الجندي المرتزق: من تجارة التبغ إلى الجنون (الحلقة الأخيرة)
أسامة الغزولي

justice
24-11-2010, 05:47 PM
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C11%5C20ddb90e-237b-45d8-883b-043781538463_main.jpg


فـي محــــاولـة دؤوب للتعـرف عــليـــه رجال من زمن السادات يشهدون عليه

السادات من الشخصيات التي اثارت - ومازالت - تثير - الكثير من النقاش حول تصرفاتها، واختلاف الآراء حول السادات يذهب الى اقصى اليمين، ثم ينحرف الى اقصى اليسار، البعض يكاد يرفعه الى مرتبة اصحاب الرسالات والزعامة العالية، والآخر يصمه بابشع صنوف الخيانة، وبين هؤلاء واولئك يقف الكثير في محاولات دؤوب للتعرف على الرجل.
صاحب الكتاب صحافي مصري، عرف مكانه من السادات فانحاز اليه، وهو في كتابه يحاول الدفاع عن الرجل، ويقول في نهاية مقدمته «..لأساهم بذلك بلبنة في صرح كتابة التاريخ عن حقبة السادات من خلال من أسميتهم: بشهود عصر السادات»
من جانبنا - وبصرف النظر عن موفقنا تجاه السادات وعصره - فإننا سنحاول عرض الكتاب بحيرة وموضوعية، كلما امكننا ذلك.

«شهود عصر السادات» الذين ضمن المؤلف شهاداتهم كتابة، ستة اشخاص، ثلاثة منهم عسكريون، كما كان السادات، والباقون قانونيون، ومهندسون، والستة من القلة الباقية من حكم السادات، هذا بصرف النظر عن الرئيس المصري الحالي حسنى مبارك الذي كان نائباً للسادات.
وطبيعة هذه النوعية من الشهادات تجعل - في غالب الأحيان - من أصحابها، أبطالاً وحكماء، وأناسا ذوي شجاعة لا توصف من فرط عظمتها، قرأنا كيف كان «س» من الناس يرد على عبد الناصر حتى يكاد يضربه، او انه ضربه لكنه تأدب ولم يقل لنا ذلك حفاظاً على صورة عبد الناصر «وص»، «ل»، «م»، «ن» إلى آخر قائمة حروف الهجاء العربية، كل هؤلاء خرجوا علينا بعد أن مات من يشهدون عليه بأقوال غريبة لا تصدق. لذلك، ومهما كانت الشخصية التي تقوم بالشهادة فإننا نجد أنفسنا قشد تحفظنا على ما تقوله منذ البداية، فليس يعقل مثلاً أن «ح ش» كان يراجع عبد الناصر، وينهره على فعل ما، لكن عبد الناصر مات فلا بأس من أن يخرج «ح ش» ليقول ان عبد الناصر لم يكن يأتمر بأمر أحد سواه شخصياً.
صوفي أبو طالب
الشاهد الأول هو الدكتور صوفي أبو طالب، الذي تقول شهادة انه لم يكن عضوا أتى من الأحزاب، وعندما قامت ثورة يوليو 1952 كان في فرنسا يستكمل دراساته العليا في القانون.
كما لو أن نظام عبدالناصر قام باستطلاع آراء الجميع بالاسم أبان أزمة مارس 1954 على أساس أين يقف، هل مع عبد الناصر أم مع محمد نجيب، ولأن الدكتور صوفى كان ضد عبد الناصر، فقد حسب ضمن الثورة المضادة، وبناء على ذلك تم استبعاده من كل التنظيمات، حتى عام 1968، وعندما اكتسح كل منافسيه في انتخابات الاتحاد الاشتراكي تم الاعتراف به أمينا للاتحاد في كلية الحقوق، رغم انف النظام الذي يكرهه.
رئيس مجلس الشعب الأسبق الدكتور رفعت المجحوب، رحمه الله، قام - دون معرفة من الدكتور صوفي أبو طالب - بترتيب اعارته إلى الكويت، ثم بيروت، ولم يعد الدكتور صوفي إلا عام 1972، يعني عمل ما بين الكويت وبيروت ثلاث سنوات، وهو الذي لا يحب ترك مصر، ويرفض «العمل في أي بلد آخر سواها».
الدكتور صوفي يرى أن السادات رجل الديموقراطية وهو من أعاد الدستور إلى البلاد، بعد أن طهرها من مراكز القوى الذين سيطروا على البلاد، وتحكموا في مصائر العباد، وهو (السادات) من أمر بالعفو عن الإخوان المسلمين الذين سجنوا في الحقبة الناصرية وذلك من اجل أن تكون القوى السياسية كلها تنعم بالحرية، وليس من اجل مناوئه الشيوعيين كما يروج البعض لذلك.
الدكتور صوفي أبو طالب، أستاذ الجامعة، والقانوني، لا يزال متمسكاً بمقولة تخلى الجميع عنها عندما تبث أنها مقولة غير حقيقية، وأنها كانت تغطي الموقف المتخاذل لليسار المصري، هذه المقولة هي محاولة إلصاق مهمة تدبير انتفاضة 17 و18يناير1977 باليسار، من اجل إعلاء شأن قادة اليسار، لكن الحقيقة ان حركة يناير 1977 كان شعبية تماماً وتلقائية عفوية، بريئة، من التدابير الخائية لليسار المصري، أو أي تيار، آخر والغريب ان الدكتور صوفي لايزال متمسكا بالكذبة التى أطلقها النظام ايامها، ومن فرط سذاجة اليسار وتهافت قادته – ايامها - صدقوا تلك الكذبة، وحاولوا ان يثبتوا انهم المخططون للانتفاضة، لكن احداً لن يصدقهم.
وفي موضع أخر يقول «.. لأن خلافا حدث بينى وبين الرئيس السادات، لكنه يريد شخصا يبرر له تصرفاته، وأنا لا اعرف ان ابرر، بل اعرف ان ادبر»، وفي موضع ثالث يقول: «كانت طموحاتى عندما توليت رئاسة مجلس الشعب ان اتمسك بالعدالة الاجتماعية دون ان انزلق الى الفكر الشيوعي، ودون ان اقع في سوءة النظام الراسمألي»، ناسيا ان السادات هو من يحكم وحسب رأي الدكتور، فإن اغتيال السادات كانت وراءه «قوى اجنبية كان لها مصلحة في التخلص من الرئيس السادات، وهي التي ساعدت هؤلاء القتلة»، واخيراً يرى ان الجماهير - وليست اجهزة الاعلام الحكومية بايعاز من السادات نفسه - هي التي اعطته اسم الرئيس المؤمن !
محمد عبد القادر حاتم
الشاهد الثاني هو الدكتور محمد عبد القادر حاتم ومعرفته قديمة بالسادات حيث كانا في الوحدة العسكرية نفسها عام 1946، وتزاملا في اماكن كثيرة بعد ذلك بدءا من العمل في مؤسسة التحرير «الجمهورية»، ومجلس الامة «الشعب».
ومن البداية يرى الدكتور حاتم ان الشيوعيين كفرة، ورغم ذلك عين عددا منهم في المسارح، وحتى «لا تنتشر المبادئ الملحدة، فقد انشئت لأول مرة في مصر إذاعة القرآن الكريم»، واصدرت تعليمات بأن تقطع الاذاعة والتلفزيون ارسالهما لاذاعة مواقيت الصلاة، كما قررت اذاعة القداس المسيحي في عيد اخواننا المسيحيين، وفاجأ الشيوعيين بانشاء مسجد التلفزيون أعلى المبنى ليفسد حجتهم في امر العربة الوحيدة التي يملكها التلفزيون، وبذلك تستطيع ان تذهب للملعب وتنقل المباريات بينما تنقل صلاة الجمعة من داخل المسجد بأعلى المبنى.
وحسب الدكتور حاتم، فإنه من قدم «خطة اعداد الدولة للحرب.. وفي قلب هذه الخطة: المفاجأة الاستراتيجية»، وهو يقدم في شهادته تفصيلا لخطة الاعلام والمفاجأة الاستراتيجية التي قدمها للسادات، والشهادة في مجملها اقرب إلى السيرة منها إلى شهادة على عصر أو رجل.
مصطفى خليل
الشاهد الثالث هو الدكتور مصطفى خليل، الذي تعرف على السادات اثر رده على مقال كتب ضد هيئة المواصلات حيث كان الدكتور وزيرا للنقل والمواصلات، ورده اغضب بعض النواب الذين اشتكوا لرئيس مجلس الامة، الذي طلب مقابلة الدكتور، وهو بدوره طلب إذنا من عبد الناصر، الذي رفض وأمره بأن يتصل بالسادات ويبلغه برفض المقابلة.
د. مصطفى خليل هو من قدم ورقة تشرح السياسة البترولية في مرحلة حرب اكتوبر، وهو هنا - في شهادته - لا يطرح موقفاً بطولياً له، أو يدعي علماً ومعرفة فوق ما يعلمه الآخرون، يقول انه «كلف بعمل الورقة، وانه تمت مناقشتها ثم اجيزت»، هكذا دون زيادة أو نقصان.
وفي شهادته فيما يختص باحداث سبتمبر1981، فإنه يمسك العصا من المنتصف لا يريد أن يكذب، وايضا لا يستطيع الافصاح.
النبوي اسماعيل
الشاهد الرابع على عصر السادات هو النبوي اسماعيل وزير الداخلية الاسبق، كان مديراً لمكتب وزير الداخلية ممدوح سالم عام 1971، لذلك فقد كان قريباً من احداث 15 مايو، وهو يكرس الفصل الاول من شهادته ليحكي ماذا فعل مع وجيه اباظة عندما طلب للشهادة في القضية التي اتهم فيها اباظة، يقدم مجموعة من الانجازات الامنية المفصلة بعمله كوزير للداخلية، ويتعرض لمسألة علاقته بممدوح سالم الذي كان يريد ابعاده عن المنصب «بعد ان ضج من النجاحات التي تمت في فترة عملي كنائب وزير» ومن ممدوح سالم إلى احداث خريف 1981، يقول «شاركت بعد ذلك جميع اجهزة الامن داخل وزارة الداخلية وخارجها في إعداد كشوف باسماء من يستحقون الوضع في التحفظ، وبلغ تعدادهم 1536 شخصاً».
فكري مكرم عبيد
الشاهد الخامس هو المحامي المخضرم، والوزير السابق فكري مكرم عبيد، الذي يأخذنا إلى اجواء حزب الوفد القديم، وإلى قضية اغتيال امين عثمان عام 1946 وترافعه عن السادات، ضمن الفريق الذي قاده شقيقه الاكبر مكرم عبيد، ثم يعرض ملخصاً لمسيرة حركة يوليو حتى وصول السادات، الى الحكم، واستدعائه له، والتفكير في الاحزاب، وكيف قام السادات بتوزيع الادوار حسب تصوره الخاص للحياة الحربية.
حسن ابو سعدة
وهنا نصل للشاهد السادس - الاخير -، وهو العسكري الثالث في طابور الشهود، لم يغير الفريق اركان حرب حسن ابو سعدة من مساره، وظل هو هو الرجل العسكري نفسه الذي تخرج في الكلية الحربية نهاية الاربعينيات (1949)، ولم يدخل دهاليز السياسة رغم عمله سفيراً لمدة خمس سنوات في لندن، ولهذا تأتي شهادته أقرب إلى تقرير اداء مهمة اعتاد العسكريون ان يقوموا بمثلها، وفي نهاية شهادته، التي انصبت على العمل العسكري بوجه عام، وعلى بعض ذكرياته عن فترة حرب اكتوبر 1973، يقول ابو سعدة: «وبالتالي أنا شخصيا رحبت بزيارة الرئيس السادات للقدس وما تلاها من اتفاقات، لاننا كعسكريين كنا على استعداد لان نواصل الحرب ولو لمائة سنة وحتى الموت».
وبعيداً عن المكان الذي يقف فيه الآخرون - أي آخرين - فإن المؤلف قدم شهادة هؤلاء الرجال ليؤكد للآخرين صدق رأيه في السادات وعصره، وليساهم بلبنة في صرح كتابة التاريخ، كما قال في بداية كتابه.
محمد الزرقاني

البريمل
24-11-2010, 11:26 PM
جابر عصفور يوزع غضبه على الجميع ولا يستثني أحدا
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C06%5C10%5C21c47e58-b406-490c-84db-58a7fda52cda_main.jpg

كاتب المسرح البريطاني الشهير «جون أوزبورن» الذي خرج على العالم سنة 1957 بمسرحيته التي أثارت ردود فعل غاضبة في أوروبا والعالم، ولا تزال قادرة على إثارة المزيد، ونقصد بها مسرحية «انظر خلفك في غضب».
المسرحية وعنوانها الدال ألحا علي د. جابر عصفور بدرجة لا يمكن إنكارها، حتى أنه بات يردد فيما بينه وبين نفسه عنوانها بعد أن قام ذهنه بتحريف العنوان ليصبح «انظر حولك في غضب»، ويرجع د. عصفور هذا الإلحاح إلى الواقع الذي أصبح كل ما فيه «يثير الغضب ويبعث على السخط.يرى جابر عصفور انه لا يمكن للإنسان إلا أن يغضب «وهو يرى معارك المثقفين الصغيرة، وتصاغر الكبار، وتطاول الصغار، في مؤازرة رفع شعارات لا أساس لها من واقع سلوكنا، فنحن نعلن إيماننا بالحوار وحق الاختلاف، لكن الويل لمن يختلف معنا، أو يرى رأياً غير رأينا؟!».

وقبل الدخول إلى أجواء الغضب نتوقف عند ملاحظة شكلية مفادها أن الدكتور عصفور دفع إلى الصحف بواحد وأربعين مقالاً، كتبت فيما بين أوائل 1995 ومنتصف 2007، وان المقالات توزعت على هذه الصحف بواقع 21 مقالا للأهرام، 14 مقال للحياة، 3 مقالات للبيان، وأخيراً مقال واحد لكل من المصور والعربي.
قدم الدكتور مقالاته تحت أربعة عناوين، الأول «ملاحظات ثقافية»، وضم 13 مقالاً، الثاني «ضد التطرف والإرهاب»، وضم 12 مقالا، وكان العنوان الثالث «ضد القمع السياسي»، وضم 6 مقالات، أما العنوان الرابع فجاء باسم «تداعيات لا تعرف الفرح»، وكان من نصيبه 9 مقالات.
ملاحظات ثقافية
ونتوقف مع جابر عصفور أمام المشهد الثقافي الذي يراه.. مشهداً مأزوماً يعاني توترات لافتة، ويواجه مشكلات دالة، ولعل أول الملامح كثرة مفارقات المشهد من تجاور الأضداد، واتساع المسافة بين الظاهر والباطن، المعلن والممارس، المنطوق والمسكوت عنه، وباضافة انه يعكس كيانا غير متجانس نكون قد وضعنا ايدينا على الملمح الثاني.
ولنأخذ مثلا عندما ننظر الى اعداد الجامعات المتزايدة، فهل يعني هذا اي معنى للتقدم؟ الواقع يتولى الاجابة، حيث ان احوال هذه الجامعات تغني عن اي سؤال، فالحرية الاكاديمية ــ المفترض وجودها داخل مثل هذه الكيانات ــ تتقلص مساحتها يوما بعد يوم، والمبالغ المنفقة على البحث العلمي تشير بوضوح الى مدى تراجع مثل هذه الانشطة الحيوية بالنسبة للجامعات واستمرارها على قيد الحياة، كما انه يكفي ان نلاحظ علاقة ما نعلنه بما نكتمه ونسره، والجرأة الواصلة حد الاضراب في مواجهة خصوم مفترضين، في حين نسكت حتى عن مجرد التلميح بكلمة في اتجاه نقد الذات، هذا اذا اغفلنا النظر الى الحكام وصورة الحكم التي لم تعد تخفى على احد، وايضا خصومات المثقفين فيما بينهم، والرغبة في التخلص من هيمنة المركزية.
ويعرض د. عصفور لموقف الشيخ امين الخولي الذي يلخص المعركة ــ الابدية ــ التي تدور، وطرفيها الطليعة المثقفة المستنيرة، وعامة الشعب، حيث تقابل الفكرة الواعدة الجديدة باعتبارها بدعة، فهي ضلالة، ولان كل ضلالة في النار، فهي كافرة، ولان الزمن لا يتوقف، وفعله في البشر ــ رغم بطئه ــ مؤثر ومستمر، فيفعل الزمن فعله لتصبح الفكرة الجديدة التي حوربت، مذهبا وعقيدة تخطو بالحياة خطوة الى الامام، وتستقر الامور حتى تخرج الطليعة من جديد بفكرة واعدة جديدة من رحم تلك التي استقرت وتمذهبت، لتكتمل الدائرة ــ ولتستمر الحياة.
ويشير المؤلف الى ان التأثير السلبي المتزايد والدال على مدى ما للقوى الاجتماعية الجانحة للجمود والتقليد، هو ما انتج المحاولات العتيقة التي شهدتها الساحة الثقافية، ويتوقف عند اغتيال عبدالقادر علولة فنان المسرح الجزائري، فرج فودة المفكر المصري، ومحاولة فاشلة لاغتيال نجيب محفوظ الاديب المصري، وحكم التفريق بين نصر ابوزيد وزوجه، وهروبهما من وجه طوفان التعصب خارجين من مصر، وحكم السجن الذي طال احمد البغدادي في الكويت، والسجن مع ايقاف التنفيذ على كل من ليلى العثمان، عالية شعيب في الكويت، ومحاكمة مارسيلي خليفة، سيد القمني من لبنان ومصر، وعشرات غير هؤلاء. وفي اطار العلاقة مع الاخر، يدخل بنا عصفور الى دائرة خطاب العنف، تلك الدائرة التي علت نبرتها فوق كل الاصوات العاقلة حتى ان عدواها قد طالت المثقفين، فتبادلوا الاتهامات العنيفة، ويسوق على ذلك مثلا صارخا عندما اعلن كاتب مغمور ان صنع الله ابراهيم قد سرق روايته الجديدة «شرف» من مصنف سبق ان اصدره بعنوان الزنزانة، ودون تمهل سارعت جلسات النميمة على مقاهي المثقفين بمساندة الاتهام، وهنا يقول د. عصفور: وما ان صدرت الرواية كاملة.. اكتشف الجميع انه لا سرقة ولا تأثر، وان الامر كله لا يعدو ادخال بعض المعلومات على سبيل التناص التوثيقي في فصل واحد مع الاشارة الامينة الى مصادر التوثيق في الفصول كلها في نهاية الرواية التي تعتمد كل الاعتماد على التسجيل المعلوماتي وهو مجرد مثل واحد من حوادث كثيرة تكاد تكون ما يشبه السلوك العام داخل اوساط المثقفين.
الحرية مطلب منطقي وضروري
وفي قول صبغ بعبارات حزينة، خائفة من الوقوع للأبد في الدائرة الجهنمية للصراع بين محاولات التقدم، والاصرار على الجمود، يقول اول مسلم ينال جائزة نوبل – في علوم الطبيعة – الباكستاني الأصل، د. محمد عبدالسلام «ما من حضارة على الارض ضعف فيها العلم كما ضعف في أرض الإسلام، ولا شك ان لهذا الضعف مخاطر كثيرة، لأن بقاء اي مجتمع اليوم، او استمراره، يعتمد اعتمادا مباشرا على قوته في العلم والتكنولوجيا وقول العالم الباكستاني يذكرنا بموقف الدكتور طه حسين الذي واجه عاصفة هوجاء عندما اصدر كتابه «في الشعر الجاهلي» وبعد ان هدأت الأمور بعد تفهم النائب العام المستنير «محمد نور» وعندما اصدر الطبعة الجديدة من الكتاب الذي اسماه «في الأدب الجاهلي» أكد طه حسين على شرط الحرية باعتبارها المقدمة المنطقية للتفكير المنهجي، ومرة ثانية يعود المؤلف الى قول عالم الطبيعة الباكستاني محمد عبدالسلام من انه لا يوجد سوى عالم كوني واحد وعلم واحد في كل مكان فليس هناك ما يسمى علم إسلامي او مسيحي او هندوسي.. بل علم، وعلم يجاوز القوميات والديانات والأيديولوجيات.
ويلخص رأيه في قضية العولمة وتأثيرها على الواقع الذي تعيشه البلدان النامية، ومدى تطرف وتنوع ردود الأفعال التي تدعمها البقايا الراسخة للوعي التقليدي الماضوي، وخصوصا في بلدان الشرق القريب، يقول ان الموقف الذي تتخذه هذه القوى، هو الوجه الآخر من التبعية السياسية والاقتصادية التي تقود خطى المشهد الثقافي الى الخلف على عكس المأمول، وهنا يشير الى القضية التي رفعت ضد الشاعر حلمي سالم، وحكم المحكمة الإدارية العليا القاضي بسحب الجائزة وإلزام الشاعر برد القيمة المادية – 50 الف جنيه – لها، ويبدو الأمر كأنه عبث لا هدف له سوى إرهاب المبدعين والتشويش عليهم لمجرد ان شخصا ما لا يستلطفهم او يراهم غير جديرين بلقب مبدع، حيث ان مجال التقاضي مفتوح امام استئناف ونقض يوصلان الأمر في غالب الأحوال الى رد الأمور الى ما كانت عليه قبل رفع الدعوى لكن الشاكي قد حقق هدفه من التواجد في دائرة الضوء في ذات الوقت الذي اوقع الرعب في قلوب المبدعين.
ويرى د.عصفور انه قد آن الأوان لأن يتوقف كل هذا العبث وانه يجب على المثقفين ورجال الدين وكل مؤسسات المجتمع المدني أن يقفوا في مواجهة هذاالخطر الداهم الذي لا يبقي على احد او قيمة.
ضد التطرف والإرهاب
علق د.عصفور على قضية الحسبة التي رفعت ضد د. نصر حامد أبو زيد، وبعد ذلك بثماني سنوات جاء الدور ليعلق على الهجمة الشرسة ضد الكاتب المبدع أسامة أنور عكاشة، وثماني سنوات فارقة بين الحالتين تعني فيما تعنيه استمرار التواجد المكثف لجماعات الضغط الرافضة لأي محاولة يشتم منها – حتى من بعيد – انها تمت إلى الاستنارة بصلة ما والهجمة الشرسة التي قادها بعض رموز التطرف، ورفعوا فيها راية التكفير في وجه أسامة أنور عكاشة عندما أشار في حديث تلفزيوني إلى دور عمرو بن العاص في حادثة التحكيم التي ثارت أيام الصدام ما بين الإمام علي – كرم الله وجهه – من جهة، ومعاوية وأتباعه من جهة ثانية، وفيما اقترح ابن العاص انتداب شخصين يمثل كل منهما معسكراً ويجلس الاثنان ليتفقا، وهي الحيلة التي استطاع عمرو بن العاص من خلالها الانتصار لمعاوية من الإمام، ذلك الموقف الذي أدانه الكثير من كتاب السير والمتابعين، وإشارة عكاشة ليست أكثر من نوع من التوصيف الدنيوي المأخوذ به في مثل هذه المواقف، لكن قوى التطرف قامت بلي ذراع قول الرجل، وأولوه تأويلاً يؤدي إلى رفع راية التكفير في وجهه، وهي الحال نفسها التي سارت فيها الحملة ضد د. أبوزيد والسؤال هنا هو: من يملك مثل ما ملك د.أبوزيد من شجاعة في الوقوف في مواجهة التربص الذي تواصل تلك المجموعات إيصال صوته وتأثيره لأبعد مدى ممكن حتى تظل حالة الإحجام مسيطرة على الكثير ممن كانوا على بداية الطريق المستنير نفسه؟ وهل يمكن لهؤلاء – إذا ما واتتهم الشجاعة المفتقدة – أن يحاولوا بجد؟ أم أنه إيثار السلامة على خوض معركة لمصلحة المستقبل؟ ولا يقتصر أمر جماعات التطرف والتعصب على المسلمين وحدهم فنرى على الجانب الآخر من الصورة من يخرج ليحارب أفلاماً مثل «بحب السيما، عذاب المسيح، وشفرة دافنشي» وبضم جانبي الصورة لا نستطيع الهروب من عقد مقارنة بين ما تفعله هذه الجماعات التي تتحدث باسم الدين، وهي في الحقيقة جماعات مسيسة، تستخدم الدين باعتباره أقرب التكتيكات الموصلة إلى سدة الحكم، لا نستطيع غض الطرف عن عقد مقارنة بين ما يفعله هؤلاء، وما سبق أن فعلته حركة محاكم التفتيش في أوروبا في القرون الوسطى، وما أسفرت عنه فترة المكارثية في أميركا.
من يعرف القواعد يكسب دائماً
ما يحدث على الأرض الفلسطينية، وردود أفعال جميع الاطراف، وخصوصاً الطرف الأقوى الذي هو أميركا وإصرارها الدائم على الوقوف إلي جانب إسرائيل، أياً ما كانت المقدمات والنتائج، وتفرض على الطرف الآخر الذي هو الفلسطينيون ممثلين بسلطتهم التي لا تملك من الأمر سوى الموافقة، على طول الخط، على الإملاءات الأميركية، كل هذا يوصلنا إلى ما يسمى بلعبة الخلط المتعمد للأوراق، وتفعيل المثل العامي القائل: «ضربني وبكى وسبقني واشتكى» والأمر بهذا الشكل يعني أن اللاعب الذي أمامك – إسرائيل – يعرف قواعد اللعبة جيداً في الوقت الذي تظن فيه أنك من يعرف، لكن الحقيقة أنك تمارس لعبة سرية أنت طرفها الوحيد في حين أن الآخر يلعب وهو يثق بعدم فهمك أكثر مما يثق بمقدرته، لذلك تراه يكسب الجولة بعد الجولة في الوقت ذاته الذي تخسر فيه باستمرار، ومن فلسطين إلى العراق ويبدو ان الحال هي الحال رغم اختلاف الأمور وتباين وضع الناس في البلدين المحتلين، واستمراراً للعبة نفسها تتحرك قوى التعصب اليهودية لتقود حملة ضارية ضد مكتبة الإسكندرية، تطالب فيها – ضمن مطالبات أخرى – بمحاكمة المسؤولين عن عرض نسخة من «بروتوكولات حكماء صهيون» بالتهمة الجاهزة والمشرعة في وجه كل من تسول له نفسه الزج بها في أي أمر من الأمور التي تخص من قريب أو بعيد اليهود واليهودية، ونعني بها «معاداة السامية» والمعروف للكافة أن «البروتوكولات» هي مجرد أوراق تمت فبركتها في روسيا القيصرية إبان حملة من الحملات التي لم تنقطع في روسيا، والاتحاد السوفيتي ضد اليهود، ومعروف أيضاً أنه لا علاقة له بالتوراة، لذلك فهو محض أوراق مجردة من القداسة، لكنها عقلية اللاعب الذي يتصيد كل ما يمكنه أن يساعده في إرهاب الآخر – أي آخر – ومن ثم ابتزازه واستخلاص أقصى فائدة ممكنة من هذا الآخر.
محمد الز

البريمل
25-11-2010, 10:54 PM
خطاب الرشوة» دراسة تستشرف سلوكيات الأفراد والجماعات إيديولوجيات الشطارة والفلهوة.. تحض على الرشوة
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C06%5C17%5C4d688e0c-1239-4989-915a-f3e7ba4f1452_main.jpg

«خطاب الرشوة» دراسة لغوية اجتماعية اصدرها نادر سراج في كتاب لفت الانتباه كثيرا لما فيه من افكار خاصة وعامة وتتمحور في مساحة جدلية لا يمكن الا ان تكون مفتوحة على لحظات وأفكار ونقاش.
المدرسة اللسانية الوظيفية للمؤلف يسرت له آليات وكيفية الاتصال برواة لغويين متعددي المنابت الجغرافية والاصول المناطقية والاهتمامات الحياتية، الأمر الذي راكم لديه خبرات متنوعة لانماط التواصل وصيغ التعاطي، وزوده بأدبيات التخاطب.
الكتاب يخاطب ويعالج «خطاب الرشوة« في تداعياته، ويتطرق الى خطاب متواز ومسكوت عنه، مكونات هذا الخطاب تدرس للمرة الأولى في لغة الضاد، عبر اضاءة لسانية اجتماعية، ومن خلال معاينة منظومة متكاملة من الكنايات والتوصيفات وخطابات افرقاء عملية الرشوة الثلاثة: الراشي والمرتشي والرائش، فضلا عن باقة منتقاة من مأثوراتنا الشعبية التي بحثت في الرشوة واخواتها الكثيرات.

ومن الواضح ان المؤلف يؤمن بالنظرية اللسانية كأساس فعل وبناء وتفسير، وهذا ما جعل الاطار العام يتأسس ضمن منهج وصفي لعرض وقائع اللغة من دون ان تقع هذه اللغة في اي تأثير خارجي او دخيل، فالحقيقة اللغوية تكشف دائما عملية البناء والتواصل.
رفد سراج المعطيات اللغوية في كتابه بمقتطفات صحفية عربية، مشفوعة بمسموعات عفوية، جرت على الالسن، وعبرت عن معاناة العوام والخواص، وادرجت كشهادات حية في كتاب.
أهمية الكتاب وشرح المؤلف
بعد قراءة وافية لهذا الكتاب الذي يشكل خصوصية وقد يكون الكتاب اللافت فعلا في مضمونه لما فيه من قراءة وافية لواقع واسع لكنه غير مكشوف امام المجتمع وسائر النخبة أو أغلبها، بعد هذه القراءة وجهت سؤالا واحدا الى المؤلف حول النتائج والخلاصات التي ولدت من هذا البحث فأجاب في شرح مسهب، الأمر الذي ساهم في تفسير القصد والمعنى، فماذا قال نادر سراج لـ«القبس»:
ــ دراستنا اللسانية الاجتماعية لمسألة الرشوة تعتمد معاينة الوقائع اللغوية واستشراف سلوكيات الافراد والجماعات من خلالها، وقد جعلناها في باب الرطانة او الارغة او اللهجات الاجتماعية. وفي المحصلة فقد كشفت الوقائع والمدونات ان الكلام العملي و«المعسول»، احيانا المنسول، يوميا، على ألسنة «اصحاب الحاجات» او جماعات «القبّ.يضة» او المتوسطين بينهما لا يحد، فهو يتطور اسلوبا ومضمونا بتطور احتياجات مستخدميه واحوالهم.
ــ ان الاشكال الحقيقي الذي يحسن التوقف عنده ليس تعبيريا لفظيا، بقدر ما هو سلوكي اجتماعي، ويندرج في اطار ذهنية متفشية تستبيح وتتجاوز وتبرر افعالها وتسندها بمقولات لفظية واهية.
ــ هذه الدراسة اللسانية التزامنية، والتي استندت في بعض المفاصل الى موروثنا الثقافي العربي، لا تعدو ان تكون تذكيراً وتسجيلا وتحليلا لما هو قائم وراهن، اي لواقع لغوي معيشي لا مهرب من الاعتراف به وتصويره بدقة وعلمية، وهي كما نقول في العرف اللساني الوظيفي تطمح الى رصد واقع اجتماعي انساني لا مناص من التغاضي عن وجوده في المشهد الحياتي اليومي، فاللساني لا يصطنع السياقات، ولا يتكلف في مقاربة مواضيعه، ولكنه في الان نفسه لا يغض طرفه عما يجول على السنة الجمهور، وتلتقطه اسماعه، او تقع عليه عيناه، كما انه لا يعتمد الانتقائية في جمع معطياته اللغوية.
ان العبارة او المصطلح ايا كانا، وكائنا من كان منتجهما او مروجهما او متلقيهما لا تغني ولا تسمن من جوع المرتشي ونهمه الى التهام مال الاخرين، واستسهاله اياه بغير حق او مسوغ شرعي، فالمدلول او العمولة ومشابهاتها هي الاساس والمقصد في هذا «البازار» المفتوح، وما الدال او الكلمة المصاحبة او الممهدة، او الاشارة الجسدية سوى انموذج عن الاسهام الشخصي او الحصة العينية او جواز العبور اللغوي التي يتوسلها المرء لتبرير حاجته او تأكيد حضور، او ابلاغ رسالته.
مضمون الرشوة او بالاحرى قيمتها المادية او العينية هي مربط الفرس في حين ان خطاب الرشوة بمختلف مستوياته ومضامينه وبتعدد منتجيه ومرسليه ومتلقيه هو الفرع ـــــ إن أيديولوجيات الشطارة والفهلوة و«ضرب الكم» والبراني والحك والرش والأكل وذكر القهوة والأوكسجين وسواهما، وما يكتنفها من أجواء وتحفيزات تحض على طلب الرشوة. وهي لهذه الغاية تستحضر وتؤسس عادة لسياقات مشجعة ومهددة لتسويغ خطاب الرشوة في أعين الجمهور وأسماعه عن طريق إعادة إنتاج قاموس كلامي حديث وعملي ولمّاح يتفنن في شرعنة هذا الداء الاجتماعي ويمهد لإدخاله في السلوكيات اليومية بغية تسهيل عملية جلب المنافع وطلب المال غير الشرعي.
- وتقتضي منا الأمانة العلمية أن نميز في خلاصتنا هذه موضوع الحرص على تقديم أو طلب الإكرامية أو الحلوان أو البخشيش أو البخاشيش المعتبرة أمراً قائماً ومتعارفاً عليه، وهو يواكب نبض الحياة الاقتصادية اليومية في مختلف مستوياتها.
- إن التمادي في تقديم هذه الإكراميات وتجاوز السقف المرتقب عن طريق «توسعة» قيمها المادية من شأنه أن يضعها في خانة الرشوة المقنعة.
- ثمة نزوع نحو مأسَسَة مسألة الرشوة لدى البعض. فالدفع مثلاً يتم وفق جنسية الراشي ونوعية الخدمة المؤداة والسرعة المطلوبة في إنجازها.
- تبدل احتياجات المتكلمين المعيشية والاقتصادية أدى من ثم إلى تطور لحق بالأدوات اللفظية اللازمة لها. لذا، أصاب هذا التطور بدوره مستلزمات الرشوة وأساليبها. فصيغة المعطف والقرطاس سابقاً، وصيغ الجارور والمجر والمظروف أو حتى الجريدة التي كانت تحتضن و«تستر» المبلغ المعلوم، وتصاحب بمفتاح كلامي «خوذ قراها»، تراجعت بشكل ملحوظ، بل هي ولت وذهبت بذهاب الظروف التي أنتجتها، وباتت عنواناً لمرحلة منقضية شعارها «الأكل ع السكت» أو «تحت الطاولة». بات «العطي فوق الطاولة»، لا بل فوق الحاسوب أخيراً، يحدث علناً ومن دون ظرف أو أي ستر آخر، وأحياناً كثيرة بغير مقدمات ومبررات لفظية. صار المرتشي فاعلاً أساسياً في العملية، صاحب حق يطالب بوقاحة ويضع «أسعاراً للمعاملات»، وأحياناً «جدولاً متحركاً» بها، ويساوم ويحتسب لنفسه «نسباً مئوية» من أساس الرسم المفروض الذي يعتبر انه وفره جزئياً على صاحب المعاملة وصولاً إلى التعليق متى لم يعجبه المبلغ المعروض «ما بتوفي!» أو «خليها علينا!» أو «ما بتحرز!». خطابه لم يعد يعتمد صيغ التوسل والتمني والتودد الكاذب بقدر ما أمسى خطاباً واضح المعالم، يبطن ما قل ودل من الدلالات المباشرة المصاغة بأفاظ عملية.
- الطريف هو أن اللون المميز للعملة المطلوبة قد اختلف باختلاف الأحوال والأزمان. فتعبير طيرلك شي أزرق (أي ورقة المائة ليرة اللبنانية الورقية) السائد قديماً لم يعد يشفي الغليل. إذ باتت العملة الخضراء اللون (الدولار الأميركي) مطلب المرتشي في الآونة الراهنة.ــ الحياء او الخجل او «طلب السترة»، سقطت من تقاليد واعراف التعاطي اليوم. استهلاكية المجتمع وخطاه الاقتصادية المتسارعة وتدفق الرساميل والفورة الاقتصادية التي شهدناها منذ مطالع التسعينات حرّكت عموماً وتيرة التماس الرشوة وتقديمها والتلويح بها.
ــ يبدو ان للبخشيش او «البوربوار»، كما يطلق عليه في المغرب العربي، نمطاً واحداً متعارفاً عليه. اما الرشوة، فتتعدد انماطها واساليبها ووجوه النظر اليها انطلاقاً من مضمونها او فحواها المادي او العيني.
ــ ثمّة قطيعة سلوكية وتعبيرية بين المجالين القديم والمعاصر لمسألة الرشوة. في ظل هذا المبدأ، جهدنا لايفاء التحديدات اللغوية القديمة حقها، وكذلك الامر بالنسبة الى الامثال الشعبية والاقوال السائرة التي ناهزت المائتين. من الطبيعي ان تتكرر وتتعدل هذه الامثال. بيد ان توظيفها حالياً مغاير للدلالات القديمة وللظروف التي انتجتها وروجتها، بالرغم من ان العنوان العام الذي تنضوي تحته هو الرشوة والافساد والبذل غير الشرعي. ان السياقات المعاصرة تشهد الموت الوظيفي لغالبية هذه الامثال. وما يطفو منها على سطح الواقع المعيشي لا يتعدى الثلث.
ــ ان التجليات اللغوية، على اختلاف اشكالها، التي زخر بها هذا الخطاب تنساب احياناً كثيرة في منطوقنا اليومي بعفوية وتلقائية باعتبارها محطات كلام تقليدية، او تعابير رائجة للتندر والتفكه، او تعليقات تستخدم للدلالة على «شطارة» البعض وتميزه وفعالية مبادرته. من هنا لا يستوي توظيفها حصراً في خطاب الرشوة.
ــ وفي المحصلة نقول اننا جهدنا في اعتماد الوصف والملاحظة والاستقراء منهجاً، وسعينا قدر الامكان لتجنب اي موقف لغوي معياري او اخلاقي. وتوسلنا عوضاً عن ذلك التركيز على الرؤية الدينامية للغة. وعسى ان نكون وفقنا في هذا الرصد اللغوي لمنسوب الرشوة ــ وهي في الحقيقة احدى بوابات الفساد ــ في بيئتنا الثقافية الاجتماعية في لبنان تحديداً، وفي غيرها من البيئات الثقافية العربية عموماً. هذا المنسوب نتمنى ونعمل كي ينخفض وينعدم فعلاً وتأثيراً ورواجاً، فتنحسر بالتالي ثقافته، ويضمحل خطابه، وتتلاشى او بالاحرى تتعدل تعابيره من منطوقنا اليومي وتعود الى سويتها التعبيرية»..
غنى حليق

القبس

البريمل
26-11-2010, 04:35 AM
داخل مصر» يلج من باب عمارة يعقوبيان.. أرض الفراعين على حافة الثورة
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C06%5C24%5C0b331fcd-085e-4023-b2b4-a396dda40a2f_main.jpg

يبدأ الصحافي جون برادلي رحلته المصرية بالدخول من بوابة الفن السينمائي الذي هو أجمل أشكال التأريخ للمأساة (أو الملهاة) الإنسانية وأكثرها ارتباطا بالقرن العشرين.
وفيلم «عمارة يعقوبيان» هو المدخل السينمائي الذي اختاره برادلي لتقديم أطروحته التي تقول إن ثورة يوليو وضعت مصر على الطريق الخطأ. وجمهورية مبارك هي التجلي الراهن لجمهورية يوليو. وما بني على باطل فهو باطل.
ومثل زكي باشا، الشخصية المحورية في فيلم «عمارة يعقوبيان» التي جسدها عادل إمام، فإن برادلي يرى أن انتقال مصر من الملكية إلى الجمهورية كان انتقالا من الجمال إلى القبح. ولأن البناية المعروفة باسم عمارة يعقوبيان، في رأي مؤلف الرواية التي بنى عليها الفيلم الدكتور علاء الأسواني وفي رأي جون برادلي، هي الرمز المجسد لمصر، فإن المقارنة تدور بين ما هي عليه الآن وما كانت عليه قبل 56 عامًا.
تمثل بناية يعقوبيان واحدة من 96 بناية في قلب العاصمة المصرية. ولو بالغنا في عدد سكان كل بناية منها، أيام الملكية، وقلنا إنه بلغ الألف ساكن فهذا يعني أن الحي الأفرنكي الذي تألفت منه هذه البنايات كان يضم 96 ألف إنسان، معظمهم من الأجانب، في بلد كان تعداده 22 مليونا. أي أن ساكني ذلك الجزء من العاصمة كانوا يمثلون أقل من جزء على مائتين وعشرين من أهل البلاد. وجنتهم الوارفة لم تكن تعني شيئا لمعظم المصريين.
لكن الرؤية التي يطرحها برادلي لا تخصه وليست من اختراعه فكثيرون في مصر يؤمنون بأنها كانت جنة الله في أرضه، أيام الملكية، وأن سقوط النظام الملكي وخروج الأجانب حولا الجنة إلى جحيم. فهذه هي رؤية بطل عمارة يعقوبيان. وهي التفسير الوحيد للنجاح الجماهيري الساحق لمسلسل الملك فاروق الذي عرض في رمضان الماضي، أو على الأقل، فهذه الرؤية هي التفسير الذي يعتمده برادلي لشعبية المسلسل وإن كان هناك من يقول إن الناس أعجبوا بالمسلسل لأنه من حق أي إنسان أن يطالع صور ماضيه بحرية وإذا حرم من هذه الحرية فإنه يشعر بلذة عظيمة عند استعادتها، من دون أن يعني ذلك رغبة حقيقية في أن يعيش في ماض يعرف أنه لن يعود.
ثورة فاشلة
لكن المؤلف يمسك بمعول ثقيل هو ذلك الفصل المكون من 48 صفحة بعنوان «ثورة فاشلة» ليدق به فوق رأس جمهورية يوليو التي يوحي إليك بأنها تتجسد لديه في مؤسسها جمال عبد الناصر رغم أن هدف هجومه الحاد هو، في الحقيقة، الرئيس الراهن للجمهورية.
ولهذا فهو يشير إلى يوم قيام الثورة بعبارة «ذلك اليوم المشؤوم، في الثالث والعشرين من يوليو 1952» وإذا كان صحيحا ما قاله إن خط جمهورية يوليو كان (على المستوى الدعائي فقط) خط عداء بالغ للأجانب فهو يربط ذلك بالعداء لليهود زاعما أن عبد الناصر طرد نصف يهود مصر.
والحقيقة أن عبد الناصر لم يطرد أحداً، صحيح أن هذا هو الشائع، لكن ما يتردد في جلسات المثقفين وأنصاف المثقفين شيء والحقيقة التاريخية شيء آخر. فالحقيقة التاريخية تعتمد على الوثائق وليست في العالم كله وثيقة تقول إن عبدالناصر طرد اليهود.
هو قال بعد اندحار عدوان 1956: إن وجودهم في مصر غير مرغوب فيه، لكنه لم يصدر قرارات ملزمة، ولم يتخذ أي إجراءات من شأنها طرد اليهود، الذين غادروا مصر لأنهم - كما قال إحسان عبدالقدوس - مارسوا حقا إنسانيا في اختيار الوطن الذي يريدون العيش فيه.
ويصل جون برادلي إلى حد الظلم عندما يعتبر أن جمهورية يوليو هي التي جعلت كلمتي «يهودي» و«إسرائيلي» تعنيان الشيء ذاته لدى المصريين وان ذلك جزء من النهج العنصري المعروف باسم «العداء للسامية» ولو قرأ برادلي الخطاب الذي وجهه البارون إدمون دي روتشيلد، احد كبار مؤسسي الحركة الصهيونية والأب الأعلى للدولة العبرية، بكل المقاييس، لاعتبره، هو الآخر، معاديا للسامية.
يتحدث البارون دي روتشيلد في هذا الخطاب عن اتصالاته مع مؤسس الاتحاد الإسرائيلي العالمي شارل نيتر ومشاوراتهما حول «الحركة التي يجري حفزها في روسيا لدفع الإسرائيليين إلى فلسطين».
كتب هذا الخطاب في ابريل 1883 أي قبل قيام الدولة الإسرائيلية بأربعة وستين عاما، لكنه يشير إلى اليهود باسم الإسرائيليين، لأن الصهيونية الفرنسية، وقد كان البارون وشارل نيتر من أهم قياداتها، اعتمدت هذا الاسم، وشاع استخدامه في فرنسا وفي العالم، وخاصة في مصر التي كانت ثقافتها فرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانت غالبية اليهود فيها متفرنسين وكانوا يشيرون إلى أنفسهم باسم الطائفة الإسرائيلية، قبل أن يسمع احد منهم (أو حتى يقبل) بوجود دولة اسمها إسرائيل. وهذا ما يشرحه المستشرق هنري لورانس في كتابه المهم «اختراع الأرض المقدسة».
ويرى برادلي أن هجوم عبد الناصر على اليهود وطرده إياهم (كذا) من مصر كان يستهدف شد الأنظار بعيداً عن سياساته الفاشلة، ويعتبر أن موقفه من الإخوان المسلمين كان مفتعلا، أيضاً، وللغرض ذاته. وهذا قول عجيب لأن رفض الإخوان لعبد الناصر، المستمر ليومنا هذا، يبين عمق التناقض بينهما.
ولا يكتفي برادلي بمشاهدة فيلم «عمارة يعقوبيان» بل يحاور مؤلف الرواية الدكتور علاء الأسواني الذي يذهب للقائه في احد المقاهي القائمة وسط العاصمة واسمه «الندوة الثقافية».
ورغم أن الأسواني يوافق برادلي على كثير من مكونات رؤيته لماضيها وحاضرها إلا أن الأسواني يصر على رفض الاستعمار، وإن جاء بخير للبلاد، في حين يفتخر برادلي بما أنجزه البريطانيون في مصر، وهو كثير من الناحية المادية وإن سعوا، دوماً، إلى خنق الروح الوطنية.
أربعة أمور مهمة
لكن برادلي يطرح أربعة أمور بالغة الأهمية. فهو ينقل عن المستشار عوض المر أن نقطتي الضعف في تاريخ ثورة يوليو هما غياب الديموقراطية وهزيمة يونيو العسكرية. وهذا رأي يجمع عليه غالبية المصريين.
وقد قابل كاتب هذه السطور المستشار عوض المر، لأول مرة، في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، حيث كان المر معبرا عن الحق المصري والرؤية العربية لقضايا المياه بوجه البريطانيين والإسرائيليين، نهاية الثمانينيات.
وعند الانتقال إلى العهد الحالي من تاريخ جمهورية يوليو يطرح برادلي وجهات نظر أخرى، شائعة بين مثقفي هذا العصر، عندما يشير إلى أن أسوا ما يحدث في مصر الآن هو إطلاق العنان لبرامج الخصخصة، دون ضابط أو رابط. واقتلاع التفكير العلمي، من جذوره، بادعاء التأسلم.
ويعتبر برادلي أن الخصخصة الجامحة تنزل من أعلى، بقوة مدمرة، والتعصب الأصولي يصعد من أسفل، بقوة مدمرة. وهذا صحيح. لكن غير الصحيح هو ما يقوله من أن الطبقة المتوسطة واقعة بين حجري الرحى هذين، وأنها في طريقها إلى الاختفاء.
وهذا الكلام غير صحيح، فالطبقة المتوسطة في مصر تنمو نموا متواصلا، عدد من يرسلون أبناءهم إلى مدارس غير حكومية يتزايد بقوة، عدد من يملكون السيارات الخاصة يتزايد، عدد من يرفضون المواصلات العامة، ليركبوا التاكسي ويدفعوا عشرة جنيهات في رحلة تكلفهم جنيها واحداً في المواصلات العامة، يتزايد بقوة، عدد من يرتادون المولات والمطاعم والمشارب ودور السينما والمسارح ومن يتدفقون على المصايف والمشاتي، ومن يذهبون لقضاء عطلاتهم في الخارج سواء في تركيا الرخيصة أو سويسرا الباهظة، في مالطة القريبة أو في الصين القصية، عدد كل هؤلاء يتزايد بقوة ملحوظة.
فهل حقا فشلت الثورة؟ الحقيقة ــ في رأيي ــ أنها نجحت. وانتهت، ولا بد، للتخلص منها، من ثورة جديدة، بدأت قبل ثلاثة أعوام وهي تمضي في طريقها، بتغيير تتراكم مؤشراته كل يوم، في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفي طبائع الأدوار التي تؤديها الطبقات والمؤسسات المختلفة.
ورغم الحوار الصاخب الذي يشق الطريق لهذه التحولات فهي تحولات سلمية وبطيئة وعملية.
لكن الرؤية الدراماتيكية التي يجنح إليها المؤلف برسم صورة لتحول «سوف» يحدث، متجاهلة ما حدث بالفعل. وما يحدث كل لحظة. وهو ينقل عن عالم النفس المشهور الدكتور أحمد عكاشة: إن البلاد ينتظرها مصير من اثنين: إما أن يقع انقلاب عسكري، أو يسيطر الإخوان المسلمون على السلطة.
قاعدة جوهرية
ولا يعتقد كاتب هذه السطور أن الإخوان يريدون الحكم، والسبب بسيط وهو أن لا احد سيكون قادرا على حكم مصر إلا برضا الجيش والشرطة والبيروقراطية الحكومية وهم يدركون أن هذه قاعدة جوهرية ولا سبيل إلى تجاهلها أو تحييدها.
ورغم أن الإخوان المسلمين يرددون دائما: إنهم دعوة سلمية لا تمارس العنف فالمؤلف ينقل عن كتاب «الأصولية الإسلامية في السياسة المصرية» لباري روبين 2002 أن الجماعة تستخدم التخويف للسيطرة على الحياة الثقافية والاجتماعية وذلك باللجوء إلى رفع القضايا ضد خصومهم وبالخطابة النارية التي تخوفهم وإن كانت تمزج ذلك بالترغيب المتمثل في الأنشطة الأهلية التي تسد احتياجات الجمهور.
فهل هذا يؤهلهم لأن يشغلوا الفراغ الذي يمكن أن ينشأ إذا انفجرت هبة شعبية أسقطت النظام؟ بالقطع لا، فعندما يذكر الجيش كمرجع وطني أعلى يمكن اللجوء إليه إذا استحكم الخلاف بين مختلف الفرقاء، فإن الإخوان لا يكونون أقل حماسا من غيرهم للقبول بهذه المرجعية، بل إن تعليق الداعية الحقوقي الشهير على الانقلاب العسكري في موريتانيا في مقال له بالمصري اليوم، أشار إلى أنه، هو أيضا، داخل في الإجماع الوطني على هذه الفكرة.
وهذا يعني أن أي اضطراب خطير سوف يكون مبررا لأن يتطلع الجميع باتجاه الجيش كما فعلوا في يناير 1952 عندما احترقت القاهرة، وفي يناير 1977 عندما هددت التظاهرات النظام الاجتماعي، وعندما تكرر الأمر مع تظاهرات الأمن المركزي في الثمانينيات، وفي كل مرة كان الناس يستقبلون الجيش بالترحيب.
المصريون متصوفون
أما عن الإخوان المسلمين فإن المؤلف يرى أن رؤيتهم للإسلام تتناقض مع جوهر الرؤية المصرية التي هي، في الأساس، صوفية متسامحة، وهي رؤية أبقت الباب مفتوحا، طوال 14 قرناً لتعايش ودي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في مصر.
فإلى أين تمضي البلاد؟ ليس سوى مواصلة الإصلاح بخطوات صغيرة متلاحقة تتجه جميعا إلى الأمام، دون نكوص عن الديموقراطية. لماذا؟ يرى برادلي أن النظام لا يريد أن يترك السلطة تسقط من يده، بفعل أخطاء يواصل ارتكابها، ليلتقطها الإخوان المسلمون. وأن واشنطن سترتكب خطأ كبيرا إذا ساعدت جماعة أصولية على الوصول إلى الحكم في بلد لا تحتمل ثقافته التشدد الأصولي.
ويستعيد المؤلف المراحل الإستراتيجية العامة التي حددها مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول حسن البنا للوصول إلى السلطة قائلاً: إنها ثلاث مراحل: الإعداد، وهو في الأساس دعائي يستهدف تطويع أذهان العامة للتجاوب مع توجهات الإخوان المسلمين. وبعد ذلك تأتي للتجاوب المرحلة التنظيمية بخلق الكوادر المؤمنة بفكر الإخوان وتوسيع عضوية الجماعة، والمرحلة الأخيرة هي مرحلة العمل أو الوثوب على السلطة.
من الواضح أن هذا كلام عمومي، شأن كل ما يصدر عن الإخوان، لكن سلاسل متواصلة من الأنشطة انبنت عليه. والإخوان المسلمون الآن في المرحلة الثانية، مرحلة التنظيم وغرس المبادئ والأفكار في عقول وسلوكيات أكبر عدد ممكن من المواطنين من مختلف الطبقات، خاصة الفقراء، ومن مختلف الأعمار خاصة الشباب، ومن مختلف مناطق مصر، خاصة المناطق الريفية.
وسط هذا العرض المسهب للوضع السياسي في مصر وآفاقه المحتملة يمر المؤلف بقضية جمال مبارك التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمام فصائل المعارضة في مصر، مرورا يمكن أن يقال عنه إنه عابر.
هو لا يتوقع من جمال مبارك، إذا أصبح رئيساً، أي خير للبلاد، ويقول: إن تعليمه الغربي لا يعني شيئا مؤكدا لمصلحة بلاده، ودليله على ذلك أن الرئيس السوري بشار الأسد أثار آمال الكثيرين عندما خلف أباه على حكم سوريا وأن هذا كله لم ينته إلى شيء يذكر.
لكن كاتب هذه السطور يرى أن إبرام سلام مع إسرائيل ضمن صيغة تعيد تركيا إلى لعب دور مركزي في المنطقة يمكن، إذا حدث، أن يغير طبيعة التوازنات في منطقة الشرق الأوسط تغييرا يظل التاريخ يذكره لسنوات طويلة، وأقصد بذلك أن بشار الأسد، الذي يتحرك في هذا الاتجاه والذي أثبت أنه قادر على الحفاظ على مركزه الموروث على الساحة اللبنانية (بغض النظر عن سلبيات هذا الأمر) ليس سياسيا يستهان به.
لكن أهم ما يقوله المصريون الذين لا يتوقعون لجمال مبارك أن يرث السلطة في البلاد هو أن مصر تختلف عن سوريا، كما أنها تختلف عن ليبيا التي يقال إن زعيمها معمر القذافي يستعد لاستخلاف أحد أبنائه في حكمها، وتختلف عن المغرب التي انتقلت السلطة فيها من الملك الراحل الحسن الثاني إلى نجله العاهل الحالي محمد السادس في إطار ملكي يعتمد التوريث كآلية مركزية ضمن منظومته، وهو أمر يجعلنا نتساءل عن جدية المقارنة التي يعقدها المؤلف بين حالة جمال مبارك وحالة محمد السادس.
أسامة الغزولي

البريمل
26-11-2010, 10:43 AM
القبس



حالة الاحتقان بين الأديان ليست جديدة ولا طارئة

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C01%5C7c3cac2b-471a-4cd6-b9b0-ee69d186c952_main.jpg غلاف الكتاب
من ينظر في الوقائع اليومية السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، سيكتشف مدى تغلغل العنف بين ثناياها لدرجة مفزعة، فلم يعد العنف حكراً على الدولة التي تضفي على استخدامه المشروعية الدستورية والقانونية والسياسية، ولا جزءاً من أنشطة أفراد وعصب إجرامية جانحة، لأن العنف أصبح أبعد مدى وأعقد من دائرتي المشروعية والقانونية والسياسية، واللامشروعية والتأثيم العقابي لأنماطه التي تمثل تهديداً لمصالح فردية أو جماعية تحددها السلطات الشارعة في كل دولة، وفق أطرها الدستورية والقانونية الموضوعية والإجرائية.
تحول كبير حدث، ولم يعد العنف جنائياً أو سياسياً، أو حتى ذلك الذي تولده الصدامات الاجتماعية، إنما امتد ليتمدد في خلايا وشبكات اللغة والعقائد والرموز، وذهب إلى قلب المقدس ومحرماته وأيقوناته العقائدية، وظواهر هذا العنف ليست جديدة حيث يشير جزء – يوثق آراءه – من مؤرخي الأديان إلى أن الارتباط حدث منذ البداية، فالبنى الداخلية للأنساق الدينية والمذهبية – السماوية والوضعية – تؤدي إلى فرض سياجات بين الأنساق المختلفة، والسياجات يواجهها عنف، وكذلك يوجد عنف مذهبي داخل كل ديانة.

الكتاب: الخوف والمتاهة
تأليف: نبيل عبدالفتاح
الناشر: دار ميريت للنشر والتوزيع
قطع متوسط: 517 صفحة

«الخوف والمتاهة» كتاب يتناول فيه «نبيل عبدالفتاح» قضايا عالم المابعديات، وخصوصاً عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001 وانعكاساته على الإسلام عموماً، والعلاقات بين الثقافات والأديان والمذاهب والمعتقدات والتأويلات. كما يركز على أبرز معضلات وتطورات الدولة والمجتمع المصري.
وكان المؤلف قد أصدر طبعة أولى اشتملت على خمسة فصول ثم أضاف إليها لتصبح ثمانية عشر فصلاً.
العنف المقدس
مقولة سارتر الشهيرة «الجحيم هو الآخرون» هل يمكن ان تنتقل من الفلسفي الوجودي ذي الروح العدمية الى احد ما، لتدخل الى مجال العلاقات بين الثقافات والاديان؟ تساؤل تفرضه عوالم 11 سبتمبر 2001، وما بعدها.
واذا قلنا ان ثقافة الكراهية ليست جديدة او طارئة على العلاقات بين الاديان، لان ركائزها تسيطر على بعض مكونات تاريخ الاديان وصراعاتها القديمة، بل ان كل ديانة تسعى الى تفردها وتميزها واولوية عقائدها وطقوسها على الاديان الاخرى، اذا سلمنا بهذا فسوف نكون في مواجهة تفسير نفهم من خلاله ما يحدث من جنوح بعض وسائل الاعلام الغربية الى الخروج السافر ـ بين الحين والحين ـ ببدعة جديدة في معرض الاساءة للاسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، ولعل فيما قاله بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس خلال محاضرته الشهيرة في جامعة ريجنسبورج بولاية بافاريا الالمانية في سبتمبر 2006، خير دليل على طغيان نظرة شديدة القصور ومتأثرة بتصورات قديمة لاتزال قادرة على احداث تأثيراتها داخل المجتمعات الغربية، ولا نحتاج سوى إلى مجرد مؤثر بسيط ـ يمكن ان يكون نجاح مسلم شرقي يعمل في الغرب ـ وبعدها تنطلق جميع الابواق في كل الاتجاهات، وهكذا كانت محاضرة بابا الفاتيكان التي اثارت ردود فعل غاضبة في اوساط المسلمين، الامر الذي جعل الفاتيكان يتراجع ويصدر بيانا يأسف فيه من فهم المسلمين الخاطئ لمقاصد قداسته، والبيان لا يحمل شبهة الاعتذار بقدر ما يحمل من الاسف على ان المسلمين لم يفهموا ما قاله قداسته!!
وكالعادة اعتبر الغاضبون البيان اعتذارا وما هو بالاعتذار، اعتبروه اعتذارا لانهم يبحثون عن رمال ليدفنوا فيها رؤوسهم فلا يرون الحقيقة، وتظل حالة العمى او التعامي التي يصرون على العيش في اسارها، فهم لا يملكون سوى البحث عن عذر للمعتدي.
ومن محاضرة بابا الفاتيكان الى وصف الرئيس الاميركي بوش الابن لبعض الجماعات الاسلامية الراديكالية بـ «الفاشية الاسلامية»، وباضافة هذه الممارسات بعضها إلى جانب بعض نجد اننا بازاء افعال تشيع الكراهية ضد اصحابها باعتبار ان هذه الكراهية من قبيل رد الفعل، وبذلك ندخل في الدائرة الجهنمية للافعال المثيرة للغضب، وردود الفعل المنتظر، وردود افعال تجاه ردود الافعال، وذلك في الوقت الذي يحتاج فيه الناس الى التسامح والمساواة حتى تشيع الحرية والعدل بالقدر الذي يسمح للحوار الذي يؤسس تعايشا هادئا في محيط حياتهم ويمكن القول ان فترة الحرب العالمية الثانية، والتي خرج منها العالم وقد تغيرت كل الامور، حيث اصبحت الامبراطورية الماركسية الفتية ـ وقتها ـ تمثل تحولا يجب التصدي له، وتمثل ذلك في تبني الكنيسة لمجموعة من القيم التي تتسم بمرونة وتسامح كبيرين، وفي ذات الوقت، روجت لاتهام الماركسية بالكفر كوسيلة فعالة في مواجهة التيارات المناصرة لها، وهذا التراجع الذي طال الايديولوجيات ذات المصادر الدينية والسلطان العالمي للمؤسسات الدينية كالفاتيكان، كان احد اهم اسباب السعي الجديد الذي سار الفاتيكان على نهجه لاستعادة مكانته التي فقدها، وطبيعي ان الحال ينسحب على المؤسسات الدينية الاخرى، وبدأت النبرات الخلافية بين المذاهب وخصوصا المذاهب الاسلامية ــ السنة، الشيعة ــ تعود ليعلوا صوتها من جديد وتشهد الساحة ظواهر جديدة منها انتشار الزي الاسلامي الذي يفجر سؤالا يقول: هل كان انتشار الزي هذا مجرد رد فعل، ومظهراً استعراضياً تعويضياً في مقابل ما فرضته العولمة، وتداعيات احداث سبتمبر 2001؟
للفتوى أكثر من وجه
وفي سياق مغاير، يعرض المؤلف مبررات وضع المؤسسة الدينية في مصر تحت الرقابة المباشرة للدولة، حتى ان رئيس مجلس الوزراء هو من يدير الملف المزدوج للاديان «الازهر والكنيسة» وان كلا من شيخ الازهر وبابا الكنيسة نواب له.
ومن هذا الى ما يحدث في الفضائيات والتي اعتمد معظم المتصدرين للفتوى من خلال شاشاتها على النزعة النقلية، وهذا ينلقنا الى النظر في الفجوة ما بين السنة والشيعة، والتساؤل هو: هل هي اكبر من ان يجتازها المسلمون لتفادي التداعيات الخطيرة للازمة الراهنة، تلك الفجوة لا تبذل القوى المعادية للمسلمين الا اقل القليل من الجهد في توسيعها او على الاقل تثبيتها، وتترك ذلك للمسلمين من الطرفين، ويكفي النظر في مجموعة الفتاوى التي يصدرها بعض المشايخ السنة، وفيها يتم وصف الشيعة بالروافض، والدمى التي تحركها ايران، وان لم تخل الساحة من اصوات عاقلة منها واحد من ابرز الدعاة السعوديين ــ د. محسن العواجي ــ الذي انكر صمت العلماء على نصرة المقاومين في لبنان.
والتذبذب بين الهجوم والتراجع يضعنا امام حالة تذكرنا بالمثل الشعبي المصري «ياما في الجراب يا حاوي»، فالفتاوى هي.. هي لم يغير صاحبها منها حرفا واحدا، وانما قام بلي ذراع الكلمات وذهب ليستعين بالنص المقدس فأخذ منه قولاً يبرئ به نفسه وفتواه من وزر معاداة حزب الله، اخذ القول الكريم «ألا ان حزب الله هم المفلحون» ويعود ليقول عن الرافضة.. انهم لا يتراجعون، وايضا لا يظهرون تعنتاً، فقط يقومون بنثر بعض محسنات القول مستعينين بحيل علوم الكلام، يقدمون الموقف الجديد والقديم، ولسان حالهم يقول «وفي القلب ما فيه».
التجربة الغربية في الفصل بين الدين والدولة
وهذا يجرنا لملاحظة مدى التشابك الحاصل بين السياسة والخطاب الديني حتى اصبحا يمثلان وجهين لعملة واحدة ولا يمكن فصلهما الا باللجوء الى الجراحة القاسية التي فصل بها الغرب بين الدين والسياسة حتى ان دولة الفاتيكان – والتي كان أوروبا على اتساعها تضيق بها ــ تقطعت لتصبح كيلو متراً مربعاً داخل العاصمة الايطالية روما، ومع المساحة تقلص نفوذ بابا الفاتيكان، فلا يمتد نفوذه إلى خارج المساحة المحدودة التي ترسم حدود دولته، وأصبح ثقلها السياسي نوعاً من اللزوميات البروتوكولية إن جاز التعبير. هذا التشابك بين السياسة والخطاب الديني ظهر عندما أثيرت قضية منع لبس الحجاب في فرنسا، تلك القضية التي أشارت إلى الاحتقان الحادث في عالم الإسلام الأوروبي، الذي يشير بدوره إلى البطالة والتفكك الأسري وضعف أو اختفاء تمثيل الإسلام في مؤسسات الحياة السياسية الحزبية، وتضخم مشكلة الهوية بين المهاجرين، ومن ذلك النظر إلى جسد الأنثى تلك النظرة التي تفرض الحجاب زياً ضرورياً وهنا يتفق الفرقاء (السنة والشيعة) وإضافة إلى ما سبق تشير الحالة إلى هيمنة رأس المال المدفوع من جانب الدول، وهو أمر يفرض اتجاهات بعينها حسب ميول أصحاب المال – الوهابية مثلاً - وتأتي بعد ذلك المسألة الديموغرافية، والتي تعطي ثقلاً للإسلام في حالة فرنسا على وجه التخصيص، فالإسلام يأتي في المرتبة الثانية بعد الكاثوليكية.
إن الحاجة إلى رؤى جديدة سياسية ودينية حول العلاقة بين الدين والدولة، أصبحت ضرورية وملحة، حتى يمكن الخروج من دائرة المشكلات المعقدة والتي باتت تسم العلاقة الاحتكارية للإسلام من قبل الصفوة السياسية والحكم أو نزاعها عليها من قبل فرق التيار الإسلامي المتواجدة على الساحة، وهي كثيرة.
وقبل أن يغلق المؤلف هذه الملفات يشير إلى الظواهر التي طفت على السطح بعد نجاح جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية في مصر، تلك الظواهر التي يرجعها إلى فقدان التوازن بعد النجاح الكبير وغير المتوقع في الانتخابات حتى ان قادة الجماعة وقعوا في وهم الانتصار وتصوروه مقدمة لسقوط وشيك بات يهدد السلطة والنظام الحاكم.
يواصل نبيل عبدالفتاح عرضه للحالة المصرية من خلال صعود الإخوان على الساحة السياسية، ويناقش مستقبلهم، حيث يرى ان إشكالية اندماجهم في إطار النظام السياسي هي واحدة من أبرز الاشكاليات التي تواجه الصفوة الحاكمة، وباقي القوى السياسية الفاعلة داخل المجتمع المصري، وهو يرى أن القوى الفكرية الإسلامية والعربية على اختلاف انتماءاتها الفكرية والدينية والسياسية مطالبة بمواجهة واقع تغلب عليه احتقانات قابلة للتقيح ان جاز التشبيه ويطرح تصوراً للحل يصوغه في خمس نقاط: مجلس حوار إسلامي – إسلامي، مجلس عالمي للشؤون الدينية، بيانات ترمي إلى إدارة حوار مع المؤسسات الدينية في العالم تديرها مطبوعة شهرية تصدر بأكثر من لغة في موقع على الشبكة الدولية للمعلومات خاص بالحوار.
هموم الأقباط
وفي اشارة الى ما وصلت اليه الاحوال في مصر يسوق المؤلف تعبير «الرجل المريض في الشرق الاوسط» وهو يذكرنا بما وصلت اليه الامور في النصف الاول من القرن العشرين حيث كان مركز الخلافة الاسلامية في تركيا يعاني من امور قريبة من التي يعاني منها النظام المصري الان، مما دعا الغرب الى اطلاق وصف «الرجل المريض» على النظام التركي. ويقول المؤلف ان الورقة القبطية، اضافة الي غيرها من اوراق ملف ازمة النظام المصري، تأخذ وضعا شديد الاهمية، وخصوصا بعد تزايد نشاط الحركة الاسلامية السياسية في الخارج ــ خصوصا في الولايات المتحدة ــ مما جعل الامر يبدو كما لو كان الفريقان في حلبة سباق، فهولاء يلوحون باوراق المعونات الاقتصادية، والاخرون يشيعون ان الاقباط يستقوون على النظام بالخارج الاميركي والاوروبي، مما يساعد على احتقان الحالة الطائفية من دون جدل موضوعي حول حلحلة الازمة من خلال المطالب التي يمكن ان تساعد على نزع فتيلها، ومن ذلك الغاء بعض قيود الخط الهمايوني، وشروط العزبى باشا حول بناء الكنائس، والتفاوض حول استعادة الاوقاف المسيحية وتحقيق مبدأ المواطنة في باقي الامور.
واخيرا يقترح حلولا في خطة طويلة الاجل تعتمد نظرة شاملة لتجديد الدولة والنظام السياسي والسياسات الاعلامية والدينية والثقافية والامنية، ومن خلال خطوات مدروسة تركز على اعادة تأهيل المدرسين وتدريبهم على ثقافة المواطنة والتسامح مع الاخر وقبوله، واعداد مناهج مماثلة تتلاءم مع مراحل التعليم المختلفة، الى جانب دراسات عن تاريخ الازمات الطائفية واسبابها، وتحديث المؤسسة الامنية، مع اصلاح المنظومات القانونية التي تمثل قيدا على حقوق المواطنة، واخيرا تجديد اواصر الاندماج القومي المصري في ضوء مبادئ وثقافة المواطنة ودولة القانون الحديث.
ويقول في النهاية ان الاصلاح غير ممكن دونما حريات ديموقراطية واصلاحات دستورية وسياسية، وان الاصلاح السياسي لن يكون فعالا دونما اصلاحات اعلامية عموما، ودينية على وجه الخصوص.
محمد الزرقاني

البريمل
26-11-2010, 09:56 PM
شهادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسة ثم السياسة ومشاكل إيطاليا (1) سياسة القلـــب

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C06%5C9d8a3c5e-54d8-47d7-b86d-94f1d003394b_main.jpg فلافيا في المدرسة الابتدائية وتظهر أعلى الصورة الى اليميند
* تأليف رومانووفلافيا برودي
* ترجمة سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسيهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلييو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 52 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

بعدما قلبت الحرب العالمية الثانية الأحوال المادية ورفضت والدته الهجرة من ايطاليا
رئيس وزراء نشأ في مدرسة للأيتام
منذ 36 سنة، وأنا اقضي برفقة رومانو اياما من اجازة الصيف في بيت يقع على ربوة في بيديو المتاخمة لريجيو ايميليا في الشمال الايطالي. انه منزل كبير جدا ويتسع لستين شخصا تقريبا. حرصنا منذ زمن على الاحتفال فيه باعياد الميلاد، حتى ان عددنا وصل عام 2004 الى ثلاثة وسبعين فردا من افراد العائلة ولم يكن عددنا مكتملا، ذلك انه كان سيفوق المائة لو حضر جميعنا.
عائلة رومانو كبيرة، فهي مكونة من سبعة اخوة واختين، ولد الواحد منهم تلو الآخر في فترات متقاربة وكان زوجي ثامنهم، وهو ما دفع والدة رومانو، وتدعى انريكا، الى التضحية بعملها كمدرسة للاهتمام برعاية اولادها، بينما كان والده، الوحيد الذي حظي بالتعليم بين افراد عائلته المزارعين، ليصبح مهندسا في ادارة المقاطعة.
ويروي رومانو دوما واقعتين لايزال يذكرهما عن والده، الاولى ان والده لم يكن يدفع فقط تكاليف دراساته الجامعية وانما كان يحول شهريا مبلغا معينا لوالديه حتى يعوضهما عن غيابه، لانه الوحيد الذي لم يكن يشتغل في الارض عكس اخوته. والثانية انه بقي ستة اشهر اضافية بعد نهاية الحرب العالمية ليدرس امكانية مضاعفة اتجاهات السكة الحديدية بين فيرون وبولونيا الايطالية.
عاشت عائلة برودي في وضعية جيدة اثناء الحرب، لكن الامور انقلبت بعد ذلك، فلم يعد بمقدور والد رومانو مواجهة الامر وهو الذي كان يعارض دوما طلب تسبيق من مرتبه لتسديد المصاريف الى غاية نهاية الشهر، مما دفع مقربيه الى نصحه بالهجرة الى الاورغواي، غير ان زوجته رفضت، فبقيا في ايطاليا، على الرغم من المصاعب الاقتصادية، وقررا استثمار كل ما كانا يملكانه لتعليم اولادهم الذين تابعوا جميعهم دراساتهم الجامعية.

في مدارس ريجيو ايمليا
تردد رومانو برودي وزوجته فلافيا على المدرسة ذاتها، ذلك انهما ينحدران من ريجيو ايميليا في الشمال الايطالي، ولكن على مراحل متباينة حيث التحق هو بالصف الابتدائي مباشرة بعد انتهاء الحرب، فيما التحقت هي في بداية الخمسينات من القرن الماضي، اي بفارق سبع سنوات تقريبا.
كانت المدرسة تقع داخل ملجأ للايتام وتستقبل اطفال ضحايا الحرب، بالاضافة الى اطفال الحي، ذلك ان المديرين البيداغوجيين اختاروا ان لا يقتصر استقبالهم للاطفال الذين يعيشون ظروفا صعبة، وانما تعدى الامر الى اطفال العائلات المقيمة في الحي، حتى لا تتحول المدرسة بمرور الوقت الى »غيتو« يكون احد عوامل اقصائهم اجتماعيا لاحقا.
لم ينس رومانو ابدأ هؤلاء الاطفال الفقراء الذين تمدرس معهم، ولم ينس كذلك اي احد منهم. كان يتفنن في محو ختم البريد من على البطاقات البريدية القديمة، حتى يتمكن من استعمال الطابع البريدي مرة اخرى لارسال بطاقة بمناسبة عيد الميلاد.
تتذكر فلافيا طفولتها ورفقة رومانو، وتقول »طيلة طفولتنا المبكرة، عايشنا الفقر والتهميش الذي ميز المرحلة الانتقالية التي شهدتها مدينتنا بعد الحرب. ومع ذلك كانت لنا ذكريات مختلفة تماما، فرومانو لم يكن شغوفا بالدراسة. كان يفضل لعب الكرة في الشارع ولم يصبح تلميذا نجيبا الا في المرحلة الثانوية. اما انا فقد درست كثيرا وقد نصحني اساتذتي بالالتحاق بالثانوية العلمية. واتذكر انني كنت اميل الى الكتابة الصحفية وشغوفة بعصر الانوار«.

أصدقاء الجامعة ضمن أعضاء الحكومة
عندما ادى رومانو برودي واعضاء حكومته اليمين الدستورية امام رئيس الجمهورية اوسكار لويجي سكالفارو، همس وزير العمل ليزيانو ترو في اذن رونانو برودي »انتهى«.
لم تكن الكلمة غريبة عن اذني رومانو، ذلك انها تعود الى المرحلة الجامعية، حيث كان برفقة وزير العمل طالبين في كلية اوغستينيانوم الكاثوليكية ونطق بها عندما انهيا بنجاح امتحان مادة القانون الخاص، وهي اصعب مادة في السنة الاولى حقوق.
ومن المفاجئ ايضا، ان تضم حكومة برودي رفيقا آخر له من المرحلة الجامعية هو جيوفاني ماريا فليك. فكلية اوغستينيانيوم، حيث درس الثلاثة الحقوق، شكلت تجربة خاصة، ذلك انها كانت تستقبل الطلبة من مختلف انحاء ايطاليا وغالبيتهم ينحدرون من عائلات بسيطة ويستفيدون من منح جامعية، لكنهم سرعان ما تدرجوا في مناصب قيادية واصبحوا يمثلون النخبة الايطالية.
ولم تكن كلية اوغستينيانوم مرقدا فقط وانما كانت حيزا مستمرا لتبادل الافكار والتكوين الذي يضاف الى التجربة الجامعية بل ويكملها في حضور قس، كان مرجعا للطلبة، الذين كانوا يحيطون به من كل جانب ويقضون معه فترات طويلة.
واما فلافيا فقد دخلت عام 1966 كلية العلوم السياسية في بولونيا الايطالية. كانت كلية جديدة وقد تم افتتاحها في سبيل تطوير العلوم الاجتماعية في ايطاليا.
تتذكر فلافيا المرحلة الجامعية فتقول انها كانت مليئة بالتوتر، ما دفع مجلس الجامعة الى اشراك الطلبة في التسيير، لقد كان الاحتجاج في البداية على طريقة التدريس المعتمدة لينتقل فيما بعد الى طبيعة المناهج والبرامج.
ومنذ ذلك الحين، تقول فلافيا توسعت الاحتجاجات الجامعية لتأخذ لها ابعادا اخرى، حيث لم يعد التنديد والاحتجاج مقتصرا على المناهج والتدريس، وانما تعداه ليرتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، لقد كانت بداية الاحتجاج على النظام كله.

ولوج المعترك السياسي
لقد تكونت غالبية القادة السياسيين الايطاليين في كلية اوغستينيانوم ويقول رومانو برودي ان »مجموعة طلبة جيله دخلوا جميعهم المعترك السياسي مباشرة بعد حصولهم على الشهادة، ذلك ان السياسة في تلك المرحلة كانت بمثابة الخبز اليومي واكثر من الخبز ذاته، والسبب واضح جدا، لان النموذج التربوي الذي استندت عليه دراستنا يتيح امكانية التحدث في السياسة، لكنه يرجئ ممارستها الى فترة ثانية، تلي الدخول في المرحلة العملية. لقد وعينا بأن السياسة نشاط شريف، وتحتاج منا تقوية مبادئنا الاساسية ونحن شباب صغار«.
ويضيف »لقد بدأت حياتي السياسية، ثلاثين سنة من بعد تخرجي في الجامعة، بعد ان فكرت كثيرا في هذه النقطة، وعلى الخصوص في مسيرة حياة نظرائي من الايطاليين والاجانب. ففي العديد من البلدان يُفرض عليك ولوج السياسة، من دون الحاجة الى ممارسة وظيفة معينة. وأتذكر كيف فوجئ الوزير الاول الياباني عندما ابلغته بأن اول خطاب لي القيته امام غرفة النواب، كان بصفتي رئيس مجلس، وعلى العكس اطلعني بأن المسار السياسي في بلده يخضع الى العديد من الاعتبارات الحازمة، وكان عليه ان ينتظر ثلاث عشرة سنة كاملة كنائب في البرلمان حتى يلقي اول خطاب رسمي له«.
»هو انضباط سياسي صارم، متعارف عليه في الكثير من البلدان الاوروبية، غير انني لا ازال وفيا للنموذج، الذي تلقيته في الجامعة وعلى الخصوص في المجالات المرتبطة بايطاليا، ومع ذلك انا متأكد من وجود نموذج تكوين مغاير، بإمكانه ان يكون اكثر فعالية«.

خيارات مهنية ومصالح مشتركة
اختار رومانو دراسة الاقتصاد بعد ان تابع دراسات في الحقوق وناقش اطروحة لها صبغة اقتصادية تحت اشراف البروفيسور سيرو لومبارديني، وهو احد مجددي العلوم الاقتصادية الايطالية لفترة ما بعد الحرب، واحد الملاحظين والمتتبعين للحياة السياسية في ايطاليا، ثم تابع دراسات معمقة في مدرسة الاقتصاديين اللندنية، بينما اختارت فلافيا دخول كلية العلوم السياسية.
بدأ رومانو حياته المهنية استاذا مساعدا في جامعة بولونيا الايطالية ثم تدرج الى ان اصبح استاذا للاقتصاد الصناعي في كلية العلوم السياسية، واصبح معروفا من خلال استضافته في البرامج الاذاعية للحديث عن الازمة الاقتصادية واحيانا عن النظام المصرفي الايطالي واسباب التضخم الذي بلغ نسبة العشرين في المائة في ايطاليا.
كانت فلافيا تستضيفه احيانا برفقة عدد من الاساتذة في برنامجها الاذاعي »الاوراق على الطاولة« على امواج القناة الاذاعية الثالثة. وعن تلك الفترة تقول »كنا نسجل خوف الناس وسأمهم واسئلتهم بطريقة سهلة وخفيفة، كما كنت اساعد المخرج في اختيار المقاطع الموسيقية المناسبة لكل حوار نقوم به، كنا نبحث عن علاقة بينها وبين المواضيع، واتذكر انني برمجت اغنية كاروزون »قافلة البترول« لما تطرقنا في اعداد أحد البرامج الى موضوع الازمة البترولية التي تسببت في ارتفاع اسعار النفط.
في تلك المرحلة كان رومانو يعطي دروسا في الاقتصاد للقساوسة في ملتقى لهم في جامعة بولونيا، ويتذكر الاحاديث التي كانت تجمعه بطلبة علم اللاهوت، الذين كانوا يحاولون فهم كيفية صرف المال العام، ومن هنا انطلقت اهتمامات برودي بالصالح العام الايطالي وبمصلحة الشعب الايطالي.

في الكنيسة
كان رومانو كثير التردد على كنيسة القديس بروسبر في ريجيو ايميليا، واما فلافيا فكانت عادة ما تتوجه الى كنيسة القديس بيير، وكانا غالبا ما يلتقيان في هذه الاخيرة، خصوصا بعد ان غادرت عائلته الحي، الذي كانت عائلة فلافيا تسكن فيه.
كانت الكنيستان تقعان في وسط المدينة، وتوفران لمرتاديهما اماكن مخصصة للرياضة، واخرى للحديث حسبما ترويه فلافيا، وكان التكوين فيهما يهدف الى دعم برامج النشاط الكاثوليكي في ايطاليا.
لقد تدرجت فلافيا ورومانو في الكنيسة الى ان اصبحا متشبعين بالمبادئ الكاثوليكية، وتعودا على اتباع دليل يحتوي على اجوبة مختصرة للعديد من الاسئلة الدينية، كما حرصا على دخول ولديهما الوحيدين الى الكنيسة، لينهلا من الرافد الديني ذاته، الى ان تزوج كلاهما من فتاتين تعرفا عليهما في الكنيسة.

أثر الكنيسة على رومانو وفلافيا
كان فرق العمر بيني وبين رومانو سبع سنوات كاملة وفي ذاكرة رومانو، لم تكن الكنيسة مكانا للتكوين الديني فحسب، وانما حيزا يسمح بتعلم طرق معايشة الآخرين. الى غاية نهاية الخمسينات، كان جميع سكان المقاطعات الايطالية يقضون معظم وقتهم في الكنيسة، التي كانت مرجعا لكل حي سكني. ولم يكن هناك خيار آخر، فالمدن الايطالية كانت تفتقر الى مدارس اللغات والى قاعات الجمباز، والى المسابح وعلى الخصوص الى التلفزيون، فيما يفضل الشباب التوجه جماعات نحو البارات لتمضية الوقت.
كانت الكنيسة مرجعية للجميع سواء ما تعلق بالجانب الديني او الانتماء السياسي او على المستويين الاجتماعي والعائلي، ووسيلة خاصة للتكوين، يقصدها الجميع مهما كان مستواهم، فكان هناك من يشاركون في اللقاءات الرياضية والترفيهية ومن يندمجون في النشاطات ذات الطابع الديني والتكويني. كانت اذا نموذجا تعليميا مرنا مفتوحا وذا صبغة عالمية.

يتبع الحلقة الثانية بين الكنيسة والحزب الشيوعي


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C06%5Ccc4f01d2-2bbc-48a9-86ae-43369fd02a9b_maincategory.jpg


(http://www.alqabas.com.kw/AuthorArticles.aspx?id=792&date=06072008)

البريمل
26-11-2010, 10:54 PM
شهادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسةثم السياسة ومشاكل إيطاليا سياسةالقلـــب (2)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C08%5Ca8720322-3d86-4fcb-b202-9d9d71b6c02e_main.jpg فلافيا الى جانب زوجها رومانو برودي في السراء والضراء
* تأليف رومانو وفلافيا برودي
* ترجمة سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسيهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلييو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 52 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

بعد 17 سنة على أول عمل سياسي له كمستشار للشؤون البلدية
برودي وزيرا للصناعة وزوجته فلافيا لم تصدق الـخبر

تقول فلافيا برودي إن عملها، ساعد زوجها رومانو على التعرف الى الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها ايطاليا، ذلك أنها اشتغلت طيلة ثلاثين سنة كمدرسة في المؤسسات الاجتماعية المنتشرة في عدد من المدن الايطالية.
»عام 1974، عملت في معهد ايميلي روماني للخدمات الصحية والاجتماعية. وكان لهذه المدرسة صبغة كاثوليكية، مثلها مثل الكثير من المؤسسات المهتمة بالخدمات الصحية. واذكر أنها أغلقت أبوابها عام 1986 أثناء التوتر الذي عرفته المدارس والجامعات في تلك ال مرحلة..«.
لكن الخدمات الصحية عرفت عام 1978 تطورا نوعيا في ايطاليا بعد تطبيق قانون »باساقليا«، الذي نص على إغلاق المستشفيات النفسانية واستبدالها بمراكز الصحة العقلية واهتم لأول مرة بالإقصاء الاجتماعي.

في قلب السياسية
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، غادرت عائلة برودي منطقة سكانديانو القريبة من ريجيو ايميليا، حيث ولد رومانو، وعادت إلى المنزل الذي كانت تسكنه منذ الثلاثينات من القرن الماضي، لكنها هذه المرة وجدت نفسها تؤجر بيتها من الحزب الشيوعي الذي اشترى المبنى من مالكه السابق.
كان لمنزل برودي مدخلان، احدهما يؤدي إلى مقر الحزب الشيوعي الايطالي، حيث كان يجتمع رفقاء انطونيو قرامسي وهو احد أهم مؤسسي الحزب، فيما كانت عائلات عدة تسكن بقية العمارة.
ويتذكر رومانو برودي كيف كان يتابع بشغف كبير بروفات الاحتفال الخاص بإحياء ذكرى وفاة ستالين عبر نافذة منزله. كما يتذكر ما كان يردده احد الرفاق بان »ستالين لم يمت، ستالين لا يزال حيا يرزق من اجلنا«.
ويسترسل رومانو برودي في العودة إلى الوراء وكيف كان يدفع مستحقات إيجار بيت عائلته للمسؤول المالي للحزب الشيوعي رينو سيري، وكيف ربطته بالأخير وبعدد آخر من الشيوعيين الايطاليين علاقات صداقة ومعرفة، لينتخب رغم صغر سنه مستشارا للشؤون البلدية.
المشاكل الاجتماعية التي كان الايطاليون يعانون منها كانت تقض مضجع رومانو، الذي كان يحتج دوما على عدم انتباه المجلس البلدي لها وتركيز اهتمامه على الجدل السياسي وعلى المعارك السياسية القائمة على الساحة الايطالية والدولية.
عرفت تلك الفترة من تاريخ ايطاليا نقاشات كبيرة داخل المجالس البلدية بخصوص السياسة الدولية وشرعية الحلف الأطلسي. لقد شهدت ايطاليا خلال سنوات حرب فيتنام تطورا في نظامها السياسي إلى غاية السنوات التي أصبح فيها رينو سيري مؤسس الحزب الشيوعي الايطالي، أمينا فرعيا للعلاقات الخارجية مكلفا بالعلاقات الدولية في حكومة التحالف التي يرأسها رومانو برودي.
كانت أول تجربة سياسية لرومانو برودي، عندما تولى منصب مستشار للشؤون البلدية، حيث انعكس نجاحه في الانتخابات على عائلته بأكملها، ذلك انه ابتعد عن مدينته منذ دخوله جامعة ميلانو ثم لندن.
لم يكن رومانو غريبا على مدينة ريجيو، لان مرور تسعة من إخوته وأخواته على مدارس المدينة طيلة عشرين سنة لعب دوره ومكنه من نسج علاقات صداقة مع الكثيرين، وكانوا جميعهم على علاقة وطيدة بالعالم الكاثوليكي.
بقي رئيس الحكومة الايطالي فترة قصيرة في منصب مستشار للشؤون البلدية، ليقدم استقالته بعد أن اخذ عمله في الجامعة كل وقته بالإضافة إلى انه لم يعد بوسعه البقاء في المجلس إلى غاية الساعة الثالثة صباحا حتى يستقل القطار من جديد في حدود الساعة السابعة صباحا للذهاب إلى بولونيا الايطالية حيث يدرس هناك.

الالتزام الثقافي في ريجيو اميليا ومحيطها
شهدت ريجيو اميليا، على الرغم من مساحتها الصغيرة، في الستينات من القرن الماضي نهضة فنية وثقافية وسياسية، لكنها أحداث لم يعايشها الزوجان رومانو وفلافيا، على الرغم من أنهما تعارفا على بعضهما وخطبا وتزوجا فيها.
تقول فلافيا أنها انخرطت فيما بعد في النشاطات الثقافية لمدينتها برفقة رومانو وكانا كثيري التردد على المؤسسات ذات الطابع الديني الكاثوليكي. وتروي كيف أنهما عانيا الأمرين عندما أصيبت سيارتهما، من نوع "فيات 850«، بعطب واضطرا للبحث عن سيارة على قارعة الطريق السيار لإيصال الأب ماري دومينيك شنو، الذي كان مستعجلا لإلقاء محاضرة في ريجيو ايميليا.
وعن الحادثة تقول »لقد حل الإشكال بعد أن توقف احد السائقين واصطحبني برفقة الأب«.

بولونيا وما قبل السياسية
غادر رومانو برفقة زوجته نهائيا ريجيو ايميليا بعد زواجهما في عام 1969، ليستقرا في بولونيا الايطالية، حيث افتقدا طابع الحياة الاجتماعية الذي يميز المدينة التي نشآ فيها، غير أنهما استطاعا الولوج في الحياة الثقافية، وكانا يحرصان دائما على حضور المؤتمرات والنقاشات التي كان يشارك فيها مفكرو المدينة وتنظمها المؤسسة الثقافية »مولينو«، التي أدخلت إلى ايطاليا العلوم الاجتماعية من خلال دار النشر التي أقامتها وعمدت إلى ترجمة النصوص الانكلوسكسونية.
لقد اثر تدريس العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية في الحياة السياسية الايطالية التي عرفت تجديدا رافقه فيما بعد تحول في النظام الاقتصادي الايطالي.
كما كانت مؤسسة »مولينو« أرضية خصبة لمناقشة العديد من المواضيع التي كانت تشكل عصبة النقاش السياسي في ايطاليا، وهو النقاش الذي أدى إلى مواجهة دائمة بين الثقافة العلمانية الليبرالية والثقافة الكاثوليكية الديموقراطية.

وزير في حكومة اندريوتي
طلب رئيس الوزراء الايطالي جوليو اندريوتي معلومات عن التجارب السابقة لرومانو برودي، بعدما تابعه وهو يناقش مخطط بوندولفي ـ بوندولفي هو وزير الخزينة الايطالي ـ خلال مؤتمر نظمه حزب الديموقراطية المسيحية في أكتوبر عام 1978، ليعينه فيما بعد تقنيا في العديد من الحكومات التي تعاقبت على ايطاليا، كما استدعاه وزير الصناعة كارلو دونات ليشغل منصب نائب سكرتير له.
كان رئيس الوزراء الايطالي يبحث في ذلك الوقت عن طريقة تمكنه من تنويع ألوان أعضاء حكومته، فطلب من فيليبو بوندولفي (وزير الخزانة) أن يعرض عليه اسم أستاذ في الاقتصاد، بإمكانه تسيير وزارة الصناعة، فأجابه باسم رومانو برودي وكان الرئيس قد استمع سابقا لعرضه في مؤتمر حزب الديموقراطية المسيحية. وهكذا، أصبح رومانو عضوا في الحكومة بعد أن استفاد خارجيا من دعم اليسار.
تقول فلافيا ان عمرها كان لا يتعدى الواحد والثلاثين عندما تلقت خبر ترقية زوجها غير المنتظرة. لقد أدركت أن ذلك سيقلب حياتها رأسا على عقب، فيما شعر رومانو بثقل المهمة الملقاة على عاتقه، ذلك انه اقتنع بان تحليل ونقد الأمور يختلفان تماما عن اتخاذ القرارات، وان معرفة المشاكل وتحديدها ليست شرطا كافيا لتولي وظيفة حكومية، أيا كان المستوى.
كانت ايطاليا في تلك الفترة منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها، التي كانت تعاني الكثير من الأزمات. وكان الوضع يفرض دراسة مستفيضة لواقع القطاع الصناعي والاقتصادي.
تتذكر فلافيا أنها توقفت ذات يوم أحد برفقة رومانو، لزيارة وحدة لإنتاج الأنابيب، بينما كانا في طريقهما إلى رافان. كانت الزيارة مفاجئة، لكنهما اكتشفا أن الوحدة مشلولة من قبل العمال.
بمجرد دخولهما، بدا العمال في التعبير عن سخطهم من عدم فعالية مؤسستهم، وهي واحدة من اكبر المؤسسات الأوربية. تقول فلافيا "كانت المرحلة عصيبة جدا ودرامية، بسبب انهيار المؤسسات الايطالية الواحدة تلو الأخرى، على الرغم من القانون الذي صادق عليه برودي قبل أن يصبح وزيرا والقاضي بدعم المؤسسات ومساعدتها على الوقوف من جديد لتجنب الإفلاس".

في حفلة على شرف ملكة هولندا
على الرغم من الآلام التي تكبدها الزوجان طيلة تلك الفترة التي صادفت وفاة والد فلافيا وعمره لم يتجاوز التاسعة والخمسين، فان مخيلة فلافيا لا تزال غنية بالذكريات الجميلة، كالحفلة التي أقيمت على شرف ملكة هولندا الملكة بياتريس والتي أجبرتها على شراء ثوب سهرة طويل، بالإضافة إلى اقتناء بذلة سموكن لرومانو مثلما يقتضيه البروتوكول في مثل هذه المناسبات.
كما سنحت تلك الفترة كذلك لعائلة رومانو بالاستقرار في روما، لكن التعديل الحكومي عجل بذهاب رومانو، الذي أقصي من الجهاز التنفيذي الذي لم يعمر إلا خمسة أشهر.
أثناء الإعلان عن التعديل الحكومي، كان رومانو بصدد مناقشة قانونه أمام اللجنة البرلمانية وبمجرد انتهائه من العرض توجه إلى مقر وزارته متجاهلا كل ما وقع، حيث وجد معاونين وهم يهمون بجمع ملفاته وكتبه التي توجه بها إلى بولونيا الايطالية ساعتين بعد ذلك.

العودة بعد 17 سنة من الغياب
لم يتقلد رومانو برودي منصبا سياسيا إلا بعد سبع عشرة سنة، حيث كان منصبه الأول مفاجئا وغير منتظر تماما سواء ما تعلق ببدايته أو الطريقة التي انتهى بها، ويتوجب القول هنا بان ولوج الساحة السياسية الايطالية والخروج منها في تلك الفترة، كان مفروضا على عكس ما حصل فيما بعد.
لقد اشتغل رومانو برودي دوما في قطاعات على علاقة وطيدة بالسياسة، كما انه كان متعاونا أثناء اشتغاله بالجامعة مع عدد من الصحف ك»لافونير« و»ال سول 24 اور« و»ال كوريز ديلا سيرا«، حيث كان يكتب مقالات اقتصادية تعنى بتفاصيل تحول النظام الاقتصادي وآفاقه السياسية.
تولى رومانو برودي فيما بعد منصب رئيس معهد إعادة البناء الصناعي ثم خاض تجربتين قصيرتين كرئيس لمؤسسة جيبي وهي مؤسسة مالية عمومية، كانت مهمتها جرد المؤسسات التي تواجه مصاعب ثم خوصصتها ثم ترأس مؤسسة »ماسيراتي« المصنعة للسيارات في مدينة مودين.
لعبت السياسة دورا مهما في ايطاليا، بتوفيرها لكل المؤشرات التي تسمح بالعثور على تقنيين أكفاء، بحيث كانت مهمة معهد إعادة البناء الصناعي هي دراسة أسباب وطبيعة الأزمات التي تمر بها المؤسسات العمومية بالإضافة إلى دراسة إمكانية وضع برنامج للخصخصة، وكان هذا الموضوع الذي دأب المعهد على الاشتغال عليه في فترتين، الأولى ما بين سنتي 1982 و1989 والثانية تمتد ما بين 1993 و1994 أي مباشرة قبل حكومة برلوسكوني.
تميزت المرحلة الثانية التي تولى خلالها كارلو ازيقليو كيامبي رئاسة الوزراء بالكثير من السلوكيات غير الشريفة، خصوصا على مستوى إدارة المؤسسات العمومية وهو ما دفعه إلى طلب معونة رومانو برودي.
وتتذكر فلافيا أن رئيس الوزراء كلمها وطلب منها ردا سريعا بينما كان رومانو يتجول بدراجته على الربوة، وكيف شعرت بالضغط لأنها لم تستطع أن تخبر رئيس الوزراء بان رئيسها في جولة منذ ساعتين من الزمن ولا تستطيع الاتصال به لان الهاتف النقال لم يكن متوفرا آنذاك.
كان رومانو برودي معتادا على القيام بجولة على الدراجة أو ممارسة رياضة الجري كلما تعلق الأمر باتخاذ قرار. لقد كان ذلك ثابتة من ثوابت سلوكيات رومانو التي تعودت عليها زوجته فلافيا شيئا فشيئا.
تقول فلافيا إنها تتذكر جيدا مكالمة رئيس الوزراء كيامبي، ذلك أنها كانت متوترة جدا بسبب نية زوجها العودة إلى تجاربه السابقة نظرا لصعوبة المشاكل التي ستواجهها وحدة العنف والهجوم الذي سيتعرض له عند اتخاذه قرارات تمس مصالح أناس معينين.
وتمس هذه القرارات في الأساس النظام المصرفي الايطالي وبيع المؤسسات مثل مؤسستي »كريسو« و»ألفا روميو«، لكن أصحاب هذه القرارات بحسب فلافيا لم يكونوا معرضين لجملة من الانتقادات فحسب وإنما لاتهامات غير مؤسسة، غالبا ما كانت تستغل سياسيا ضدهم.

يتبع الحلقة الثالثة: معجب باسلوب الإنتخابات الأميركية


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C08%5Ccaac2e19-e3ee-40cf-97fc-71e97c7dd3fe_maincategory.jpg






هادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسة ثم السياسة ومشاكل إيطاليا سياسة القلـــب (4)
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C12%5Cebe23b94-e06e-4a2c-a928-1b13384b83fc_main.jpg

تأليف: رومانو وفلافيا برودي
ترجمة: سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلفيو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 52 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

«زمن الخيارات» صقل مواهبه في التعاطي مع الإعلام
برودي استنجد باختصاصي أمراض عقلية لفهم الصحافيين

كان رومانو برودي معتادا على التعامل مع وسائل الإعلام والخوض في نقاش معها، ذلك لأن برنامج »زمن الخيارات« التلفزيوني الذي شارك فيه مرات عدة، صقل مواهبه في التعاطي مع الصحافة المرئية والمسموعة وكذا المكتوبة. ومع ذلك، عكف على تحضير نفسه (حسب زوجته فلافيا) كلما ظهر على شاشة التلفزيون، حيث كان يختار مرافقيه، وعادة ما يكون إلى جانبه المكلفان بالإعلام اللذان يعملان معه، وهما سيلفيو سيركانا ونان غرينيافينين، وعدد من الخبراء في مجالات عدة، بالإضافة إلى صديقه الاختصاصي في الأمراض العقلية فيتوريني اندريولي، الذي كان يسدي له النصح بسبب معرفته لسلوكيات الناس، حتى يتمكن من فهم نية محاوريه ويتجاوب معهم بشكل صحيح.
تلقى رومانو الكثير من الانتقادات اللاذعة حول طريقته في الاتصال والتعبير عن مواقفه، خصوصا وأنها تشبه طريقة الأستاذ الجامعي بالنظر إلى الوظيفة التي مارسها طويلا، غير أن ذلك لم يحرك ساكنا فيه.
وتتذكر فلافيا برودي المناظرة التلفزيونية التي جمعت زوجها بسيلفيو برلوسكوني خلال الحملة الانتخابية التي تحولت إلى مواجهة عنيفة بين الطرفين، خصوصا الحلقة التي اهتمت بمناقشة الضرائب وتمت في مقر الكونفدرالية العامة للتجارة في شهر مارس العام 1996، فقد عجز رومانو حينذاك عن شرح مواقفه فيما يخص النظام الضريبي، بعد أن تعرض لهجوم كاسح يخص طريقة تسييره لمعهد إعادة البناء الصناعي، ما حصل لرومانو دفعه إلى تجميع طاقاته، لينجح في بناء اسراتيجية إعلامية جديدة ومتناسقة.
على الرغم من الجهود التي كان رومانو برودي يبذلها لتحقيق الفوز على سيلفيو برلوسكوني، فإن زوجته فلافيا كانت تفكر دوما في هزيمته أكثر من فوزه، على الرغم من التفاؤل الذي كان يشعر به معاونوه.
تقول فلافيا انها وزوجها ترددا في تقبل الفوز عشية إعلانه وتضيف انهما كانا يتابعان نتائج الانتخابات عند إحدى الصديقات وتدعى ماريزا عندما شاهدوا الجماهير الغفيرة تغزو ساحة القديس ابوتر يوم 21 ابريل 6991. أدت الحكومة الجديدة بقيادة برودي، اليمين الدستورية بتاريخ 17 مايو، بعدها ألقى رئيس الوزراء خطابا على أعضاء مجلس الأمة، تطرق فيه إلى العديد من قطاعات الحياة اليومية من الصحة إلى المدرسة إلى الإدارة العمومية.

الشيوعيون يسحبون الثقة من برودي
انتهت العهدة الأولى لحكومة برودي في 21 أكتوبر 1998 بعد أيام من التوتر، وكانت الأزمة قد بدأت بداية شهر أكتوبر عندما أعلنت اللجنة السياسية لإعادة التأسيس الشيوعي سحب دعمها له وقررت بتاريخ 9 أكتوبر عدم تجديد ثقتها في الحكومة.
لم يتمكن رومانو برودي من كسب الأغلبية بعد أن اتضح أن احد أعضاء التحالف لم يعد يقاسمه الخيار نفسه وحصل نقاش كبير حول همزة وصل يمكن أن تفرق أو لا بين كلمتي »الوسط واليسار«.. ما يعني وجود فكرتين مختلفتين داخل أركان التحالف. الأولى تتحدث عن تحالف حكومي بسيط، بينما تتحدث الثانية عن عقد بين الأحزاب يحمل تطلعات جديدة ويشكل موضوعا سياسيا جديدا يحمل »الاوليفو« بين ثناياه، على أن يحتفظ كل حزب سياسي بهويته وخصوصياته.
ولم تمكن التغييرات الحاصلة على الساحة السياسية الايطالية رومانو برودي من تأمين الأغلبية البرلمانية وتوحيد الخط السياسي الذي ساعده في الفوز بالانتخابات، ليتوقف بذلك تحالف ومسار »الاوليفو« بسبب غياب وجود صوت واحد وكان بإمكانه أن يعزز السياسة في ايطاليا.
وللحفاظ على الخط السياسي من جديد تم الاتجاه عام 1999 إلى إنشاء حزب الديموقراطيين الذي حصد 7.8 % من أصوات الايطاليين خلال الانتخابات الأوروبية، وهو ما أعطى إشارة على أن المشروع الذي عرضه رومانو لا يزال يحظى باهتمام الايطاليين. غير أن برودي لم يكمل المشوار مع الديموقراطيين، ذلك أن المجلس الأوروبي لرؤساء الوزراء استدعاه في الخامس من مايو ليتبوأ منصب رئيس المفوضية الأوروبية.

رومانو رئيسا للمفوضية الأوروبية
بعد أربعة أشهر من ذلك ألقى رومانو برودي أول خطاب له أمام أعضاء البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ وقدم برنامجه بعد أن أدى اليمين أمام أعضاء لوكسمبورغ.
تقول فلافيا انها حضرت برفقة ولديها لمتابعة الخطاب، الذي وصفته بالتاريخي، لتضيف بأن جهد زوجها بدأ في الظهور تدريجيا بعد اعتماد »اليورو« عملة أوروبية موحدة وتوسع أوروبا لتمتد إلى عشر دول أخرى، بالإضافة إلى سن الدستور الأوروبي ومحاولة ترشيد الحكم. أي البحث عن الطريقة التي يمارس بها الاتحاد سلطاته والمسؤولية المنوطة بكل مؤسسة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
كان العمل صعبا ويتطلب الكثير من الجهد بحسب فلافيا لان الوضع كان يستدعي التعامل مع ثقافات مختلفة وشعوب ذات خلفيات تاريخية متباينة. كما كان يتطلب العمل بثلاث لغات. لقد كان برودي يستخدم اللغة الفرنسية في المكتب واللغة الانكليزية أثناء عمل اللجان واللغة الايطالية في البرلمان.
وتذكر فلافيا كيف غادر زوجها مقر المفوضية الأوروبية بعد خمس سنوات من العمل المتواصل على وقع تصفيق البرلمانيين الأوروبيين، الذين وقفوا كلهم عندما ألقى خطابه الأخير الذي تضمن حصيلة عهده في آخر يوم له في بروكسل.

برنامج المصنع
كانت عودة رومانو برودي إلى السياسية والحملات الانتخابية بعد عشر سنوات من تجربته الأولى مختلفة تماما عما شهده سابقا، لأن كان عليه أن يواجه في الانتخابات التحالف من اجل الحرية، بالإضافة إلى إيجاد طريقة لجمع عدد من القوى السياسية حتى تكون أكثر فعالية لتحقيق النصر وتشكيل حكومة أكثر استقرارا وفعالية كذلك. جاءت فكرة »برنامج المصنع« التي اقترحها خوليو سانتاغاتا على رومانو برودي، لتعزز برنامجه الانتخابي، ذلك انه منح خمس دقائق لكل عامل حتى يتحدث عن مشاكله والحلول التي يقترحها، أسوة بما كان يحصل داخل أسوار البرلمان الأوروبي، مما ضاعف عدد الأصوات المناصرة له.
واجهت الفكرة صعوبة في التطبيق في البداية، لكن سرعان ما تلقفها العمال وانتشرت لتكون مبادرة المصنع ومبادرات أخرى نقطة انطلاق رومانو مع العديد من الأشخاص المحيطين به، خصوصا وان ايطاليا شهدت تغيرات كبيرة وقت تواجد برودي في بروكسل.
كانت النتيجة الأولى هي حصول رومانو برودي على دعم »الاتحاد« أو ما يطلق عليه بالايطالية »اليونيون«، والذي ضم كل أحزاب اليسار الوسط. لكن المشكلة الوحيدة التي كان يواجهها هي إيجاد طريقة لتجاوز »الاوليفو« في معركة الانتخابات المحلية التي شهدتها ايطاليا بتاريخ 16 أكتوبر 2005، وتلك قصة أخرى.

في مواجهة الإشاعات
تؤثر الحياة السياسية، بشكل كبير، على الحياة الشخصية للسياسيين، ذلك انه يستحيل على الرجل أو المرأة أن يتفاديا بعض المشاكل التي تعوق حياتهما اذا كان احدهما متورطا في الحياة السياسية.
تقول فلافيا انها تسرعت ذات مرة بعد أن تولى زوجها منصبه كرئيس للوزراء، عندما قالت لبييرو شيامبريتي في حوار خصته به في منزله : »تذكر بأنني غير موجودة«. غير أن ذلك غير صحيح تماما تضيف فلافيا، لأنني كزوجة، كنت دوما حاضرة إلى جانب رومانو، ولكن تأثير الإشاعات التي أحاطت بي كان كبيرا جدا«.
وتابعت قائلة: »عندما تريد أي زوجة مساعدة زوجها، مثلما هي الحال بالنسبة لي، فإنها تتعرض للكثير من الاستهداف والمضايقات. وهذا يحدث أيضا في ايطاليا، حيث لا تحظى زوجات الحكام بدور خاص، عكس ما هو عليه الحال في الولايات المتحدة مثلا. ولا اعرف إن كان للناخبين الحق في معرفة الحياة الخاصة للذين يودون التصويت لهم، وأما أنا فاعتقد انه من المهم الاطلاع على برامجهم والتحقق مما قد أنجزوه ولهذا السبب تفاديت الإدلاء بأي حوار صحفي. لكنني لم أتفاد الصحفيين خلال لقائي بهم في المؤتمرات للحديث عن موضوع مهم وليس لأني احمل لقب برودي.
وكان قبولي فكرة تأليف كتاب مؤشرا على تغير سلوكي، مقارنة بما كنت عليه في البداية. والمؤلم بالنسبة لي كان قراءة المقالات الصحفية التي تحمل انتقادات وهجوم علينا من دون وجه حق وبعيدا عن الأسلحة المستعملة عادة في الحياة السياسية«.
وتذكر فلافيا كيف أقامت القنوات التلفزيونية الايطالية الدنيا ولم تقعدها ضد اليسار الوسط ورومانو، الذي اتهمته بالتورط في قضية »تيليكوم« صربيا، وكيف كانت الصحف تكتب »انها تواظب كل صباح على ممارسة رياضة الجمباز، لكنها لا تحسن فن الطبخ«.
ووصفت فلافيا هذا النوع من الأخبار والمعلومات التي كانت تروج لها الصحف الايطالية بـ»الكذب البسيط لكنه مزعج جدا، ذلك أن أيا كان يود أن تمنحه الصحف الصورة الحقيقية التي تنطبق عليه«.
لكن لم تتوقف الأمور عند الكذب البسيط. تقول فلافيا انها سمعت بنفسها احد المرشدين السياحيين وهو يشير إلى احد القصور المحيطة بساحة سانتو ستيفانو على انه قصر لرومانو برودي، بينما تؤكد أنها وزوجها يسكنان في شقة تقع قي شارع صغير وراء القصر ويطل على الساحة ذاتها.
وتضيف فلافيا، أن إحدى صديقاتها سمعت من احد المرشدين السياحيين في مدينة براغ، ان رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية يملك احد البيوت الفاخرة هناك، وبأنها وزوجها مساهمان في مؤسسة كبرى للسيراميك والرخام.
لكن الحادثة التي أقضت مضجع فلافيا وآلمتها كثيرا هي الإشاعة التي روجت لها الصحف وتقول بوجود صلة قرابة وثيقة بينها وبين سيدة أقدمت على قتل ابنها وتحمل نفس لقبها العائلي. وقيل أيضا ان العدالة عاملت السيدة معاملة خاصة ولم تسجن بسبب علاقتها العائلية بزوجة رئيس الوزراء، بينما تقول فلافيا أن لا علاقة تجمعها بالسيدة المذكورة، وإنهما تتحدران من منطقتين مختلفتين تماما، حتى وان كانتا تحملان اللقب العائلي نفسه.

الحلقة الخامسة: لماذا ثار الايطاليون على فلافيا؟




القبس

البريمل
27-11-2010, 12:41 AM
10/07/2008


شهادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسة ثم السياسة ومشاكل إيطاليا سياسة القلـــب (3)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C10%5C168d7210-38af-4eeb-882b-13cbb11bb38b_main.jpg زوجات رؤساء الدول والحكومات في 10 دانينغ ستريت ( مقر رئيس الوزراء البريطاني )
* تأليف رومانو وفلافيا برودي
* ترجمة سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلفيو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 25 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

"سنديانة" اوحت بـ " زيتونة "
حلف "الأوليفو" يواصل برودي إلى رئاسة الوزراء عام 1996

فاز تحالف اليمين من اجل الحرية عام 1994 بالانتخابات في ايطاليا، وكان الحدث غير منتظر على الاطلاق بالنسبة للساحة السياسية. ومع ذلك تقول فلافيا ان رومانو برودي اسر الى احد معاونيه ان برلوسكوني سيحصد اغلبية الاصوات بسبب ارهاق البلد والتجديد الذي اعتمده برلوسكوني في حملته الانتخابية.
تريث رومانو قبل الانطلاق في حملة معارضة، حتى تتسنى له معرفة ما سيقدم عليه برلوسكوني، ولذلك صرح لمقربيه بانه ينبغي الانتظار، غير ان بن يامين اندرياتا وهو سياسي واستاذ اقتصاد معروف في ايطاليا، سارع الى عقد جلسات مع عدد من اصدقائه للتحدث عن الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد.
بدأ الحديث في تلك المرحلة من حياة ايطاليا عن تنظيم معارضة حقيقية لبرلوسكوني، وتجمع تشكيلات سياسية وثقافية مختلفة من الاشتراكيين الى حزب "الخضر" بالاضافة الى ممثلين عن المجتمع المدني الايطالي من المؤسسات الصناعية والحرفية الى النقابات والمحيط الجامعي والمدرسي.
وهنا تتذكر فلافيا ان ميشال سالفاتيكا، وهو سياسي ايطالي، قال لرومانو "في العمق من الممكن ان تمثل نقطة التقاء كل هذه الحساسيات، فتحدث التوازن بين كل المواقف"، وذلك اثناء واحد من هذه الاجتماعات ذات الصبغة السياسية، لتضيف ان هذه الملاحظة شخصية ويمكن ان تكون القراءة التي اعطتها لها شخصية كذلك.
استمرت اللقاءات في الاسابيع والاشهر التي تلت ومن بين ما تذكر فلافيا ان رومانو كان يلتقي دوما بالاب جيوساب في اوليفيتا وفي عدد من المباني الدينية الواقعة على روابي مدينة بولونيا الايطالية، حيث قضى الاب دوسيتي آخر ايامه.

بوادر معارضة النظام السياسي
كان اول لقاء بين دوسيتي ورومانو عام 1994 وفيه عبر الاب عن انشغاله بالوضع العام في ايطاليا وقلقه من عدم وجود من يمثل المجتمع الايطالي في السلطة. كان الاب دوسيتي يرغب في اعادة بناء السياسة بعد الفساد الذي استشرى في اوصال الدولة والاحزاب السياسية.
ويقول رومانو ان الاب دوسيتي طلب من الجميع رصد جميع الاسماء المرجعية، بالاضافة الى رصد اسماء كل عقلاء المدن الذين بامكانهم المساهمة في اعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة. كان يظهر بان الاقتراح تجريدي وصعب التحقيق، خصوصا في وسط يغمره اليأس، غير انه كان فكرة قاعدية اسست لعمل من نوع آخر عرفته السنوات التي تلت، انطلق من تنصيب اللجان من اجل الدستور التي شارك فيها الاب دوسيتي في كل نشاط.
كان الاب جيوساب يستقبل مدعويه في اوليفيتو، في خلية صغيرة تتسع لسرير واحد وكانت كلماته توحي بانه يسعى لان يقوم بشيء ما لتغيير الاوضاع مثلما هي الحال بالنسبة لرهبان مونتيسول. واستمرت لقاءات برودي لكن هذه المرة مع الشخصيات السياسية الايطالية وكان من بينهم ماسينو داليما احد اهم زعماء ديموقراطيي اليسار ورئيس مجلس الوزراء ما بين 1998 و2000
بدأت الافكار تختمر في ذهن رومانو برودي بمساعدة تلميذه اندريا بابيني الذي يدير مؤسسة للاستشارات والمناجم- نت. وراح الاثنان يرصدان مشاكل ايطاليا وازماتها نقطة نقطة في سبيل ضبط برنامج سياسي متكامل يستجيب لتطلعات الايطاليين.
بفضل مساعدة ليسيا ميناردي، قضى اندريا بابيني ساعات من العمل لضبط كل الملفات من خلال اللقاءات التي عقدها والشخصيات التي التقاها، فيما انشغل رومانو باعادة بناء اهم نقاط النقاش السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلد.
لقد عاد الاثنان الى التحاليل التي قدمها البرنامج المتلفز »زمن الخيارات« لدى تطرقهما للعديد من المشاكل التي تعاني منها ايطاليا ثم قاما بتصميم جدول يرصد اللاتوازن الذي يعاني منه الاقتصاد الايطالي، وعلى الخصوص ما تعلق بالحجم الهائل للديون، فيما اهتم رومانو بتسجيل ملاحظاته حول اهم المشاكل التي تخص القطاعات الاقتصادية، بالاضافة الى قطاع العدالة وضرورة اعتماد الاصلاح المؤسساتي وبوتيرة اسرع.

أولى مخرجات رومانو برودي
كان اومبارتو بونافيني، مدير مجلة لاغازات دو ريجيو، يحاور رومانو برودي سنويا، على اعتباره شخصية من اهم شخصيات مدينة ريجيو ايميليا. نشر الحوار في اغسطس من عام 1994. وفيه ادلى رومانو باول تصريح سياسي له، لكنه لم يتم في شكل حوار وانما على شكل لقاء عام بطلب من الساندرو كاري، رئيس بلدية كاربينيتي، الذي سعى لدى مدير الجريدة حتى يكون اللقاء عاما امام الملأ وفي حديقة في منتزه فاليسترا.
امتد النقاش ليتطرق رومانو برودي الى الوضعية الاقتصادية في ايطاليا ثم الى انتقاد حكومة برلوسكوني، حيث اعلن نيته صراحة دخول المعترك السياسي بصفة مباشرة بسبب الوضعية الصعبة التي تعيشها ايطاليا وعزمه تقديم مشروع سياسي جديد.
ارسل مدير مجلة لاغازات دو ريجيو الحوار الى جميع وكالات الانباء، ليشكل ما جاء فيه حدثا لما تبقى من فصل الصيف، ومنذ ذلك الحين بدأ النشاط السياسي لرومانو برودي، الذي ادلى فيما بعد بحوار آخر لصحيفة الباييس الاسبانية بمناسبة زيارته لبرشلونة الاسبانية.
وفي حواره مع الباييس جزم برودي بان العقدة التي ينبغي على ايطاليا تجاوزها تفرض ايجاد حل يمكن من تسيير البلاد بطريقة افضل، وكان هذا التصريح بمنزلة اعلان عن استعداد برودي لحمل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للايطاليين على عاتقه، حسبما اوردته زوجته فلافيا، التي تؤكد ان هذه المرحلة من حياة زوجها قدمت لايطاليا مسارا جديدا متكاملا وليس برنامجا ورقيا لان البرامج في نظرها بقيت دوما ميتة في نظر الناخبين الذين يتطلعون الى ما هو اضمن واجود وفيه استمرارية وافكار تسعهم جميعا.

»الأوليفو« او الزيتونة ؟!
كان على رومانو برودي ان يبحث عن مصطلح يؤسس به لمرحلة اعادة بناء ايطاليا، بعد ان بدأت الصحف الايطالية تتحدث عن احتمال تجمع عدد من التيارات السياسية في تحالف معارض لليمين الوسط. عرفت وتيرة هذا التحالف تسارعا ملحوظا، بعد ان سرب جيوفاني بيانشي، وهو برلماني ينتمي الى الحزب الشعبي، فحوى الاجتماع غير الرسمي، الذي جمعه برومانو برودي واندرياتا وآخرين، ومفاده: فرضية الاعلان عن ميلاد تحالف بين قوى واحزاب سياسية مختلفة، يمكن ان يقدم رومانو برودي مرشحا عنه لرئاسة مجلس الوزراء.
غير ان الصحف الايطالية التقطت الخبر وقدمته في اشكال لم تكن منتظرة تماما بالنسبة لبرودي. فقد قيل ان برودي القى بنفسه في وسط المعركة، وهي الجملة نفسها التي استعملها سيلفيو برلوسكوني، للقول ان رومانو برودي دخل السياسة.
وعلى الرغم من الهجوم الاعلامي الذي استهدف شخص برودي، فان فاكسات ورسائل المساندة لم تتوقف عن التواتر على مكتبه بشارع كاريولي الواقع في بولونيا، فالجميع ابدوا استعدادهم للمشاركة في هذه المغامرة السياسية. بدأت الحركة تكبر شيئا فشيئا. وكان ينبغي تنظيمها، فتم اقتراح انشاء جمعية اتخذت لها تسمية "ايطاليا التي نريد"، وعقدت اول ندوة صحفية لها في فبراير عام 1995، لينضم اليها لاحقا كل من الحزب الديموقراطي الاشتراكي والخضر والحزب الشعبي وحركة ديني والاشتراكيين.
في هذه الفترة بالذات، ظهرت تسمية »الاليفو« او الزيتونة. وتقول فلافيا "لقد جلسنا في منزلنا في بولونيا برفقة العديد من المعاونين لتحضير الندوة الصحفية التي كان ينتظر ان يعقدها برودي في اليوم التالي. كنا نبحث عن مصطلح يمكن ان يصف مشروعنا، بالطبع كانت السنديانة (رمز ديمقراطيي اليسار) هي من اوحت لنا بفكرة العثور على رمز يكون نبتة.
وتتابع فلافيا كان علينا ان نتعرف إلى خصائص شجرة الزيتون، فهي تنمو في مناطق البحر المتوسط وجذورها تمتد عميقا في الارض وعدد العقد بجذعها قليل، فكانت تمثل الصورة التي نود رسمها، شيء قوي بشكل اقل تعقيدا. لم يكن احد يظن آنذاك ان الحركة ستصبح حركة الزيتونة، فما دار في منزل رومانو برودي لم يكن سوى احاديث عابرة، لكنها استحالت حقيقة بعد ان عرف الرمز نجاحا كبيرا، لتصبح لجان برودي فيما بعد لجانا من اجل الزيتونة.

في الـحافلة
كان رومانو برودي يحاول اكتشاف قدرات البلاد بعد تحديد مشاكلها ولكن كان ينبغي عليه زيارة كل المدن الايطالية للاطلاع عن كثب على ما يحصل فيها، ولكن كيف سيستطيع زيارة المدن المائة التي حددها؟ اسوة بالرؤساء الاميركيين الذين عادة ما يلجأون الى استخدام حافلة في حملاتهم الانتخابية بعد ان يحولوها الى مكتب خاص لهم، فعل رومانو الشيء نفسه بعد ان جهز له معاونه نوسمينا حافلة قديمة بجهاز فاكس وطاولة وثلاجة وحاسوب، فيما وضع خارجها صورة عملاقة لبرودي، في الوقت الذي نظم فيه المعاون الثاني جيوليو سانتاغاتا المسار وضبط المحطات التي يتوجب الوقوف عندها.
تقول فلافيا: »كنا نرصد في كل محطة المشاكل المستعصية ونتصل مباشرة بالمجتمع المدني لمعرفة دقائقه واهتماماته وآلامه كذلك، وكنا نعنى اكثر بالجانب الاقتصادي، كما كان لمعرفة رومانو بالخصائص الجغرافية والاقتصادية للمناطق الايطالية بالغ الاثر في تحديد كوامن ضعف الاداء الحكومي«.

جمع الاقتراحات
ساعدت رحلة الحافلة رومانو في جمع العديد من المعلومات والمعطيات بخصوص الوضع، كما ساعدته على تحرير اقتراحاته وبرنامجه، بعد ان تمت مناقشة كل المعطيات خلال اجتماعات طويلة عقدها مع كل من جيوفاني ماريا فليك وستيفانو زاماقني ولويجي سبافانتا ولورا مارشيتي وجياني بونفيسيني وفاليريو اونيدا وكلهم خبراء في قطاعات مختلفة.
تم نشر المقترحات كاملة، وعددها 88 مقترحا، بتاريخ 6 ديسمبر 1995 وباسم »الاوليفو« بعد ان صادقت عليها الاحزاب السياسية المشاركة في التحالف، لتكون البرنامج الذي قاد رومانو برودي لرئاسة وزراء ايطاليا لاول مرة.

يتبع الحلقة الرابعة: عاونو برودي كانوا متفائلين بفوزه أما زوجته فلا






الصفحة الرئيسية (http://www.alqabas.com.kw/default.aspx?date=13072008) http://www.alqabas.com.kw/images/MenuSep.jpg كتب (http://www.alqabas.com.kw/Category.aspx?id=300&date=13072008)

عدد القراء : 1009 [/URL]



http://www.alqabas.com.kw/images/comments.png http://www.alqabas.com.kw/images/email.png http://www.alqabas.com.kw/images/save.png http://www.alqabas.com.kw/images/printer.png http://www.alqabas.com.kw/images/pdf.gif (http://www.addthis.com/bookmark.php?v=200&winname=addthis&pub=alqabas&source=tbx-200&lng=en-US&s=facebook&url=http%3A%2F%2Fwww.alqabas.com.kw%2FArticle.aspx %3Fid%3D412621%26date%3D13072008&title=%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A9%20%D8%A7%D9%8 4%D9%82%D8%A8%D8%B3%20%3A%3A%20%D9%83%D8%AA%D8%A8% 20%3A%3A%20%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7 %D9%84%D9%82%D9%84%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A85%20.%20 %3A%3A%2013%2F07%2F2008&ate=AT-alqabas/-/-/4cf029f36cffafa4/1&CXNID=2000001.5215456080540439074NXC&pre=http%3A%2F%2Fwww.alqabas.com.kw%2FDefault.aspx %3Fdate%3D13072008&tt=0) http://www.alqabas.com.kw/images/SmallA2.pnghttp://www.alqabas.com.kw/images/reset.pnghttp://www.alqabas.com.kw/images/SmallA1.png 13/07/2008


شهادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسة ثم السياسة ومشاكل إيطاليا سياسة القلـــب5 .

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C13%5C961ee6ce-3a76-4f3e-8119-47ca78bc28e6_main.jpg فلافيا برودي في ضيافة هيلاري كلينتون في البيت الابيض الاميركي
* تأليف رومانو وفلافيا برودي
* ترجمة سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلفيو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 25 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

علاقة الزوجين برودي بشيراك ساهمت في حل مشكلة ألبانيا
فلافيا ارتدت التشادور الإيراني فثار الإيطاليون عليها
قضى الزوجان برودي فترتين من حياتهما في روما وبروكسل. وكانت التجربتان مختلفتين تماما، لأن رومانو برودي عمل خلالهما في مؤسستين مختلفتين تماما. ولما تولى منصب رئيس الوزراء أقام برفقة عقيلته فلافيا في شقة تقع وسط المكاتب في الطابق الثالث لقصر »شيجي« الآهل كمقر لرئاسة الوزراء في ايطاليا. وكانت شقتهما تتكون من صالون كبير وقاعة للطعام وغرفة صغيرة علقت على احد جدرانها لوحة للرسام الايطالي دومينيكو زامبيرين، بالإضافة إلى غرفة نوم كبيرة، غير أن الشقة استلمها بأثاثها القديم.
تقول فلافيا إنها كانت تجلب احد الأسرة إلى الغرفة الصغيرة، كلما كان عليها استقبال ولديها في القصر، مشيرة إلى أنها السيدة الأولى التي سكنت هذه الشقة، التي كانت تستغل فقط خلال اللقاءات الرسمية أو خلال اجتماعات العمل، حيث تحتوي على باب يتصل مباشرة بقاعة اجتماعات كبيرة جدا، هي مقر المفاوضات التي عادة ما تتم بين الحكومة والنقابة والباترونا، أي رجال الأعمال.
كان على الزوجين السكن في الشقة بعد أن أصبح رومانو نائبا ورئيسا لمجلس الوزراء لأنهما لم يكونا يملكان سكنا في روما. وعلى الرغم من الطابع الرسمي للمبنى، فان فلافيا تقول إنها عاشت فيه حياة عادية، استغلت كل دقيقة منها.
وأما في بروكسل، فكان الزوجان يقيمان في شقة تتربع على مساحة 130 مترا مربعا وتقع في الطابق الثامن في عمارة بجانب حظيرة تدعى »الخمسينية نغير« بعيدا عن مقر المفوضية وتضم غرفة نوم إضافية للأولاد. وتقول فلافيا انها كانت تشعر بان شقة بروكسل صممت لها بينما صممت شقة قصر رئاسة الوزراء لقصر شيجي.
رئيسة لجمعية نساء أوروبا
ترأست فلافيا، شرفيا، جمعية نساء أوروبا طوال فترة عمل زوجها بالمفوضية الأوروبية. هي جمعية للنساء اللواتي يعملن أو يقمن في بروكسل وهدفها جمع تبرعات لدعم المشاريع الصغيرة في البلدان السائرة في طريق النمو أو تلك التي تواجه الفقر، بالإضافة إلى نسج علاقات بين المقيمين في بروكسل من المنحدرين من جنسيات مختلفة.
تقول فلافيا انه نادرا ما كانت ترافق زوجها في الزيارات الرسمية، إلا ما تعلق منها بقمة الثمانية الكبار أو القمم السنوية للدولة الأكثر تصنيعا وبعض الزيارات إلى الدول الأوروبية، ذلك أن زوجات رؤساء دول أوروبا قلما يشاركن في اجتماعات الاتحاد الأوروبي، لأنها قصيرة وتتم بصفة دورية بالإضافة إلى أن حضورهن يكلف الشيء الكثير لما تفرضه الترتيبات الأمنية المرافقة لهن.
تختلف طبيعة العمل بين روما وبروكسل، بحسب فلافيا، فكل شيء في قصر "شيجي" كان يظهر لها استثنائيا عكس بروكسل. وإذا ما كانت وتيرة العمل في العاصمة البلجيكية عادية، فإنها مكثفة في روما، حيث يتغير جدول الاعمال مرات عدة بما يتناسب والأحداث المستجدة.
وعن التغيير، أو »النقلة« التي عرفتها حياتها كزوجة رئيس الوزراء، تقول فلافيا أن ذلك انعكس على عملها، بحيث أصبحت تستقبل زوجات الرؤساء اللواتي يتوافدن على ايطاليا وكان مكتب البروتوكول يمدها كل مرة ببيان السيرة الذاتية للسيدة التي ستستضيفها حتى تتمكن من التواصل معها بسهولة.
في لقاء برناديت شيراك
أول سيدة استقبلتها فلافيا بصفتها زوجة لرئيس الوزراء كانت برناديت، زوجة الرئيس الفرنسي (السابق) جاك شيراك، في أكتوبر عام 1996، وقد بذلت فلافيا قصارى جهدها لتضبط لها برنامجا يناسب اهتماماتها، بعد أن أطلعها مسؤولو البروتوكول، بان زوجة الرئيس الفرنسي منشغلة بالسياسة وهي نائب محلي وشغوفة بعلم الآثار وتاريخ الفن.
اكتشفت فلافيا في نهاية زيارة شيراك أن عليها أن تحضر نفسها جيدا أثناء استقبالها للشخصيات الدولية، بالاطلاع على كل معطيات ومشاكل ايطاليا حتى تكون في المستوى وتتمكن من الإجابة على أي تساؤل يمكن أن يطرح عليها، بالإضافة إلى التمرن على بعض الخطابات المتعلقة بهذه المسائل باللغة الإنكليزية .
في البيت الأبيض
كانت زيارة الوزير الأول الإيطالي إلى الولايات المتحدة في عهد بيل كلينتون الأكثر رسمية وتأثيرا في الزوج الايطالي، مقارنة بكل الزيارات التي قام بها رومانو برودي، ذلك أن الزيارة حسب فلافيا هي ثمرة عمل مكثف سعى من خلاله إلى إعادة بناء العلاقات بين البلدين.
سعت هيلاري كلينتون، أثناء استضافتها لزوجة رئيس الوزراء الايطالي، حتى تكون الرحلة موفقة جدا على جميع الأصعدة، ما دفع فلافيا إلى وصف عمل مضيفتها بالاحترافي. فقد حرصت السيدة الأميركية الأولى على ضرورة ارتقاء التغطيات التلفزيونية للحدث من خلال تنظيم لقاءات مع التلفزيون أو الصحافة المكتوبة.
وتشير فلافيا إلى أن هيلاري كلينتون لم تكن تنسى أبدا أن تدعوها إلى الاستلقاء على أريكة الصالون حتى تسترخي عضلاتها وترتاح أقدامها، كما كانت تسألها عن دقائق الحياة الايطالية من المدرسة إلى المرافق الصحية إلى دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمناطق الصناعية.
العلاقات الشخصية.. والدولية
تقول فلافيا برودي انه في كثير من الأحيان، تهيأ لها بان الكثير من القضايا المعقدة يمكن أن تجد لها حلا بعيدا عن الموائد الرسمية. وتحكي كيف ساعد القدر في حل مشكلة ألبانيا بعد لقاء جمع الزوجين الايطاليين بالرئيس الفرنسي جاك شيراك وزوجته برناديت أثناء إحياء باريس للذكرى الثمانين لوفاة عازف الكمان مستيسلاف روستوروبوفيتش.
كانت ألبانيا آنذاك تعيش على وقع مظاهرات دامية بعد انفجار عدد من الفضائح المالية. وكان على الدول الأوروبية التحرك لمواجهة الأمر من خلال عملية "ألبا" التي تقتضي إرسال فرق عسكرية أوروبية إلى المكان لإعادة الأمن. لكن ايطاليا، التي تكفلت بالتنسيق بين الدول الأوروبية الأخرى، وجدت نفسها وحيدة في التعامل مع القضية بعد أن عزف جيرانها عن مساعدة ألبانيا.
تقول فلافيا أن القدر ساقها هي ورومانو إلى باريس، وبعد العشاء الذي أقامه شيراك وحرمه على شرفهما، تناقشا في الموضوع وحللا كل جوانبه، ليقرر الرئيس الفرنسي بعد مغادرة رئيس الوزراء الايطالي المشاركة في عملية "البا" وإرسال 1000 عسكري فرنسي للعمل تحت أوامر القيادة الايطالية.

فلافيا والتشادور الإيراني
بعد سنوات طويلة، توجه رئيس الوزراء الايطالي عام 1998 إلى إيران في زيارة رسمية. كانت الزيارة معقدة جدا، ذلك أنها كانت تهدف إلى الاعتراف لإيران بانفتاحها بالإضافة إلى تضييق الهوة الكائنة بين البلدين، خصوصا ما تعلق منها بالحقوق والحريات.
تقول فلافيا إنها واجهت الكثير من الانتقادات بسبب الصورة التي التقطت لها وهي ترتدي التشادور والعباءة الطويلة، بعد أن نشرتها العديد من الصحف المحلية والدولية. وتضيف "لم نكن قد تعودنا على ذلك عكس الآن بعد أن ألفنا رؤية صور الغربيات وهن يرتدين الخمار أو التشادور في البلاد الإسلامية، خصوصا الصحفيات اللواتي يشتغلن مراسلات في العراق مثلا".
تتذكر فلافيا أنها ردت على هذه الانتقادات وشرحت كيف قبلت المشاركة في هذه الزيارة وأهمية اتصالها بالعالم الخارجي، بدل الانغلاق والانعزال، لتضيف ان الانتقاد لم يكن مباشرة لطريقة لبسها التشادور وإنما لأنه كان شرط الإيرانيين لتزور بلادهم خصوصا انه أصبح إجباريا منذ عام 1979 مباشرة بعد الإطاحة بنظام الشاه.

ايطاليا في منطقة اليورو

كانت أوروبا، ولا تزال، مرجعية بالنسبة لفلافيا التي دأبت منذ طفولتها على التمسك بالاعتقاد ذاته، لكنها لا تعرف إن كان أفراد جيلها فقط من يبادلونها الشعور ذاته. وبالنسبة لها لا يمكن أبدا لايطاليا، أو بلد أوروبي آخر، أن يحل مشاكله بمعزل عن القارة الأوروبية، التي يبغي لها أن تؤسس لنفسها سياسة قارية مرتبطة بالمصير المشترك للأوروبيين.
لم يكن لايطاليا أن تتحول اقتصاديا واجتماعيا في نظر فلافيا دون علاقة وطيدة تجمعها بأوروبا ودون انخراطها في المشاريع الأوروبية الكبرى. ولذلك تعين عليها تغيير نمط الحياة المعتمد فيها والكثير من العادات على الصعيدين الاجتماعي والثقافي في وقت كانت تعيش فيه أسوأ أيامها بسبب التضخم المالي.
عادت ايطاليا إلى الساحة السياسية الأوروبية بعد أن وصل رومانو برودي إلى رئاسة الوزراء، وتمكنت حكومته من اجتياز السنوات الصعبة. ففي التسعينات من القرن المنصرم لم تتمكن ايطاليا من الالتحاق بالموقعين على اتفاقية »ماستريخت« بعد أن فشلت في استيفاء الشروط المطلوبة. وكان ميزانها التجاري آنذاك يعاني من عجز كبير بسبب نسبة التضخم المرتفعة، ما حال دون إدراج الليرة الايطالية ضمن النظام النقدي الأوروبي.
وعلى الرغم من كل هذه المشاكل، انتهت ايطاليا بحلها لتصبح من بين الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي وخاطرت في دخول منظومة العملة الموحدة .

توسع أوروبا
حددت المفوضية الأوروبية ثلاثة أهداف رئيسية لها، أولاها توحيد العملة الأوروبية لتصبح اليورو ثم توسيع الاتحاد فوضع دستورا أوروبيا.
وإذا كانت أوروبا قد نجحت في توحيد العملة، فان مشكلة التوسع لتضم تركيا في طريقها للحل تدريجيا بحسب رومانو برودي، الذي يؤكد أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سيكون ، وان لم يحدد لذلك تاريخا معروفا، وذلك من خلال تصريحات المسؤولين الأوروبيين في مختلف اللقاءات والقمم.
ومع ذلك يرى رومانو ان مشكلة تركيا تعقدت، لان على التوسع الأوروبي أن يهدئ الرأي العام الداخلي والخارجي أي على مستوى تركيا وبلدان الاتحاد، ليضيف ان هذا البلد يواجه في المرحلة الراهنة سلسلة جديدة من المشاكل منها ما هو مرتبط بمساحته الكبيرة وتنوع ثقافاته، وأخرى بعدد من المشاعر المرتبطة بالتاريخ، وإذا كانت رسالة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا تشهد على تعددية وقوة الاتحاد، فان على أوروبا كذلك أن تحافظ على انسجامها وهويتها التي يميزها وتجعل منها اتحادا قويا في القرون المقبلة.

وحدة أوروبا تستدعي إرادة شعبية
يمثل الدستور الأوروبي ثالث هدف وثالث مرحلة في السنوات الخمس التي قضاها رومانو برودي في بروكسل، ذلك أن قادة أوروبا فهموا ضرورة احتواء الاتحاد على قواعد عمل جديدة.
يقول رومانو أن الدستور الأوروبي يُعنى بالمشاكل التي أفرزتها العولمة من خلال اقتراحه لعقد ديموقراطي مناسب للمرحلة التي تعيشها أوروبا، ويختلف تماما عن الأسس التي قامت عليها الدول الأمم وهو ما يوقع لمرحلة جديدة في تاريخ أوروبا كلها.
تم التوقيع الرسمي على الدستور الأوروبي في روما خلال احتفالية كبيرة وفي حضور ممثلي كل الدول الأوروبية، الذين عبروا عن رضاهم الكامل، لكن المفاجأة التي واجهت الجميع كانت أثناء عرض الدستور للمصادقة، أي عندما رفض الفرنسيون والهولنديون نص المشروع بعد عرضه عليهم خلال الاستفتاء الشعبي.
أوروبا بحاجة ماسة إلى ميثاق مشترك، بحسب رومانو برودي، الذي يرى ان الزمن والصبر كفيلان لوحدهما بوضع أوروبا على السكة، مضيفا أنه متأكد من تصويت الأوروبيين كلهم لمصلحة الدستور الاوروبي لو تم تنظيم الاستفتاء في الموعد نفسه، ذلك أن لا أحدا يمكنه أن يقف حجر عثرة أمام الوحدة الأوروبية.
لقد عبرت الشعوب الأوروبية عن وحدة قرارها فيما يتعلق بالقضايا الوطنية والأوروبية، لكنها رفضت المحيط الاقتصادي والاجتماعي الحالي أكثر من رفضها لنص الدستور. وعليه فان وحدة أوروبا تستدعي، حسب برودي، إرادة شعبية تتطلب دون شك فترة من التفكير المتمعن والطويل.

(يتبع الحلقة السادسة والأخيرة)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C13%5C9bede1bb-d928-4f61-a202-9fdc8842dc4f_maincategory.jpg
[URL="http://www.alqabas.com.kw/AuthorArticles.aspx?id=1559&date=10072008"]

البريمل
28-11-2010, 08:10 PM
شهادة زوجين جمعتهما مقاعد الدراسة ثم السياسة ومشاكل إيطاليا سياسة القلـــب (6)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C16%5C0d8612a0-f9af-4868-ab6f-63b4a4d5f16c_main.jpg

* تأليف رومانو وفلافيا برودي
* ترجمة سليمة لبال
تعرفا على بعضهما البعض في ريجيو ايمليا مسقط رأسهما، حيث عاشا تجربة الحياة الجامعية الايطالية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وتزوجا ايضا عام 1969، انهما فلافيا فرونزوني ورومانو برودي رئيس الوزراء الايطالي السابق.
لقد اصبحت فلافيا مرجعية في عالم التكوين الاجتماعي في ايطاليا بسبب نشاطاتها، كما تمكن رومانو في انتخابات ابريل 2006 من كسر شوكة سيلفيو برلسكوني صاحب الامبراطورية المالية والاعلامية ليكسب بفضل برنامجه وتحالف »اليونيون« اصوات الهيئة الناخبة الايطالية بعد مشوار طويل قضاه في الجامعة استاذا للاقتصاد. ثم رئيسا للوزراء من مايو 1996 الى اكتوبر 1998 بواسطة تحالف اليسار الوسط - الاوليفا - الذي اقامه، فرئيسا على مدى خمس سنوات للمفوضية الاوروبية التي اشتغلت طويلا لتحقيق وحدة اوروبا جغرافيا ونقديا بعد ان توسعت الى 52 دولة، وصار اليورو عملتها الموحدة.
واذا ما كان الكتاب الذي تعرضه »القبس« على حلقات وليد افكار فلافيا في البداية، فإنها سرعان ما ارتأت ان تخطه الى جانب زوجها الذي تقاسمت معه سنوات من الضغط والجهد في سبيل تغيير صورة ايطاليا التي عاشت على مدى سنوات ازمة اقتصادية خانقة بسبب الفساد الذي استشرى في اركان الدولة.. والذي عاد يقوى مجددا مع عودة برلسكوني الى رئاسة الوزراء.
»سياسة القلب« هو شهادة زوجين جمعتهما الجامعة ثم السياسة ومشاكل ايطاليا، هي محطات يتوقف عندها كل من رئيس الوزراء الايطالي السابق وزوجته وننقلها للقراء لاكتشاف جانب آخر من اوروبا.

حرص دوما على إبراز الجذور المسيحية لأوروبا
برودي الـحداثي.. شغوف برواية »الإخوة كارامازوف«

كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة موضوع نقاش كبير في اوروبا. ويروي رومانو برودي انه كان يتبادل الحديث في الموضوع مع زملائه في الجامعة خلال الفترة ما بين نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي. وكانوا يعودون دوما في ذلك الى دراستهم وقراءاتهم، غير ان طلبة الفلسفة كانوا يرجحون الكفة في تحليلاتهم لما يوافق ما درسوه نظريا، مفضلين بذلك الفصل بين سيادة الكنيسة وسيادة الدولة، فيما كان آخرون يفضلون اعتماد التحليل التاريخي، فتراهم يحللون المشوار كله، اي منذ ميلاد الدولة الايطالية الى تطورها الى النظام الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية في القرن العشرين.
وعلى الرغم من تباين الرؤى، فإن الطلبة الايطاليين كانوا يتحدثون دوما عن كتاب ارتورو كارلو جيميلو المعنون بـ »الكنيسة والدولة في ايطاليا خلال المائة عام الاخيرة«، اي منذ نهاية الحكم البابوي وترسخ مبدأ »كنيسة حرة ودولة حرة«، الى مرحلة اقصاء الكاثوليك من الحياة العامة وصولا الى الاتفاق القاضي باعادة ادماج الكاثوليك في الحكومة الديمقراطية في ايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
يقول برودي ان كتاب جيميلو افاده كثيرا في معرفة تاريخ ايطاليا واحتفظ به طويلا في مكتبته، الى غاية ان اعاره لفلافيا، وكانت آنذاك لا تزال في السنة الجامعية الثانية، كما استعانت به في تحضير دراسة مونوغرافية استعدادا لامتحانها في مادة التاريخ المعاصر.

مع مرور الوقت، خفت حدة الصراع داخل الكنيسة الكاثوليكية بخصوص المسائل الكبرى، كما تراجع حجم التوتر وقل الاختلاف في وجهات النظر ليفقد النقاش والجدل الذي كان سائدا في وقت مضى رونقه وثراؤه ايضا.
ويقول برودي انه اكتشف ان الايطاليين غير محضرين بالشكل الكافي لمواجهة المشاكل الجديدة التي يعرفها مجتمعهم، ومع ذلك اكد ان النقاش بخصوص العلمانية داخل العالم الكاثوليكي ساهم بشكل كبير في تطور المجتمع الايطالي، ذلك انه يعود الى القرون الاولى التي عرفت ميلاد المسيحية.
واليوم، فان وظيفة الكنيسة معروفة في ايطاليا من خلال رسالة الى ديونات، وهي رسالة لا تحمل توقيعا، لكنها تعود الى القرن الثاني ومعروفة منذ فترة قصيرة فقط في اوساط المختصين وفي الدوائر الضيقة. وتوجه الرسالة الخطاب التالي للمسيحي انتماءين دوما، سواء كان قسا او لائكيا ،ما يفرض عليه واجب طاعة الكنيسة والدولة في الوقت ذاته.
وفي نظر برودي، فان الموضوع الرئيسي حاليا ليس العلاقة التي تجمع الكنيسة بالدولة، وانما تلك الموجودة بين المسيحية والسلطة ،حيث يختلف نمط التفكير حول العلاقة بين الاخلاق والحق ليضيف: »علينا ان نتقبل ان العولمة اكدت ان الدولة غير قادرة على التحكم في الظواهر والمشاكل الكبيرة، لانها تتجاوز الحدود الجغرافية«.

العلمانية والسياسة
يقول برودي: »كان يظهر لي ان الوقت قد حان لاستعادة الخطاب الذي استمعت اليه ايام دراستي في كلية اوغوستينيانيوم، والقاضي باعادة بناء النظام السياسي الايطالي، وذلك بعد ان أُسقط جدار برلين وانقسمت الاحزاب السياسية الايطالية، لقد قدمنا في هذا الجو المشحون بالتطلعات مشروع الاوليفو بهدف انشاء تحالف ديمقراطي تشارك فيه كل الحركات الاصلاحية، من الكاثوليك الديموقراطيين الى الاقتصاديين الى الخضر والليبيراليين الديمقراطيين«.
وبنظر برودي، فان جمع مختلف الحساسيات السياسية في ايطاليا ودفعها الى تحرير مشروع حكومي واحد غايته ضمان الاحترام الكلي للمبادئ الاخلاقية والروحية التي يحملها المجتمع الايطالي في جذوره، صعب جدا، ذلك ان كل مشروع سياسي بحاجة الى جذور وآفاق لا تقتصر على السياسة والاقتصاد فقط. ولهذا السبب دافعت طيلة تواجدي على رأس المفوضية من اجل مشروع اوروبي يعتمد على قواعد اخلاقية.
وهو ما حصل بالفعل، على عكس الانتقادات التي وجهت اليه، من انه بلا روح ولا مضمون. فالمشروع الاوروبي هو المشروع السياسي العصري الوحيد الذي حدد السلم اول اهدافه بالاضافة الى انه اعطى مفهوما جديدا للحياة المدنية والسياسية، بامكانه تجاوز عجز وحدود الدولة الامة.
الجذور المسيحية لأوروبا
من الصعب جدا تلخيص تاريخ بناء الاتحاد الاوروبي، والدور الريادي الذي لعبته الاعتقادات الدينية، التي ساعدت على تطور التفكير بخصوص الجذور الروحية للقارة الاوروبية، وساهم في ترسيخها الآباء السيد دو غاسبيري وروبرت شومان وكونراد اديناور.
لقد كانت لهذه المسالة اهمية كبيرة طيلة المرحلة الاخيرة من عهدة رومانو برودي على رأس المفوضية الأوروبية، سواء في اطار هذه الاخيرة التي حررت مشروع الدستور الاوروبي او على مستوى الرأي العام بحيث حاول ادراج المرجعية الدينية، لتجسيد ما كان يردده جون بول الثاني »جذور مسيحية لاوروبا«. ويقول برودي انه يتطرق دوما للفكرة، لما لها من مدلولات موضوعية وايضا لانه كان دوما الى جانب الحفاظ على الاساسيات الثقافية والروحية لاوروبا، بما في ذلك عدم تجاهل الدور المسيحي للقارة الاوروبية، فالامر بالنسبة له جوهري و يستدعي تحركا على اكثر من صعيد.
تشترط المصادقة على الدستور الاوروبي قبول كل شعوب الدول الاوروبية، لكن الامر ما زال متوقفا على فرنسا وهولندا، اللتين ترفضان ان يحكم اوروبا دستور بهذا الشكل والمواصفات، وهما الدولتان اللتان تجذرت فيهما العلمانية وعصفت فيهما السياسة بكل التجارب الدينية، خصوصا وان الاهتمام في اوروبا في الوقت الراهن يخص الحدود المتوجب فرضها على الوظيفة الدينية مع تناسي كل ما يمكن ان تمنحه للحياة العامة.
يتذكر رومانو برودي كيف توسل اليه الرئيس الفرنسي ليعيد الى جيبه الورقة التي تضمنت اقتراحه لتعديل المادة المتعلقة بالجذور المسيحية لاوروبا، ذلك ان شيراك رفضها تماما لانها تشرح بالتفصيل الصراعات الداخلية التي عاشتها فرنسا. وفي الحقيقة يشير برودي الى ان اقتراحه لم يكن متعارضا مع مقومات اوروبا الجديدة وانما مع تاريخ فرنسا.
ويشير رومانو الى ان المبادئ التي يقوم عليها الدستور الاوروبي، سواء ما تعلق منها بالاعتراف بحقوق الافراد والمجتمع وحماية الاقليات وما الى ذلك. كلها مستمدة في العمق من المسيحية، بل هي نتيجتها وان رفضها كمرجعية ليس له علاقة بالوضعية الحالية وانما يعود الى سلسلة الصراعات التي عرفتها اوروبا في السابق، والتي بامكان الاتحاد الاوروبي ان يوقفها نهائيا.

واذا ما استحال على رومانو برودي ان يبرز الجذور المسيحية في ديباجة الدستور الاوروبي، لكنه ضمنها في المادة 52 التي تعترف بحقيقة الكنائس والاتفاقات التي ابرمت مع الدول الاعضاء، بالاضافة الى اعتراف المادة بدور الكنائس كمحدث ومحاور مفضل داخل مؤسسات الاتحاد الاوروبي، وهو ما يطلق عليه برودي تسمية »الحوار البنيوي«، الذي يمثل خطوة كبيرة مقارنة بالماضي وبكل مواثيق ودساتير الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي.

ويقول رومانو ان النقاش بخصوص البعد الروحي لاوروبا، ليس وليد اللقاءات الخاصة بتحرير الدستور الاوروبي، وانما وليد دراسات كثيرة سبقت تشكيل مجموعة عمل العام 2002 بهدف العمل بحذر لايجاد الابعاد الثقافية والروحية لاوروبا الجديدة.
تواضع فلافيا
تقول فلافيا ان تأليف الكتاب دفعها الى التطرق للعديد من الاحداث، كما اعاد الى ذاكرتها يومياتها ما بين التدريس وتنظيف البيت والتردد على مدارس ومدرسي ولديها والتسوق، بالاضافة الى مرافقة جدتها للطبيب، والمشاركة في اجتماعات الكنيسة وايضا التحدث بلغة اجنبية عند حضور عشاء عمل رسمي مع مدعوين اجانب. ومع ذلك تقول فلافيا ان التدريس سلب عقلها لانها تحب ايصال ما تؤمن به وتفكر فيه بهدف اقناع الآخرين. يصعب على المراة في نظر فلافيا، ان توازن بين حياتها العائلية من متابعة الاولاد الى قضاء حاجيات شؤون البيت والحياة المهنية، التي كانت تقتضي بالنسبة لها السفر وتعلم اللغات ومع ذلك كانت تحرص اكثر على دراسة اولادها وعلى علاقتهم بالكنيسة وبفريق كرة السلة وعلى صداقاتهم مع اقرانهم وبدوره سعى رومانو الى دفع اولاده وتشجيعهم مثلما كان يفعل دوما في الجامعة مع تلامذته.
وان كانت فلافيا تعترف بان ولديها درسا في جامعات اجنبية، غير انهما يبقيان حسبها بولونيين الى اصابع قدميهما، ومنزلهما وعائلتهما وعملهما هنا في ايطاليا.
تتذكر فلافيا ان رومانو اهداها عندما كانا مخطوبين صورة كاريكاتورية رسمها شولتز وكانت معنونة بـ »الامن هو ...« لتضيف في حديثها عن الامن : كان الامن بالنسبة لشرويدر هو الانغلاق في علبة محمية ومعزولة، فيما كان بالنسبة لآخرين ان يكون لك اخ كبير او احد تعتمد عليه، احد يمكن ان يسدي لك النصح. تقول فلافيا انها لم تعط ولديها ابدا مصروف الجيب الاسبوعي او الشهري، وانها فضلت دوما بالاتفاق مع رومانو وضع قليل من النقود في كوب على خزانة توجد بقاعة الجلوس.
كان بامكان الولدين ان يأخذا ما يحتاجان لشراء البيتزا او المثلجات او للذهاب الى السينما. وتضيف فلافيا ان لا احد منهما صرف اكثر مما يجب ان يصرفه، واما بالنسبة للاجازات فكانت قليلة التكلفة وان ولديها تعلما الاستقلالية، حتى ان احدهما كان يجمع القطع النقدية التي يجود بها جديه عليه، وكانت هي احيانا تستعملها عندما تنسى المرور على البنك بعد ان تكسر الحصالة، من دون ان ينزعج ولداها من تصرفها.

تربية الأولاد على السياسة
من اهم واكبر مشاكل الشباب في الوقت الراهن عدم اكتراثهم بالسياسة، فهي امر لا يهم وغير مجد تماما بالنسبة لهم، وهو ما دفع فلافيا الى التأكيد على ضرورة ادراج السياسة في حياة الشباب وفي عملهم وفي المدرسة وفي اوقات الفراغ، الامر نفسه بالنسبة للتربية الدينية، التي ترى بان لها دورا كبيرا في تربية الاطفاء وتنشئتهم على الايمان و احترام القائد وتعميق معارفهم الثقافية من خلال القراءة .
تقول فلافيا ان مكتبة بيتها تحتوي على كتب متنوعة، الكثير منها قديم، ولكن غالبيتها تخص الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، التي لها علاقة مباشرة بعملها هي وزوجها. وتضيف ان برودي كان كثيرا ما ينصح الشباب بمطالعة رواية »الاخوة كاراموزف« للروسي ديستوفسكي، لانها برأيه تحتوي على مشاعر كبيرة وفيها الكثير من الامثلة حول الصراع ما بين الشر والخير.
تقول فلافيا ان النصيحة غريبة شيئا ما، ولكنها تعود الى قراءات رومانو المكثفة اثناء شبابه، لقد كان شغوفا بمطالعة مؤلفات تولستوي وتورجينييف وباسترناك، وكان دائما يعيب عليها بعد الزواج عدم اطلاعها على الادب الفرنسي والروسي.
ويرجع سبب اختلاف العادات بين رومانو وزوجته الى عدم توافر جهاز التلفزيون اثناء فترة شباب رومانو ما شجعه على ان يكون اكثر اقترابا من الكتب التي رافقته لسنوات عدة، على عكس فلافيا التي كبرت في الفترة التي عرف فيها التلفزيون اوجه.
وعلى الرغم من العلاقة الوطيدة التي تجمع رومانو بالكتاب، فانه فشل في توريثها الى ولديه، وهو ما ترجعه فلافيا الى الاختلافات الكائنة بين الاجيال المتعاقبة، خصوصا مع الثورة التكنولوجية التي قلبت العالم الى قرية صغيرة بفضل شبكة الانترنت، ومع ذلك تصر على اهمية التوازن ما بين التجديد والتجربة الانسانية. غير ان الغريب في كل هذا ان ينصح رومانو برودي بقراءة الاخوة كارامازوف وهو الذي نذر حياته للدعوة الى الحداثة والتجديد.


(انتهى)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C16%5C2ca95b25-b77a-4b41-9ba8-df9596d73ed2_maincategory.jpg > فلافيا برفقة أختها لورا ورومانو في شرفة معهد الاقتصاد في جامعة بولونيا


القبس

البريمل
29-11-2010, 12:53 AM
رعان ما طلق العمل العام في شيكاغو أوباما ورحلة البحث عن حل لمعاناة السود

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C21%5C6835ff96-a5df-4065-939c-c5bc3f1af7f5_main.jpg

كتاب "أميركا باراك اوباما"
تأليف: فرانسوا دوربار
واوليفيي ريشوم
ترجمة: سليمه لبال
لمع نجمه بسرعة في عالم السياسة الأميركية، ليصبح وهو محام شاب، السيناتور الأسود الخامس في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي، والسيناتور الوحيد في المجلس الحالي، ثم أول مرشح أسود للانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
نجح في ازاحة هيلاري كلينتون وهي السيناتورة البيضاء وزوجة رئيس سابق، من تصفيات الحزب الديموقراطي، وها هو يتقدم شيئا فشيئا نحو البيت الأبيض، في منافسة حامية الوطيس مع الجمهوري جون ماكين.
يصفه البعض بكيندي الجديد وبالحلم الأميركي، الذي سينقل أميركا من مجتمع أبيض وأسود الى مجتمع خلاسي، باختصار لقد أصبح رمزا للأقليات، التي تبحث عن الانتصار لعرقها في كل العالم.
انه باراك أوباما، هذا الأميركي ــ الأفريقي الأصل، الذي نجح في تصدر استطلاعات الرأي امام هيلاري، ونجح ايضا في اذابة الجليد بين البيض والسود، من أجل ان تنعم اميركا بالوحدة والتضامن.يتساءل الجميع كيف نجح هذا الأربعيني في سرقة الأضواء؟ وكيف تمكن من التعايش صبيا مع ثقافة أمه الأميركية وموروث والده الكيني وحياة زوج والدته الاندونيسي؟ ثم كيف رفع التحدي وانخرط في السياسة بفضل دعم زوجته ميشال، هذه المرأة التي وقفت الى جانبه، مثلما كانت والدته الى صفه دوماً؟
هي اسئلة تجدون الاجابات عنها في هذا الكتاب الذي تنشر «القبس» ترجمته، في انتظار ان تجيب الانتخابات الرئاسية الأميركية عن السؤال الأهم، والذي يشغل كل العالم: من سيكون على رأس الولايات المتحدة الأميركية؟


اكتشف باري، بفضل راي عالما لم يكن أبدا يعرفه، انه عالم حفلات الشباب السود في السكن الجامعي او في القواعد العسكرية.
بدا باري في الابتعاد شيئا فشيئا عن جديه في هذه المرحلة.. بعد ان اكتشف ذات يوم بان جدته اشترطت على زوجها اصطحابها الى العمل بعد ان طلب منها احد المتسولين ذات مرة شيئا من المال ولم يكن المتسول سوى متسول اسود.
لقد أكد راي في يوم من الايام لباري بأنه اذا لم يتوفقا في الخروج مع البنات فان ذلك سيعود الى سبب واحد الا وهو لون بشرتهما الاسود، غير ان باري اجابه لا يمكن ان تصف فتاة بالعنصرية لمجرد رفضها الخروج معك واضاف «الفتيات البيض لسن عنصريات، لكنهن يبحثن على فتى يشبه آباءهن».
أطبق راي جفنيه باستياء وأجاب صديقه باري «يا رجل، اعرف جيدا لم تحاول ان تبحث عن أعذار للبيض».

اكتشاف المخدرات
التحق اوباما بعد انتهاء مرحلة الثانوية بجامعة اوكستدونتال في لوس أنجلوس، حيث درس اولى سنواته الجامعية. كان عمر اوباما 18 سنة، حينما اكتشف المخدرات، قد تناول الحشيش والكحول والقليل من الكوكايين.
كتب اوباما في مذكراته بانه لم يجرب الهيرويين لان الشخص الذي كان سيعطيه شيئا منها كان مضطربا وينتفس بصعوبة «انا لا احب مثل هذه الحالات، ولم أكن اريد ان اصل الى هذه الحالة، لانها تقترب من حالة الموت».
لقد اعترف مرشح الانتخابات الرئاسية الاميركية بانه وقع في الفخ، الذي تقع فيه غالبية المراهقين السود، سيكون لاعترافاته التي اقربها عام 1995، الكثير من الآثار السلبية على مساره وآفاقه السياسية، فبيل كلينتون على سبيل المثال توخى الكثير من الحذر عام 1992 خلال حملته الانتخابية حينما صرح بأنه لم يقدم أبدا على شم المخدرات، كما أن جورج بوش فضل الحديث عن أخطاء الشباب دون أن يتحدث عن تفاصيل أخرى، لذلك اوباما هو أول مرشح للرئاسة، يعترف بتناوله الكوكايين.
مؤكدا في مذكراته بأنه غير نادم على الإطلاق على اعترافاته حتى وان اعترف بان بعض الفقرات سبب الكثير من المشاكل.

من باري إلى باراك
اندمج باري بسهولة في عالم الطلبة السود لدى التحاقة في جامعة اوكسيدونتال، وكان البعض منهم متحدرين من الغيتوهات، فيما كان البعض متحدرين من الضواحي، مثلما هو الحال بالنسبة لطالبة، فاجأت اوباما بقولها «لست سوداء وإنما متعددة الاثنيات «،لما سألها إن كانت تنوي حضور اجتماع جمعية الطلبة السود.
كان باري يختار أصدقاءه بحذر شديد وكانوا في الغالبية من الطلبة السود، الناشطين سياسيا والطلبة الأجانب القادمين في إطار برامج التبادل من ذوي الأصول اللاتينية وكذلك الأساتذة الماركسيون.
تعرف باري خلال سنته الجامعية الأولى على طالبة تدعى ريجينا. لقد شجعت ريجينا باراك على الانخراط في حركة مناهضة للابارتايد، حيث كان الطلبة في المساكن الجامعية يحتجون ضد المعاملة السيئة التي يعاني منها سود افريقيا الجنوبية بتواطؤ من المؤسسات الأميركية.

الخطاب الأول
وقف اوباما ذات مرة بصفة تلقائية خلال حفل في السكن الجامعي وتناول الكلمة للمرة الأولى في حياته أمام الملأ. وفيما كان البعض يتبادلون الحديث وآخرون يلعبون، كان باراك يصرخ بأعلى صوته «هناك معركة تعني كل واحد منكم، معركة تتطلب منا أن نختار صفا، ليس بين بيض وسود وليس بين أغنياء وفقراء، انه اختيار بين الكرامة والدناءة، بين العدالة واللامساواة، انه اختيار بين الخير والشر».
كان باري يفكر كثيرا في ذلك الوقت في جدتيه لوالده ووالدته، واحدة سوداء والاخرى بيضاء، والاحلام التي كانتا ترسمانها عنه، لقد كانتا تنتظران الشيء نفسه، لذلك انتهى باراك الى الايمان بان هويته لا يجب ان تتوقف عند اصوله.
في هذه المرحلة بالذات طلب باري من الجميع مناداته باسمه الافريقي باراك دون باري، هذا الاسم الثاني.
استفاد باراك بعد سنتين من الدراسة في لوس أنجلوس من برنامج تبادل مكنته في خريف 1981 من دخول جامعة كولومبيا، هذه الجامعة النيويوركية العريقة، التي تيقن فيها من ضرورة ان يتبع خطوات والده الغائب والاستمرار في تحقيق حلمه، لقد كان يدرك تماما بان والدته الى جانبه، تسهر من أجله وتدعمه مثلما كانت تفعل دائما.

أول الالتزامات: 1981 - 1996
لقد تميزت حياة اوباما بالتزامات على الصعيد المهني والعاطفي أيضا، ففي نيويورك كان يتقاسم شقة تقع في حي راق بالقرب من ايست هارلم، مع صديق باكستاني، التقاه في لوس أنجلوس .
لقد قرر باراك الالتحاق بجامعة كولومبيا حتى يتخلص من العادات السيئة التي اكتسبها في جامعة اوكسيدونتال كما قرر أيضا عدم التردد على ضواحي لوس أنجلوس والعيش في مدينة حقيقية، تضم أحياء للسود .
وصل باراك الى نيويورك بداية الثمانينات، وكانت وول ستريت في قمة التوسع، فيما كانت منهاتن تشهد حركة نشيطة جدا، بسبب افتتاح مطاعم جديدة وعلب ليل، بدأت آنذاك باستقطاب الشباب .
ركز باراك اوباما في دراسته وكان يرفض كل الدعوات التي كان يوجهها له صديقه في الشقة للذهاب الى البارات برفقة البنات، وكان يركض 5 كيلومترات يوميا ويصوم يوم الأحد، كما كان يدون يوميا أفكاره وايضا نصوصا اخرى، كانت المادة الاولى التي استند اليها في كتاب مذكراته، عشر سنوات فيما بعد .
كانت ادارة ريغن آنذاك عاجزة تماما عن حل مشكلة الفقر، التي تفشت في الولايات المتحدة الاميركية، وبالنسبة لاوباما، كان الاغنياء والفقراء يعيشون في عالمين منفصلين، لا يتصلان أبدا .
اكتشفت والدة اوباما وأخته رجلا مختلفا تماما لما اتتا لزيارته في صيف 1982، فوالدته فرحت كثيرا لما علمت بانه يراسل والده ويستعد لزيارة كينيا فور حصوله على الشهادة،
وروت له الكثير من الذكريات التي جمعتها بوالده وعلى الخصوص تأخره عن اول موعد بينهما، بينما كانت تنتظره امام مكتبة الجامعة حتى نامت من شدة ارهاقها وهي جالسة على المقعد ولم تستيقظ الا وهو امامها برفقة اثنين من اصدقائه .
وامام هذا المشهد قال لصديقيه «أرأيتم، لقد قلت لكم بانها فتاة رائعة وستنتظرني».
تيقن اوباما خلال ذلك اليوم من الحب الذي تكنه والدته لابيه، لقد بقيت تكن له المشاعر نفسها على الرغم من انه تركها برفقة رضيع يحتاج الى الكثير من الرعاية والحماية، هذا الرضيع الذي غرست فيه على مر السنوات صورة الاب المثالي، الذي لم يعرفه، لكنه يسعى الى رؤيته.. لقد تبخرت هذه الأحلام فجأة خلال أشهر قليلة، بعدما تلقى اوباما مكالمة هاتفية من عمته في نيروبي، تخبره فيها بمقتل والده في حادث سيارة.. الخبر فاجأ كثيرا اوباما الذي لم يذرف دمعة واحدة على أبيه الراحل .
في عام 1983، كان باراك اوباما قد حصل على شهادة ليسانس في العلوم السياسية تخصص علاقات دولية من جامعة كولومبيا ويحضر نفسه لأول تجربة مهنية له، وفيما عين اصدقاء له في مؤسسات معروفة وترشح آخرون لانهاء دراساتهم الجامعية ونيل شهادة الدكتوراه، كان الالتزام الاجتماعي هو من يحرك اوباما، الذي غذته والدته منذ الصبا بقصص عن الحقوق المدنية .
غير أن الشيء الآخر الذي كان يحرك اوباما آنذاك هو ولعه بمساعدة المعوزين والفقراء للتحرر من الحلقة المفرغة للفقر واليأس .
وبدل أن يخطط اوباما للمراحل التي ستمكنه بسرعة من صعود درجات السلم الاجتماعي، راح يراسل جمعيات الحقوق المدنية ورجال السياسة التقدميين على غرار هارولد واشنطن، الذي انتخب مؤخرا في شيكاغو، ليكون أول رئيس بلدية اسود لهذه المدينة، كما راسل الجماعات التي تناضل من اجل حقوق المؤجرين وجمعيات الأحياء على مستوى البلاد كلها .
وعلى الرغم من كل هذه المراسلات، لم تصل أي اجابة الى باراك اوباما، الذي قرر انتظار الوقت المناسب لاعادة الكرة، في تلك الاثناء، عين مستشارا اقتصاديا في مؤسسة متعددة الجنسيات تدعى «بزنس انترناشيونال كوربوريشن »، واصبح له مكتب مستقل وسكرتيرة ومال ايضا، دون الحديث عن الاعجاب الذي كانت تبديه النساء السود اللواتي كن يشتغلن في السكرتارية، لقد كان اوباما، مفخرة لهن وكن يأملن في أن يدير الشركة في يوم ما .
اعتقد اوباما بانه سيكتفي بهذا المنصب فقط، حينما تلقى مكالمته من اوما أخته الافريقية غير الشقيقة، التي أخبرته بوفاة أخيه غير الشقيق ديفيد، لقد ذكره هذا الخبر بالوعد الذي قطعه على نفسه لخدمة الآخرين والانخراط في مهمة هي أسمى وأرقى من الجلوس في مكتب في أعلى برج، مما دفعه الى الاستقالة، ومراسلة جمعيات وشخصيات، غير انه لم يتلق ردا هذه المرة كذلك .
وبينما شعر اوباما باليأس وأصبح قاب قوسين أو أدنى من التخلي عن مشروعه، تلقى مكالمة هاتفية من مارتي كوفمان، رئيسة منتدى ديني في شيكاغو وكانت تبحث عن توظيف منسق اجتماعي .
زار اوباما شيكاغو أول مرة برفقة جديه، لما كان في الحادي عشر وعاد اليها بعد 14 سنة وعمره 25 سنة .
كان دوره هو مساعدة كنائس ساوث سايد في تنظيم برامج تكوين لسكان الأحياء الفقيرة، التي عانت من غلق الوحدات الصناعية ومن التسريح، مقابل اجر سنوي يعادل 10 آلاف دولار و منحة 2000 دولار لشراء سيارة .
استهزأ أصدقاء اوباما من عرض الجمعية وسخر منه البعض، حتى ان حارس العمارة التي يقيم فيها نصحه بنسيان الجمعية والبحث عن عمل آخر يجلب له المزيد من المال «لا يمكن ان تساعد الناس الذين لا مستقبل لهم، ولن يرحبوا أبدا بمحاولتك» ... غير انه قبل الوظيفة .
وقع باراك اوباما في حب شيكاغو، فور زيارتها بالسيارة برفقة مارتي كوفمان من الساحل مرورا بالوحدات الصناعية المغلقة وطريق مارتن لوثر كينغ.. كما مكنته السنوات الثلاث التي قضاها فيها كمنسق اجتماعي، من معرفة ماذا يعني العمل العام . لقد لاحظ غياب خدمات البلدية، بما فيها الشرطة، الغائبة تماما عن الاحياء . فمواقف السيارات غير مهيأة والمدارس غير مدعومة والمحلات تنتهي كلها بغلق أبوابها. كان يستمع الى الناس وهم يسردون همومهم ومصاعبهم وأملهم في أن تتحسن الظروف وكانت مهمته تقوم على تقدير احتياجاتهم والتباحث معهم بخصوص الطرق الأمثل لتحسين وضعيتهم .
لم ينس باراك شهادات هؤلاء الأفراد الذين لم يأخذ احد قضيتهم مأخذ الجد، عندما انخرط في السياسة، وقال عنهم ذات مرة «لقد فقدوا الامل في ان يتمكن سياسي من حل مشاكلهم والاستجابة الى طلباتهم، فالانتخابات بالنسبة اليهم ليست سوى تذكرة لمهرجان».
لقد تمكن اوباما من خلال حواراته واحاديثه مع سكان الاحياء ذات الغالبية السوداء من فهم طريقة تفكيرهم وايضا فهمهم للتجربة الافرو اميريكية فمفاهيم «النقاء العرقي والاصل او الثقافة» لا يمكن ان تكون ابدا مصدر فخر الأميركي الأسود، فالاندماج بحسب اوباما يجب ان يتأتى من شيء آخر، أسمى من المورثات التي ورثناها .
دق باراك اوباما كل الابواب وحضر كل اجتماعات الأحياء في سراديب الكنائس وفي مطاعم المدارس وفي البنايات، عمل على تنظيف الأحياء وصيانة الحظائر، لقد كتب ان السياسيين المحليين يعرفون اسمه، غير انه تيقن من أن استمراره كمنسق اجتماعي لعشرين سنة أخرى لن يحول دون مواجهة العراقيل ذاتها .
لكن باراك اوباما وعد بالعودة الى شيكاغو بعد الحصول على شهادة الحقوق من جامعة هارفارد .

أول زيارة لكينيا
قررت أوما الاخت غير الشقيقة لاوباما زيارته في شيكاغو عام 1987، تبادل الاخوان تجاربهما الحياتية طيلة الوقت الذي قضياه معا وسألته أن كانت تستطيع الانتقال الى المانيا والتكيف مع الغربة، ان غادرت مع صديقها الالماني اوتو للاستقرار في بلاده ؟
كانت تسأله «وانت باراك أتواجه مشكلة الغربة هذه ام ان اختك مضطربة فقط ؟
لقد أسر اوباما لأخته بأنه كان يخرج طيلة عام كامل مع فتاة بيضاء وان علاقتهما شابها الفتور شيئا فشيئا لما أدركا بأنهما يتحدران من عالمين مختلفين . ففي يوم من الايام دعا اوباما صديقته البيضاء الى حضور مسرحية ابطالها سود . كانت المسرحية تعبر عن غضب هذه الفئة من الاوضاع السيئة التي يغرقون فيها في الولايات المتحدة الاميركية، مما اثار تعاطف الحاضرين وكانوا جميعهم من السود المنحدرين من افريقيا .
لم يرق الامر لصديقة اوباما التي بدأت فور انتهاء المسرحية بالحديث عن السود والتساؤل عن سبب غضبهم، مما دفعه الى اجابتها «انها طريقتهم في التصدي وعدم النسيان، فلا احد طلب على سبيل المثال من اليهود نسيان الهولوكوست».
تشاجر الاثنان طويلا امام المسرح ولما صعدا السيارة، بدأت بالبكاء «لم تكن تستطيع ان تكون سوداء ولن تكون ان استطاعت، غير انها لا تستطيع، لا تستطيع الا ان تكون هي نفسها ولم يكن هذا كافيا على الاطلاق».
ذات مساء روت اوما لباراك قصة والدهما، لقد ولدت هي وشقيقها راي قبل ان يسافر والدهما الى هاواي عام 1959، وكانا يعيشان مع والدتهما في كوغيلو ولما رجع من الولايات المتحدة الاميركية، كان برفقة سيدة بيضاء جديدة تدعى روث .
وبعد ان اشتغل لفائدة وزارة السياحة لفترة، تشاجر مع الرئيس جومو كينياتا بسبب التوترات التي برزت بين كيكيو الاثنية المسيطرة في كينيا واثنية لو التي ينتمي اليها اوباما .
لقد اغلقت جميع ابواب الوزارة امام باراك الاب لينهار نفسيا ويغرق في شرب الخمر بعد ان عين في منصب اخر، مما افقده أي شعور تجاه زوجته واولاده وهنا اتضحت الامور بالنسبة لباراك، الذي ارقه لغز والده مدة طويلة .
بعد اشهر، قرر باراك زيارة كينيا لاول مرة في حياته وهناك تملّكه شعور غريب له علاقة وطيدة بالحرية الجسمانية «شعرك ينمو هنا مثلما هو ينتظر ان ينمو، وهنا الجميع سود وما عليك سوى ان تكون انت».
قضى بارك غالبية اجازته في كينيا مع أخته غير الشقيقة، حيث تعرف على الوضعية الداخلية للبلاد وذات يوم وبينما كان ينتظر برفقتها في مطعم كيني، فوجئت أوما بتجاهل النادل لها ولأخيها واسراعه لخدمة سياح بيض، مما دفعها الى رمي وجهه بوابل من النقود وهي تصرخ «استطيع ان ادفع ايضا وجبتي».
اتهم باراك اخته اوما بالقسوة، مشيرا الى ان الامر نفسه يحدث في مدن الجنوب الكبرى من جاكارتا الى مكسيكو .
لقد توصل باراك خلال اجازته الى اقناع اخته غير الشقيقة بالذهاب الى رحلة سفاري، كانت رافضة للفكرة في البداية وقد ارتبطت السفاري في ذهنها بالاستعمار، غير انها وافقت، وهناك تساءل اوباما كثيرا عن الأسباب التي تحول دون استغلال هذه الاراضي في الفلاحة، والاحتفاظ بها غير مأهولة للسياح ؟
واما احدى عمات باراك فقد روت له بانها اول مرة شاهدت فيها التلفزيون ظنت بان الناس الذين يوجدون داخل هذه العلبة وقحون لانهم لم يكونوا يجيبونها لما تحدثهم .
كانت شهادة الدكتوراه التي نالها والده من جامعة هارفارد معلقة على احد جدران البيت العائلي في كوغيلو، واسفله كانت جدة اوما واسمها اوكتاجينار، جالسة تسترجع ذكريات تعود الى حقبة الاستعمار البريطاني .
(يتبع)

الحلقة الثالثة: 17 دقيقة نقلت أوباما إلى عالم السياسيين الكبار

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C21%5C601cd128-2e39-41e7-a7ff-727cfeea51d2_maincategory.jpg
• أوباما مع جدته لأبيه


القبس

البريمل
29-11-2010, 12:57 AM
كتاب «أميركا باراك أوباما» (1)
الشعور باللاعدل وباللامساواة بدأ من جاكرتا الآخرون نظروا إلى أوباما كـ«أسود» ..لا خلاسي

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C20%5C210b4e39-0c79-42bc-8007-ebcbf35807b5_main.jpg • بارا ك الطفل مع والدته
كتاب «أميركا باراك اوباما»
تأليف: فرانسوا دوربار
واوليفيي ريشوم
ترجمة: سليمة لبال
لمع نجمه بسرعة في عالم السياسة الأميركية، ليصبح وهو محام شاب، السيناتور الأسود الخامس في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي، والسيناتور الوحيد في المجلس الحالي، ثم أول مرشح أسود للانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
نجح في ازاحة هيلاري كلينتون وهي السيناتورة البيضاء وزوجة رئيس سابق، من تصفيات الحزب الديموقراطي، وها هو يتقدم شيئا فشيئا نحو البيت الأبيض، في منافسة حامية الوطيس مع الجمهوري جون ماكين.
يصفه البعض بكيندي الجديد وبالحلم الأميركي، الذي سينقل أميركا من مجتمع أبيض وأسود الى مجتمع خلاسي، باختصار لقد أصبح رمزا للأقليات، التي تبحث عن الانتصار لعرقها في كل العالم.
انه باراك أوباما، هذا الأميركي ــ الأفريقي الأصل، الذي نجح في تصدر استطلاعات الرأي امام هيلاري، ونجح ايضا في اذابة الجليد بين البيض والسود، من أجل ان تنعم اميركا بالوحدة والتضامن.يتساءل الجميع كيف نجح هذا الأربعيني في سرقة الأضواء؟ وكيف تمكن من التعايش صبيا مع ثقافة أمه الأميركية وموروث والده الكيني وحياة زوج والدته الاندونيسي؟ ثم كيف رفع التحدي وانخرط في السياسة بفضل دعم زوجته ميشال، هذه المرأة التي وقفت الى جانبه، مثلما كانت والدته الى صفه دوماً؟
هي اسئلة تجدون الاجابات عنها في هذا الكتاب الذي تنشر «القبس» ترجمته، في انتظار ان تجيب الانتخابات الرئاسية الأميركية عن السؤال الأهم، والذي يشغل كل العالم: من سيكون على رأس الولايات المتحدة الأميركية؟

عنون باراك اوباما الفصل الأول من سـيرته الذاتية التي نشـــرها عام 1995 بـ «أصول». انه مصطلح يمكن أن نقرأه بطرق شتى، ذلك أن تفرع شجرة عائلته وتعقدها تجعلان منه شخصا فريدا من نوعه، غير أن البعض يرون ان هذه الأصول تحول دون بناء مستقبل سياسي زاهر، خصوصا لدى الناخبين المحافظين.
واذا ما كان جون كينيدي قد واجه صعوبات جمة ليتقبله الأميركيون، لأنه كاثوليكي في أميركا ذات الغالبية البروتستانتية، فماذا سيقول اوباما ؟اوباما المنحدر من عائلة، الجد فيها والاب و الاخ مسلمون والاخت وزوج الام اندونيسيان.. الخ ؟
ويمكن ان نقرأ مصطلح «اصول» بطريقة اخرى، فالطموح الى منصب رئيس اكبر قوة في العالم، لا يمكن ان يكون نتيجة صدفة . فهذه الابتسامة الصريحة وهذه الرقة البادية على وجهه، تدعونا الى التساؤل عما يقف وراء الارادة الكبيرة التي يتمتع بها اوباما ؟

كيني – إيرلندي
ولد باراك حسين اوباما في 4 اغسطس 1961 في هونولولو في هاواي، كان والداه آنذاك طالبين شابين، فوالده ينحدر من اثنية كينية تدعى «لو»، بينما والدته آن دانهام من اصول ايرلندية .
لقد انفصل والدا باراك عن بعضهما وعمره لم يكن قد تجاوز السنتين، ووالده لم يره الا عند بلوغه سن العاشرة، قبل ان يموت عام 1982، في حين تزوجت والدته للمرة الثانية بطالب اندونيسي، مما دفع العائلة الى الاستقرار في جاكرتا، حيث ولدت مايا، الاخت غير الشقيقة لباراك.

مدرسة .. إسلامية
من الطبيعي عند كتابة أي سيرة ذاتية ان نبدأ بالحديث عن المولد ثم الشباب لنغوص بعدها في كرونولوجيا مسار الفرد، الذي نريد ان نفهمه ونكتشفه، الا ان هناك مبررا اخر في حالة اوباما، ذلك ان نقاشات سياسية كبيرة تتناول لغاية الساعة المسائل المتعلقة باصوله، وعلى الخصوص الاثنية والدينية منها.
لقد كُتب على الموقع الالكتروني لمجلة «انسايت» المحافظة، ان باراك اوباما تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة اسلامية في اندونيسيا، وما ان بث الخبر على شبكة الانترنت، حتى تلقفته وسائل اعلامية اخرى، من بينها القناة الاخبارية «فوكس نيوز»، مما دفع مدير المدرسة المعنية، الى تكذيب الخبر قائلا»غالبية تلاميذنا مسلمون، غير اننا نستقبل مسيحيين أيضا ونرحب بالجميع عندنا».

وأخرى كاثوليكية
غير ان باراك درس ايضا في مدرسة كاثوليكية خاصة تدعى «سانت فرانسوا داسيس»، ولما سئل عن تردده على مدرسة حكومية اندونيسية اجاب «ترددي على مدرسة حكومية اندونيسية وعمري 7 و8 سنوات، لن يدفعني الى مواجهة ازمة مع الشعب الاميركي».
تركّز وسائل الاعلام على شخصيتين كان لهما بالغ التأثير على الصغير باري هما والده والموروث الافريقي الذي ورثه عنه، ووالدته التي تمثل الشخصية المحورية، التي دعمته طول الوقت وغذته بمختلف القيم والمبادئ، هي المرأة التي لم تتوقف يوما عن تقديره وتشجيعه، في الوقت الذي كان فيه اوباما غير واثق من قدراته .

جد شاعر
تنحدر آن دانهام من ويشيتا وهي مدينة صغيرة في ولاية كنساس، غير ان والديها رحلا الى هاواي بحثا عن حياة افضل . كان والدها مدير محل اثاث، ينظم الشعر ويستمع كثيرا الى موسيقى الجاز، وكان حلمه ان يرزق بولد، مما دفعه لان يطلق اسم ستانلي وهو اسم ولد، على ابنته الكبرى، ليضيف لها فيما بعد اسم «ان».
واما زوجته فكانت موظفة في بنك محلي، وكانت سيدة براغماتية وعنيدة .
التقت ان دانهام الطالب الكيني باراك اوباما، تزوجا بسرعة، ورزقا بباراك الابن. غير ان الحياة لم تستمر بينهما طويلا، لترتبط ثانية بـلولو سويتورو وهو طالب اندونيسي رافقته الى بلاده، بعد ان دعا الرئيس سوهارتو مواطنيه للعودة الى الوطن .
لم تكن لان غير صديقة واحدة في اندونيسيا هي الكاتبة جوليا سوراكوسوما، المعروفة بمعارضتها للاسلاميين .
تقول جوليا في حوار أجرته معها «صانداي تايمز» آن امرأة تقدمية، تعلمت بسرعة اللغة الاندونيسية، غير ان لولو تغير كثيرا لدى عودته الى اندونيسيا، فالرجال الشرقيون تشدهم ثقافتهم الأصلية، مما اجبر آن على الانفصال عن زوجها للمرة الثانية .
وتتذكر جوليا آن دانهام كانت تنادي ابنها باري، وبحميمية اندونيسية أردفت قائلة «لقد كنا كلانا والدتان، وكنا نتحدث عن المصاعب التي تواجه أي سيدة عندما تنفصل عن ابنها أو ترسله بعيدا، غير أن آن كانت متخوفة جدا ومنشغلة بمسار باري الدراسي ... انا اتفهم تفتح باراك على الاخرين مثل والدته، ذلك انه ولد لأم بيضاء واب اسود ونشأ في اندونيسيا».
شخصية الأب
لقد كتب اوباما بانه كبر ولغز والده لا يفارقه اطلاقا، هي شخصية لم يعرفها الا من خلال القصص التي ترويها والدته او جديه لوالدته، ويروون بان باراك الاب كان طويلا وجميلا وعاقلا وكان يتكلم بصوت جهوري وبلكنة بريطانية، كما كان راقصا وانيقا وذا شخصية قوية جدا .

إلى هارفارد
اصبح باراك اوباما الاب عام 1959 وعمره 23 سنة، اول طالب افريقي في جامعة هاواي . وهناك تعرف على ستانلي ان دانهام، كان طالبا لامعا، مما مكنه من الحصول على شهادة في الاقتصاد في ظرف ثلاث سنوات فقط. غادر الجامعة عام 1962، أي سنة واحدة بعد ميلاد ابنه . فضل باراك الاب الانتقال الى هارفارد على الرغم من حصوله على منحة دراسية من نيو سكول في نيويورك، ظنا منه بان البرستيج الذي ستضيفه هذه الجامعة الى بيان سيرته الذاتية سيساعده في التموقع جيدا لدى عودته الى بلاده كينيا، حيث ينتظره منصب حكومي مرموق .
خمسة إخوة
غادر باراك الاب الى بوسطن بمفرده واتفق مع آن على عودة عائلتهما الى كينيا فور الانتهاء من مشواره الدراسي، غير ان ما جرى كان مختلفا تماما، فباراك الاب عاد بمفرده الى كينيا حيث اصبح شخصية اقتصادية معروفة في الادارة الجديدة للدولة، وهناك تزوج ثانية ورزق بخمسة اطفال، اربعة ذكور وبنت هم اخوة باراك الابن غير الاشقاء وعائلته الافريقية .

في جاكارتا
عاش باري ما بين عامي 1967 و1971 في اندونيسيا، في أحضان زوج والدته المسلم، الذي علمه كيف يكون الرجل وكيف يختار اكله وكل هذا يعكس تنوع هوية باري. ومع حيث تعلم من «لولو» اكل الفل الاخضر، كما يتذكر اليوم قساوة لـحم الكــلاب والثعابـيـــن والجراد المحمص.
باري يتذكر أيضا اليوم وعد «لولو» بان يجلب له نمرا للعشاء... لم يكن باري يتناول الأكلات السريعة أثناء طفولته في اندونيسيا... وأما في هاواي فأصبح يتناول أكلة البوك وهي اكلة شعبية في هاواي وكذلك لحم الخنزير المغلف بأوراق الموز واكلة لولو المفضله وهي خليط من اللحم والخضر المطهوة على بخار الماء.
ويتذكر اوباما المناظر الطبيعية في اندونيسيا وليالي وشوارع جاكرتا المكتظة بالدراجات الهوائية وبيتهم لما غمرته المياه، خلال فصل الأمطار .

شعور باللاعدل
لم تكن الحياة العائلية سهلة بالنسبة لاوباما، الذي شعر منذ طفولته باللاعدل واللامساواة بين الفقراء والاغنياء، فان لولو يملك من المال، ما يمكنه من ابتعاث باري الى الانترناشيونال سكول، حيث كان أولاد الأجانب في جاكارتا يزاولون دراستهم.

الايقاظ المبكر
كانت والدة اوباما توقظه خمس مرات في الأسبوع في حدود الساعة الرابعة صباحا حتى تعطيه دروسا طيلة ثلاث ساعات، قبيل توجهه إلى المدرسة وتوجهها إلى مقر عملها. يقول اوباما بانه كان يستيقظ متعبا وعيناه تغفوان كل خمس دقائق، غير أن الأمر لم يكن أبدا مزحة بالنسبة لوالدته التي كانت تود ان يتلقى أرقى تعليم .
سعى لولو لان يعرف باراك على أصدقائه وأقاربه حتى يندمج في المجتمع الاندونيسي ولا يشعر بالانعزال وكانت يقدمه بصفته والده، غير أن باري فضل دوما الإبقاء على مسافة معينة بينه وبين زوج والدته.
قال باراك فيما بعد أن المسافة هذه كانت تعني ثقة رجل، فلولو لم يعلمه فقط كيف يغير عجلة السيارة وإنما علمه أيضا كيف يدير مشاعره وكيف يدافع عن نفسه.
ذات مرة سال لولو، باري عن سبب انتفاخ أصاب رأسه، فأجابه بان الأمر يعود إلى شجار دفعه إليه ولد يفوقه سنا قبل رجوعه إلى البيت.تصوروا ما ذا كان رد لولو ؟

ملاكمة.. وتسامح
جلب لولو إلى باري في اليوم التالي زوجا من قفازات الملاكمة ودربه على توجيه لكمات على صدره حتى تعود على استخدام يديه في الدفاع عن نفسه .هذه الطفولة غير العادية، علمت اوباما التسامح، حسبما صرح به سنوات فيما بعد.
لقد فهم باراك الطفل بان العالم الذي يعيش فيه قائم على توازنات حساسة جدا، كما لاحظ التوتر الذي بدا يطفو على الساحة بين والدته ولولو، باراك الطفل فهم أيضا بان حياته في اندونيسيا ليست سوى مرحلة فقط .
لقد شجعت آن ابنها على التأقلم سريعا مع المجتمع الاندونيسي، مما جعل منه ولدا مستقلا غير متطلب ومتحصن بسلوكيات ومبادئ راقية مقارنة بالأطفال الاميركيين.

إلى هاواي
أرسل باري وعمره عشر سنوات إلى هاواي ليكمل دراسته في كفالة جديه لوالدته، فادخل إلى مدرسة بوناهو، حيث كان أولاد العائلة المالكة في هاواي سابقا يزاولون دراستهم. كبر باري مثل أي ولد من أبناء هاواي، وتعلم الصيد والسباحة في المياه الزرقاء.
وعلى الرغم من ذلك بدات حياة باراك بكابوس لعين، فاوباما لم يكن ينظر له كولد خلاسي من ام بيضاء واب اسود وانما كاسود.
رحبت المدرسة وكانت تدعى السيدة هفتي باوباما في اول يوم التحق فيه بالمدرسة، غير ان الولد لم يتوقف عن الحركة مثل قرد مشاغب، مما دفع التلاميذ الى الضحك باستمرار في القسم .

ولدان أسودان
سخر الاولاد من اوباما كثيرا، فساله احدهم ان كان والده وحشا فيما تجرأ زميل آخر على لمس شعره الاجعد، ولم تكن في المدرسة غير تلميذة سوداء أخرى اسمها كوريتا، وكانت من دون اصدقاء.
تفادى الولدان أي لقاء بينهما منذ اول نظرة، وكانا يلاحظان بعضهما عن بعد، غير انهما انتهيا الى اللعب مع بعض خلال اول استراحة تتم بين ساعات الدراسة، مما دفع مجموعة من الاولاد الى السخرية منهما وتوجيه اصابعهم الى اوباما وهم يصرخون «لكوريتا صديق «لكوريتا صديق».
دافع باري عن نفسه قائلا «ليست صديقتي» ونظر في عيني كوريتا حتى تؤكد ما يقول، غير انها بقيت ساكنة لفترة ثم قالت «لست صديقته».
انتهى باراك بالصراخ «اتركوني وشاني» واتضح له فيما بعد أن هذه الحادثة هي أولى الحوادث التي سيتعرض لها بسبب هويته وأصوله الأفريقية .
كان باري يقضي معظم وقته عند جديه وكان ينادي جدته «توت» وتعني بلغة هاواي جدتي فيما كان ينادي جده «غرامبس»، تمكن الروتين من قلبه الصغير، لكنه فرح كثيرا حينما علم بان والديه قررا زيارته بمناسبة احتفالات أعياد الميلاد عام 1971.

صورة الاب الناقصة
قرر والد باراك قضاء شهر كامل برفقة ابنه، غير أن زيارته بدأت بصمت طويل، فباراك الابن لم ير في والده الذي أصيب في حادث سيارة، ذلك الرجل القوي، الذي حدثوه عنه، لقد كان رجلا باردا ومتسلطا، يأمره بإطفاء التلفزيون كل مرة لانجاز واجباته المنزلية .
انتاب باراك الصغير قلقا كبيرا، لما أخبرته والدته بان المعلمة هيتفي، دعت والده الى المدرسة لتحدث عن بلاده، ذلك انه اخبر زملاءه بان جده رئيس قبيلة وهو بمنزلة ملك ووالده أمير وانه هو من سيقود قبيلة لو في وقت لاحق.

خطوات الرقص الأفريقي
كان باراك الابن يشك في أن يكتشف زملاؤه الحقيقة في يوم ما، غير أن المعلمة قالت له لما انتهى والده من الحديث «حقيقة والدك رائع جدا «فيما قال له احد الزملاء «والدك مرح وبسيط «. كان هذا الزميل هو من سال باراك يوما ما أن كان والده وحشا .
تقرب باراك من والده كثيرا في الأيام التي تلت ، فكانا يقران معا ويحضران عروض الموسيقى، وفي احتفالات أعياد الميلاد أهداه والده كرة سلة واسطوانتين للموسيقى الأفريقية، اشتراهما من كينيا، كما علمه خطوات الرقص الأفريقي .
يتذكر اوباما كل حركات والده وكل ما دار بينهما في تلك الأيام، لأنها كانت آخر مرة يراه فيها، بسبب وفاته في حادث سيارة عام 1982.

مبادئ التسامح والمساواة
غادر باري شقة جديه واستقر مع والدته، التي كانت تحضر شهادة ماجستير في الانثربولوجيا، وفي هذه الفترة بالذات لقنت آن، ابنها الكثير من القيم والمبادئ والحقوق المدنية كالتسامح والمساواة والكفاح من اجل الفقراء، غير أنها تفاجات برفضه، لما طلبت منه الرحيل معها ومع مايا الى اندونيسيا، وكانت حجته انه احب المدرسة وانه لا يريد تغييرها، غير ان السبب الحقيقي لذلك حسبما كشف عنه باراك فيما بعد هو التزامه بمعركة داخلية بينه وبين نفسه من اجل بناء هويته وذاته .

تساؤلات مبهمة
خلال دراسته في المرحلتين الثانوية والجامعية، كان باراك يقرا ويعيد قراءة رسائل والده في محاولة منه لإيجاد إجابات عن تساؤلات بقيت مبهمة. لم يجد باراك هذه الإجابات في الرسائل غير انه وجدها في هدية احتفالات أعياد الميلاد، لقد شغف بلعبة كرة السلة على خلاف كرة القدم وانضم في المرحلة الثانوية الى الفريق الاول كما كان يشارك في المقابلات في جامعة هاواي.
كما يبدو فان باراك بحث عن تعاطف زملائه في اللعب، وكانت غالبيتهم من السود، لقد قال فيما بعد بأنه وجد في هذه الرياضة الكثير من القيم التي ساعدته في حياته السياسية وعلى الخصوص عدم إظهار مشاعر الخوف والألم، حتى لا يراها الخصم. لقد تعرف باري أثناء ممارسته لكرة السلة على العديد من الشباب المراهقين السود، الذين رافقوا آباءهم للاستقرار بهاواي، غير أن اقرب صديق إلى نفسه،كان اسمه راي، ويكبره بسنتين.
كان هذا الرجل الشاب ذكيا وغريبا، ثوريا ومبعثرا، ومقربا جدا من اوباما، حيث كانا يستمتعان بالتنكيت على البيض ويعددان الشتائم والمواجهات التي تتم معهم.
(يتبع)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C20%5C53009f03-bd7c-438e-b33f-3f2148529e18_maincategory.jpg
أوباما

القبس

البريمل
29-11-2010, 01:03 AM
كتاب «أميركا باراك أوباما» ( 3 )
تدرج في عالم السياسة بدعم من ميشال 17 دقيقة نقلت أوباما إلى عالم السياسيين الكبار

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C22%5C2bb8d447-bf55-42f8-9d9b-1f70e343250c_main.jpg • أوباما مع زوجتة ميشال وابنتيه
كتاب "أميركا باراك اوباما"
تأليف: فرانسوا دوربار
واوليفيي ريشوم
ترجمة: سليمه لبال
لمع نجمه بسرعة في عالم السياسة الأميركية، ليصبح وهو محام شاب، السيناتور الأسود الخامس في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي، والسيناتور الوحيد في المجلس الحالي، ثم أول مرشح أسود للانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
نجح في ازاحة هيلاري كلينتون وهي السيناتورة البيضاء وزوجة رئيس سابق، من تصفيات الحزب الديموقراطي، وها هو يتقدم شيئا فشيئا نحو البيت الأبيض، في منافسة حامية الوطيس مع الجمهوري جون ماكين.
يصفه البعض بكيندي الجديد وبالحلم الأميركي، الذي سينقل أميركا من مجتمع أبيض وأسود الى مجتمع خلاسي، باختصار لقد أصبح رمزا للأقليات، التي تبحث عن الانتصار لعرقها في كل العالم.
انه باراك أوباما، هذا الأميركي ــ الأفريقي الأصل، الذي نجح في تصدر استطلاعات الرأي امام هيلاري، ونجح ايضا في اذابة الجليد بين البيض والسود، من أجل ان تنعم اميركا بالوحدة والتضامن.يتساءل الجميع كيف نجح هذا الأربعيني في سرقة الأضواء؟ وكيف تمكن من التعايش صبيا مع ثقافة أمه الأميركية وموروث والده الكيني وحياة زوج والدته الاندونيسي؟ ثم كيف رفع التحدي وانخرط في السياسة بفضل دعم زوجته ميشال، هذه المرأة التي وقفت الى جانبه، مثلما كانت والدته الى صفه دوماً؟
هي اسئلة تجدون الاجابات عنها في هذا الكتاب الذي تنشر «القبس» ترجمته، في انتظار ان تجيب الانتخابات الرئاسية الأميركية عن السؤال الأهم، والذي يشغل كل العالم: من سيكون على رأس الولايات المتحدة الأميركية؟


كان جد اوباما من الفئة التي تطبعت بطباع وسلوكيات البيض، فكان يرتدي البدلات ويتقن فن الحديث ويكتب الانكليزية، بينما ابنه، وهو والد باراك الابن، فقد عاش مهملا منذ كان عمره 9 سنوات، ولما بلغ سن المراهقة طُرد بسبب تمرده، وبسبب نضاله من اجل الاستقلال، دخل السجن.
بدأ باراك الأب فيما بعد بالتفكير في مستقبله، حيث انطلق في تحرير عشرات الرسائل في محاولة منه للانضمام الى واحدة من الجامعات الأميركية، ولم تسعه الفرحة وهو يتلقى رسالة القبول من جامعة هاواي........ أحس باراك وهو يستمع الى هذه القصص لأول مرة، بوالده، كما فهم لأول مرة اليأس الذي كان يحيط به... لتغمر الدموع عينيه وفي ثوان أجهش بالبكاء من اجل ذكرى والده .
قانوني ملتزم
قرر اوباما عام 1988 التوقف عن العمل في شيكاغو والتوجه لدراسة الحقوق في كلية الحقوق التابعة لجامعة هارفارد، لقد اختار جامعة هارفارد، التي اختارها والده ذات مرة ونال منها الشهادة مع التقدير، ليعين في فبراير 1990 رئيسا لمجلة الحقوق التي تصدرها جامعة هارفارد.
لقد كان اوباما أول اسود يتبوأ هذا المنصب منذ انشاء المجلة قبل 140 سنة، وتشجيعا لمواهبه وقدراته، وهو دكتور ثلاثيني، تهاطلت عليه الاعلانات من مختلف الناشرين في نيويورك، فيما اختاره أستاذ القانون الدستوري لورانس تريب، الذي دافع عن ألغور ضد جورج بوش أمام المحكمة العليا خلال انتخابات 2000، ليكون مساعدا في البحث.
كان الأستاذ لورانس تريب يشعر بان اوباما هو واحد من بين أحسن طالبين درسهما طيلة 37 سنة، زاول خلالها مهنة التدريس.
كان يمكن لاوباما لدى عودته الى شيكاغو، أن يختار مزاولة مهنة المحاماة في مكتب محام كبير مثلما يفعل غالبية المتخرجين، غير انه رفض جميع عروض العمل التي قدمت له للالتحاق بمكاتب محاماة معروفة.
بالموازاة مع ذلك، اتجه اوباما بين سنتي 1993 و2004 الى تدريس القانون الدستوري كأستاذ محاضر في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، غير انه لم يكتف بتدريس المضمون العلمي للطلبة فقط وانما حاول ان ينقل اليهم فلسفته.
أول لقاء مع ميشال
التقى باراك اوباما، ميشال روبنسون في صيف 1989، وذلك في مكتب محاماة كانت تشتغل فيه، لقد غير هذا اللقاء حياته جذريا. كانت ميشال امرأة طويلة وصريحة، نشأت في عائلة بسيطة، تعيش في شيكاغو.
لقد لاحظت ميشال العديد من الفروق بينها وبين باراك، حيث تقول «كان يملك هذا الخليط، هذه الطفولة العالمية، بينما قدمت أنا من شيكاغو وفقط»، غير أنها كانت تركز دوما على نقطة مشتركة بينهما، وذلك في قولها: «في الحقيقة كلانا من الغرب الأوسط للولايات المتحدة الأميركية، وبعيدا عما يظهر فاوباما يشعر في دواخله بالانتماء الى كنساس، ذلك أن جديه لامه من هذه الولاية، وأيضا لان عائلتينا متفاهمتان جدا».
لم يلتق باراك بميشال من قبل، غير أن كلاهما درسا الحقوق في هارفارد ويتقاسمان الرؤية نفسها. لم تهتم ميشال مثل باراك بقانون المؤسسات، غير أنها رفضت مثله كل العروض التي قدمت لها للالتحاق بمكاتب محاماة كبيرة، مفضلة بذلك الخدمة العمومية، لتصبح بعد فترة نائب رئيس مستشفى كبير في شيكاغو.
الطفلة السوداء
ولدت ميشال عام 1964 وتصف نفسها بطفلة سوداء مثلها مثل غيرها من الفتيات السود اللواتي نشأن في بيئة لا تملك الكثير من المال.
لقد كان الذهاب الى السيرك، حدث السنة بالنسبة لها، مثلما كان تناول البيتزا مساء الجمعة، يعني لها الفخامة كلها، ذلك أن والدها لم يكن سوى موظف بسيط، حيوي، ومثقف، وتقول بشأنه ميشال «لو كان والدي رجلا ابيض، لعين مدير مصرف، غير انه لم يكن كذلك».
اما نتائجها الدراسية فقد كانت ممتازة في المرحلة الثانوية، لتبدأ بعدها دراساتها الجامعية في جامعة برنستون، حيث كان أخوها نجم البيسبول ورابع هداف في تاريخ الجامعة كلها.
أن تكون اسود وفقيرا في جامعة راقية، يعني أن شخصيتك ستقوى مثلما يجب، تقول ميشال «كان الكثيرون ينتظرون أبناءهم وأقاربهم في سيارات ليموزين نهاية السنة، بينما كنت امشي برفقة أخي الى غاية محطة المترو، حتى نتمكن من الوصول الى البيت، غير أن هذا الأمر مكنني من تقوية شخصيتي ومن اصراري على النجاح هنا، كنت اعرف العديد من الشباب الذين يدرسون في مدارس راقية، غير أنهم لم يكونوا أفضل مني في الجانب الدراسي».

شخصيتان متشابهتان
باراك وميشال متشابهان وأما شخصيتاهما فمتكاملتان، غير أنها نقلت فكرها البراغماتي إلى اوباما. لما قدم باراك ميشال إلى جديه، همست جدته في أذنه «إنها الفتاة التي تليق لباراك بشموخ رأسها وطول قامتها».
ذهب العاشقان إلى كينيا بعد أن أقاما حفلة الخطوبة، وهناك استقبلتها عائلته الإفريقية بحفاوة لا نظير لها، ويمكن أن يعود الأمر إلى معرفتها للكثير من كلمات قبيلة لو مقارنة بباراك.
لقد واجه باراك وميشال الكثير من المصاعب والظروف السيئة التي كادت تحول دون زواجهما، كوفاة ابن عم باراك ثم أخيه فوالد ميشال، وعلى الرغم من ذلك عقدا العزم على إتمام مراسيم الزواج.
زواج وطفلتان
تزوج باراك وميشال عام 1992، ورزقا بطفلتين الأولى ماليا وولدت عام 1999، وأما الثانية فقد ولدت عام 2001 وأطلقا عليها اسم ساشا .لقد أصبحت عائلة اوباما في خضم سنوات قليلة جدا، نموذج العائلة الأميركية السوداء، الذي ينبغي أن يحتذى، إلى درجة أن اثر النجاح العائلي لاوباما، ايجابيا على حملته الانتخابية كمرشح لرئاسيات 2008. وأما في أوساط السود، فلقد سر خبر اختيار باراك لزوجة سوداء، العديد من النساء السود على الرغم من النجاح الزوجي الذي حققه السود المرتبطون بنساء بيض ،ذلك أن المتعارف عليه في كثير من الأحيان، هو ارتباط الأسود الناجح ببيضاء أو بسيدة اقل سمرة. لم يكن الأمر سهلا بالنسبة للزوجين اوباما، فميشال عانت كثيرا للتوفيق بين عملها وتربيتها لطفلتين، لقد ذهبت لإجراء مقابلة شخصية للفوز بمنصب نائب مدير مستشفى شيكاغو وهي تجر عربة ابنتها الثانية ساشا، وكان من حسن حظها ان نامت الطفلة ولم تستيقظ طيلة المقابلة ،ما مكنها من الفوز بالمنصب الذي كانت مهتمة به.
لم يكن باراك قد اندمج في أي عمل سياسي لما وقع في حب ميشال ،غير أنها كانت تعي جيدا حجم النتائج التي سيترتب عليها التزام زوجها سياسيا وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها وهي أم لطفلتين .
تقول والدتها: «لقد عملت ميشال بحدة حتى بلغت هذة المرحلة ،و أنا حزينة بعض الشيء من أجلها».
فضل ميشال
لقد قبلت ميشال أن ينخرط زوجها في السياسة، عكس العديد من النساء اللواتي فضلن خيارات أخرى، فكولن باول الذي كان يتصدر استطلاعات الرأي عام1996، رفض الترشح لمنصب رئيس على الرغم من إمكاناته التي كانت ستمنحه المنصب ليصبح أول رئيس اسود للولايات المتحدة الأميركية، غير أن زوجته ألما رفضت ترشحه وحجتها خوفها من تعرضه لعملية اغتيال.
يدرك اوباما بان الفضل يعود لميشال التي قبلت أن يستجيب إلى طموحه السياسي، الذي لم يحضر له أبدا، لقد أجابت ميشال لما سألها احد الصحافيين ماذا يعني أن تكون امرأة زوجة لرجل سياسي: «هذا أمر صعب وقاس»، مضيفة وقد ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها: «لهذا السبب باراك رجل يقر بالجميل».
بين العائلة والسياسة
لم يخف باراك من جهة أخرى وجود توتر داخل بيته الزوجي، حينما أعلن ترشحه للرئاسة تحت مظلة الحزب الديموقراطي: «لا أظن باني غيرت رأيها، غير أني أظن بأنها بدأت بالاعتراف بقيمة الرسالة التي احملها، واجزم بان الأمر الذي ساعدني على تخفيف التوتر بيننا هو استماعي الجيد لميشال وتأكدها من فهمي لها وعدم تجاهلي لشكاويها الشرعية».
الأكيد هو أن لا احد منهما يدرك إذا ما كانت كل هذه التضحيات ستؤتي أكلها أو ستكلل بفائدة يوما ما.
أولى الدرجات في عالم السياسة 1996 ــ 2004

كان باراك وعمره 35 سنة متعطشا لتغيير الكثير من الأوضاع، وحانت الفرصة بالنسبة له، حينما أعلن شغور مقعد في مجلس ولاية الينوي.
حرص باراك قبيل بدء حملته الانتخابية، على وضع النقاط على الحروف مع ميشال، التي كانت غير موافقة على انخراطه في السياسية.
لقد صرحت بعد فترة في حوار صحفي قائلة:«لقد قلت له آنذاك ،لقد ارتبطت بك لأنك وسيم وذكي، غير انه الشيء المجنون الوحيد، الذي تطلبه مني».
كان باراك يدرك تماما بأن التضحيات المرتبطة بحياته السياسية، سيتقاسمها أفراد عائلته، ذلك أن حياته اليومية كانت مثقلة بالأعباء، ويضاف إلى ذلك أعباء الأسرة المادية فعائلة اوباما أجبرت على طلب قرض عقاري ثان من اجل الشقة واستكمال تكاليف الحملة الانتخابية.
أطلق باراك حملته الانتخابية بدعم قوي من زوجته ميشال وأصدقائه وزملائه في الجامعة، وفي المقاطعة التي اشتغل بها منسقا اجتماعيا قبل عشر سنوات، وخلال بضعة أسابيع، تمكن من التعرف على كل التجار وزار كل الكنائس وكل قاعات الحلاقة.
أثمر هذا العمل الميداني انتخاب اوباما سيناتورا في مجلس إلينوي. نحن الآن في عام 1996، العام الذي بدأ فيه مشواره السياسي.

الانطلاقة في مجلس إلينوي
فاز باراك اوباما بمقعد في سبرينغفيلد، ولم يكن يملك أي تجربة سياسية. كان رجلا تقدميا في مجلس يضم غالبية محافظة، غير انه فهم بسرعة بان السياسة هي الاتصال وليست الهجوم من الخلف.
لم يثق أعضاء المجلس بباراك منذ أول لقاء، مثلما يوضح مقال نشره في «ذو نيويوركر» سيناتور جمهوري أصبح صديقا له، ويدعى كيرك دابلو ديلارد، حيث قال «الكثيرون كانوا متحفظين ومترددين قبالة جماله وذكائه، وقدرته أيضا على تدوير الجمل والكلمات. لقد أثار انتباه جميع أعضاء المجلس، ذلك انه كان أستاذ القانون الدستوري ومتخرجا من هارفرد».
لم يستمر الأمر على هذا النحو، ذلك أن اوباما اقنع أعضاء المجلس بقوة عمله وشهامته، وتمكن بنجاح من تعديل مشاريع القوانين التي تقدم بها الجمهوريون، وعلى الخصوص ما يتعلق منها بتمكين العائلات الضعيفة الدخل من حق الملكية. شهد الوضع تسارعا كبيرا، بعد ان اخذ الديموقراطيون زمام مراقبة المجلس في يناير 2003، حيث عين اوباما رئيسا للجنة الصحة العمومية والخدمات الاجتماعية، وتمكن خلال السنة الأولى من تمرير 26 مشروع قانون، منها توسيع التغطية الصحية لتشمل المعوزين، واجبار وكالات التأمين الصحي على تعويض فحص الثدي، واقامة برنامج لتربية الأولاد الصغار...الخ.
اقنع باراك اوباما ممثلي الشركة بأهمية تسجيلات الفيديو في ادانة المذنبين، وأيضا في انقاذ الأبرياء من التهم المنسوبة اليهم، وهكذا تمت المصادقة على مشروع القانون عام 2003، لتصبح الينوي أول ولاية أميركية تجبر الشرطة على تسجيل استجواباتها للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم كبيرة عن طريق الفيديو.

17 دقيقة من أجل أن يصنع اسماً له
كان باراك اوباما يدرك جيدا ان الانتقال من مجرد رجل سياسة محلي الى رجل سياسة وطني يمر حتما عبر شبكات الضغط والتأثير المتمركزة في العاصمة واشنطن. لقد دعاه ذات مرة فرنون جوردن، وكان عضو الفريق الانتقالي للرئيس بيل كلينتون عقب انتخابه عام 1992، الى بيته بمناسبة عملية جمع أموال، وهناك بدأ يتعرف على الأوساط التي بامكانه أن يستغلها كلوبي مؤيد له ولأفكاره.
التقى باراك اوباما خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي آنذاك بشخصية ساهمت كثيرا في تحديد مساره لاحقا. لقد انبهر جون كيري بالخطاب الذي ألقاه باراك بهذه المناسبة، فدعاه بعد أشهر الى التحدث أمام الديموقراطيين في بوسطن. كان يوم 27 يوليو 2004، يوما لا ينسى بالنسبة لباراك، الذي عرف كيف يستغل هذا التاريخ وينسلخ عن قوقعة الرجل السياسي المحلي الذي غلفته سابقا. لم يكن الأمر يتعلق بخطاب يوجه الى المندوبين مثلما اعتقد سابقا، وانما بخطاب برنامج نقلته على الهواء ثلاث شبكات بث، اضافة الى عدد من القنوات الملتقطة عن طريق الكيبل. ألقى باراك خطابه في 17 دقيقة، كان خطابا ألهب مندوبي الحزب، ذلك انه دافع ورافع لمصلحة الحلم الأميركي، حيث تطرق الى أصوله، ودعا الأميركيين جميعهم الى الوحدة، منددا في الوقت ذاته بسياسة التقسيم التي يقودها جورج بوش.
سيطرت فكرة التضامن على الجزء الثاني من خطاب اوباما، وكانت حجته أن أفراد العائلة الأميركية، مهما كانوا، يتقاسمون المسؤولية والأعباء فيما بينهم، ليعود في نهاية الخطاب الى الحديث عن نفسه، متطرقا الى آمال طفل نحيف يحمل اسما غريبا ويعتقد بان له مكانا أيضا في الولايات المتحدة الأميركية.
وصفت مجلة التايم الخطاب بأنه واحد من أحسن الخطابات، الأمر نفسه بالنسبة لناشيونال ريفيو المحافظة التي قالت «انه خطاب بسيط لكنه قوي» ويستحق «الاستقبال الحار» الذي لقيه.... وهكذا بين عشية وضحاها اكتشفت الولايات المتحدة الاميركية اسم اوباما في عالم السياسة.

الحلقة الرابعة:
الحظ قاد أوباما إلى مجلس الشيوخ

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C22%5Ca59fc7a5-7e06-472a-9bc7-8afa645ebcfc_maincategory.jpg القبس

البريمل
29-11-2010, 01:19 AM
كتاب «أميركا باراك أوباما» (4 )
هل سيقوده إلى دخول البيت الأبيض؟ الحظ قاد أوباما إلى مجلس الشيوخ

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C23%5C3518a99c-7886-4e9f-9202-8f2a25cb1abb_main.jpg • أميركا باراك أوباما
كتاب "أميركا باراك اوباما"
تأليف: فرانسوا دوربار
واوليفيي ريشوم
ترجمة: سليمه لبال
لمع نجمه بسرعة في عالم السياسة الأميركية، ليصبح وهو محام شاب، السيناتور الأسود الخامس في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي، والسيناتور الوحيد في المجلس الحالي، ثم أول مرشح أسود للانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
نجح في ازاحة هيلاري كلينتون وهي السيناتورة البيضاء وزوجة رئيس سابق، من تصفيات الحزب الديموقراطي، وها هو يتقدم شيئا فشيئا نحو البيت الأبيض، في منافسة حامية الوطيس مع الجمهوري جون ماكين.
يصفه البعض بكيندي الجديد وبالحلم الأميركي، الذي سينقل أميركا من مجتمع أبيض وأسود الى مجتمع خلاسي، باختصار لقد أصبح رمزا للأقليات، التي تبحث عن الانتصار لعرقها في كل العالم.
انه باراك أوباما، هذا الأميركي ــ الأفريقي الأصل، الذي نجح في تصدر استطلاعات الرأي امام هيلاري، ونجح ايضا في اذابة الجليد بين البيض والسود، من أجل ان تنعم اميركا بالوحدة والتضامن.يتساءل الجميع كيف نجح هذا الأربعيني في سرقة الأضواء؟ وكيف تمكن من التعايش صبيا مع ثقافة أمه الأميركية وموروث والده الكيني وحياة زوج والدته الاندونيسي؟ ثم كيف رفع التحدي وانخرط في السياسة بفضل دعم زوجته ميشال، هذه المرأة التي وقفت الى جانبه، مثلما كانت والدته الى صفه دوماً؟
هي اسئلة تجدون الاجابات عنها في هذا الكتاب الذي تنشر «القبس» ترجمته، في انتظار ان تجيب الانتخابات الرئاسية الأميركية عن السؤال الأهم، والذي يشغل كل العالم: من سيكون على رأس الولايات المتحدة الأميركية؟

لقد حاول الشاب باراك اوباما الترشح على المستوى الوطني في عام 2000 ، ليكون عضوا في مجلس النواب غير انه خسر بعد أن حصد 30 في المائة من الأصوات فقط مقابل بوبي روش الذي حصد 61 في المائة من الأصوات.
سأل احد الصحافيين اوباما بعد الهزيمة إن كان قد توفي سياسيا بعد ما جرى له، فأجابه «لا احد كان سيصوت لفائدة مرشح يحمل اسم اوباما بعد أحداث 11 سبتمبر».
عاود اوباما الدخول إلى السباق بعد أن أعلن السيناتور الجمهوري بيتر فايتزجيرالد تقاعده في يناير 2003، وكان يبدو أن المرشحين الديموقراطيين أوفر حظا وكفاءة منه، فدان هينز يحوز على دعم الحزب الديموقراطي في الينوي وكذا النقابات المحلية، كما كان رجل الأعمال الثري بلير هول مستعدا لدفع 29 مليون دولار أميركي لتمويل حملته الانتخابية، فيما كان باراك اوباما معتمدا على أربعة موظفين فقط، يداومون في مكتب صغير.

حملة في المناطق الريفية
كان الخبراء السياسيون يرون بان نجاح اوباما في مقاطعته سيكون فقط في المناطق الريفية أو المدن الجنوبية التابعة للولاية، وبالفعل قاد حملته الانتخابية في المناطق الريفية في وسط وجنوب الولاية مستقطبا بذلك المزارعين.
اعتمد اوباما على الحظ من اجل النجاح أيضا، فشعبية الثري بلير هول الذي تصدر الاستطلاعات أسبوعا واحدا قبيل موعد الانتخابات، سرعان ما تلاشت بعد قضية تحرش جنسي، لتحل المفاجأة في 16 مارس 2004، بعد أن تصدر اوباما قائمة المرشحين الديموقراطيين بـ53 في المائة من الأصوات.
بدأت الحملة الانتخابية، ومعها بدأت تحركات الجمهوري جاك ريان، الذي طلب خدمات المستشار الإعلامي سكوت هويل وكلفه بمتابعة باراك اوباما عن طريق كاميرا.
انقلبت هذه الإستراتيجية العدائية ضد المرشح الجمهوري، بعد أن اكتشف باراك اوباما أن المصور سجل محادثات هاتفية خاصة بينه وبين زوجته وبناته، ليؤكد في ما بعد وخلال خطاباته بأنه ترشح من اجل مكافحة مثل هذه الممارسات، ما مكنه مرة أخرى من الاستفادة من الظروف الخارجية، ذلك أن ريان انسحب من السباق بتاريخ 25 أغسطس، خصوصا بعد أن كشفت الصحافة تفاصيل انفصاله عن الممثلة جيري ريان، التي اتهمت زوجها السابق بإرغامها على التردد على نوادٍ تتم فيها العملية الجنسية بصفة جماعية.
أُجبر الجمهوريون على اختيار بديل لريان بعد الفضيحة، ووقع الاختيار على آلان كيس، الذي لم يجد الوقت الكافي لتنظيم حملة انتخابية ولم يكن يفصل عن موعد الانتخابات سوى ثلاثة أشهر.
تصريحات آلان كيس هي الأخرى قللت من شعبيته في أوساط ناخبي الينوي خصوصا عندما قال بان ابنة نائب الرئيس ديك تشيني وآخرين من المثليين والسحاقيات هم من أنصار اللذة.

ميشال لم تصدق فوزه
لم يكتف اوباما بالاستفادة من هذه الظروف، وقاد حملته الانتخابية بكل ذكاء، حيث ندد بسياسة بوش، في الينوي التي فقدت 200 ألف منصب شغل وحدها، ليفوز في2 نوفمبر2004 بالانتخابات بعد أن حصد أكثر من 70 في المائة من الأصوات مقابل 27 في المائة من الأصوات عادت إلى غريمه.. انه الانتصار الساحق الأول من نوعه في تاريخ انتخابات الكونغرس الاميركي.
وصل باراك اوباما إلى واشنطن في يناير 2005، أي ساعات فقط قبيل أدائه اليمين الدستورية كسيناتور جديد للولايات المتحدة الأميركية.
في تلك اللحظات، ذكرت ميشال اوباما بالمخطط الذي رسمه قبيل دخوله معترك المنافسة ألا وهو الفوز بالانتخابات التمهيدية ثم الفوز بالانتخابات ثم تأليف كتاب وأثناء ذلك، حدقت في عينيه وقالت «لا استطيع أن اصدق بأنك وصلت حقا».

دروس النصر
استخلص باراك اوباما دروسا عدة من فوزه بالانتخابات، فالناس كانوا يظنون بان رجلا اسود مثله ليس في مقدوره الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، في امة منقسمة مثل الولايات المتحدة الاميركية.
كانوا يظنون بان شخصا اسمه باراك أوباما لا يمكنه إطلاقا أن يطمح إلى هذا المستوى، غير انه بلغه بعد أن استخلص دروسا أيضا من فشله خلال انتخابات مجلس النواب عام 2000.
الى جانب ذلك استغل اوباما أيضا حظه وأخطاء منافسيه.لقد اعترف وهو يبدأ حياته الجديدة كسيناتور بتأثير القدر عليه وذلك في قوله «لقد حالفني الحظ كثيرا خلال هذه الحملة الانتخابية ولا يوجد أدنى شك في ذلك».

أولى المهام
أدى اوباما اليمين الدستورية في 5 يناير 2005 ومنذ اليوم الأول انهالت عليه التهاني وسارع إليه المعجبون والمعجبات، مطالبينه بتوقيع اوتوغرافات.
أصبح بيت روس مديرا لمكتب اوباما، فيما تم تعيين الخبيرة الاقتصادية كارن كورنبلوه مستشارة سياسية له، بعد أن كانت المديرة المساعدة لمكتب وزير المالية السابق روبرت رابن.
لقد نشرت جريدة نيو ستيتسمان البريطانية في اكتوبر 2005، مقالا صنّف اوباما ضمن الشخصيات العشر التي بإمكانها تغيير العالم، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من دخوله مجلس الشيوخ الاميركي، فيما وصفت مجلة التايم اوباما في عام 2007 بالرجل الأكثر تأثيرا في العالم.
قبل اوباما مرة واحدة بالعديد من المهام التي أوكلت إليه، فأصبح عضوا في لجنة الشؤون الخارجية وفي لجان الصحة والتربية والعمل والتقاعد والتأمينات الاجتماعية وقدامى المحاربين.

الجذور وإفريقيا
وفقا لاعترافه الشخصي، فان جذور اوباما الإفريقية هي السبب الرئيس الكامن وراء اهتمامه بالسياسة الخارجية وانشغاله بأوضاع القارة السمراء، ما دفعه في يوليو 2005 إلى التطرق إلى قضية دارفور في مقر جمعية الأمم المتحدة بنيويورك، والتحذير من مغبة تكرار سيناريو رواندا في السودان.
التقى اوباما السفير الصيني وونغ غوانغيا، على اعتبار أن الصين هي أول مستثمر في الصناعة البترولية في السودان والبلد الأكثر قدرة على تطبيق عقوبات على الخرطوم، حيث طلب من الحكومة الصينية الضغط على السودان حتى توقف هجوم ميليشيات الجنجويد على المدنيين، كما التقى أيضا ممثلي الدول الاعضاء في منظمة الاتحاد الأفريقي وهي كل من كينيا ورواندا والسنغال وكلها تملك قوات عسكرية في منطقة دارفور.
نالت زيارة اوباما لمقر الأمم المتحدة إعجاب السفير الاميركي لدى الأمم المتحدة ريتشارد ويليامسون الذي أكد أن قلة من أعضاء الكونغرس الاميركي، يهتمون بالشأن الافريقي.
مهدت هذه المبادرة لمرحلة جديدة في مسيرة اوباما، حيث قرر بعد 6اشهر قضاها في دراسة القضايا الإفريقية الداخلية داخل مقر مجلس الشيوخ، قرر تخصيص كل وقته لعضوية لجنة الشؤون الخارجية، ليتجه بتاريخ 24 أغسطس 2005 في أول رحلة رسمية له إلى روسيا ثم أذربيجان وأوكرانيا برفقة السيناتور ريتشارد لوغار رئيس اللجنة، وهدفت هذه الزيارات إلى دراسة استراتيجيات مراقبة الأسلحة في إطار الوقاية من التهديدات المرتبطة بالإرهاب.
قام اوباما ولوغار بتفتيش مقرات تدمير الرؤوس النووية في ساراتوف، جنوب غرب روسيا، وفي اوكرانيا وقعا اتفاقية ثنائية للوقاية من مخاطر انتشار العدوى، التي يسببها الإرهاب البيولوجي.
كانت وجهة اوباما الثانية في يناير 2006 هي الكويت والعراق حيث التقى برفقة وفد من الكونغرس بالقوات الأميركية المتمركزة هناك ثم زار الأردن فإسرائيل والأراضي الفلسطينية، حيث التقى الطلبة الفلسطينيين قبل أسبوعين فقط من موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية وأكد لهم أن بإمكان الولايات المتحدة عدم الاعتراف بمرشحي حماس الفائزين إلا إذا تراجعت حماس عن فكرة تدمير إسرائيل.
وأما رحلته الثالثة فكانت إلى كينيا وافريقيا الجنوبية مرورا بجيبوتي وتشاد وإثيوبيا خلال شهر أغسطس 2006.
«اوباما تعال الينا»
لقد استقبل السفير الاميركي في نيروبي باراك اوباما لدى وصوله برفقة زوجته وابنتيه إلى مطار كينياتا الدولي، ولم يكن السفير وحده، بل جموع كبيرة ارتدى أفرادها قمصانا كتب عليها اسمه، فيما كان البعض ينادون «اوباما تعال الينا».
وفيما ذهب اوباما لزيارة موقع سفارة الولايات المتحدة الاميركية الذي تعرض لهجوم إرهابي، اتجهت عائلته الصغيرة إلى ضاحية نيانزا في الغرب الريفي، حيث توجد ربى إفريقيا الخضراء التي عشقها هيمنغواي وكتب عنها.
كان أفراد قبيلة لو يعتبرون اوباما واحدا منهم حتى وان نشأ بعيدا عنهم وفي بيئة مختلفة تماما.اقترب اوباما من عامة الناس وزار جدته لوالده في بيته المغطى بالعشب وفق تقاليد قبيلة لو في قرية كوغيلو وهناك حاول إشعار الناس بخطر السيدا، حيث خضع هو وزوجته لفحص السيدا في عيادة كينيان.
دهش الجميع برد فعل الجماهير التي رحبت باوباما، على الرغم من زيارته مرتين فقط لكينيا، غير ان هذا لم يكن سوى صورة تعكس شعبيته في الولايات المتحدة الاميركية منذ بداية مشواره السياسي.
بعد أشهر من زيارته إلى مسقط رأس والده، أعلن باراك اوباما دعمه الكامل للمبادرة الكينية الهادفة إلى استرجاع مئات القطع الأثرية الكينية فكان أول رجل سياسي أميركي يؤكد على أهمية احترام التراث التاريخي والثروة الثقافية للبلاد التي استعمرتها الدول الغربية فترة طويلة.
لقد مكنت هذه الزيارات اوباما من تعزيز صورته وموقعه أيضا كرجل سياسة على الصعيد الدولي، كما مكنته من دحض كل الافتراءات والانتقادات التي طالته وحجتها ضآلة تجربته السياسية.

نجم الكونغرس
أصبحت صورة باراك اوباما خلال بضعة أشهر، تتصدر غالبية الصحف والمجلات وأصبح الصحافيون يقدمونه كواحد من أكثر الشخصيات كاريزمية في الولايات المتحدة الأميركية.
لقد عنونت تايم ماغازين صفحتها الأولى بتاريخ 23 أكتوبر 2006 وبحروف كبيرة «الرئيس القادم» و كتب أسفله «لماذا سيكون؟»، فيما قارن التقرير الذي نشر على الصفحات الداخلية بين اوباما وقوس قزح، انه حدث مفاجئ لكنه مثار إعجاب ونشوة.
أول الانتقادات
بدأت أولى الانتقادات توجه إلى باراك اوباما، حينما كتب كاتب افتتاحية شيكاغو سان تايمز مقالا تطرق فيه الى إمكانية لجوء اوباما الى تغيير عقليته وهي المقابل الذي سيقايض به استمرار نجاحه وتألقه، لقد كتب: «اسوأ ما يمكن ان يحصل هو ان يصبح اوباما أكثر حذرا وتحفظا حتى يستطيع الحفاظ على الشهرة التي وصل اليها»، فيما ذهب بول ستريت أكثر من ذلك، حيث نشر في مجلة الكترونية موجهة الى السود مقالا، جاء فيه ان اوباما يحاول تخفيف ادانة البيض، بينما لا يفعل البيض شيئا لمكافحة التمييز العنصري.
وأما في الصف الجمهوري فقد تركزت الانتقادات حول نقص تجربة اوباما السياسية. وأجاب فريق اوباما على هذه الانتقادات، بالقول ان الصفات الأساسية للقائد لا يمكن أن تكون التجربة وإنما الذكاء والرؤية الواضحة.طالت الانتقادات والهجومات كل شيء في اوباما حتى اسمه، ذلك ان مواقع الكترونية قدمت التشابه اللفظي بين اوباما واسامة –أي اسامة بن لادن – على انه اشكال كبير، فيما ركز العديد من الجمهوريين على اسمه الثاني «حسين» وهو الاسم نفسه الذي حمله الديكتاتور صدام حسين.
وكان رد روبرت جيبس مدير العلاقات العامة لاوباما بسيطا جدا حيث اكد استحالة تسوية وحل مشاكل العراق، باللجوء الى اقامة حملات تخص الاسماء الثانية للافراد.
لم يكن اوباما مجرد سيناتور في الولايات المتحدة الاميركية وان حاول في العديد من المرات تكذيب اشاعة ترشحه للانتخابات الرئاسية، الا ان عددا كبيرا من الصحافيين كانوا يؤكدون عدوله عن رأيه. توجد ثلاثة اسباب لذلك، بحسب صحافي نيويورك تايمز ديفيد بروكس وهي اولا: اهمية حزبه، فاوباما هو احسن من يمكن أن يبرز ويمثل طموحات الديموقراطيين وثانيا :عمره وشبابه المفعم بالحيوية والتجديد واخيرا رؤيته للسياسة، فهو الوحيد الذي بامكانه ان يقنع الرأي العام بفكرة العمل العام. لقد كانوا كثراً من تقدميين ومحافظين، من أملوا ترشح باراك اوباما للرئاسيات، لانهم يدركون تمام الادراك بانه قادر على الدفاع عن مصلحة الاميركيين وقادر ايضا على دفع عجلة النقاش الديموقراطي.

الحلقة الخامسة:
هل سيصوت الأميركيون لمسيحي ابن مسلم؟

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C07%5C23%5Ce8b5b6aa-abec-4b67-ba61-7e89ea07ec03_maincategory.jpg • أثناء حملاته الانتخابية

البريمل
02-12-2010, 02:40 AM
طبعة أولى بعد تأليفه بستين عاما ديموقراطية طه حسين يصدر من البداية إلى النهاية

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C05%5Ca69faecb-cddf-4952-bed8-dbb322e23104_main.jpg

حين قامت ثورة 1919، ووضع دستور 1923، أصبح مصطلح الديموقراطية واحدا من المفاهيم التي لاقت كثيرا من الجدل والنقاش في الأوساط المصرية، ومن ثم فقد انبرى عميد الأدب العربي لا ليلقي محاضرات عن المصطلح الغربي، ولكن ليسرد قصة الديموقراطية منذ عرفها الإنسان وحتى تأسيس المفكرين والفلاسفة الجدد لها،

هذا السرد الهادئ البسيط الذي تناول تاريخ البشرية ونزوعها الدائم نحو الملك والامتلاك والسيطرة، ذلك التاريخ الذي صاحبه نزوع إنساني آخر لاحترام وجهة النظر المخالفة ورأي الأقلية، والتمايز النوعي، والالتزام على شروط واضحة بين الحاكم والمحكومين، وأشكال إسقاط هذه الصيغة منذ قسم اليونانيون أنفسهم إلى من يحق له الحكم ومن يظل محكوماً، وتطور ذلك مع الفكر الروماني حتى جاء العصر الإسلامي ثم المدنية الحديثة، تلك المدنية التي أقرت شروطاً يتم على أساسها انتخاب الحاكم من بين الجميع، وإسقاطه أو محاكمته إذا خالفها ورفض الإذعان لها. كان هذا موضوع الكتاب الذي عكف د.طه حسين على كتابته عقب ترديد الشعب لمصطلح الديموقراطية دون أن يعرفوا معناه الحقيقي، ولم يكتف بالكتابة ولكنه أخذ في إلقاء عدد من المحاضرات، كان بعضها فصولاً في هذا الكتاب (الديموقراطية) وما كاد أن ينتهي منه حتى حدثت أزمة كتابه الأشهر «الشعر الجاهلي»، ذلك الكتاب الذي ووجه باتهامات وانتقادات جعلته يؤجل نشر عمله الفكري التثقيفي العام إلى أجل غير مسمى، حتى عثرت عليها حفيدته منى الزيات، فحصلت عليها دار نفرو للنشر ونشرته بمقدمة طويلة وفريدة للباحث إبراهيم عبد العزيز.
ربما كان طه حسين من أكثر المؤهلين بحكم ثقافته وتعليمه – للحديث عن الديموقراطية، فهو من زاوية أزهري حفظ القرآن وتلقى تعليمه في الأزهر، ومن ناحية أكمل تعليمه المدني في أوروبا وحصل على الدكتوراه من السوربون، وكانت دراسته للأدب العربي والأوروبي وأثر حرية الفكر على تطور هذا المنجز الإنساني داعية إلى تأمله طيلة الوقت في مسألة الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم.
ومن ثم، فقد جاءت فصول كتابه لتشرح فكرة العدل والحرية والديموقراطية والجمهورية وغيرها من المفاهيم في الفكر اليوناني القديم، ثم تلتها فصول رصدت نظام الحكم في الإسلام وشخصية الحاكم الصالح عمر بن الخطاب ونشأة الدولة الإسلامية وتطور الفكر الديموقراطي فيها، ثم جاءت المرحلة الثالثة لترصد فصولها الديموقراطية في الغرب وأزمتها الحقيقية، والتناقض بين الدعوة للديموقراطية ومنع الشعوب عن نيل استقلالها، والغربة التوسعية التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية. وفي النهاية وضع طه حسين عددا من الفصول التي تحفز الشعب على التمسك بحريته ومكتسباته، موضحاً أن الشعب الديموقراطي يحارب لحرصه على الحياة الحرة، أما الشعوب المستعبدة فإنها تحارب أيضا ولكن مرغمة لأنها تساق إلى الحرب وهي كارهة، ومن ثم فإنه يقول: «أخص ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديموقراطية أنها لا تفرض على الشعب وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها، ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغباً فيها مريداً لها».
استفاد د.طه حسين من اطلاعه على الثقافة الشرقية والغربية، فتعامل بمنهج وفلسفة ابن خلدون في قراءته للتاريخ وصراع الأمم. ودمج ذلك بفكر أرسطو وأفلاطون وغيرهما من فلاسفة اليونان، موضحاً فجر الديموقراطية ومنتقدا أرسطو في تقسيمه لمن يحق لهم أن يحكموا، وهم النبلاء والفلاسفة، ومن يحق عليهم أن يحكموا وهم طبقة العبيد. كما انتقد موقف المؤرخين العرب من ثورتي الزنج والقرامطة، موضحاً أنهم زيفوا الحقيقة لصالح السلطة الرسمية في عصر الخلافة العباسية، وأن هاتين الثورتين خرجتا على السلطان بحثاً عن العدل والمساواة والحرية، وقارن بين ثورة الزنج وثورة العبيد في ايطاليا التي قادها سبارتكوس. ويبدو أن طه حسين لم يتراجع عن نشر هذا الكتاب المؤسس لفكر الديموقراطية وحرية الرأي بسبب ما حدث من انتقاد لكتابه الشعر الجاهلي فقط، فقد سبق ذلك الأزمة الكبرى التي أثارها كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق، ثم جاء الشعر الجاهلي ليحيي الأزمة بشكل جديد وكانت السلسلة ستكتمل بظهور هذا الكتاب نظراً لما ينطوي عليه من انحياز لشكل الحكم الأوروبي، خصوصا الإنكليزي الذي لا يعدو الملك كونه رمزاً لحكم ديموقراطي يتم فيه انتخاب رئيس وزراء من الشعب، ليدير حكم الشعب تحت رقابة من برلمان منتخب لكن ذلك كله ما كان سيحدث في ظل انهيار الخلافة العثمانية وبحث مصر عن آليات لنقل الخلافة إليها، ومن ثم فقد اكتفى حسين بإلقاء بعض من فصوله كمحاضرات في عدد من التجمعات الفكرية كجامعة القاهرة وغيرها ونشر بعضها الآخر في مجلات كالهلال والبلاغ وغيرهما في الفترة من 1937 حتى 1945 ثم انتهت هذه الرغبة بمجيء ثورة يوليو التي حولت البلاد إلى فكر شمولي مناهض لما سعى إليه عميد الأدب في كتابة «الديموقراطية»، ذلك الكتاب الذي عثرت منى الزيات على أوراقه ودفعت به إلى صاحب دار «نفرو» ليقدمه في أولى طبعاته بعد كتابته بما يزيد عن ستين عاماً.
صبحي موسى

الكتاب: الديموقراطية.. كتاب لم ينشر
اسم المؤلف: طه حسين
اعداد وتقديم: إبراهيم عبدالعزيز
دار النشر: دار نفرو للنشر - القاهرة

البريمل
04-12-2010, 07:49 PM
القبس


عالم خطف الطائرات والاغتيالات وعملية «أوبك» أواخر القرن الماضي أسرار الصندوق الأسود (2)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C27%5C7211de87-2299-49b6-9729-e4b039a62203_main.jpg

تأليف: غسان شربل
عام 1975 كان عام بداية الحروب الاهلية والمتنقلة في لبنان، وكانت الفصائل الفلسطينية في قلب المعركة والسلطة القائمة على جزء غير يسير من الاراضي اللبنانية، قبل ان يخرجها الاجتياح الاسرائيلي عام 1982.
ثمة روايات متناقضة عن موقف وديع حداد من الحرب اللبنانية، مساعدون له يقولون انه دعا الى ان تنأى الفصائل الفلسطينية بنفسها عنها، وآخرون بينهم انيس النقاش يوصون بالعكس، وفي كلام انيس عن عملية احتجاز وزراء نفط «اوبك» في فيينا اواخر عام 1975 اي بعد اشهر من انطلاق الحرب اللبنانية، تأكيد على ذلك.
لكن ما يعنينا في رواية انيس النقاش عن العملية ابراز الاختلاف بينه وبين ما رواه كارلوس، ومايقوله احد مساعدي وديع حداد.
فربط العملية بالحرب اللبنانية، كما يقول النقاش، يناقض روايتي كارلوس ومساعدي الحداد عن ان الاخير رفض التورط في صراعات اللبنانيين الداخلية، وقول النقاش انه اقنع كارلوس بعدم اعدام وزيري النفط السعودي والايراني يناقض قول كارلوس انه طرح فكرة قتل الوزيرين (الأوامر كانت تقضي باعدام الوزير السعودي احمد زكي اليماني فقط) على النقاش ومساعدهما الالماني فأيداه بحماسة.. وفوق كل ذلك يقدم النقاش نفسه على انه البطل الاول «في عملية فيينا»، علما بانه لم يكن منتميا الى الجبهة الشعبية، بل الى حركة فتح، وعلاقته المباشرة كانت بابو جهاد. الا ان اهمية شخصية انيس النقاش تكمن في انه نام طويلا على سر دوره (سواء كان الاول او الثاني) في تنفيذ عملية فيينا، وقد فشلت اجهزة الاستخبارات في فضحه، ولم ينتبه المحققون اليه على رغم اقامة الرجل سجينا بين ايديهم على مدار عقد كامل، مداناً في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شهبور بختيار.
هنا حلقة ثانية عن عملية فيينا نعرضها كما جاءت في كتاب الزميل غسان شربل «اسرار الصندوق الاسود» مع بعض التصرف:

بدأت رحلة النقاش الفعلية حين تعرف الى خليل الوزير (ابو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وحين اختار ان يعمل في امن الثورة من خارج المؤسسات الامنية المعروفة. حدثان كبيران ميزا مسيرته: الاول عندما عمل مع مجموعة وديع حداد وشارك في عملية فيينا، والثاني حين ذهبت به العلاقة بالثورة الايرانية الى حد رئاسة الفريق الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء الايراني السابق شهبور بختيار في باريس في 1980.
في 1980 اهتزت فرنسا، وتناقلت وكالات الانباء اسم هذا الشاب اللبناني الذي انضم باكراً الى الثورة الفلسطينية، وها هو يحاول اغتيال شهبور بختيار رئيس الوزراء الايراني السابق. نجا بختيار، لكن فرنسيين قتلا في الحادث، احدهما شرطي، واصيب نقاش وحكم عليه بالسجن المؤبد، ومنذ لحظة اعتقاله سيتحول ملف النقاش هاجسا لدى المسؤولين الفرنسيين لانه تداخل مع مجريات الحرب العراقية – الايرانية وازمة الرهائن الفرنسيين في لبنان، وضاعف من تسميم العلاقات بين باريس وطهران التي كانت تشترط اطلاقه.
لكن القضاة الفرنسيين سيكتشفون بعد قراءة هذه السطور ان النقاش ارتكب ما هو اهم واخطر من محاولة اغتيال بختيار، ولم يدر في خلدهم السؤال عن السر او الاقتراب منه او محاولة الوصول اليه.

شريك كارلوس
ها هو انيس النقاش يعترف بانه كان شريك كارلوس في عملية احتجاز وزراء النفط في «اوبك» في فيينا في 21 ديسمبر 1975، وانه شارك في التخطيط والتنفيذ. ويكشف النقاش انه اقنع كارلوس بعدم تنفيذ اوامر وديع حداد باعدام الوزيرين الايراني والسعودي، الذي كان مقرراً ان يحصل في بغداد او عدن، بعد تحقيق الهدف الاول من العملية، وهو الحصول على فدية قيمتها عشرة ملايين دولار. ويروي ان خلافا وقع بين حداد وكارلوس بعد العملية بسبب امتناع الثاني عن اعدام الوزيرين وتقديم نفسه علانية خلال تنفيذها خلافاً لأوامر الأول.
ستة شاركوا في عملية فيينا: كارلوس والنقاش ولبناني اسمه الحركي «جوزف» وفلسطيني اسمه الحركي «يوسف» والألماني هانز يواكيم كلاين والألمانية غابريل توجمان واسمها الحركي «ندى».
قصة مثيرة ومعقدة. انتمى النقاش باكراً إلى التنظيم الطالبي لحركة «فتح» وعمل مع عضو اللجنة المركزية فيها خليل الوزير (أبوجهاد) واختار خدمة الأمن السياسي للثورة من خارج أجهزتها الأمنية. دخل عالم الأسرار وأقام فيه بأسماء مستعارة إلى أن سقط في أيدي الشرطة الفرنسية.

أدوار
يروي النقاش انه شارك في استقطاب أوروبيين للقيام بعمليات استطلاع داخل إسرائيل. وانه في النصف الأول من السبعينات قرر اختراق مجموعة وديع حداد التابعة أصلاً لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» لمعرفة المجموعة والحيلولة دون أن تمس عملياتها أمن الثورة. ويقول انه كلف لاحقا بالمشاركة في الإشراف على تدريب الإيرانيين المعارضين لنظام الشاه، وكان أول من طرح فكرة إنشاء «الحرس الثوري».
يقول النقاش الذي واكب ولادة «الحرس الثوري» وربطته علاقات بمسؤوليه، انه شارك في نقاشات هناك انتهت إلى أن بختيار رجل خطير وانه الرمز الذي تحاول الولايات المتحدة استخدامه لانقلاب عسكري يطيح بالثورة الإيرانية التي شكل قيامها كسباً كبيراً للثورة الفلسطينية. ويضيف ان «محكمة إيرانية قضت بإعدام بختيار وان الإمام الخميني أقر الحكم. فتطوعت للتخطيط ثم قُدت عملية التنفيذ».
ويكشف النقاش انه حصل عبر وكالة الصحافة الفرنسية على رقم مقربين من بختيار، وانه زار منزله مدعياً انه صحافي عربي، وأجرى بهذه الصفة حديثاً كاملاً تمكن خلاله من استطلاع المكان والحراسات ونقل النتائج إلى طهران، فصدر قرار التنفيذ. لم ينشر الحديث وعاد النقاش لإجراء حديث آخر تتم خلاله عملية الاغتيال، لكن إجراءات الأمن فرضت تغييراً في الخطة التي تحولت إلى عملية اقتحام. وينفي أن تكون المجموعة أخطأت في الشقة، مؤكداً ان المرأة التي قتلت أصيبت بالصدفة وان الباب المصفح هو الذي أنقذ بختيار خلال الاشتباك الدامي. ويحكي عن وعود الاشتراكيين والديغوليين بإطلاقه وكيف أعطي هاتفاً دولياً للمساهمة في إطلاق الرهائن الفرنسيين في لبنان. ويشير إلى أسماء المسؤولين الإيرانيين الذين كانوا على علم بقصة بختيار. وفي 28 يوليو 1990 أصدر الرئيس فرنسوا ميتران عفواً عن النقاش فعاد مع أفراد المجموعة إلى طهران.
ويكشف النقاش أيضاً كيف خططت مجموعة وديع حداد لاغتيال السفير الأميركي في بيروت غودلي والمبعوث الأميركي دين براون والملحق العسكري الفرنسي والدور الذي قام به «أبو جهاد» و«أبو حسن سلامة» في إفشال هذه الخطوة بعد اطلاعهم عليها قبل تنفيذها، وفي هذا تناقض آخر مع ما يقوله مساعدو حداد عن ابتعاد الأخير عن تنفيذ عمليات داخل لبنان.

الهدف التمويل
يقول النقاش: عملية فيينا سبقتها مجموعة عمليات خُطط لها، وكان الهدف منها التمويل. مع بوادر الحرب الأهلية في لبنان كانت مجموعة وديع حداد في حاجة إلى تمويل. وكانت تعتقد ان أكثر من طرف فلسطيني، من بينهم «الجبهة الشعبية»، سيفيد منه. وأول برنامج أو هدف لعملية التمويل، بعدما وضعت احتمالات عدة، كان التفكير في خطف مهدي التاجر، الثري الإماراتي الذي كان سفيراً لبلاده في لندن. وفي شتاء 1974 – 1975، بدأ التحرك للإعداد لهذه العملية. وكلفت مجموعة تضم بعض الشباب اللبنانيين وامرأة ورجلاً ألمانيين بالإعداد الأولي، كان المطلوب تحضير المجموعة وإعداد الوثائق اللازمة لها مثل الجوازات. والجوازات التي كان من الممكن الافادة منها كانت بوليفية. اجتمعت المجموعة في باريس للتحضير لمراقبة الاماكن المطلوبة في بريطانيا وتحديدها.
وبسبب خطأ فني حصل في الجوازات، وعدم تمكن كل افراد المجموعة من الدخول الى لندن، تقرر تأجيل العملية. وفي هذه الفترة تفاقمت الازمة في لبنان، واخرت الحرب الاهلية هذه المسألة قليلا، الى ان اعيد طرح ضرورة التمويل مرة اخرى.
ويؤكد ان وديع حداد كان من اتخذ قرار خطف التاجر وان كارلوس كان موجودا ضمن المجموعة التي ستنفذها.

بطل العملية
كان انيس النقاش اسمه «خالد» حين شارك، الى جانب كارلوس، في عملية احتجاز وزراء نفط «اوبك» في فيينا. وكان اسمه «مازن» خلال عمله الطويل في حركة «فتح». هذا اذا تناسينا اسماء اخرى على جوازات سفر مزورة. اليوم لم يعد انيس النقاش يحتاج الى الاسماء المستعارة. انها مرحلة كاملة انتهت وهو ما سهل البوح باسرارها. ويقدم النقاش او «خالد» نفسه بطلا اول لعملية «اوبك» حيث يقول كلفت اولا بعمليات الاستطلاع الاولى. وذهبت مرة اولى الى فيينا بجواز لبناني عادي. جنيف اولا ثم بالقطار الى فيينا، حيث مكثت هناك نحو 10 ايام لاتقصى الاجواء والاماكن: مركز «اوبك» والشوارع والشقق. اي عملية استطلاع كاملة. وكان يرافقني شاب آخر عديم التجربة، وكان هذا مشواره الاول الى اوروبا في عملية استطلاع، وبغرض تدريبه. ولم يكن له اي دور لاحقا.
ويقول انه دخل الى مركز «اوبك» خلال عملية الاستطلاع، موضحا حجته في ذلك بان في مبنى «اوبك» كانت توجد السفارة الكندية وشركة نفط. «صعدت الى طابق «اوبك» بحجة انني ظننته طابق السفارة. ودخلت المركز ولم تتسن لي رؤيته بالكامل. لكنني القيت نظرة على المدخل والسلم والمصعد، والى ما هنالك من تفاصيل وامور. ثم اعتذرت عن «الخطأ» في الطابق وخرجت. رجعت الى بيروت، وكان كارلوس موجودا وتداولنا المعلومات. ثم قررنا الانطلاق للتنفيذ. هنا خرجت بجواز لبناني عن طريق زيورخ. وفيها بدلت الجواز الى جواز قبرصي كي ادخل الى فيينا. واكتملت المجموعة في فيينا».
وعندما يسأل من أين اتى كارلوس؟ يجيب موحيا بدور الاخير الثانوي:
ــ لا اعرف تماما. لكنني اعرف انه كان في لبنان. والاحتمال ان يأتي اما من طريق سويسرا واما ايطاليا. ولم يكن مطلوبا مني ان اعرف اي وجهة ستسلك العناصر الى فيينا.
ويضيف: كارلوس كان يقيم في شقة وانا في فندق. حين اكتملت المجموعة، كثفنا عمليات الاستطلاع، انطلاقا من اماكن اقامتنا، ولكي يكون كل افراد المجموعة على علم بالتفاصيل.
واستنادا الى زيارتي مقر «اوبك»، وكان كارلوس قد ذهب الى هناك بالطريقة نفسها، اي بحجة انه اخطأ بين المقر والسفارة، وبناء على دراستي هندسة الديكور استطعت ان اضع مخططا للمبنى وان اقدر اين تقع قاعة الاجتماعات، ثم حددنا يوم العملية، وقبل التنفيذ بــ 48 ساعة، وصل المانيان (شاب وفتاة) من خارج المجموعة ومعهما الاسلحة، واقتصرت مهمتهما على جلب الاسلحة فقط، وكانا ينتميان الى «الالوية الحمراء» الالمانية، سلمانا الاسلحة فقط، ثم قررنا عقد اجتماع في اخر ليلة قبل العملية، وبتنا في الشقة نفسها، شقة كارلوس، حيث تلقى كل فرد منا التعليمات اللازمة، وفي الصباح الباكر غادر الالمانيان اللذان اتيا بالاسلحة، اما نحن فبقينا الى ان حان وقت العملية.
ركبنا قطاراً (ترامواي) عبر خط يوصلنا الى محطة تبعد نحو 15 مترا عن مقر اوبك، ووضعنا الاسلحة في حقائب رياضية، ولم يكن الجميع في حاجة الى حقائب، فانا كنت احمل مسدسين، ومن كان يحمل رشاشا احتاج الى حقيبة وتحديدا كارلوس وجوزف.

التنفيذ
خرجنا من المحطة وكان البرد قارسا، وشاهدنا عنصرين من الشرطة هناك وكنا نرتدي المعاطف، كان كل شيء مموها في شكل جيد، ولم يلاحظ الشرطيان شيئا، حتى اننا، وبكل بساطة، سألناهما عن مكان المؤتمر، فظنا، من الحقائب التي معنا، اننا صحافيون، فدلانا الى المكان، طبعا كنا نعرف الطابق الذي يقع فيه مقر اوبك، الا انها بادرنا الشرطيين بالسؤال اولا قطعا للطريق على اي اشتباه او التباس، واكملنا اسئلتنا عن موعد المؤتمر ومكان القاعة، اي مجرد اسئلة روتينية اعتيادية، دلنا الشرطيان الى الطابق الاول، صعدنا الى المقر وبدأ الاقتحام، وبحسب الخطة، انقسمنا مجموعتين: الاولى تسيطر على المدخل الاساسي مع السنترال والسكرتيرة، والاخرى تكمل الاقتحام، وهذه الاخيرة انقسمت قسمين كل واحد يتولى تفتيش جهة من الممر، توليت انا تفتيش الجهة اليمنى وسلاحي في يدي، وفتحت اربع غرف او خمسا فيها موظفون، كانت قاعة الاجتماعات اخر غرفة، عندها ناديت بقية العناصر، ولم نكن قد ارتدينا الاقنعة بعد، الا انني كنت اعتمر قبعة من الفرو وقبة الكنزة عالية فلم يلحظ احد ملامحي، خصوصا انني كنت اتحرك في سرعة، ولما دخلنا القاعة وضعنا الاقنعة كي لا يتأملوا طويلا في وجوهنا.

رصاصتان في السقف
الجميع كانوا في الاجتماع، وفور دخولي اطلقت رصاصتين نحو السقف، فانبطحوا ارضا، وكانت المجموعة الثالثة قد ساقت الموظفين الى القاعة، وكانت هناك مجموعة حراس شخصيين في قاعة الانتظار، وقتل منهم اثنان عراقي وليبي، بقية الوزراء لم يكن لديهم حراس، وقد حاول الحارسان المذكوران استهداف الفتاة المشاركة معنا ظنا منهما انها الاضعف لكنها عاجلتهما بالرصاص واردتهما.
تم تجميع كل الموظفين في القاعة، وحصل اشتباك بسيط مع الشرطيين اللذين كانا على مدخل المبنى، عندما صعدا لمعرفة ما الذي يحصل ثم اتت مجموعة من قوات خاصة وحصل اشتباك، جرح خلاله رفيقنا الالماني، الا اننا بقينا مسيطرين على الوضع بحسب الخطة، كان من المفترض، ان نقسم الوزراء والموظفين مجموعات، مجموعة الاعداء مؤلفة من ايران والسعودية، ومجموعة الحياديين تضم الكويت والنيجر واندونيسيا ومن ليس له علاقة.. ومجموعة الدول شبه الحليفة للقضية الفلسطينية تضم العراق والجزائر وليبيا، اي دول «جبهة الصمود».


عشاء احتفالي
يروي النقاش انه في صباح اليوم التالي للعملية «حصلت طرفة من السفير العراقي، وكان قد وجد نفسه مرتاحا، كأنه يشاهد فيلما سينمائيا لا يعنيه، فقال إننا فوتنا عليه حفلة الختام في فندق «هيلتون» على شرف الوزراء. فاستجبنا طلبه جديا وطلبنا من الحكومة النمساوية ان تحضر المآكل، التي كانت ستقدم في حفلة الهيلتون، إلى الرهائن. وبالفعل جاؤوا بالصحون. وأصبحنا على استعداد للانتقال إلى الطائرة».

صفقة أكبر
من الجزائر توجهت الطائرة الى ليبيا وعلى متنها 11 وزيرا.. يقول النقاش: نزلنا في مطار ليبيا وكان الوزير الجزائري لا يزال معنا في الطائرة على رغم اننا طلبنا منه البقاء في الجزائر، لكنه أصرّ على مرافقتنا. ولما وصلنا إلى ليبيا، سمح له كارلوس بأن ينزل ويتفاوض مع الليبيين. وهنا تأكدت من وجود صفقة اكبر وإلا فما معنى هذه المناورات؟

تفجير خطوط النفط
في شهر يونيو من عام 1969، هاجمت مجموعة تابعة لوديع حداد خطوط نقل النفط السعودي الى مصفاة الزهراني (جنوب لبنان) المعروفة باسم خطوط التابلاين، ويبرر مساعد حداد العملية بالقول ان غرضها الاساسي هو ان هذا النفط العربي الذي يمر في ارض محتلة وبحماية اسرائيلية ويصب في مرفأ الزهراني وتنقله ناقلات غربية الى البلدان الغربية يجب ان يكون مشمولا بالمعركة. حصلت عملية تفجير. المتضررون اتخذوا موقفا عنيفا، وبعض الفصائل الفلسطينية اعترض على العملية.

وديع حداد يحاكم كارلوس
بعد نحو أسبوعين من العملية غادر كارلوس الجزائر الى مقديشو وتوجه منها الى عدن حيث عُقد اجتماع ثلاثي سيكرس الطلاق بين القائد الفلسطيني وديع حداد والشاب الفنزويلي كارلوس، الذي كبر في ظله. ودامت الاجتماعات اكثر من 12 ساعة. في الجلسة الأولى طلب من كارلوس ان يروي ما فعل منذ انطلقت عملية التنفيذ.
وهكذا حكى عن الأيام الأخيرة والاستطلاع والاقتحام وما رافقه. وفي الجلسة الثانية تركز الحديث على الطريق التي انتهت بها العملية وتطرقت الى دور الجزائريين، خصوصا وزير الخارجية آنذاك عبدالعزيز بوتفليقة في الافراج عن الرهائن.
سُئل كارلوس، خلال الجلسات التي عقدت في مقر حداد في خورمكسر في عدن، لماذا لم ينفذ التعليمات القاضية بإعدام الوزيرين السعودي والايراني؟ فأجاب بانه رأى ان العملية نجحت وصدر بيان عن دور النفط العربي في المعركة وبالتالي فانه لم يشعر بضرورة اعدام الوزيرين وتلويث العملية، علما ان التعليمات كانت تقضي عكس ذلك، فرد بانه لم يكن امامه أي مجال للانكار لأن الحاضرين عرفوه في صورته ولكنته. وسُئل عما يتردد عن فدية، فقال انه لم يكن هناك أي بحث في فدية ولا علم له بما تردد بعد العملية.
لم تقنع ردود كارلوس الرجل الذي تعهده واطلقه فقال له غاضبا: «نحن في معركة ونخوض قتالا ولسنا فريق كشافة».
وفوجئ حداد بـ«سالم» (الاسم الحركي العربي لكارلوس) يقول: «تعاملونني كأنني عضو لديكم وانا تنظيم حليف لكم». استغرب حداد الكلام، فحتى تلك الساعة كان كارلوس عضوا في «المجال الخارجي». وفي اختتام الاجتماعات الثلاثية طلب حداد من كارلوس ان يذهب الى المعسكر ليرتاح ففعل.

تناقضات أخرى في رواية النقاش: لم تجر مفاوضات حقيقية
على نقيض رواية كارلوس عن سير المفاوضات مع وزراء اوبك، يؤكد النقاش انه لم تجر مفاوضات حقيقية، وان اتفاقا سريعا تم على ان تدفع كل من ايران والسعودية 5 ملايين دولار وقد دفعتا على حد تعبيره، في حين ان كارلوس يقول ان المبلغ كان 25 مليون ولم يصل منه شيء الى خزينة المقاومة الفلسطينية.
كذلك يؤكد النقاش معارضته لاعدام الوزيرين من اليماني واموزيغار فيما كان كارلوس قال ان النقاش كان متحمسا لذلك.
نترك النقاش يتحدث عن هذه النواحي:
عمليا لم تجر مفاوضات حقيقية مع النمساويين فكل المطلوب منهم ظاهريا اذاعة البيان، وقد استجابوا الطلب وسمعنا البيان من راديو صغير كان في حوزتنا، النقطة الثانية هي عملية الاخلاء، وكان من المفترض ان يوفر النمسويون لنا طائرة تقلنا، اما عن الخطة، فكانت هناك خطة علنية وخطة ضمنية، الاولى قضت بأن نتفاوض معهم لاعلان البيان وللخروج مع الرهائن سالمين من فيينا.
اما الخطة الضمنية فقضت بأن يكتب الرهائن رسائل الى سفاراتهم وحكوماتهم كما يحلو لهم، والهدف من ذلك ان نضع اليد على رسالتين تحديدا من اموزيغار واليماني، ثم املينا عليهما ما يجب ان تتضمنه رسالتاهما، اي يجب على كل من الحكومتين تحويل مبلغ قيمته 5 ملايين دولار، ما مجموعه 10 ملايين دولار، وهذا ما حصل، ومن الطريقة التي عومل بها اليماني واموزيغار ادرك الاثنان انهما الهدف وانهما سيعدمان اذا لم تنفذ المطالب (..) هنا لابد من العودة الى امر حصل خلال التحضير، وهو امر مهم جدا، اي حين كنت وكارلوس وحدنا في فيينا، اذ بعدما ذهب واستطلع بنفسه مقر الاوبك، جلسنا في مقهى خلف المبنى، وطلب مني كارلوس ان ادلي برأيي في العملية فبادرته بأن لدي استفهاما عن عملية الاعدام (اعدام الوزيرين الايراني والسعودي)، لانني رجل مسيّس وادرك ابعاد تنفيذ قرار خطير من هذا النوع. بحسب الخطة، كان علينا ان نتوجه بالطائرة بعد الحصول على الاموال الى العراق او عدن لاعدام الوزيرين، وانا لا استطيع ان اتصور ما الذي سيحصل بعد الاعدام، اكان في بغداد ام في عدن، ففي بغداد سيكون نسف لكل اتفاقات ايران مع العراق ووقف الحركة الكردية والتدخلات بين البلدين بحسب اتفاق الجزائر، اما اذا تم الاعدام في عدن البلد الصغير المتهم اساسا فإنه سيتعرض بالتأكيد لضغوط من الدول المعنية، وربما لاكثر من ضغوط وانا لا اعتقد بأننا نكون بذلك اسدينا خدمة حسنة لرفاقنا في عدن.
كانت لوديع قاعدة في عدن وعملية من هذا النوع، (اي الاعدام) ستخرج هذا البلد بالتأكيد وتوجه اليه الاتهامات وتليها المقاطعات. فوجئت بان كارلوس تجاوب معي في سرعة ولم يتأخر ليؤيد وجهة نظري في ان هذا الهدف (اي الاعدام) ليس طبيعيا وسليما (..) المعضلة تكمن في انني لا استطيع الطلب منه مخالفة الاوامر وعدم اغتيال الوزيرين، ولا هو يستطيع ان يلقي علي مسؤولية الكشف عن نفسه في المفاوضات.


الحلقة المقبلة: خـطــف الطـائــرات

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C27%5Cc550730a-78e2-43cd-90d5-136b5e42a249_maincategory.jpg




================================================








عالم خطف الطائرات والاغتيالات وعملية أوبك أواخر القرن الماضي أسرار الصندوق الأسود (3)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C28%5Cb9d0f8b0-f031-4697-af37-57e1ee223e74_main.jpg

تأليف: غسان شربل
كيف بزغت فكرة خطف الطائرات في ذهن وديع حداد، ولماذا وكيف جرى تنفيذها ولأي غاية نفذ كل منها؟
في كتابه «أسرار الصندوق الأسود» يقدم غسان شربل الأجوبة منقولة عن السنة مساعدي حداد في تلك الفترة العاصفة من عقد السبعينات في القرن الماضي.
كل عملية كان لها هدف. وبعد كل عملية كانت تنشأ ظروف تساعد، أو تعترض النجاح.. لكن جميع عمليات خطف الطائرات كان وراءها أو من حولها أو في ثناياها دور لدولة أو إيحاء من قائد في المعسكر المعادي للولايات المتحدة الأميركية والدائر في فلك الاتحاد السوفياتي، بالرغم من ان هذا الأخير وبعد ان دخل في معاهدة للحد من التسلح مع واشنطن ضغط من خلال مؤيديه أو مباشرة للحد من هذه العمليات، وكان لهذا الضغط أثره داخل الجهة الشعبية مباشرة ما أدى إلى إضعاف نفوذ وديع حداد، وربما كان وراء الانفصال الدراماتيكي بينه وبين جورج حبش.
هنا الحلقة الثالثة من عرض كتاب غسان شربل، وفيها نتعرف على العمليات الأولى لخطف الطائرات: العمليات الأولى.. من «ابتدع» فكرتها وخطط لها وكيف نفذت؟
خطف الطائرات يحبس أنفاس العالم
في 6 سبتمبر 1970 يحبس العالم انفاسه، ذعر في الاجواء وذعر في المطارات، وسيردد اسم فلسطين في الرسائل المتلاحقة التي تبثها وكالات الانباء والاذاعات والتلفزيونات، ومنذ ذلك اليوم سيعتبر حداد، إلى وفاته في 1978، الرجل الاخطر في الشرق الاوسط وستبدأ اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية والغربية حملة مطاردة طويلة بحثا عنه. لكن وجبة الطائرات التي اقتادها حداد الى «مطار الثورة» في محلة «قيعان خنا» في الاردن لن تحقق غرضها المباشر وهو مبادلة الاسرائيليين المحتجزين بالفلسطينيين المعتقلين في السجون الاسرائيلية، لان اشتباكات سبتمبر 1970 بين الجيش الاردني والفدائيين الفلسطينيين ستندلع بعد ايام فقط.
محطة اخرى في هذا السياق. في 22 فبراير 1972 خطفت عناصر تابعة لـ «المجال الخارجي» من نيودلهي طائرة تابعة لشركة «لوفتهانزا» الألمانية الغربية واقتادتها الى عدن. بعد وقت قصير من تأكيد نجاح عملية الخطف اقترب شاب عربي من علبة البريد في مقر الشركة في فرانكفورت ووضع رسالة لن تتأخر في الوصول الى مكتب المدير. كانت العملية مالية وغرضها حل المشكلة المالية التي كانت تواجهها «الجبهة الشعبية». ووقع الخيار على ألمانيا الغربية لمعاقبتها على التعويضات التي تقدمها لاسرائيل وتستخدمها الاخيرة في ترسيخ احتلالها.
وفي استطاعتنا ان نؤكد ان الرواية التي ننقلها عن هذه العملية المالية هي اول رواية كاملة لهذا الحدث وعلى لسان من كانوا في موقع القرار والتنفيذ معا. طبقت «لوفتهانزا» حرفيا ما جاءها في الرسالة ـ الانذار. وصل مبعوث ألماني الى مطار بيروت الدولي حاملا في حقيبته خمسة ملايين دولار وانطلق بسيارة قادها بنفسه، وفقا للتعليمات، وسلم الحقيبة في مدينة صيدا في جنوب لبنان.
لماذا خطفت أول طائرة؟.. الجواب يقدمه اثنان من مساعدي وديع حداد بالقول: خطفت طائرة «العال» الإسرائيلية التي كانت متجهة من روما الى تل أبيب وأجبرت على التوجه الى الجزائر في 23 يوليو 1968. كانت «الجبهة الشعبية» محاصرة إعلاميا. في فبراير 1968 أعدت الجبهة تقريرها السياسي وتحدثت عن النظام المصري كنظام بورجوازي صغير يحكم العلاقة معه تحالف وصراع، وكان هناك انشقاق داخل الجبهة. العملية ساهمت في كسر الحصار الاعلامي وفي اطلاق عدد من المعتقلين. معيار صحة العملية هو مدى تقبل الجماهير لها. والواقع ان الجماهير الفلسطينية كانت مؤيدة.
ويوضح ان المتحدثين ان العملية تمت تنفيذا لاستراتجيية الجبهة بضرب الركائز الاقتصادية والعسكرية والبشرية للعدو الصهيوني. كان أحد الأهداف المطالبة بإطلاق السجناء الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية وبينهم سجين أسر في 1964. وقد تم اطلاق الأسير ومعه نحو 37 أسيرا.

صاحب القرار
ويؤكد ان وديع «كان على رأس اللجنة وهو صاحب القرار الأول. كان يشاركه في التخطيط آخرون اصحاب خبرات مختلفة، اما في مراحل التنفيذ ففي البداية لم يكن اعضاء اللجنة يعرفون جداول عمليات الطيران والخطوط التي تسلكها الطائرات، لذا كان لا بد من الاستعانة بخبراء «هكذا تمت الاستعانة بطيار فلسطيني، احاط وديع نفسه بمجموعة من الكفاءات الفكرية والسياسية والعسكرية والفنية من الفلسطينيين والعرب،» ويوضح المساعدان ان هذه العملية كانت الاولى و«حظيت باجماع كامل داخل الجبهة» (لكن) حصلت ملابسات، الجزائر اعتقدت ان توجه الطائرة اليها هو عملية موجهة ضدها واتهمت ضمنا مصر بالتشجيع على ذلك، طبعا لم يكن هذا صحيحاً، مصر ايضا لم تكن راضية، فقد تمت العملية خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة، وفي ذكرى ثورة يوليو، بعض الفصائل رأت العملية نوعاً من المزايدة، وديع كان نائبا لرئيس المجلس الوطني وكان حاضراً في القاهرة وخرج واعلن عن العملية، والصورة الوحيدة التي تتداولها وسائل الاعلام هي صورته يومها». بعد اقل من خمسة اشهر وتحديداً في ديسمبر 1968 هاجم شبان بالرشاشات طائرة «العال» وهي جاثمة في المطار وبعد صعود الركاب اليها، فوقع عدد من الاصابات، واعتقل عنصران.
ثم وبعد نحو شهرين في فبراير 1969 هوجمت طائرة «العال» في زوريخ وهي تستعد للاقلاع، وقد نفذ الهجوم ثلاثة شبان وفتاة، استشهد شاب اسمه عبدالمحسن والقي القبض على الآخرين، ادى الهجوم الى وقوع اصابات، استمر احتجاز الشابين والفتاة في سويسرا الى سبتمبر 1970 حيث اطلق سراحهم.
وفي 29 اغسطس 1969 خطفت طائرة «بوينغ» تابعة لـ«الخطوط الجوية العالمية» متوجهة الى دمشق، وقد اطلق الركاب والملاحون قبل تدمير الطائرة ،شارك في عملية الاختطاف ليلى خالد وسليم عيساوي وهي كانت اول عملية خطف بقيادة امرأة فلسطينية واعادت التذكير باول شهيدة للجبهة شادية ابو غزالة التي انفجرت بها في 21 نوفمبر 1968 قنبلة من القنابل التي كانت تصنعها للجبهة الشعبية وفق ما ورد في بيان العملية».

العملية الكبرى
اختطاف مجموعة من الطائرات الى مطار مهجور في الاردن، كان «الخبطة» الكبرى التي اذهلت المتابعين، فمن اتخذ القرار بمثل هذه العملية الضخمة؟ وكيف تمت؟ ولماذا اختير الاردن؟
الجواب يأتي دائما وفقاً لروايات مساعدي وديع حداد، حيث يقول احدهم ان القرار اتخذه جورج حبش في وقت كانت المنطقة «تعيش اجواء مبادرة روجرز التي قبلها الرئيس جمال عبدالناصر».
كان لدى القيادة تحليل مفاده ان القبول بالتسوية السلمية يعني القضاء على المقاومة الفلسطينية، في هذه الاجواء وجه حبش رسالة الى وديع حداد يمكن اختصارها بكلمتين هما «اشعل المنطقة» وهذا يعني ان المطلوب من وديع كان اعداد عملية تقلب الاجواء والمعادلة، وهكذا بدأ التحضير لخطف مجموعة طائرات، طائرة «العال» وطائرة سويسرية وثالثة بريطانية ورابعة اميركية. «العال» احبطت في الجو، السويسرية والاميركية فجرتا في مطار الثورة، ومعهما طائرة تابعة للخطوط البريطانية خطفها شاب فلسطيني من البحرين بمبادرة منه، اما الطائرة الاميركية الاخرى، ففجرت في مطار القاهرة.
كان من اهداف العملية ايضا مطالبة اسرائيل باطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين. اطلق في لندن سراح ليلى خالد واطلق الذين اعتقلوا في زيورخ في 1969.
في زيورخ، كانت هناك جملة من الاجراءات. مجموعة تقوم بالاستطلاع وتقدم معلومات تفصيلية عن الهدف نقل الاسلحة تتولاه مجموعة ثانية لا علاقة لها بالاولى. يتسلم السلاح شخص لا علاقة له بالمجموعة ويسلمه الى المنفذين، من يسلم السلاح يعرفه شخص من المنفذين وبعد قيامه بتسلمي السلاح يغادر المكان، المنفذون لا يعرفون من قام بالاستطلاع ومن اوصل السلاح، اذا اعتقل المنفذ لا تكون لديه معلومات عن الآخرين، كانت هناك تدريبات للمنفذين حول سلوكهم في حال اعتقالهم، التدريبات تستند الى دراسات قانونية. كان هناك شخص يلعب دور المحقق او القاضي ويطرح عليهم الاسئلة المحتملة، ويتم تدريبهم على الاجابات التي يفترض الا يحيدوا عنها.
كان الشعار ان من يعمل في هذا العمل مصيره السجن او الاستشهاد، وعليه ان يكون مستعدا.

كان هناك
وقد ذهب وديع الى عمّان اثناء خطف الطائرات الى مطار الثورة، وكان هناك في استقبال الطائرات، ذهب قبل فترة لتحضير المكان الذي ستهبط فيه الطائرات، وقع الخيار على مطار عسكري قديم كان يستخدم في الحرب العالمية الثانية، كان من غير الوارد اقتياد الطائرات الى مطار عمان الدولي، بعد عملية بحث دقيقة، والاستعانة بمهندسين وطيارين تم تحديد المكان.
اما لماذا اختير الاردن؟ فلأسباب عدة «بينها قدرتنا على السيطرة على الطائرات بسبب وجود الجهاز المقاتل، ثم ان الدولة الاردنية كانت غير قادرة على السيطرة على الطائرات بعد وصولها من دون المجازفة باشتباكات واسعة مع المقاتلين». وقد أشرف وديع حداد على هذه العملية منذ اللحظة الاولى حتى نهايتها، اي من اختيار «المطار» إلى وصول الطائرات وإدارة العملية الاعلامية ـ السياسية، ثم تفجير الطائرات. ارتفعت حرارة الاجواء مع الجيش الاردني وخرج وديع الى عمان مع الرهائن، اي في حماية الدروع البشرية. كان وديع مستهدفا ولا بد من اخراجه.
كان مقررا ان يغادر الى العراق، لكن في ذلك اليوم لم نجد احدا من الاخوان العراقيين، لذلك عبرنا في الصحراء الى سوريا. مررنا بالسويداء، ومنها الى دمشق، وتوجهنا الى بيروت.
أسلوب عمل وديع حداد
كيف كان وديع حداد يعمل؟.. الجواب على لسان احد مساعديه:
ـــ كانت المعلومات تصل من عناصر الاستطلاع. تتجمع المعلومات لدى لجنة التخطيط، وعندما يتم اختيار الهدف يصبح الامر متعلقا بلجنة التنفيذ. بدأنا جمع معلومات عن اهداف وشخصيات اسرائيلية. كنا نقول انه بعد 25 سنة من انتهاء الحرب العالمية الثانية كان اليهود يطاردون من سمّوهم مجرمي النازية، فلماذا لا نلاحق نحن المجرمين الصهاينة. وضعنا لائحة تشمل ديفيد بن غوريون وموشي دايان وآخرين. درسنا اغتيال دايان في اميركا وبن غوريون في السويد. ارسلنا عنصرا الى اميركا لملاحقة دايان، لكن المسألة لم تبلغ مرحلة التنفيذ، وارسلنا اثنين الى السويد واعتقلا. جمعنا معلومات عن سفارات ومؤسسات اقتصادية، اضافة الى ضرب اهداف في الداخل كان متعذرا على الجهاز العسكري العادي الوصول اليها. وتفجير سينما «حين» في تل ابيب في 1974 وعملية مطار اللد في 1972.
ـــ في تلك الفترة كان هناك حرص على عدم استخدام التكنولوجيا في الاتصالات. كانت الاتصالات شخصية. يذهب شخص ويأتي شخص. في فترة التحضير كان التخطيط في مقر وديع، وكانت عناصر التنفيذ في متناوله. وكان المنفذون ينطلقون من بيروت وغيرها بحسب الهدف. كان القرار الاخير يتخذ في بيروت. الاجراءات معقدة. ارسال المنفذين وتوفير الاسلحة والتنسيق.

الألماني حامل حقيبة المال كاد يضيع أو يعتقل
سر اللوفتهانزا وراءه.. خمسة ملايين دولار

في فبراير 1972 حصلت عملية خطف طائرة اللوفتهانزا وكانت مالية.
ويؤكد احد مساعدي وديع حداد: السبب المباشر لها الاوضاع المالية الشديدة الصعوبة التي كانت تعيشها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الواقع ان الصعوبات كانت مالية وغير مالية، بحكم خصوصية «المجال الخارجي» وطبيعة عمله كان من مسؤولية وديع ان يضمن امن العناصر والمعلومات، هذا يستدعي عمليا وجود ثلاث او اربع شقق في بيروت لحماية الناس واسرار العمل، قبل ذلك كان منزل وديع في بيروت قد تعرض لهجوم، كما ان وديع استهدف ايضا في منطقة بشامون اذ قصفت الطائرات منزلا كان يستخدمه هناك، لم يكن امامه الا ان يقيم في اماكن مختلفة، في تلك المرحلة تكاثر الكلام، راحوا يقولون ان الازمة المالية حادة بينما يتنقل وديع بين عدد غير محدد من الشقق، طبعا كان الدكتور جورج حبش والرفيق ابو علي مصطفى يعرفان القصة لكن لم يكن في استطاعة وديع ان يشرح الامر للجميع، تصاعد اللغط حول هذا الموضوع.
تمت الدعوة الى مؤتمر للجبهة وبدأ اعداد الوثائق التي ستقدم اليه وغاصت الجبهة الى اذنيها في الاخذ والرد والانتقادات والحسابات الشخصية ادرك وديع ما سيثار في المؤتمر ولم يعجبه الاضطراب الحاصل وخاف على الجبهة من التفكك، وكانت الازمة المالية هي العنوان، وهكذا قرر وديع القيام بعملية مالية قبل عقد المؤتمر، وقع الخيار على شركة لوفتهانزا للاسباب المعروفة، كانت المانيا الغربية تقدم تعويضات لاسرائيل عما حصل ابان الحرب العالمية الثانية، نحن اعتبرنا ان هذه التعويضات تساعد اسرائيل على تصعيد سياسة العدوان ضدنا واعتبرنا ايضا ان من حقنا تدفيع الالمان.

التنفيذ
لكن اين رتبت عملية الـ «لوفتهانزا» يجيب مساعد وديع: في بيروت ونفذها شبان فلسطينيون باسم «ابناء ضحايا العدوان الصهيوني» خطفوا الطائرة التي انطلقت من مطار نيودلهي الى عدن، في مطار عدن كان لدى الشباب كلمة سر اذا تلقوها يتم الافراج عن كل من في الطائرة ويسلمون انفسهم للسلطات اليمنية، ومن دون تلك الكلمة لا مجال للمفاوضة، حصلت عملية الخطف وتلقت الشركة رسالة بالمطلب وهو دفع خمسة ملايين دولار موزعة على عدد محدد من العملات ومن فئات مختلفلة وان يتم تسليم المبلغ في لبنان، كانت الخطة التي ابلغت الشركة بها هي الآتية: يأتي شخص يريدي ثيابا من لون معين ويحمل حقيبة بمواصفات معينة ويخرج من باب محدد في مطار بيروت الى مكان توجد فيه سيارة من طراز «فولكسفاغن» مفاتيحها في داخلها. يفتح الرجل المكان المخصص للاوراق فيعثر على خريطة ترسم له طريقا عليه ان يتقيد به ويسير مسافة لا تزيد على اربعين كيلومترا وحين يصل الى النقطة المحددة يتوقف هناك. وكانت النقطة قرب فندق في صيدا.

وماذا حدث؟
ــ وافقت الشركة واتخذنا اجراءات تبدأ من المطار وصولا الى النقطة المحددة للتسليم. وفي الوقت المحدد لم يصل الرجل. كان وديع موجودا في بيروت ويستعد للتوجه الى النقطة المحددة لتسليم المبلغ لكن الرجل لم يأت في الوقت المحدد.

المفاجأة
بعد نحو ساعة خطر للشخص الذي كلف اصلا التأكد من وصول المبعوث الحامل للحقيبة ان يعود الى المطار، ففعل وبرفقته احد الشبان. وامام المطار حصلت المفاجأة. المبعوث بالملابس المحددة ومعه الحقيبة خرج الى الـ«فولكسفاغن» واطلع على الخريطة وادار المحرك ومشى. وقع الشابان في ما يشبه الارتباك. توجها الى المكان الذي كان يفترض ان يكون فيه وديع قرب منزله في منطقة الملا (في بيروت) صدع احدهما الى الطابق الخامس، حيث كان يوجد رجل اسمه احمد خرج ضريرا من السجون الاسرائيلية بفعل التعذيب. سأله عن ابو هاني، فقال لم يأت، سأله عن شخص آخر فرد بالجواب نفسه. فقال له: اذا جاء احدهما فقل له انني سألت عنهما وغادرت. خرج المكلف واقلع بالسيارة بسرعة مجنونة ومعه الشاب الذي رافقه الى المطار، وكان الهدف اللحاق بحامل الحقيبة الذي ادركاه في منطقة الجية الى ان وصل الى مدخل صيدا. شاءت الصدف ان تكون مرابطة هناك اربع شاحنات للجيش اللبناني. اعتقد الشابان ان العملية كشفت وان الجيش اللبناني اعد كمينا. فجأة نزل الرجل الالماني امام الفندق فاقتربا منه. كان اول ما قاله: اريد سلامتي، فأجابه احدهما: انت في امان، اين الحقيبة؟
في المقهى المجاور عثرنا على المهندس الشاب الذي كان دوره اصلا ان يبقى مع الالماني الى حين عودتنا. هذا الشاب لم يتم ابلاغه، لحسن الحظ، بالغاء الاجراءات.
ذهب وديع الى المكتب في الملا (منطقة في رأس بيروت) وسأل احمد ان كان احد قد سأل عنه فأجابه: سأل عنك فلان وغادر مسرعا وسمعت صوت دواليب سيارته وهو ينطلق بجنون. ادرك وديع ان المبعوث وصل فسارع، وهكذا التقى الجميع في المكان المحدد للتسليم. كان برفقة وديع رفيق له وشخص ثالث يعمل في المصارف ويستطيع ان يعد الاموال بسرعة. عد الرجل الاموال فقال: على السعر الرسمي لليوم المبلغ ناقص عشرة دولارات، فضحك وديع وقال: يجب ان يدفعوها.

كلمة سر
المهم اعطى الالماني بعض الدولارات وابلغ بكلمة السر التي نقلها الى الشركة ونقلها هؤلاء الى كابتن الطائرة الذي نقلها الى الشبان الذين يحتجزون الطائرة في عدن وانتهت العملية. كانت كلمة السر «ابو طلعت» وهو اسم احد شهداء الجبهة، وكان المسؤول عن عملية احتجاز الطائرة شابا فلسطينيا من قريته، وبالتالي لم يكن من الممكن حدوث خطأ، فهو يعرف القصة ومن هو ابو طلعت. وهكذا انتهت العملية.

الحلقة المقبلة: مطاردة إسرائيل براً وجواً وبحراً
يصدر قريباً عن دار رياض نجيب الريس


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C28%5Cc9000ca2-22be-4441-9837-0dee8b5e8aa1_maincategory.jpg الطائرات المخطوفة إلى مطار الثورة في الأردن http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C28%5C02dc7d7e-cd2a-4347-9b0a-10744be6e258_maincategory.jpg وديع حدا

justice
05-12-2010, 09:44 PM
وديع حداد ورجاله.. كارلوس والآخرون.. في عالم خطف الطائرات وعملية أوبك والاغتيالات (1) أسرار الصندوق الأسود

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C26%5C0b718b4b-a05a-4f0d-b1c0-5d57474bb162_main.jpg

تأليف: غسان شربل
قبل ان يصبح اسامة بن لادن المطلوب الاول في العالم، كان هناك كارلوس، الذي ارتبطت باسمه عشرات العمليات الارهابية حول العالم، منذ اطلالته الصاعقة في عملية اوبك، التي احتجز فيها وزراء نفط الدول المنتجة للنفط في اواخر ديسمبر من عام 1975.
لكن كارلوس، واسمه اليتش راميرز سانشيز، الفنزويلي الجنسية، «الأممي» الانتماء، الماركسي النشأة والمسلم حاليا (سجين في فرنسا)، لم يبزغ نجما فجأة، بل كان في بدايته كوكبا يدور في فلك وديع حداد (ابو هاني) أحد مؤسسي حركة القوميين العرب ورفيق جورج حبش في التأسيس وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبطل عمليات خطف الطائرات والعمليات الجريئة الاخرى، التي شغلت العالم وحبست انفاسه، خلال عقد كامل من السنين، بين نهايتي ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت عمليات ذلك العقد متقنة الاعداد والتنفيذ، عصية على الانكشاف، تحرك ضمنها وخلال تنفيذها جيش اممي من ثوريي ذلك الزمان، بينهم يابانيون واوروبيون واميركيون وجنوبيون وعرب واكراد، ومن الجنسين.. وبين هؤلاء من لمع لاحقا في مواقع ومراكز عليا في دولهم.
عالم الاسرار ذاك، الذي كان عالم وديع حداد، لم يكشف النقاب عنه كاملا، الروايات التي نسجت او تناقلتها وسائل الاعلام، بقي معظمها ناقصا، ذلك انها جاءت من «الخارج»، ولم تستق معلوماتها ممن هم كانوا داخل هذا العالم، بل في صميم الدائرة الضيقة التي حركته.
الزميل غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة الحياة، وفي كتابه «أسرار الصندوق الأسود» الذي تنشر «القبس» بعض فصوله تصدى للمهمة الصعبة، التي مرت سنوات من دون أن تنجز، الا وهي مهمة تقديم مشهد بانورامي لهذا العالم، يرسمه ويرويه «أبطاله» الحقيقيون واللاعبون الرئيسيون فيه، هؤلاء الذين احتفظوا طويلاً بالأسرار المكنونة في دواخلهم، ليجري تفكيكها اليوم من خلال رواياتهم التي ادلوا بها بعد ان ولى زمن كان زمنهم وجنحت السفينة التي كانوا يبحرون فيها في اتجاه آخر، أصبح لها معه ربابنة آخرون، يتقدمهم اليوم أسامة بن لادن.
أبطال تلك المرحلة يعمد غسان شربل إلى «استنطاقهم» بأسئلة ملحاحة، تتناسل من بعضها بعضاً، وهو يتقمص شخصية الخبير الذي تعود اليه مهمة تفكيك رموز الصندوق الأسود في الطائرة بعد سقوطها لمعرفة ما حصل طوال رحلتها.
الكتاب فصول تغلب عليها الحوارات، نتعرف فيها ومن خلالها إلى وديع حداد الذي لم نكن نعرف عنه سوى صورته «الرسمية» وهو يرتدي الحطة والعقال الفلسطينيين. ونتعرف على كارلوس أكثر من خلال حديثه المباشر ونقرأ تفاصيل عملية أوبك بخط يده. كما نتعرف إلى أنيس النقاش الذي اشتهر كبطل لمحاولة اغتيال شهبور باختيار، فيما هو كان الشخص الثاني في قيادة عملية فيينا. وإلى جانب هؤلاء، تبرز أسماء وشخصيات كثيرة، أسماؤها ضعف عددها، لأن كلا منها كان له «وكانت لها» اسمه الحركي. لكن قبل هؤلاء نستطلع المزيد عن شخصية جورج حبش.
وفي الرحلة بين متعرجات الأحداث التي حبست الأنفاس قبل أكثر من ثلاثين عاماً، نجدنا نحبس أنفاسنا ونحن نصطدم بالمفاجآت: رفيق الحريري كان في منزل وديع حداد.. جلال الطالباني كان عضواً في التنظيم.. خطفت طائرة اللوفتهانزا من أجل خمسة ملايين دولار.. روايات «أبطال» تلك الحقبة عن العمليات والأحداث تتقاطع في معظمها عند ترداد القصة الواحدة، إلا عندما يتعلق الأمر بعملية فيينا لخطف وزراء أوبك، الذين كان بينهم آنذاك وزير النفط الكويتي عبدالمطلب الكاظمي، وقد اعتبره منفذو العملية لأمر ما من «الأصدقاء» و«ثورياً».. هنا تجدنا أمام ثلاث روايات يختلف كل منها إلى حد التعارض. أحد مساعدي وديع حداد يقول إن هدف العملية كان قتل وزير النفط السعودي أحمد زكي اليماني ووزير النفط الإيراني جمشيد اموزيغار، كارلوس، وفي رواية بخط يده يقول شيئاً مختلفاً، ويجزم ان الزعيم الليبي معمر القذافي هو «العقل المدبر» للعملية، فيما يقول أنيس النقاش انه كان المخطط الأول للعملية وان الهدف كان مالياً، علماً بأن كارلوس لم ينف هذا الهدف، لكنه يشير إلى أن «الاتفاق» كان على أن تدفع الدول المعنية لاحقاً، لكنه يعتبر انه لم يصل اي مبلغ ويصف نهاية العملية بالكارثة.. هنا رواية كارلوس.

المحرر


هذه الرواية جاءت في رسالة مطولة بعثها كارلوس من سجنه، بواسطة محاميته وبخط يده، معتبرا انها الرواية الكاملة لما حصل في عملية فيينا لخطف وزراء اوبك، وقد كتب كارلوس هذه الرسالة بعد ان اغضبه ما جاء على لسان انيس النقاش بشأن العملية، وبالتالي سنلاحظ (بعد ايراد رواية النقاش) مدى الاختلاف والتناقض في العديد من التفاصيل كما سنلاحظ اختلافا عن رواية احد مساعدي وديع حداد.
رواية كارلوس تستحق الاهتمام لانه كان بطلها الاول.. وهنا التفاصيل:

مقر «اوبك»
فيينا، في الواحد والعشرين من ديسمبر 1975
انا اللاعب الوحيد في العملية الخارجية التاريخية للمقاومة الفلسطينية التي تميزت ببعدها الدولي المجيد، اذ واكبتها منذ اعدادها مرورا بمراحلها كلها، من التحضير الى التنفيذ، والمتابعة في ما بعد التنفيذ، لا سيما على الصعيد الامني واللوجستي والسياسي والدبلوماسي، وانا مخطط هذه العملية وقائدها العسكري، وذلك يمنحني الكفاءة لسرد سيرها بأدق تفاصيلها.
«العقل المدبر»: العقيد معمر القذافي.
التنسيق الاستراتيجي: كمال خير بك.
الاعداد: الدكتور وديع حداد.
التخطيط: اليش راميريز سانشيز.
التنسيق الخارجي: ويلفريد بوز.
التنسيق العربي: انيس نقاش.

كمال خير بك
كان الراحل كمال خير بك من الطائفة العلوية، ولد في منطقة القرداحة، وسكن في جوار عائلة الوحش التي عرفت في ما بعد بعائلة الاسد، وجلس على مقاعد الدراسة الى جانب رفعت الاسد، حكم على كمال صورياً بالاعدام اثر اتهامه باغتيال عدنان المالكي سنة 1955 في ملعب رياضي في دمشق.
انطلقت عملية «اوبك» مع كمال الذي كان عضوا في المجلس الاعلى للحزب السوري القومي الاجتماعي، وشارك في تأسيس منظمة ايلول الاسود، الى جانب الراحل فؤاد الشمالي وفؤاد عوض والشهيد علي حسن سلامة»، بتمويل من ياسر عرفات الذي قدم مليون دولار لهذه الغاية.

اللقاء مع القذافي
استقبل قائد الثورة الليبية الاخ العقيد معمر القذافي كمال في طرابلس الغرب نهاية اكتوبر 1975 واقترح عليه، او بالاحرى سأله ان كان بإمكانه تنفيذ عملية «اوبك» في 20 ديسمبر، عارضا عليه تزويده المعلومات والاسلحة والنفقات اللازمة. فأجاب كمال: «مستحيل، ليس لدينا الوقت الكافي، كارلوس هو الوحيد الذي يمكنه تحضير مثل هذه العملية في وقت قصير». وكان الدافع الاولي للقذافي اقدام السعودية على خفض اسعار النفط الى ادنى المستويات.
التقى كمال خلال زيارته طرابلس الغرب رئيس الاركان اللواء ابو بكر يونس جابر ورمضان، المسؤول عن العلاقات الدولية في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (الحزب الحاكم الوحيد) والذي اوكلت اليه مهمة متابعة العملية، واعطاه 30 الف دولار لتغطية النفقات الاولية وتكاليف السفر الى عدن (عاصمة جمهورية اليمن الديموقراطية التي تم توحيدها مع اليمن الشمالي).
سافر كمال اوائل نوفمبر الى خور مكسر (في عدن)، حيث اجتمع معي فور وصوله. واعطيته موافقتي شرط الحصول على رد ايجابي من زعيمنا وديع حداد (ابو هاني) الذي قال لاحقا: «هؤلاء ليسوا جادين» وسألني ان كان لدينا الوقت الكافي لتنفيذ المخطط. واذ تحدثت عن الموضوع مع ويلفريد بوز، اجبته «طبعا»، ان باشرنا فورا.

موافقة حداد
وافق ابو هاني (وديع حداد) على العملية شرط ان يقدم الليبيون المعلومات والاسلحة، رافضا تسديدهم نفقات العملية تجنبا لاي حيلة مالية قد يلجأون اليها، واوكل مهمة تسديد كل النفقات الى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وفوضني ابو هاني كامل الصلاحيات لتنفيذ العملية، وحملت الى بيروت رسالة وجهها ابو محمد المسؤول الاداري عن العمليات الخارجية في «الجبهة الشعبية» وعضو اللجنة المركزية...

توزيع «العمل»
قسمت الكوماندوز الى ثلاثة فرق ثنائية:
كارلوس، القائد: رشاش بيريتا + مسدس براوننغ الفائق القوة (HP) + قنبلتان يدويتان.
انيس نقاش، القائد الثاني للعملية: مسدسان من طراز براوننغ (HP) + قنبلتان يدويتان.
ندى: مسدس توكاريف + قنبلة يدوية.
يوسف: توكاريف + قنبلة يدوية + متفجرات + ادوات تفجير.
كلين: براوننغ (HP) + مسدس سميث اند ويسون + قنبلتان يدويتان.
جوزف: رشاش بيريتا + براوننغ (HP) + قنبلتان يدويتان.
كانت القنابل الدفاعية (الشظوية) التي في حوزتنا من صنع روسي. وفر لنا اللوجستية والحماية واحتياطي المقاتلين (مقاتلين اثنين) في فيينا 16 مناضلا دوليا من جنسيات مختلفة، تحت قيادة ويلفريد بوز.
قمنا بكل التحضيرات بمساعدة الليبيين من دون حساب النفقات، كما اقدمنا بامكاناتنا الخاصة على تخزين الذخائر لتسليح 12 مقاتلا. وخططنا لعمليات دعم وحددنا طريقا تخولنا الانسحاب باتجاه تشيكوسلوفاكيا.
روقب الهدف في صورة متواصلة حتى اليوم الاخير، ونجحنا
(كنت من ضمن الفرقة) في الدخول إلى مقر «أوبك» مرات عدة. وتمكنا من اطلاق العملية ابتداء من 20 ديسمبر، من دون أي تدخل من الليبيين.

الهجوم
دخلت المبنى أولا ولحقني الآخرون واحدا خلف الآخر، وكنا نتكلم بالانكليزية للإيحاء بأننا من طاقم الصحافيين. صعدنا الدرج باتجاه الطابق الاول وشننت الهجوم بتغطية من أنيس، مسيطرا بالكامل على الموجودين في قاعة الاستعلامات. لكن بدلا من انتظاري، مشى أنيس نحو اليمين ودخل قاعة المؤتمرات في آخر الممر، حيث اطلقت النار عليه. فوصلت خلفه وأحكمت السيطرة على القاعة بعد اطلاق للنار أدى الى مقتل الكابتن يوسف إزمرلي، معاون الوزير الليبي، وإصابة مفوض كويتي في ذراعه.
بعدها، تمركزت ندى ويوسف مكاننا في قاعة الاستعلامات، وعندما حاول شرطي نمساوي وموظفة في المبنى الفرار، أمرتهما ندى بملازمة مكانهما، وأصابت الشرطي برصاصة في ظهره، فعادت الموظفة أدراجها.
وكان يوسف وكلاين في مركز المؤخرة، يغطيان المصعدين والدرج. نزع كلاين سلاح الشرطي الممدد على الأرض، ومن ثم وضعه في المصعد بمساعدة ندى التي ضغطت على زر الطابق الأرضي، وتوفي الشرطي لاحقا في المستشفى.

مقتل الملازم العراقي
التقط الملازم العراقي علاء حسن، الذي تزيد قامته على قامة ندى بثلاثين سنتيمترا يدها من الخلف لنزع سلاحها، وعلى رغم أنه كان مصابا بذراعه، استمر في الإمساك بها من الخلف. فالتفت كلاين، الذي كان دمر جهاز الاتصالات برصاصات (أصابت إحداها السماعة التي توضع داخل أذن موظفة الاتصالات)، وأصاب الملازم العراقي برصاصة في جبينه. فترك علاء حسن يد ندى، ومشى ببطء قبل أن يسقط في المدخل. عندها، توجه كلاين نحوه وأخذ مسدسه الذي كان داخل القراب. وشهد على هذه الحادثة ما يقارب الاثني عشر نمساويا..
كان يوسف وكلاين متمركزين عند اول الممر، في الجهتين اليمنى واليسرى، واتت ندى فيما بعد لمساندتهما، وترددت ايابا وذهابا باتجاه الصالة، اطلقت الكويتي الجريح الذي استخدم حزامه لتضميد جرحه، وتبعه المترجم البريطاني الذي اوكلنا اليه نقل مطالبنا الى السلطات، هاجمنا فوج التدخل التابع للشرطة، ونجح القائد السابق للفيرماخت في دخول قاعة الاستعلامات، واطلق ثلاث رصاصات باتجاه يوسف، لكن الرصاص ارتد على كلاين، فأصيب برصاصة في اسفل بطنه، اما الرصاصتان الاخريان فثقبتا سترته ورجْل سرواله، اثر ذلك اصاب كلاين النمسوي برصاصة في مؤخرته. وتواجد الاثنان في ما بعد في الغرفة ذاتها في المستشفى.
رمى جوزيف قنبلة يدوية بأمر مني، أدت الى شل الهجوم، بعدها اطلقت سكرتيرة الامين العام لـ «أوبك»، وهي امرأة فائقة الجمال طويلة القامة، لمساعدة الشرطي الجريح على الخروج من المبنى ان اقتضت الحاجة، واخبارالسلطات بأننا سنقوم بعملية قتل جديدة سيكون نائب الوزير السعودي اول ضحاياها. وخرج الشرطي الجريح من المبنى وهو يقفز على رجله، حاملا سلاح الـ «عوزي» الخاص به من طرفه الأعلى بيده اليسرى (بالإبهام والسبابة)، وكنت ارافقه وفي يدي قنبلة نزعت صمامها..

توزيع الوزراء
توزع زوارنا على الشكل الآتي:
1ـ أصدقاؤنا: العراقيون والجزائريون والليبيون والكويتيون.
2ـ أعداؤنا: السعوديون والإماراتيون والقطريون.
3ـ الحياديون: الاندونيسيون والنيجيريون والغابونيون والإكوادوريون والفنزويليون.
4ـ موظفو المبنى.
اجمتعت بالوزراء الاحد عشر الموجودين، وكان وزيرا قطر والامارات العربية المتحدة قد غادرا الليلة الفائتة اثر الحصار السعودي، وخلال الاجتماعين اللذين قابلت فيهما الشيخ اليماني في مكتب الامين العام، طرحت عليه الاسئلة التي تهمنا. وتكلم الشيخ بطلاقة لكنه اجاب عن اسئلتي بأقل ما يمكن، حتى انه حاول رشوتي بطريقة حاذقة. وأعلمت طايع عبدالكريم بأن زعيمنا هو أبوهاني.
عاين الوزير النيجيري الطبيب، كلاين ونصح بإدخاله الى المستشفى سريعا. بعدها، حمل الوزير الجزائري بلعيد عبدالسلام كلاين الى الطابق الأرضي، وأجرى أول اتصال سياسي قبل العودة الى القاعة كما كان متفقا عليه.

فرح الكاظمي
فرح الوزير الكويتي عبدالمطلب الكاظمي كثيرا، لكونه اعتبر ثوريا هو والوزيران الاندونيسي والاكوادوري (الجنرالان الانقلابيان المعاديان للشيوعية)، الامر الذي يسر التبادل، من دون ان يضفي عليه طابعا حميما، وكان الوزير الغابوني الشديد اللطف من مؤيدي القضية الفلسطينية، فوجه الي دعوة باسم الرئيس عمر بانغو لزيارة بلاده. كنت امضي اوقات الراحة برفقة ثلاثة فنزويليين، ضاق صدرهم من الانتظار لشدة خوفهم. وكان الموفدون الثلاثة التابعون لدولتي قطر والامارات تائهين من دون وزرائهم. واستدعيت أخيرا جمشيد اموزيغار الذي اصيب بحال من الذهول منذ بداية العملية.

ذل وزير
اقترب الأخير من الطاولة التي كنت قد وضعتها بجانب يوسف، وبدا كأنه في طريقه الى المشنقة. مددت له يدي، فأمسكها بيديه الاثنتين وحاول تقبيلها. فشعرت بالحرج فسحبت يدي وأمرته بالعودة الى مكانه من دون اصدار اي صوت.. كان اموزيغار الوحيد الذي اهان نفسه امامي بين اكثر من مائة رهينة.
امر المستتشار برونو كرايسكي جميع رؤساء الوفود بتدوين رسالة خطية، لطلب تصريح بمغادرة المكان معنا بارادتهم الشخصية. فنفّذ جميع الوزراء الطلب باستثناء الموفدين الاماراتيين والقطريين الذين كانوا في حال ذعر. ولم يطاوعوا المستشار، الا بعد ان اتى الشيخ اليماني ووبخهم، بتشجيع مني. وبعد قراءة الرسائل اعطيناها لرياض الازاوي الذي سلمها الى المستشار. وسمحنا للموفدين بأن يبرقوا الى حكوماتهم وعائلاتهم من دون مراقبة، ووعدناهم بأن البرقيات سترسل على شكل رسائل مغلقة..
في المطار كانت تنتظرنا طائرة مع طاقم مؤلف من متطوعين نمساويين ذوي كفاءة. وكان كلاين على متن الطائرة وكمامة الاوكسجين على فمه..

حكاية الفدية
فكر كمال في طلب فدية، غير ان ابو هاني شرح لنا بهدوء ان علينا الامتناع عن الدخول في اي صفقة مالية خلال العملية، كي لا نعرضها للخطر، وتم الاتفاق على ان الدول المعنية ستدفع لاحقاً، وهذا بالفعل ما حصل، رفضت الخمسين الف دولار التي عرضها عليّ ولي العهد السعودي (الملك فهد حالياً) وخلتباري، وزير العلاقات الخارجية الايرانية، واضطر الاخير الى تلقي المخابرات الهاتفية مكان رئيس الوزراء امير عباس هويدا الذي استدعاه الشاه فوراً (كانوا يريدون انقاذ حياة وزيريهم)، وكذلك لم يصل الى خزينة المقاومة الفلسطينية المبلغ الذي قدمه الامير فهد، كما ان الشاه لم يدفع حصته البالغة خمسة وعشرين مليون دولار.
عندما علمت في فيينا ان الوزير اموزيغار كان على رأس الوفد الايراني، قررت قتله فوراً بمؤازرة ويلفريد وأنيس، وبعدما ساعدت كلاين والدكتور رويندوزي على النزول من الطائرة، استقبلني بوتفيلقة والكولونيل احمد درايا (مدير الأمن العام) والكولونيل محمد بن احمد عبدالغني (وزير الداخلية) الذين يحتلون على التوالي كلا من المركز الثاني والثالث والرابع في مجلس الثورة، اثر ذلك، اطلقنا افراد الوفود المحايدة وشاباً سعودياً شديد السمنة.
عمدنا إلى اطلاق سراح عدد من الموفدين في كل محطة جديدة، بعد ان بثينا عبر الراديو البيان الطويل الذي حرره كمال باللغة العربية باسم «ذراع الثورة العربية»، وهي التسمية التي اطلقها أبو هاني على جماعتنا الحالية وأوكل إلى أنيس الاهتمام بـ«المفاوضات» في المطارات العربية، وكان مقرراً ان يحل مكاني في حال حصول أي مكروه خلال السطو على مقر «أوبك».
واتخذ دور أنيس طابعاً جوهرياً في آخر مراحل العملية في القاهرة، وبعد اعدام أموزيغار واليماني، كنا سننتقل إلى بلد صديق (كانت أمامنا خيارات كثيرة)، حيث كان مقرراً اطلاق آخر الموفدين، لا سيما الايرانيين والسعوديين.

في ليبيا
عندما حطت طائرتنا في طرابلس الغرب، وصل الوزيران الليبي والجزائري، وكان الأخير قد رفض البقاء في الجزائر العاصمة مع باقي أفراد وفده، صعد رئيس الوزراء الليبي الرائد عبدالسلام جلود إلى الطائرة فور فتح الباب وكان بالكاد يقظاً، وتصرف وكأنه لم يكن على علم بشيء (في الواقع، لم يكن يعلم شيئاً حتى انه كان يجهل هويتي) توجهت إليه بالتأنيب بعدما انتهى من القاء التحية على الوزراء وارسلته مع أنيس لتوضيح الأمور خارج الطائرة التقى أنيس اللواء أبو بكر يونس جابر في المطار وتأخر في العودة (كان العقيد القذافي قد اختفى في الصحراء الليبية حينها) نزلت إلى المطار ولاحظت ان الليبيين غير متعاونين، وعاد أنيس لرؤيتي وفي حوزته معلومات، وقال لي قبل دخوله الطائرة ان الأمور ليست جيدة فجأة، بدأوا بتوبيخنا عبر الراديو من برج المراقبة، طالبين منا مغادرة البلد، وبما انه لم يكن لدينا البرنامج المعلوماتي الذي يخولنا التوقف في طبرق لبلوغ بغداد بسرعة، اضطررنا الى العودة ادراجنا وقررنا انتظار طائرة «بيونغ 707» السعودية في مطار قرطاج في تونس، حيث رفض المسؤولون السماح لنا بالهبوط ليلا فقطعوا الكهرباء عن المنطقة باكملها، ما اجبرنا على العودة الى الجزائر العاصمة.

النهاية
وبعد مرور ثلاثة ايام وثلاث ليال من دون نوم، كنا مرهقين من التعب، وفشلت مخططاتنا الاولية عندما رفض الجزائريون منحنا اللجوء السياسي، اذا اعدمنا المتهمين الاثنين على اراضيهم، كذلك عجز القبطانان النمسويان المرهقان عن الاقلاع، كنا جميعنا نلتقط آخر انفاسنا وكانت الكارثة تقترب، كانت تلك النهاية.
تركنا زوارنا على متن الطائرة، وابرزنا سلاحنا الى وزير الخارجية وسلمناه اياها، لكن الاخير اعاد الي مسدسي بسرعة ووضعه في حزامي.
قدمنا نتائج سياسية ومالية للمقاومة باجمعها وكبحنا جماح غطرسة الطغاة طوال خمس سنوات، «خير الامور احمدها مغبة!»
سان مور، 31 يوليو 2003.

حكاية القرار بإعدام اليماني وأموزيغار
يقول كارلوس في حوار مع الزميل غسان شربل ان وديع حداد وبخه لانه لم يقتل وزير النفط السعودي احمد زكي اليماني كما امر. ويوضح: كان ابو هاني (وديع حداد) امرني فقط ان اقتل وزير النفط السعودي، اما القرار باعدام الوزير الايراني والمفاوض الرئيسي لاوبك جمشيد اموزيغار فقد اتخذته وحدي في فيينا، وايد قراري ويلفريد بوز وانيس النقاش (مساعد كارلوس في التنفيذ) بحماسة. ويضيف: اعدام الشيخ يماني كان قرارا صادرا عن جهات ثلاث (دولة عربية وتنظيمان عضوان في منظمة التحرير)، وذلك لاربع حجج مختلفة، تعكس وجهات نظر متناقضة في بعض الجوانب، من بينها: ــ دوره في تقديم ياسر عرفات الى المغفور له الملك فيصل، مما اوقع منظمة التحرير تحت ثقل جارف اكتسبته منظمة فتح بما حصلت عليه من اموال خليجية ومما جعلها قوة مناهضة للناصرية. ــ دوره بعد اغتيال الملك فيصل في تغيير السياسة البترولية القومية التي سطرها المغفور له.

أين ذهبت الــ 50 مليون دولار؟
يقول كارلوس: «خلافا لما روّج لم تكن هناك اي فدية خلال العملية (عملية اوبك) على الرغم من ان كمال خير بك فكر في ذلك في البداية، لكن ابو هاني (وديع حداد) شرح لنا ان دول اوبك كلها ستدفع، لكن بعد انتهاء العملية، وكان ذلك احد الانعكاسات او النتائج المرتقبة للعملية، وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، ولهذا السبب رفضت الخمسين مليون دولار التي تم اقتراحها عليَّ، اثناء العملية. ولسبب اجهله تم دفع الخمسين مليون دولار باسم البلدين (السعودية وايران)، رغم رفضنا. وهذه الاموال لم تصل قط الى المقاومة الفلسطينية، ولذا رفض شاه ايران ان يعيد تسديد قسط بلاده من هذه «الفدية» اي 25 مليون دولار، للطرف السعودي.

الحلقة المقبلة: رواية أنيس النقاش

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C26%5Cd6964f96-be6f-4133-8266-9ef9e44aab3f_maincategory.jpg

• كارلوس (بالقبعة) مع وزراء دول اوبك المخطوفين




29/08/2008


عالم خطف الطائرات والاغتيالات وعملية أوبك أواخر القرن الماضي أسرار الصندوق الأسود (4)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C29%5Cebf7ed9a-ed88-4304-90cc-4bc3fcae9b59_main.jpg

تأليف: غسان شربل
بعد العمليات الأولى لـ«المجال الخارجي» في الجبهة الشعبية، الذي كان يقوده وديع حداد، توافدت مجموعات ثورية من بلدان مختلفة الى الشرق الاوسط تطرق باب حداد، وبعد المرور بالتنظيم الطالبي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والإعلام فيها، كان حداد يستقبل من يتوسم الجدية في عملهم.
تبدأ العلاقة ببلورة الأرضية السياسية وحين تتأكد صلابتها يبدأ التعاون وفق برنامج محدد. تبادل معلومات وتوفير وثائق وأسلحة وتسهيلات وتدريبات وأحيانا مشاركة مباشرة في العمليات.
تحوّل حداد رمزا وملاذا. وتحوّل «المجال الخارجي» معهدا للثوار تخرج فيه من هزوا العالم بعنف: «سالم» الفنزويلي الذي لم يكن غير كارلوس، و«مريم» اليابانية التي لم تكن غير نوريكو شيغينوبو زعيمة «الجيش الأحمر»، و«مجاهد» الأرمني الذي لم يكن غير آغوب أغوبيان زعيم «الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا».
«سالم» يقيم اليوم في سجنه الفرنسي. «مريم» سجينة في بلادها و«مجاهد» جندله الرصاص. سقطوا بعد رحيله. ربما بسبب غياب المظلة وربما ايضا لأنهم وقعوا في ما كان يحميهم منه: نسج علاقات مع دول واجهزة فضلا عن الوقوع في النجومية.
وجاءت عملية مطار اللد التي كانت ضربة موجعة وجهها «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية» الى اسرائيل عبر «الرفاق» اليابانيين. لم تنجح الأجهزة الاسرائيلية في كشف قصة المجموعة اليابانية التي تدربت في «معسكر بعلبك» في البقاع اللبناني وفي موقع قريب من صيدا في جنوب لبنان. ولم تعرف ان الشاب الياباني الذي غرق مصادفة في بحر بيروت كان احد الذين اختارهم حداد لتنفيذ عملية مطار اللد في 30 مايو 1972. وكانت عملية اللد واحدة من سلسلة عمليات استهدفت اسرائيل برا وجوا وبحرا.
تلك العمليات نفذها رجال ونساء من مختلف الجنسيات.. يابانيون من «الجيش الأحمر» الياباني، ألمان من «بادرماينهوف» وسواها، فرنسيون كانوا يعملون تحت رايات اليسار الثوري المتطرف، أرمن.. أكراد وطبعا فلسطينيون وعرب آخرون، كلهم تجمعوا تحت جناح وديع حداد (أبو هاني) وقد جاؤوا إلى «المجال الخارجي» في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي كان تحت قيادته، من أبواب عدة.
هنا بعض من هذه العمليات كما وردت في كتاب غسان شربل «أسرار الصندوق الأسود»: مهاجمة إسرائيل.. براً وجواً وبحراً
عملية مطار اللد تهز تل أبيب فترد الضربة بأقسى منها في عنتيبي
ينقل غسان شربل عن احد مساعدي وديع حداد روايته عن عملية مطار اللد، وفيها:
اقام «المجال الخارجي» علاقات وثيقة مع تنظيمات ومجموعات كانت تعتقد ان المعركة واحدة على مستوى العالم كله وان كانت لكل بلد اوضاعه وخصوصياته، من تلك العلاقات كانت العلاقة مع الاخوة اليابانيين في 1972 كانت هناك مجموعة من «الجيش الاحمر الياباني» موجودة في بيروت وتخضع لعملية تدريب وكنا نتولى نقل عناصرها من شقة الى اخرى للمحافظة على سرية العمل.
كان لدى افراد المجموعة اليابانية ولع بالنقاش خصوصاً حول المائدة.
وقع في تلك الفترة حادث غير متوقع، كنا نتناول الغداء مع وديع في الجبل، ولدى وصولنا الى محلة الروشة في بيروت شاهدنا ازدحاماً غير عادي، سألنا عن السبب فقالوا ان شابا غرق امام صخرة الروشة مباشرة، لم يقل احد من هو الغريق، سألني الدكتور وديع: من هو الغريق؟ لم نعرف، تابعنا طريقنا ووصلنا الى مقرنا.
وبعد نصف ساعة تلقينا النبأ وهو ان احد الاخوة اليابانيين، كان مفروزا للمشاركة في عملية اللد، غرق في محلة الروشة، كان للخبر وقع قوي، فالعملية محاطة بقدر كبير من الكتمان والسرية، من الطبيعي ان يثير غرق شاب ياباني اسئلة حول هويته وماذا يفعل، كان لا بد من احتواء المسألة وقرر وديع التعجيل في ترتيبات تنفيذ العملية، طبعاً شعر المشاركون في العملية بالألم لفقدان رفيق كان مقرراً ان يشاركهم، لكنهم تجاوزوا الحادث وعقدوا سلسلة لقاءات مع وديع وتم التزام البرنامج وتعيين بديل للشاب الذي غرق خلال قيام عدد من افراد المجموعة بالاستحمام قبالة الروشة.
خطة العمل
شرح وديع لافراد المجموعة الخطة كاملة: الصعود الى الطائرة والاسلحة التي ستكون بحوزتهم ومن بينها قنابل صنّعها «المجال الخارجي» ولم تكن اجهزة المطارات قادرة على اكتشافها، بعد انتهاء قصة الياباني الغريق واستكمال الاستعدادات اعطيت تعليمات التنفيذ والتي كانت تتضمن الانطلاق الى محطة اخرى ومنها الى مطار اللد، كان المنفذون ثلاثة في حوزة كل واحد منهم رشاش من طراز «كلاشينكوف» مع الذخائر والقنابل، وصلوا الى مطار اللد وحين جاء دورهم للتفتيش فتح كل واحد منهم حقيبته وبدأ باطلاق النار.
هزت عملية اللد الكيان الصهيوني، كانت الضربةالتي وجهت اليه مؤلمة ومكلفة، دخل المنفذون المطار باسلحتهم، يابانيون ينفذون هجوماً جريئاً و«الجبهة الشعبية» تعلن مسؤوليتها، في الجانب المالي وحده انفقت مبالغ مالية هائلة لتحسين اجراءات الامن في مطارات اسرائيل ومطارات الدولة الغربية ايضا، راحوا يستبدلون اجهزة الرقابة باخرى اكثر تطوراً.
في أواخر عام 1975 سيسدد حداد ضربة مدوية عبر احتجاز وزراء نفط «أوبك» في فيينا. كان حداد غادر بيروت في 1976. لم يكن مؤيداً تحول المنظمات الفلسطينية إلى مجموعة جيوش علنية منتشرة في لبنان ومحصورة فيه. وها هي المقاومة تغرق في الحروب اللبنانية وتدخل في مواجهة مع سوريا.
عملية عنتيبي
في تلك السنة كاد حداد مجتمعاً مع الرئيس الصومالي محمد سياد بري في مقديشو، وكانت العلاقة «شهر عسل» سمح للقائد الفلسطيني بأن يكاشف بري ربغته في خطف طائرة لإرغام إسرائيل على الإفراج عن عدد من الأسرى. الواقع ان حداد كان يبحث عن مطار يستقبل الطائرة المخطوفة. اقترح الرئيس الصومالي على حداد الاتصال بالرئيس الأوغندي عيدي أمين الذي تردت علاقاته مع إسرائيل وأوروبا. وهكذا كان. وللمرة الأولى سيتضح في هذه الحلقة لماذا اختيرت عنتيبي. وافق عيدي أمين. وفي 26-6-1976 خطف «المجال الخارجي»، بمشاركة عضوين ألمانيين في «الخلايا الثورية»، طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية بعد توقفها في أثينا في طريقها من تل أبيب إلى باريس وعلى متنها 77 إسرائيلياً.
رافق حداد مجريات العملية من مكان قريب من المطار ومن مقر إقامة عيدي أمين وكان على اتصال دائم معه. رعونة الرئيس الأوغندي أدت إلى إطالة أمد المفاوضات، وكذلك مغادرته إلى قمة منظمة الوحدة الافريقية. لم يأخذ عيدي أمين باقتراح حداد توزيع الرهائن في مجموعات في الغابات، وراح يطمئن حداد إلى سلامة الإجراءات التي اتخذها الجيش الأوغندي.
في ذلك الوقت كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين يوالي اجتماعاته مع وزير الدفاع شمعون بيريز ويقلب الخيارات ومخاطرها قبل أن يطلب من الجيش الإعداد لعملية تدخل في نقطة تبعد أربعة آلاف كيلومتر عن إسرائيل. وفي 4 يوليو هبطت الطائرة الإسرائيلية في مطار عنتيبي ونزلت منها سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الأوغندي وجنود بثياب الجيش الأوغندي أيضاً. فور اقتراب الطائرة الإسرائيلية حاول حداد عبثاً الاتصال بعيدي أمين، لكن الإسرائيليين كانوا قد نجحوا في تعطيل كل الاتصالات. ويروي رفاق وديع انه كان في المطار قبل ساعتين من وصول الإسرائيليين وانه طلب من الأوغنديين وضع عوائق على المدرج لعرقلة هبوط الطائرات لكنهم لم يفعلوا. كما تمنى وديع ألا يشارك الألمانيان في عملية الحراسة تفادياً لاضطرارهما إلى الاشتباك مع الإسرائيليين وما يمكن أن يعنيه ذلك نظراً إلى الحساسيات القديمة بين الألمان واليهود.
الكارثة
تحولت عملية عنتيبي إلى كارثة. خلال أقل من ساعة قتلت القوة الإسرائيلية كل المشاركين في خطف الطائرة واحتجاز الرهائن. أدى الاشتباك العنيف أيضاً إلى مقتل ثلاث رهائن وضابط إسرائيلي هو جوناثان نتانياهو شقيق رئيس الوزراء المقبل بنيامين نتانياهو الذي يقول عارفوه انه لم ينس لحظة واحدة مشهد جثة أخيه العائدة من عنتيبي.
لماذا عنتيبي؟
لكن لماذا اختيرت عنتيبي مكاناً لاستقبال الطائرة المخطوفة؟
يجيب أحد مساعدي وديع حداد: اتخذ القرار بعملية خطف طائرة بهدف الافراج عن عدد من المعتقلين. كانت هناك في تلك الفترة علاقة قوية بين وديع حداد والرئيس الصومالي محمد سياد بري. طرح وديع الفكرة على سياد بري الذي نصح بطرح الفكرة على الرئيس الأوغندي عيدي أمين، مشيراً إلى أن الأخير لديه مشاكل كثيرة مع الأوروبيين وقد يكون مستعداً لاستقبال الطائرة. كان وديع يعرف طبيعة عيدي أمين والعوامل التي يمكن أن تؤثر فيه. لذلك تم ارسال رجلين ضخمي جثة للقائه وطرحا معه الموضوع فأبدى استعداده. بعد العثور على مكان لاقتياد الطائرة إليه تسارعت الاستعدادات لتنفيذ العملية. كان وديع على ما أعتقد في الصومال وبعد وقوع عملية الخطف انتقل إلى عنتيبي للبقاء على اتصال مع عيدي أمين.
الشعور بالخطر
وضعت جملة من الترتيبات. نقل الركاب إلى عنبر في المطار وشارك المبعوثان إلى عيدي أمين في عملية الاحتجاز إلى جانب الخاطفين. طبعاً كان رأي وديع أن يتم توزيع الركاب في أكثر من مكان لتسهل السيطرة عليهم. ودرست الناحية الأمنية فحرص عيدي أمين على تأكيد ارتياحه إلى الإجراءات المتخذة. كانت العملية ناجحة تماماً لكن المفاوضات استمرت أكثر مما ينبغي. حين بدأ الوسطاء يقولون أعطونا المزيد من الوقت شعر وديع أن الإسرائيليين يرتبون شيئاً. اتصل بعيدي أمين وقال له إن الوضع بات خطيراً والمطلوب إما توزيع الركاب أو تشديد الحراسة. أبدى عيدي أمين ارتياحه إلى الاجراءات وتحدث عن فاعليتها. كان وديع على مقربة من المطار ومن مقر عيدي أمين وكان على اتصال معه.
.. وكان الهجوم
فجأة هبطت الطائرات الإسرائيلية على طرف المدرج ونزلت منها سيارات جيب عسكرية وسيارة مرسيدس شبيهة بسيارة عيدي أمين. سمع وديع صوت الطائرات فرفع سماعة الهاتف للاتصال بعيدي أمين فلم يتمكن. حاول مرات عدة فلم ينجح. إذ تمكن الإسرائيليون من تعطيل كل أنواع الاتصالات. في هذه الأثناء دوى إطلاق النار. دخلوا إلى العنبر بعدما قتلوا أحد شبابنا الذي خرج مستطلعاً وقتل آخر كان يرتاح ليتمكن من العمل لاحقاً. حين دخلوا هاجمتهم الفتاة الألمانية بالقنابل والشاب الألماني بالرشاش. الاثنان من «الخلايا الثورية» وقد قتلا. انتهت العملية بالسيطرة الإسرائيلية واستشهاد رفاقنا.
جيـــش أممــي
انضم الى العمل ضمن «المجال الخارجي» تحت قيادة وديع حداد او بالتنسيق معه كل من: الجيش الاحمر الياباني، و«مجاهدي خلق» من ايران وشخصيات ايرانية بينها عدد من الملالي، واكراد بينهم الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني وبادر ماينهوف والخلايا النورية و«الثاني من يونيو» من المانيا و«ايتا» من اسبانيا والساندينيون من نيكاراغوا، وكان بينهم شخص تولى وزارة الخارجية في بلاده لاحقا، والترباماروسا من اميركا اللاتينية، والجيش الارمني السري.
تفجير سينما جين
في 12ــ12ــ1974 فجر ايراني تابع لـ «المجال الخارجي» نفسه داخل سينما جين في اسرائيل وعن هذه العملية يقول احد مساعدي وديع حداد: ارسل «المجال الخارجي» شابا ايرانيا من طريق شرق اسيا بجواز بريطاني، كان الشاب قد تدرب على صنع المتفجرات من مواد محلية وتم تأمين الصواعق له، يدخل الى السينما حاملا قناني مرطبات تحوي قنابل او متفجرات مصنعة، واثناء عرض الفيلم يفتح القنابل ويرميها في السينما ثم يفجر نفسه بحزام ناسف، ونفذ العملية واستشهد موقعا عددا من الاصابات (26 بين قتيل وجريح).
فــي البحــر
بداية سنة 1971 استهدفت ناقلة كورال سي من قبل احدى مجموعات العمل التابعة لوديع حداد. فكيف تمت؟ يجيب احد مساعدي حداد قائلاً: انها ناقلة نفط اسرائيلية مسجلة في ليبيريا وكانت تنقل نفطا ايرانيا، هاجمناها قرب باب المندب في البحر الاحمر استلزم اعداد العملية شهوراً، اخذنا مجموعة من عشرة عناصر واقمنا في جزيرة بريم، كان يفترض ان نراقب البواخر التي تمر ولدينا جدول بمواعيد البواخر الايرانية المتجهة الى اسرائيل، وكانت المرة الاولى التي نستخدم فيها المناظير ما تحت الحمراء.
مضت ثلاثة اشهر اي من ابريل الى يوليو، في هذا الوقت تهب الرياح الموسمية ويحدث هياج في البحر، المركب الذي كان في حوزتنا كان قديما، كانت الاقامة في تلك الجزيرة اكثر من منهكة ارجأنا العملية الى بداية 1971.
كان رئيس الوزراء في اليمن الديموقراطي محمد علي هثيم، فطلبنا منه الحصول على مركب سريع، اجابنا ان ليس لديهم مثل هذا المركب، بعد فترة قال لنا ان ثمة مركبا موجودا في الميناء فاسرقوه. وهكذا حصلنا على مركبين، اطلقنا على الناقلة 11 قذيفة «ار.بي. جي» اشتعلت فيها النار وجنحت لكنها لم تغرق وقطروها لاحقاً.
حاورت كارلوس فرنَّ الهاتف وجاءني صوت مجهول قال: «انت تنشغل بكارلوس وتنسى من جعله نجما، كان مهما حين كان يستمع الى توجيهات معلمه وديع حداد الذي احاله الى التقاعد بعد عملية فيينا، القصة الفعلية موجودة لدى رفاق وديع، فلماذا لا تبحث عنها؟ لديهم خزنة اسرار تتعدى قصة كارلوس» سألته عن اسمه ورقم هاتفه فاكتفى بالقول انه مجرد قارئ، لم يتصل الرجل مرة اخرى لكن نصيحته كلفتني آلاف ساعات العمل وانا مدين له. لي في هذا العالم اصدقاء قساة، خطفوا طائرات، احتجزوا رهائن زرعوا عبوات، زوروا باسبورات وتحايلوا على المطارات اختاروا اسماء مستعارة وعاشوا في ظلها، تمردوا على الظلم وطاردوا «العدو في كل مكان» وعادوا من الرحلة، هذا اصيب في روحه وقهرته الايام، وذاك اصيب في جسده ويعيش مع الادوية والذكريات، وثالث دفن على بعد الاف الاميال من التراب الذي كان يناديه.
انهم رفاق الدكتور وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي ارتبط اسمها طويلا باسم قائدها الراحل الدكتور جورج حبش، طالبان فلسطينيان التقيا على مقاعد الجامعة الاميركية في بيروت، اغرقتهما النكبة في اسئلة عن حالة الامة ومستقبلها، اسئلة كانت تراود ايضا محسن ابراهيم وهاني الهندي واحمد الخطيب وغيرهم وسيلتقي كل هؤلاء في المؤتمر التأسيسي لـ «حركة القوميين العرب» في عمان في 1956 ومن رحم الفرع الفلسطيني للحركة ستولد «الجبهة الشعبية» في 1968.
قبل بن لادن
قبل عقود من طائرات اسامة بن لادن انهمكت مجموعة في قيادة «الجبهة الشعبية» في البحث عن وسيلة لهز ضمير العالم وتذكيره بالظلم اللاحق بالفلسطينيين، كان الغرض ايضا توسيع دائرة المعركة مع اسرائيل الى كل مكان، هكذا اقر مبدأ خطف الطائرات، وسيقع على عاتق وديع حداد مسؤول المجال العسكري الخارجي عبء التخطيط والتنفيذ واستقطاب «الرفاق» الاجانب المعادين للامبريالية الى حد الاستعداد لمقاتلتها على مسارح قريبة وبعيدة. في هذا السياق ستولد قصة «مريم» اليابانية و«مجاهد» الارمني و«سالم» الفنزويلي والذي لم يكن غير كارلوس الذي كان اشهر مطلوب في العالم قبل ان يسقط في يد الفرنسيين ويتنقل اللقب في بداية القرن الجاري الى اسامة بن لادن. لم يسمح لي القضاء الفرنسي بزيارة كارلوس في سجنه.
الزيارات ممنوعة، حاورته عبر محاميته فلم تطفئ اجوبته عطشي، راح يكشف ويخفي، احسست انه يتشاطر وقررت سلوك دروب اخرى، تذكرت ان مساعده في عملية احتجاز وزراء «اوبك» في فيينا كان شابا عربيا، رحت اسأل عنه واكتشفت ان ذلك الشاب لم يكن سوى انيس النقاش الذي سيلتحق باكراً بالثورة الإيرانية وسيتردد اسمه في العالم، حين حاول اغتيال رئيس الوزراء الايراني السابق شهبور بختيار في باريس، وقع النقاش في قبضة الفرنسيين وامضى عقدا في السجن، والغريب ان المحققين لم يسألوه عن دوره في «اوبك».
دور النقاش
اتصلت بالنقاش المقيم في طهران وتواعدنا على اللقاء في بيروت، طلبت منه ان يعترف للمرة الاولى بمشاركته في عملية «اوبك» وان يروي قصته كاملة، وعدني بدرس الموضوع وانعكاساته الامنية والقانونية، وحين وافق التقينا مجددا، وكانت الثمرة حلقات نشرت في «الوسط» في الشهر الاخير من عام 2000. استفز بعض كلام النقاش مشاعر كارلوس. قرر أن يوضح فحاورته في الشهر التالي. وهنا اتصل القارئ المجهول.
الوصول الشاق
كان الوصول إلى رفاق حداد شاقاً ومنهكاً. رجال أدمنوا العمل السري واختاروا العيش في الظل. يعيشون في أماكن متباعدة، ولم يعد يربط بينهم غير خيط الذكريات والوفاء لحداد. نفذوا بعد غياب «أبو هاني» عمليات لاتزال تمنعهم من كشف وجوههم وأسمائهم. حلقة ضيقة جداً تعرف أرقام هواتفهم وعناوين أماكن إقامتهم. رجال تدربوا على الحذر والشك والاحتراز. كلما اتصلت بواحد منهم كان يسألني كيف حصلت على رقمه وبواسطة من؟ كان لابد من إقناعهم. والفوز بثقتهم وتدريبهم على التحدث أمام آلة التسجيل المفتوحة. وطمأنتهم إلى أن الأشرطة لن تسقط في يد أحد آخر. وحين وافقوا على التحدث احتفظوا بشرط وحيد هو عدم ذكر الأسماء التي كانت لاتزال مدرجة في لوائح «الإرهاب».
الصندوق الأسود
هكذا عثرت على «الصندوق الأسود». التقيت الرجل الذي كان إلى جانب سرير حداد لدى وفاته وسألته إن كان مات مسموماً. والتقيت الرجل الذي تولى القيادة بعده. والرجل الذي شارك في خطف حبش من سجنه في سوريا. والرجل الذي تسلم من ألماني غربي هبط في مطار بيروت حقيبة تحتوي خمسة ملايين دولار مقابل الإفراج عن طائرة «لوفتهانزا». كما التقيت من شارك في عملية «مطار الثورة» في الأردن، وفي عملية عنتيبي التي تحولت مأساة، ومن شارك في التخطيط لعملية اللد التي نفذها اليابانيون. والتقيت الرجل الذي أشرف على تدريب كارلوس في معسكر جعار في اليمن الجنوبي. وحكى هؤلاء عن علاقة «المجال الخارجي» بالعراق وليبيا والجزائر.
رفيق الحريري
وعثرت في «الصندوق الأسود» على ما لم أكن أتوقعه. قال المتحدث: «بعد ساعات من قصف الموساد منزل وديع بالصواريخ في بيروت ذهبت إليه صباحاً. وجدت شاباً يجمع كسر الزجاج لكن ليس من المناسب كشف اسمه». أغلقت آلة التسجيل وسألت عن الاسم وجاءني الجواب: رفيق الحريري.
وفي قريطم سألت الحريري لاحقاً عن القصة فرد بابتسامة معترفاً ومسارعاً إلى القول: «لماذا تحب نبش الماضي دعنا نفكر في المستقبل».
.. وجلال الطالباني
وقال المتحدث إن حداد «نجح في تجنيد شباب يساريين من جنسيات مختلفة وأرسلهم في مهمات في أوروبا وبينهم شاب كردي عراقي يساري يلعب حاليا دورا قياديا». أغلقت آلة التسجيل وسألت فجاءني الجواب: جلال الطالباني، وبعد أعوام سألت الرئيس الطالباني عن القصة وفاجأني باعترافه بصحتها ونشرت حديثه في «الحياة».
في الأسبوع الأول من سبتمبر 2001 نزلت «الوسط» إلى الأسواق وكان غلافها صورة لوديع حداد مهندس خطف الطائرات، لم يكن احد يومها يتوقع ان يكون العالم بعد أيام على موعد مع طائرات أسامة بن لادن.
قرأ كارلوس ما نقلته وكالات الأنباء وصحف أجنبية عن «غابة أسرار المجال الخارجي». نجح في معرفة أسماء بعض المتحدثين، خصوصا «الرجل الثالث» الذي كان حاضرا في اللقاء الأخير بينه وبين حداد. لم يعد التشاطر ممكنا. كتب القصة الكاملة لعملية فيينا وأرسلها إلي.
نموذج اندثر
ولا بد لي من الإشارة إلى ان رفاق وديع الذين التقيتهم يمثلون نموذجا لم يعد شائعا، إنهم أنقياء في هذا العالم الملوث. حاولت أن أشتري دواء للرجل الذي أقعدته رصاصات «الموساد» فرفض وقال: «تحدثت إنصافا لوديع. اذا قبلت ثمن الدواء فسأشعر أنني بعت الأسرار». إن هذا الرجل الذي يعيش في ظروف مالية بالغة الصعوبة هو الرجل الذي تسلم حقيبة الخمسة ملايين دولار.

(انتهى)
قصـــة الصنــدوق الاســــود


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C08%5C29%5C6b01914f-132f-403b-84b0-0053533d70a6_maincategory.jpg • وديع حداد مع زوجته وابنه في جبل لبنان

(http://www.alqabas.com.kw/Authors.aspx?date=29082008)

البريمل
10-12-2010, 01:52 PM
القبس



كتاب أورويل ساعده على صياغة موقفه من المسألة جلال أمين يحاول فك لغز التقدم والتأخر.

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C08%5C5a2f31f1-82e8-41f0-86c0-08492a519a26_main.jpg

ولم يمض وقت طويل حتى وجدنا أن القوى التي حررت شعوب شرق أوروبا والبلقان من القبضة الخانقة للدولة اللينينية هي نفسها القوى التي تساند برامج تجويع الجماهير وتفتيت الأمم وتمكين قوى الهدم والتخريب والتناحر في البلقان والشرق الأوسط وآسيا المسلمة.
كل هذه التطورات جعلتني أعيد التفكير في فكرة التقدم التي بدت يقال إنها مسيحية في أساسها. وبدا لي أن الإسلام سد النقص الذي عانى منه الفكر الإنساني السابق على البعثة المحمدية بخصوص فكرة التقدم أو سعي الإنسان إلى الارتقاء بحياته، عندما حذر الإنسان من الانسياق وراء أوهام لن تجعله 'يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا'. وعندما حذر من أنه إذا أخذت الأرض زينتها وظن أهلها أنهم قادرون عليها، كان ذلك إيذانا بنهاية الحضارة البشرية، بأمر إلهي.
وهكذا بدأت أفكر في التقدم ليس باعتباره تحقيق الأفضل أو الارتقاء بالحياة، في المطلق، بل باعتباره مواكبة التغيرات التي تطرأ على حياة كل جيل، وهي تغيرات يحتمها الجهد البشري المتواصل لإحكام السيطرة على الطبيعة والذي وصل إلى منافسة الطبيعة والاستعلاء عليها.
فالإنسان اليوم يستعلي على الدواب بالقطارات والسيارات وعلى الطيور بالطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية. ويستعلي بكل هذه المخترعات وبغيرها على قيود الزمان والمكان والجاذبية. كما يستعلي بالمواد المصنعة على المواد الطبيعية من طعام وملابس وأدوية.
هذه بعض مظاهر 'التقدم' وهي مفيدة وضارة. تحقق للإنسان الكثير من المنافع وتجلب عليه الكثير من الأمراض الجسمية والنفسية. لكن رفضها يعني 'التخلف' عن العصر بخيره وشره.
ويمكننا أن نقول الأمر ذاته عن منجزات التقدم في المجالات الإبداعية (الرواية، الشعر، المسرح، السينما، التلفزة، الرسم، النحت.. الخ) (فمفاهيم الإبداع اليوم تقدم لقارئ هذا العصر ما هو نتاج عصره، وما يساعده على التعامل مع هذا العصر قبولا أو رفضا، تثبيتا أو تغييرا، أما مفاهيم الإبداع القديمة فلا تفعل ذلك.
ويعد الموقف الإسلامي العام من رواية سلمان رشدي 'آيات شيطانية' تعبيرا عن رفض لمفاهيم الإبداع المقبولة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وهو الرفض الذي دفعت ثمنه جمهورية إيران الإسلامية عندما حملت لواءه نهاية الثمانينات. وبوسع المرء أن يقول إن رفض رواية سلمان رشدي، بالأسلوب الذي عبرنا به كمسلمين عن هذا الرفض، ساعد على تهيئة الأجواء الكارهة للإسلام والمسلمين في الغرب والتي لم تكن، حتى هذه اللحظة إلا ستار دخان يخفي أمورا لا علاقة لها بالأديان والأعراق ولا علاقة لها بالإبداع، فهي أمور عسكرية وسياسية تتصل بما يسمى 'النهب الإمبريالي لثروات أمم الشرق'.
وحادثة تفجير تمثالي بوذا في أفغانستان دليل آخر على تفاوت كبير بين فهم ? شرقي مسلم ? للإبداع ورموزه، وفهم آخر غربي مسيحي ? يهودي.
هل يجوز لنا أن نسأل أي الفهمين أفضل؟ بالقطع، لا. ولكن هذا التفاوت في الفهم يجعل التواصل صعبا. وعلى كل أمة أن تجري حساباتها لتوازن بين اعتبارات الحفاظ على الأصالة واعتبارات الحاجة إلى التواصل مع الآخرين.
ظننت أن جلال أمين سيقول كلاما مثل هذا في كتابه " خرافة التقدم والتأخر" وأني سأجد في كتابه هذا تأصيلا للموقف الذي أشرت إليه.
لكني فوجئت به يرفض، في الكتاب، فكرة أن يكون هناك تقدم أو تأخر يلمح إلى أن القبول بالتقدم، وهو مطروح علينا اليوم في صيغة ولدت في أوروبا الغربية وتطورت في أميركا الشمالية، لن يكون أفضل من صفقة الدكتور فاوست الذي باع روحه للشيطان مقابل ملذات جسمية وعقلية.
ورغم أن الدكتور أمين يشير إلى أكثر من عمل علمي وأدبي ساعد على تبلور هذه المواقف الرافضة للتقدم في ذهنه، فإني أحسب أن الكتاب الذي أثر في صياغته للموضوع هو 1984 الرواية التي ألفها جورج أورويل، والتي قرأها جلال أمين لأول مرة عقب هزيمة العرب في 1976 وما كشفته من أكاذيب الإعلام العربي الرسمي بل وأكاذيب النظم الحاكمة.
ثم أعاد قراءتها عام 1990 عقب هجوم صدام حسين على الكويت لأنه يعلم، حتى من قبل ذلك الهجوم، أن صدام سياسي كذاب وان مبرراته للهجوم على أشقائه كاذبة ومصطنعة وأنه ليس إلا عميلا أميركيا ? إسرائيليا.
ومرة ثالثة، يعيد د. أمين قراءتها عقب الهجوم على نيويورك وواشنطن في سبتمبر2001 لعجزه عن التصديق بأن مجموعة من الإرهابيين العرب أو المسلمين خططت ونفذت هذا الهجوم من أجل رفعة الإسلام ومن أجل الانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل.
في هذه الرواية، رواية 1984 نكتشف أن المجتمع الذي يدعي انه وصل ذروة التقدم هو في الحقيقة واقع في وهدة التخلف. وان دعاة الرحمة هم جلادون قساة وأن دعاة الفضيلة وحراسها هم زباينة الرذيلة.
والإطار العام للرواية يدفع إلى الاعتقاد بأن استكمال الدولة الحديث لأدوات الحداثة يجعلها وحشا خرافيا يلتهم البشر ويجعل الحداثة أو التقدم كابوسا مرعبا.
لكن، أليس ممكنا أن نبرئ الحداثة من ذنوب الحداثيين كما برأنا المسيحية من ذنوب المسيحيين والإسلام من ذنوب المسلمين؟
وهل يمكن أن نعالج أمراض الحداثة بأدوية من القرون الوسطى أو ما قبلها؟ أم يتعين علينا أن نعالج الحداثة بالحداثة؟
قلت إن كتاب اورويل هو الذي ساعد جلال أمين على 'صياغة' موقفه من التقدم والتأخر.
القراءات زودته بالشكل أو بالغلاف أما المحتوى أو الجوهر فقد يكون له مصدر آخر نابع من تربيته في بيت أحد الثقات في دراسة الحضارة الإسلامية، ودخوله مرحلة الشباب والرجولة مع الوثبة الناصرية التي لم تثق أبدا في الغرب، وإن ظلت، مثلها مثل جلال أمين، من البداية للنهاية تشك فيه ولا تقدر على الطلاق منه. وها هي الوثبة التي انتهت بالنكسة امتزجت فيها رؤى التقدم بدعوى التخلف وسيطرت على الأجواء البارانويا التي تفسر كل ما يجري بمؤامرات تحاك في الخفاء.
أسامة الغزولي
قبل أن تقع عيناي على كتاب 'خرافة التقدم والتأخر' الذي كتبه الدكتور جلال أمين، بعدة سنوات كنت قد بدأت أشك في فكرة التقدم.
فبعد سقوط النظام السوفيتي في نهاية التسعينات وانحسار الظل الروسي الطويل والعريض عن بلدان أسيرة كثيرة، أصبحت القوى التي درج العالم على وصفها بأنها 'تقدمية' منذ العقد الثاني للقرن العشرين، تلعب دورا رجعيا يحاول أن يمنع الشعوب من الإفلات من قبضة الكرملين وتوابعه، فيما برزت القوى الموسومة بالرجعية كلاعب أساسي في تحرير هذه الشعوب وإطلاق طاقاتها، كما قيل آنذاك.

البريمل
10-12-2010, 10:02 PM
القبس



المسرح القريب : الفلاحون أمام الخشبة ..وعليها !

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C15%5C533f125b-34a6-4c28-9d5d-c9966ae2d442_main.jpg

الظاهرة المسرحية هي حالة قرب حميمة ما بين منصة التمثيل وقاعة التلقي، لذلك يستوقفنا عنوان «أحمد إسماعيل» الذي أعطاه لكتابة «المسرح القريب» ويحكي فيه تجربته المسرحية في قريته «شبرا بخوم» – وهو يرى من واقع التجربة – التي خطط لها، وقاد مراحل تنفيذها بدأب يعرفه عنه من اقتربوا من شخصه.. ان مفهوم الاقتراب هو انتظام الجميع في اللعبة المسرحية منذ البداية الأولى، وحتى إسدال ستار النهاية في آخر ليلة عرض، الكل يسهم في درجة أو في أخرى بجميع مراحل الإنتاج المسرحي .
ولأن فصول التجربة تمت في أحضان الهيئة العامة لقصور الثقافة، فقد بدأ المؤلف بإلقاء نظرة سريعة على مسيرة الهيئة منذ إنشائها عام 1945 تحت مسمي «الجامعة الشعبية» وحتى كيانها الجديد الهيئة العامة لقصور الثقافة، وورث هذا الكيان ضمن ما ورث، فرقا مسرحية خاصة، سرعان ما تفككت، وحلت محلها فرق جديدة أنشأها الوافدون الجدد، ومن الفرق القديمة فرقتا «أم زيتون»، و«أم أحمد العدل» في الدقهلية، وفرقة «حمامة» في الإسكندرية، وفرقة «فوزي العمدة» في سوهاج، وباختفاء هذه الفرق سارت الأمور سيرا مخالفا لما كانت عليه باستثناءات قليلة، منها تجربة «مسرح الفلاحين» في المنصورة، وتجربة «هناء عبد الفتاح» حتى قرية دنشواى عامي 1962 و1972 عبد العزيز مخيون ومنحة البطراوي أعوام 74 حتى 1977 وتجربة عادل العليمي في قرية البراجيل 1976، ثم ورشة «عباس أحمد» في قرية قارس عام 1978 .
وطبيعي أن هذه التجارب واكبها وسبقها مجموعة من الاجتهادات النظرية التي سارت في طريق البحث عن تأصيل للمسرح المصري، وهي رغم قلتها فانها شديدة الأهمية .
يقدم المؤلف صورة لقريته، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها مدينة صغيرة متميزة، وبعد ذلك يقود خطانا إلى المراحل التي مرت فيها التجربة، ففي عام 1973 كانت الخطوة الأولى التي تعاون فيها مع الفئة العمرية 12-18 كأساس لأعضاء الفرقة واستمر هذا الكيان حتى عام 1977، وفي المرحلة من 1980 - 1986 استقطبت التجربة عددا متوازنا من الموظفين والفلاحين والطلاب، خصوصا طلاب الجامعة، وكان الرابط الأكثر أهمية هو عمــل كل هؤلاء بالفلاحة إلى جانب نشاطــهم في المسرح ومثلت الفترة 1999 - 2000 الخطوة الثالثة في التجربة التي استطاعت أن تقنع بعض سيدات القرية بالانضمام إلى صفوفها بجانب الفتيات .
وكان طبيعيا أن تحدث المواجهة، التي تمثل قمة الصراع بين القديم التقليدي الثابت، وبين الجديد الوافد الفتي المسلح بمعارف جديدة، المدرك للفرق بين موالد الأولياء، والسامر الشعبي،وبين الظاهرة المسرحية التي تحكمها قوانين وأسس لها ثقلها، وهذا ما انتج تجربة واعية خرجت من عباءة الثقافة المحلية في القرية وأسلوب حياة أهلها، آخذة في الاعتبار الوضع المتميز الذي حصلت عليه المرأة باعتبارها صاحبة حق في مساواة كاملة بالنظر إلى مدى فاعليتها في المجتمع «الفلاحي». تلك النظرة الشاملة التي تبنتها التجربة كان لها الأثر الحاسم في المواجهة مع بقايا الفرقة القديمة، وكان لإحساس أهالي القرية بالفارق الكبير بين المأمول، والواقع الذي توفره الأجهزة الرسمية الأثر الأكبر في وقع التجربة للأمام .
بعد ذلك يأخذنا المؤلف إلى فاصل من اجتراء الذكريات حول التجربة، مفندا تفاصيل كثيرة احتوتها السهرات التي قدمت ويسوق بعض ما قاله النقاد والباحثون، ومنها قول المنظر المسرحي التونسي عز الدين المدني «وقد اصبح المسرح بذلك جزءا من طبيعة قرية شبرا بخوم، ومكانا للسمر والتواصل والكل مندمج في الأرض الزراعية، بحيث يكون المسرح جزءا لا يتجزأ من الحقول الفلاحية» وأقوال آخرين جاءت تحت عناوين «عندما يحضر المتفرج ليشاهد نفسه، أصحاب القضية كاتبوها وممثلوها،ابحثوا عن المسرح في بلادكم، سهرة ريفية من تأليف المتفرجين، قرية تكتب وتمثل، سهرة ريفية من إبداع قرية شبرا نجوم، هذه الشجرة المستحيلة، الخروج من القاهرة»، ومن هذا إلى الحديث حول عرض «الشاطر حسن» عن أشعار المبدع فؤاد حداد، وهنا يسوق موقفا لعجائز القرية اللائي اصررن على الحضور يوميا، ولما سئلن، كانت الإجابة «إنه دواء لنا» .
النص الذي كتبه فؤاد حداد عن الشاطر حسن، نص سردي والدراما فيه قليلة، وهنا يقول المؤلف «التصور الإخراجي بحاجة إلى خشبة مسرح تصب في قلب المتفرج» وعندما يهمس الراوي بحكايته أو يصمت أو يتنفس، فإنه يهمس لكل واحد بشكل شخصي، ويسمع كل منهما نفس الآخر، لذلك كان تصميم الخشبة متداخلا مع مقاعد المتفرجين، وهذا هو الاقتراب، أو هذه هي حالة «المسرح القريب» التي قصدها المؤلف .
ومما يسوقه المؤلف، نتوقف عند مشهد أقرب للطرفة، حيث حدث نوع من الرهان على ما يمكن أن يكون تفسيرا من الأهالي لعرض «ليالي الحصاد»، وصــــل أمر تكرار المشــــاهـــدة بعضهم إلى الدخول فــــــي حالة المراهـــــنة تلك، حتى انهم حصلوا على استـــثناء خـــاص لمزيد من المشـــاهد للوصــول إلى قـــناعــــة يرتضونها.
وفي محاولته لوضع التجربة على طاولة البحث، يعدد أحمد إسماعيل الروافد التي نهل منها، وينهي كتابه بما كتبه الناقد الأميركي ستيفن هنكن في مجلة «العالم وأنا» الصادر، في ديسمبر 2000، تعليقا على مشاهدته لعرض «ليالي الحصاد» في إطار مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي «بالرغم من أن مكان العرض ريفي على مسرح في قرية، كان اهتمام المخرج الأساسي هو تنقية وجهة نظره الشعرية من خلال منظور ثقافي عالمي» .
محمد الزرقانى

الكتاب : المسرح القريب
المؤلف : احمد اسماعيل
سلسلة اصدارات خاصة
الناشر : الهيئة العامة لقصور الثقافة
قطع صغير : 152 صفحة

البريمل
10-12-2010, 11:36 PM
القبس


في كتاب لمثقف «يكره المثقفين» سعدي يوسف يعتبر ملكة بريطانيا أحن عليه من أمه.. وحجازي طاووس جافاه شيطان الشعر!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C22%5C038e69c8-c023-4db3-9abf-3f8882edb767_main.jpg

محطات اشتبك فيها الكاتب محمد بركة مع مثقفين، نجوم غالبا، كانت سبباً في إعلانه الكراهية ضدهم.
ورغم أنه متورط ثقافيا، ومرتبط وجدانيا برموز الثقافة العربية، فإنه لم يستطع ان يتعامل مع نجوم الثقافة بطريقة المريدين، كما هو الشأن عند المتصوفة، لكنه يحتفظ لنفسه بحق الحوار والنقد والاعتراض، وهي مفردات لا تخلو من شعور بالمحبة بالضرورة.
في كتابه الذي صدر مؤخرا عن دار هلا بعنوان «لماذا كرهت المثقفين» يتحدث بركة عن شخصيات وقع في غرامها، لكنها صدمته برد فعلها لأنها أنكرت عليه حق الحوار والنقد.

يقول الكاتب تحت عنوان «أحمد فؤاد نجم»: اقتربت منه على المستوى الانساني، واسرتني تلك العبارة الفاتنة على جدران غرفته «مجلس قيادة الثورة»، كنت انظر إلى اعضاء المجلس فأجدهم أدباء وكتابا للسيناريو وشعراء وتشكيليين وعازفي عود، كما أجد أيضا شخصيات حقيقية من الباعة والخبازين والجيران..
فكرة الذهاب إلى مجاهل المقطم والنزول في حي يحمل اسم «مساكن الزلزال» والصعود على سلم خشبي متهالك والمرور على عنزة ملول، ترفض تناول البرسيم، كل هذا الجو كان يفتنني على نحو خاص، وأنا في طريقي للانضمام لحلقة مريدي «الفاجومي».
ويتحدث بركة عن صدمته في الفاجومي الذي وقع في غرامه وذلك بعد أن نشر عنه موضوعا صحفيا فيه قدر من الحوار والنقد، متسائلا : هل كان الامر يستحق؟
ويورد بركة الموضوع الذي نشره وكان سببا في غضب الفاجومي، ويحمل عنوان «المريدون القدامى انقلبوا على أحمد فؤاد نجم» وهو يبدأ بسؤال استنكاري هل هو نفسه أحمد فؤاد نجم الذي مشينا وراءه في يوم من الايام منومين بسحر شجاعته وجرأة قصائده؟
كيف انقلب من شاعر يحطم اصنام السياسة الى شاعر يغني على ربابة؟
ويمضي المقال عن الفاجومي مناقشا سبب قبول الشاعر الشهير دعوة تكريم من نجيب ساويرس رجل الأعمال الشهير بمناسبة بلوغه سن السبعين وغضب السبعينيين من قبول الفاجومى دعوة التكريم واتهامهم له بـ«الخيانة» و«بيع القضية»
ويورد المقال مجموعة من ردود فعل السبعينيين الغاضبة تجاه الفاجومي، فيقول الروائي يوسف ابو رية: «أول مرة تفتح فيها وعيي على نجم كرمز لحلم أخضر جميل، كان داخل مدرج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رأيت رجلا عجوزا يحتضن عودا عجوزا مثله، ويغنى «غيفارا مات» ومن يومها صارت أغاني الشيخ إمام التي يؤلفها نجم مسؤولة عن تشكيل وجداننا وأحلامنا، وعندما انخرطت في صفوف الحركة الطلابية اكتشفت أن الشعارات والهتافات التي ترددها في المظاهرات هي أيضا من تأليف نجم.
ويضيف أبو رية، فيما ينقله بركة «بأي حق يسقط نجم هذه المرحلة؟ كيف يسرق أحلامنا؟ من أعطاه الحق في ذلك؟ هل كان هذا التاريخ وهما؟ وهل كانت الأحلام مجرد أضغاث أحلام؟ لماذا يتنكر نجم لتراثه الشعري؟».
وينقل بركة عن الشاعر رفعت سلام اتهامه لنجم بعدم الموهبة الا في الفلتات النادرة، ويمضي بركة متناولا وجوه الحياة الثقافية العربية فيلتقي الراحل الفريد فرج قبل رحيله ويصفه بأنه شديد البخل في البوح، ممسك غاية الامساك فيما يتعلق بالحكي والفضفضة ولا يجيب عن سؤال مختلف ولا يعطيك اجابة حقيقية، والحماس يلون صوته فقط حين يشكر دولة خليجية أهدته جائزة أو حين يشكو من اهمال مسرح الدولة لأعماله.
ويصف الشاعر العراقي سعدي يوسف بأنه مثل معظم «نجوم» الثقافة العربية يحترف لعبة الاعتذارات في تعامله مع الاعلام لكنه يبقي الباب مواربا إذا كان الامر يتعلق بصحبة غير جميلة، لكنها تجيد تلوين نبراتها، ويلتقط بركة مشهدا لسعدي بالقاهرة حين جاء ليوقع كتابا صدر له والتف حوله عدد من الصحافيين ويصف سعدي بانه بدا شديد الضآلة له رأس صغير مثل طفل غريب الاطوار، من عنقه تتدلى سلسلة ذهبية، كان أكثر اهتماما بالحديث عن بريطانيا التي منحته جواز سفر وجنسية واوراقا رسمية للاقامة، كان منتشيا للغاية بحكاية الجنسية هذه، وكان يردد بزهو أن ملكة بريطانيا أحن عليه من أمه.
ويرسم بركة صورة للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي على أنه طاووس جافاه شيطان الشعر، لكن قصائده القديمة لا تزال تحمل عطر الدهشة ومقالاته في الصحف تملك قدرا كبيرا من الجرأة والاشتباك والترق، تأسره لمسة ذوق حين تتأخر احتراما له ونظراته لم يخب بريقها بعد خصوصا إذا حلق في الأجواء طائر الأنوثة.
ويتحدث المؤلف عن الشاعر عبد الرحمن الابنودي قائلا : في كواليس النميمة والمقاعد الخلفية للقيل والقال اعتادوا ان يصفوه بأنه أخر من انضم الى «جمعية المنتفعين بنجيب محفوظ» وحين يهاجمه شاعر مخل من شعراء العامية المصرية كان يتساءل في سخرية «يا جماعة عمركم شفتم شاعر وملياردير في نفس الوقت؟».
أما المرحوم محمد مستجاب - أحد أشهر غزاة العاصمة من أدباء الصعيد - فكان يقول: الابنودي لا يتكلم اللهجة الصعيدية إلا أمام كاميرات التلفزيون.
ورغم أن المؤلف يصف الابنودي بأنه راسخ رسوخا لا تهزه رياح النميمة، يؤكد عدم سعادته وهو يراه يتحول إلى ماكينة إعلامية، يكتب في عدد هائل من الصحف والمجلات، ويطل على الجمهور من عشرات الشاشات الفضائية والأرضية.
ويظهر الشاعر فاروق جويدة في كتاب «لماذا كرهت المثقفين» متأنقا كما يليق بنجم سينمائي، والطريقة التي يستقبل بها تحيات وسلامات الآخرين وهو يخطو برشاقة داخل بهو «الأهرام» ثم وهو يقف أمام المصعد تؤكد أنه لا يستحق جائزة نوبل في الآداب، بل جائزة الأوسكار.
ويبرز بركة ملامح التناقض في شخصية جويدة، فبعض قصائده احتفت بها جماعة الإخوان مثل قصيدة «سلمان رشدي» صاحب كتاب «آيات شيطانية» في زمن الكفر والطغيان..
اكتب ما شئت ياسلمان
وفي مقالاته، قد يبدو أحيانا وكأنه تناول أقراص الشجاعة، لكنه في الحوار المباشر وجها لوجه يبدو أكثر حذراً وأكثر دبلوماسية ولا يكف عن محاولة الإمساك بالعصا من المنتصف.
ويمضي بركة كاشفا عورات الوسط الثقافي ومتحدثا عن هؤلاء الذكور الذين يتحدثون عن تحرر المرأة من أجل الإيقاع بالنساء ولا يشغلهم سوى الحديث عن تذكرة سفر خطفها فلان من فلان، أو مشروع ترجمة اصبح فلان يمسك بتوكيله بدلا من علان، وهكذا فإن الجوريون والنادي اليوناني والأتلييه ومقهى الحرية وزهرة البستان لم تعد تجمعات شهيرة للمثقفين في وسط البلد تفرز حركة إبداعية أو مشروعا أدبيا سياسيا ما، بل أكبر منصة لإطلاق الاشاعات وصواريخ النميمة متعددة الاستخدامات.
> شادي صلاح الدين

البريمل
10-12-2010, 11:37 PM
القبس


كتب اجنبية حماقة تشرتشل:كيف خلق وينستون تشرتشل دولة العراق الحديث

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C01%5C22%5Cdff2fbc1-4f6a-438e-9186-76550481624c_main.jpg

«إذا كنت تريد معرفة جذور الصراع في العراق هذه الأيام، والتغير الذي طرأ على حياتنا من جراء ذلك، فهذا الكتاب يعطيك البداية الصحيحة».
بصفته وزير المستعمرات البريطانية في العشرينات، ارتكب وينستون تشرشل خطأ كانت له عواقب وخيمة. في «حماقة تشرشل»، يحاول الباحث كريستوفر كاثروود تحليل الطريقة التي أقام بها تشرشل ملكية مصطنعة في العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومن ثم جمع عنوة بين شعوب غير متحابة تحت سطوة حاكم واحد. ويجادل الكاتب في أن الخريطة التي رسمها تشرشل للشرق الأوسط هي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن قيام نظام صدام حسين والصراعات الدموية الكثيرة التي أعقبته، متحدياً الموجة العالمية الجارفة للمشاعر القومية، ورغبة الشعوب في حكم نفسها بنفسها، يحاول الكتاب أن يشرح كيف قام وينستون تشرشل عنوة بلم شتات فتات الامبراطورية العثمانية وخلق منه لغم شرق أوسطي قابلا للانفجار في أي لحظة. فبتحريض العرب في ظل حكم الأتراك العثمانيين على الثورة ضد حكامهم، نجح البريطانيون والفرنسيون أثناء الحرب العالمية الأولى في اقناع العشيرة الهاشمية بأن حكمها سيشمل سوريا، في حين أن بريطانيا كانت في حقيقة الأمر قد وعدت الفرنسيين بهذه الأرض نفسها.
ويتابع الكتاب انه لإصلاح الأمر، قام تشرشل بخلق دولة العراق ونصب الزعيم الهاشمي، الملك فيصل، ملكاً على أرض لم تكن تربطه بها صلة من أي نوع على الإطلاق. وأسفر قرار تشرشل عن انقلاب عسكري في عام 1958 ضد الحكومة الهاشمية العراقية وعن سلسلة من الأنظمة الدموية بشكل متزايد حتى كابوس الخضوع لحكم حزب البعث في نهاية المطاف بزعامة صدام حسين، الذي أدى بدوره الى اشتعال الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينات وحرب الخليج الأولى في عام 1991 وأخيراً الغزو الاميركي للعراق في عام 2003 الذي فرخ بدوره حرب العصابات الدموية التي أعقبته.
هذا المجلد الجامع يتضمن ثماني صفحات من الصور الفوتوغرافية تضاف الى هذا التاريخ الأخاذ حول قرار تشرشل والتركة المرعبة لانهيار الإمبراطورية العثمانية. ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، تنافست كل من بريطانيا وفرنسا على اقتسام غنائم انهيار الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط. فسيطر البريطانيون على فلسطين، وحاولوا تنصيب «أنظمة ملكية دمى» في المملكة العربية السعودية، على حد تعبير الكاتب. وفي عام 1921 أرغما عنوة شعوباً متعادية من الأكراد والسنة والشيعة على الاتحاد في مملكة عراقية مصطنعة وغير مستقرة، تخضع لحكم الملك الهاشمي فيصل المفروض عليهم عنوة أيضاً.
ويزعم المؤرخ كاثروود أن هذا الشكل من أشكال الحكم غير المباشر كان بمنزلة خلق «إمبراطورية نخبوية»، كما صاغها تشرشل بصفته وزيراً للمستعمرات البريطانية آنذاك. كان البريطانيون المستنزفون اقتصادياً بعد الحرب العالمية الأولى نهمين على الغنائم وأرادوا اقتناص ما تبقى من فتات الامبراطورية العثمانية بثمن بخس. وبدا لهم أن العراق المترامي الأطراف يستحيل أن يذعن لحكم حامية محدودة العدد.
ويلفت كاثروود إلى أن الانتدابات المفروضة بالقوة تتصدع حتماً، وأن تشرشل أقر في النهاية بأن بريطانيا تنفق الملايين «من أجل العيش فوق فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة». في مقالة تاريخية قيمة امتدت الى كتاب قصير، يستعرض كاثروود مرة أخرى قصة نفعية واستغلالية جيل مضى تحولت إلى مأساة جيل حالي.

البريمل
13-12-2010, 06:23 PM
القبس


بسبب ارتفاع نفقات الدراسة الدعارة تتفشى بين طالبات فرنسا




هن آلاف من الفتيات، اللواتي دفعتهن الفاقة والظروف العصيبة إلى التحول لعاهرات. وبينما يكشف تحقيق أُجري في فرنسا عن تطور هذه الظاهرة بشكل لافت للانتباه، يأتي كتاب لورا. د. ليميط اللثام عن الكثير من تفاصيل هذا العالم. شهادة لورا التي ننشر مقتطفات منها، فيها الكثير من المفاجآت.
لورا فتاة تحكي بطريقتها الخاصة كيف عايشت الوضع ولماذا تورطت، وأشياء أخرى عن عالم البغاء في محيط الطلبة. هذا الموضوع الذي يظل بعيدا عن الضوء.

دراستي الثمينة
لورا (19 عاما) طالبة في السنة الثانية تخصص لغات أجنبية، تدرك جيدا ما معنى أن تبيع الواحدة جسدها، تقول: «لقد أجبرت على ذلك حتى ادفع تكاليف دراستي»، وأيضا لتدفع تكاليف الإيجار وتملأ ثلاجتها بمختلف أنواع الأكل. تروي لورا ذكرياتها عن الجنس المدفوع الأجر في كتابها المعنون «دراستي الثمينة»، الصادر منتصف الشهر الجاري عن منشورات «ماكس ميلو»، الذي تنشر «القبس» مقتطفات منه اليوم.
في التاريخ ذاته اصدر الناشر ذاته مؤلفا آخر بعنوان «بغاء الطلبة في ظل تكنولوجيات الاتصال الجديدة»، وهو تحقيق أنجزته ايفا كلوي (23 عاما)، وهي طالبة في قسم علم الاجتماع استفادت من تجارب هذه المجموعة من الطالبات العاهرات.لقد خبأت هذه الرحلة المجهولة لايفا الكثير من المفاجآت، ولعل أهمها تعرفها على فتيات كن يظهرن لها عاديات وبسيطات جدا، غير أنها اكتشفت الكثير من الحقائق المثيرة عنهن.

اليونيفارستيتويي
كم يبلغ عددهن؟ ما بين 15 و20 ألفا، حسب تقديرات الشرطة؟ 40 ألفا حسب تقديرات نقابة الطلبة؟ تقول لورا ان الظاهرة مهمشة، وما على الجميع سوى التحقق من ذلك عن طريق منتديات شبكة الانترنت، «التي أصبحت تنمو كالفطريات»، لتضيف ان الطلب كبير جدا والعرض في ارتفاع بالنظر إلى ارتفاع عدد الفقراء والمعوزين. وبحسب المرصد الفرنسي للحياة الطلابية، فان 225 ألف شابة يتألمن ويعانين من اجل تسديد نفقات دراستهن.
وفرنسا ليست استثناء. لقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة كينغستون في جنوب غرب لندن عام 2006، ان 10% من الطلبة المستجوبين يؤكدون ان لهم زميلات يمارسن التعري أو التدليك أو البغاء من اجل تسديد تكاليف الدراسة. لقد ارتفع العدد بنسبة 50% منذ عام 2000 بسبب الارتفاع المذهل لمصاريف الدراسة. واليابان وأوروبا الشرقية أيضا مناطق معنية بالظاهرة، وحتى البولونيين اخترعوا كلمة موحدة بينهم لهذا النوع من الفتيات فصاروا يدعونهن «يونيفارستيتويي»، وهي كلمة تجمع بين كلمتي الجامعية والعاهرة.

من أجل العيش بهناء
في سبتمبر 2006 كانت لورا سعيدة لأنها ودعت الثانوية وتمكنت من الالتحاق بالجامعة والتسجيل بفرع اللغات الأجنبية - قسم اللغتين الاسبانية والايطالية.
تقول لورا في كتابها: «والدي عامل بسيط ووالدتي تعمل ممرضة، وكلاهما يقبضان الحد الأدنى للأجور في فرنسا ويعيلان عائلة تتكون من طفلين. ليس لدي الحق في المنح المدرسية، لأني لست من فئة الطلبة المعنيين بها».
في تاريخ السابع عشر سبتمبر 2006، حضرت لورا أول محاضرة لها في الجامعة وهناك تقول: «طلب منا الأستاذ ملء استمارة حتى يتعرف علينا أكثر. وتضمنت الاستمارة خانة كُتب عليها مشاريع مهنية.. لقد كتبت كل ما احلم به، وكشفت لهذا المجهول عن كل طموحاتي والآمال التي أعلقها على الجامعة. ولكن ينقص شيء واحد. وجهت عيني إلى السماء وبعد دقائق قليلة، سجلت أسفل جرد أحلامي المستقبلية العيش بهناء».
تمكنت لورا من العثور على وظيفة مسائية، عاملة هاتف. وكانت تتقاسم مع صديقها مانو شقته.
لقد سئم مانو من بخلها، وعدم مشاركتها إياه مصروف البيت. تقول: «كان يطلب مني النقود من اجل دفع الإيجار والمقتنيات والفواتير وهو ما يعادل حوالي 450 يورو شهريا. لم يكن مرتبي يكفي. وكنت أعوض ما ينقص من مصروفي الشهري الذي كانت والدتي تمنحني إياه».
«لم يكن المبلغ الذي كانت تعطيني إياه والدتي كبيرا، ولكنه كان كل ما تقدر عليه. لقد توقفت منذ شهر على دفع فاتورة هاتفي النقال، مفضلة إعطاء الأولوية لتسديد إيجار البيت وتكاليف الأكل. وعلاوة على هذا اشتغل 15 ساعة أسبوعيا في وكالة للتسويق، وعشرين ساعة التي اقضيها في الجامعة، بالإضافة إلى الساعات التي اقضيها في المراجعة». «اضطرب عند رؤية المراقب في المترو ولا أتوقف عن التفكير في كيفية إكمال الشهر. وعن التساؤل، هل أنا الوحيدة التي تعيش هذه الظروف؟ حياتي مخزية وتجعلني أشعر بالعار، لا استطيع أن أتحدث في الموضوع مع زميلاتي في الجامعة، كيف بإمكانهن تفهمي؟».
«ولهذا تجدني ارفض بلباقة كل دعواتهن لتناول الغذاء، فتراني منغلقة على الشيء المجاني الوحيد الذي تبقى لي، ألا وهو الدراسة».

الراحة.. وبسرعة
وتتابع لورا في كتابها: «لم تكن ستواجهني المشاكل أبدا لو أنني وجدت ما اشبع به جوعي. فحالة خزانة الغذاء سيئة للغاية والأغذية التي جلبتها والدتي لم تعد تكفي. آكل يوميا المعجنات. في البداية كنت أضيف لها مرق الطماطم المصبرة، غير أنني مللت مذاقها مع مرور الوقت، فكانت علبة نوتيلا (الشوكولا) تنقذني منها، وكنت لا أتناول منها أكثر من ملعقة واحدة حتى أتمكن من الاحتفاظ بها فترة طويلة». لقد فقدت لورا في ظرف شهرين عشرة كيلوغرامات من وزنها بعد أن غرقت في المشاكل. وفجأة جلست ذات يوم وراء كمبيوتر صديقها مانو بحثا عن عمل، لتدخل صدفة إلى موقع إعلاني كتب عليه: مخصص لمن يتجاوزون سن 18 . دخلت الموقع وفي خانة كلمة السر كتبت اسم باني، طالبة. ثم كتبت اسم مدينتي. كان هناك الكثيرون ممن يبحثون عن فتيات وعن مدلكات، أما الأجور التي يعرضونها فتتحدث عن مئات اليوروات. فهل الأمر ممكن؟ لقد أثارت النقود انتباهي ورأيت أنها يمكن أن تكون حلا لي، الحل الذي أنتظره منذ فترة، الراحة.. وبسرعة.
«أتذكر الرسالة الأولى التي وصلتني، كانت من رجل اسمه جو، هو خمسيني ويبحث عن مدلكة. وكتب مرحبا بالطالبات».

ورقة المائة يورو
كان قلبها يخفق بشدة، لأنها ستتلقى مائة يورو مقابل ساعة واحدة. تقول لورا: «قررت ألا اذهب. وبعدها تساءلت لم لا احترم الالتزام الذي قطعته مع هذا المجهول؟ تراجعت نهائيا عن الذهاب، وبعدها تذكرت خزانتي الفارغة والفواتير التي تنتظر أن أسددها. آلمني رأسي جدا، ما دفعني إلى إغلاق كتاب الترجمة الذي كنت أتصفحه، والتفكير من جديد في الموضوع».
التقت لورا و جو بتاريخ 12 ديسمبر 2006 في غرفة فندق. وعن هذا اللقاء تقول: «التقيته في الغرفة وسألته ماذا يريدني أن افعل؟ فقال: اليوم سنلعب مع بعض فقط. وفي المرحلة الأولى أريدك أن تخلعي ملابسك كلها. لم يمنحني جو المائة يورو التي كنت انتظرها، بل 250 يورو، ورقتان بمائة يورو وورقة بخمسين، لم أر في حياتي قط ورقة مائة يورو. وكان كل تفكيري منشغلا بكيفية صرف هذا المبلغ وكيف يمكن لي أن اخرج المائة يورو من دون أن أثير انتباه احد، ذلك أني كنت مواظبة على إنفاق ورقة خمسة يورو لا غير».
«قال لي في نهاية اللقاء، إننا سنتقابل على الانترنت، وإذا لم تريني على المسنجر فلا تكتبي لي، لان زوجتي هي من تستعمله في العادة».

عالم البغاء
منذ ذلك اللقاء، «أصبحت ألجأ إلى الدعارة لحل أي مشكلة مالية أواجهها. صار هذا العالم يشدني أكثر فأكثر، وكلما زادت مكاسبي زادت مصاريفي أيضا. أعي اني محظوظة إلى غاية اليوم، لا احد اعتدى علي أو دفعني قسرا لفعل أي شيء. غير أنني اضطرب أحيانا، ربما لأنني انتظر أن أُصدم ذات مرة، حتى أضع حدا لحياتي المزدوجة هذه. ولكن، هل املك القوة الكافية لانسحب من هذا العالم؟ اشعر أني مبعثرة الأفكار، فأنا لست عاهرة بما تحمله الكلمة من معنى وأيضا لست طالبة بكل معنى الكلمة!».

ترجمة: سليمة لبال
(عن «لكسبرس» الفرنسية)

justice
14-12-2010, 05:46 PM
القبس



05/02/2008


إشكاليات رحلة قديمة ونص جديد أربعة آلاف دينار أوقفت إعلان البلغار والغز والترك إسلامهم

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C05%5Cbe583a41-930d-4ce7-908f-2946f021a492_main.jpg

يوقفنا كتاب «رحلة ابن فضلان إلى نهر الإتيل» ـ الصادر أخيراً عن سلسلة «آفاق عالمية» بهيئة قصور الثقافة، وبترجمة د. سامية توفيق ـ أمام عدد من الإشكاليات، فهو ليس رواية ولا مذكرات، وربما ليس أدب رحلات، ولكنه أيضاً قد يكون كل هذا في وقت واحد، رغم أنه في الواقع قد لا يزيد على كونه تقريراً قدمه صاحبه ابن فضلان للخليفة المقتدر الذي أرسله في سفارة إلـــى آلموش بن شيلكي الطبر، قيصر بلاد البلغار الواقعة على نهر الفولجا عام 309 هـ/922 ميلادية. ولا تتوقف الإشكالية على تصنيف الكتاب أو مادته بل في المعلومات التي قدمها ابن فضلان والمقالة الكبيرة الملحقة بالعمـل لكافكا ليفسكسي .

ولعل أولى الإشكاليات أن كتب التاريخ لم تذكر شيئاً ذا بال عن ابن فضلان، بل لم تذكر شيئاً عن سفارة بين المقتدر وقيصر البلغار، ربما لأن أحداث هذه السنوات التي تمت فيها السفارة كانت من الالتهاب في بغداد بما لا يجعل أحداً ينتبه إلى شيء سواها، فالمقتدر تولى الخلافة مرتين، الأولى عام 908م، حيث كان صبياً في الثالثة عشرة من عمره، لكن عصر الخلافة العباسية الذهبي كان قد اختفى قبيل وصوله للحكم بما يزيد على خمسين عاماً، وذلك بموت الخليفة المعتصم آخر الخلفاء الأقوياء، الذي اعتمد بشكل واضح على المرتزقة من الأتراك، ومن ثم فقد هيمنوا على مقادير الخلافة في شكل إقطاعيات مملوكة لهم، مما زاد من الضرائب الواقعة على كاهل الفقراء من جانب، واستقلال الكثير من الأمراء بالدول التابعة للخلافة، سواءً في مصر أو إيران غزنوة وبخارى وغيرهما، ورغم جهود المعتضد شديد القسوة، وابنه الأكبر المقتفي غير أن هذه الأقاليم لم يرجع منها سوى الولاء اسمياً للخلافة، الأمر الأكثر خطورة حدث في زمن المقتفي 902 ـ 908 وهو تفجر ثورة الزنج من جانب وثورة القرامطة من جانب آخر، ورغم قيام قائد جيش الخليفة محمد بن سليمان بالقضاء على زعيم القرامطة في سوريا عام 903، واسترداد مصر من الطولونيين عام 905، غير أن ثورة الزنج كانت أصعب من أن تنتهي بين يوم وليلة، مما جعل المقتفي يترك لأخيه الأصغر ذي الثلاثة عشر عاماً دولة لا يعرف خبايا الحكم فيها، خصوصاً أن بلاط الخلافة كان مليئاً بالأحزاب، كما أن المقتفي توفي بعد فقدان عقله، ولولا ظهور شخصية صفي الحلي، الذي خدم ـ عن قرب ـ الخليفة الأسبق وابنه من بعده، ما وصلت الخلافة للمقتدر، فقد أخذ خاتم الخلافة من يد المكتفي وأعطاه للوزير العباسي ابن الحسن، وقام بعدد من الاحتياطات التي انتهت بتنصيب المقتدر خليفة في ضيعة ابن طارق الخاصة بأطفال الخلافة ثم قدومه إلى قصر الخلافة. ولم تمر أشهر من عام التنصيب نفسه حتى قام ابن المعتز ـ الشاعر المشهور ـ بخلع ابن عمته المقتدر وتنصيب نفسه خليفة، لكن هذا لم يستمر إلا ليوم واحد بفضل قائد من الحرس هو مؤنس الطواشي، الذي قضى على ثورة الزنج، وخاض حرباً لاسترجاع الجزء الغربي من إيران إلى حوزة الخلافة، وفي هذا الانقلاب قتل الوزير العباسي ابن الحسن ـ وبعده بعامين مات صفي الحلي ـ وشغل منصب الوزارة الحسن بن الفرات الذي عزل الخليفة الصغير عما يجري مغرقاً إياه في ملذات لا تنتهي، في حين أصبحت موارد الخلافة كاملة في يد الحسن وابنيه، لكن الوزير قبض عليه عام 912 بتهمة التآمر مع قطاع الطرق وأودع السجن، لكنه عاد وزيراً من جديد عام 917، ولم يمض عام واحد حتى أفلست الخزانة، لأنه أقام ما يشبه بنكاً حكومياً في بغداد، وأوكل رئاسته إلى إحدى العائلات اليهودية من الأهواز. فعزل عن الوزارة من جديد ووضع في السجن وصودرت أملاكه لتضخ في الخزانة الفارغة، بينما الخليفة لاه في ترف ولا يعرف خارج حدود غرفته أو قاعة ملكه شيئاً. أما صفي الحلي الذي توفي عام 910 فقد صار مكانه نظير الحرمي، لكنه في عام 916 أبلغ عنه غلامه سوسان الراسي، إذ كان يخفي ابن المعتز في إحدى ضيعاته، ومن ثم قبض عليه ووضع تحت حراسة الوزير وقتئذ علي بن عيسى، لكنه نال العفو ثم أصبح وزيراً بعد السجن الثاني لابن الفرات. بينما أصبح سوسان طواشياً للخليفة ومن أقرب المقربين إليه.
اجواء متوترة
في هذه الأجواء المتوترة جاءت سفارة من قيصر البلغار في الشمال البعيد تحمل خطابات إلى الخليفة والوزير، وتطلب منهما إرسال سفارة دينية لتعليم الناس الإسلام، لأن القيصر يريد الدخول في دين الإسلام كي يواجه قبائل الخزر، التي تحكمها طوائف اليهود، وأن القيصر يريد معونة من الخليفة كي يقيم حصناً يحميه وشعبه من غارات اليهود عليهم. من المؤسف أن هذه السفارة التي استغرقت عامين في الذهاب والعودة انتهت إلى نتائج مؤسفة، فقد وصلت السفارة إلى نصر بن أحمد وخلعت عليه هدايا الخليفة، واستقبلها استقبالاً حافلاً، لكنه رفض أن تتقدم أكثر من ذلك، لأن خلفهم أقواماً غير مؤمنين، كما رفض أن يعطيهم مبلغ الأربعة آلاف دينار، لكنهم حين أصروا أمدهم بكل ما يريدونه من هدايا ومساعدات وتركهم يرحلون إلى بخارى، بالطبع توقف العلماء والشيوخ، وتعدادهم يزيد على الخمسمائة، لأنهم لم ولن يأخذوا أجرهم، ولم يستطع الذهاب سوى ابن فضلان وساسان وتيجين، الذين تحملوا مشقة الثلوج والصقيع والخوف، لكنهم وصلوا إلى خوارزم شاه محمد بن إراك الذي أحسن ضيافتهم ورفض استكمال مسيرتهم، لكنهم حين أصروا تركهم يخرجون إلى بلد تبعد عن خوارزم خمسين فرسخاً في النهر وتسمى الأردن، وحين وصلوا إلى القائد العسكري الأعلى للترك تإريك بن كاتاجان عرضوا عليه خطاباً من نظير الحرمي يعرض عليه الإسلام، فقال لهم انه سيبلغهم بالإجابة في طريق عودتهم، لكن قادة الترك حين اجتمعوا تشاوروا في قتلهم، ظناً منهم أن المقتدر أرسلهم إلى البلغار كي يشنوا الحرب عليهم، لكنهم بعد تدارس طويل تركوهم حتى لا يثيروا عليهم المقتدر من جانب، أو يفسدوا طريق تجارتهم عبر بلغاريا من جانب آخر، ثم عبروا عدة أنهار وعدة صحراوات وغابات وأراض جمدها الثلج، حتى وصلوا إلى بلاد البشكير التابعة للترك ثم عبروا عدة أنهار وغابات حتى صاروا على مقربة يوم من قصر قيصر البلغار، هذا الذي أرسل رسله في استقبالهم وأعد قصوراً لاستضافتهم، وكان ابن فضلان هو السفير الفعلي والرسمي، ومن ثم أخذ يأمر القيصر بتغيير الآذان على الطريقة الحنفية، أو كما يؤذن في بغداد، وكلما يأمره بأمر يستجيب، حتى غير القيصر اسمه وأصبح محمد بن عبد الله، لكنه في اليوم الثالث سأله عن الأربعة آلاف دينار التي ذكرها خطاب الخليفة، والتي طلبها لبناء الحصن، فلم يجد ابن فضلان غير أن قال انهم تركوها في بغداد خوفاً من اللصوص ومشقة الطريق ومرورهم على أقوام غير مؤمنة، فاتهمهم بالسرقة والنصب، وقال انه لا يصدق غير ابن فضلان، لأنه الوحيد العربي، أما الباقون فمشكوك في أصلهم ودينهم، ثم غير الأذان إلى ما كان عليه، ورغم أنه ظل يدعو للخليفة على منبره غير أن المسلمين حين سمعوا بذلك تقووا وقاموا بهدم معبد يهودي، فقام بهدم منبر مسجدهم، وقال انه إن لم يحم معابد اليهود فلن يحمى مسجد المسلمين، ثم ارتحل إلى أحد قصوره النائية وأمر شعبه بالرحيل خلفه، فأطاعوا ما عدا قبيلة منهم، فأرسل لها أن مولاه الخليفة أوكل اليه هذا الأمر، ومن لن يطيعه سيعمل السيف فيه فأطاعه الجميع، وبقيت السفارة عدة أشهر لديه ثم رحلت في طريق عودتها، وسرعان ما تغير قيصر البلغار وتراجع عن قيام دولة إسلامية بين فكي الخزر والروس، إذ انه شعر بأن خليفة المسلمين لن يمده بشيء، لا المال ولا القوة العسكرية، كما أن قائد جيوش الترك تراجع في إظهار إسلامه، إذ شعر بأن قبائل الترك غير مجتمعة بعد على الإسلام، ومن ثم فلم يدخل الغز الإسلام.
رحلة غرائبية
تعود إشكالية «رحلة ابن فضلان» إلى غرائبيتها من شتى الجهات، فلم نسمع من قبل عن سفارة كهذه، كما أننا لأول مرة نجد نصاً إسلامياً يوقفنا على جزء كبير من العالم، بعضه يخص الإسلام، لكن تفاصيله أكثر عمقاً مما نعرف، وبعضه يخص مساحة كبيرة من القبائل التي تحولت إلى الإسلام في ما بعد، وكنا دائماً نراها مسلمة أو غير مسلمة، لكن لحظة التحول لم تكن مرصودة بشكل واف أو كامل، فقد مرت عشر سنوات وشهد قصر الخلافة سفراء من قيصر البلغار يحملون رداً وهدايا على هدايا الخليفة، كما دخلت في ما بعد قبائل الترك إلى الإسلام، بل وكونت واحدة من كبريات الإمبراطوريات الإسلامية التي سيطرت على ثلث العالم لما يقرب من ثمانمائة عام، أما أمر الخلافة فقد أوضحت التفاصيل بجلاء أنه كان لا بد لحكم وصل إلى هذه الدرجة من الفساد والضعف والعزلة والخنوع أن يزول.
روح روائية
المدهش أيضاً أن هذا كله لم يقله ابن فضلان ، فالنص في حد ذاته أقرب إلى روح الرواية، لكن بعض الأجزاء منها في ما يبدو سقطت عن عمد أو غير عمد، ومن ثم فالنص مفكك في بعض الأجزاء، ومن ثم فقد وضعت مترجمة الكتاب على الغلاف الداخلي عبارة «عن رواية لنص قديم لسلطان شمسي»، ولا نعرف من هو سلطان شمسي، وهل كتب روايته هذه باستلهام من نص ابن فضلان الأصلي، أم هذه الرواية نسخة منه؟ المدهش أن بالكتاب مقدمة لشمسي يحلم فيها أن يقيم البلغار تمثالاً لابن فضلان، لأن فضله عليهم لا يقل عن فضل هيرودوت في التاريخ القديم، عدد من الإشكاليات التي قد تؤدي بنا إلى معرفة العرب فن الرواية، وإن لم يذكروا هذا الاسم على أعمالهم، وما كان عمل سلطان شمسي إلا أن نسخ المخطوط فقط، أو أن شمسي مؤلف هذه الرواية، وكل الأمر مجرد خديعة، لكن الغريب أيضاً أن شمسي وضع مقالة مهمة لكافكا ليفسكي شرح فيها النص والظروف التاريخية التي صاحبت وأحاطت الرحلة كاملة، بل وقام شمسي بالرد عليه بأن البلغار أسلموا، كما قال ابن فضلان، ما عدا جزءاً من قبيلة منهم. ولم يوضح لنا الكتاب عن أي لغة تمت ترجمة النص الكتاب، ولم يشر شمسي ولا كافكا إلى مصدر المخطوط أو المكتبة التي يوجد بها.
صبحي موسى




آراء غريبة للويس عوض يناقشها النقاش في كتاب جديد أحمد شوقي شاعر قصور وأم كلثوم مليونيرة... وأشياء أخرى

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C03%5C67e343f7-99d1-4683-b050-a829b5194238_main.jpg • أحمد شوقي
بيروت – جهاد فاضل
في كتابه الجديد «لويس عوض في الميزان» يتعرض الناقد المصري الكبير رجاء النقاش لبعض ما ورد في كتاب «أوراق العمر» الذي قدم فيه الدكتور لويس عوض كثيرا من تجاربه الانسانية، وجانبا مهما من آرائه وأفكاره. ومن جملة ما يفنده النقاش في كتابه هذا ما ورد في كتاب لويس عوض عن أمير الشعراء شوقي وعن المطربة الكبيرة أم كلثوم.
ترد في «أوراق العمر» ثلاث اشارات عن شوقي هي التالية وبنصها الحرفي:
- مبدأ المساواة بين الطبقات وتوزيع الثروة دعوة لها سوابق في التاريخ الاسلامي، فهي ليست بالضرورة ماركسية لينينية، وانما خميرتها موجودة في بعض تيارات الفكر الاسلامي، مما جعل شاعرا «ارستقراطيا» مثل شوقي، ومغنية «مليونيرة» مثل أم كلثوم يصوران النبي محمدا عدو البولشفية. يقول شوقي: «الاشتراكيون أنت إمامهم».
- وقد بلغت «سخافة» شوقي انه أنشد في تمجيد انتصار مصطفى كمال:
الله أكبر كم في الفتح من عجب.
يا خالد الترك جدّد خالد العرب.
فحاول احياء رموز الفتوحات الاسلامية في وصف قائد معركة وطنية بحت، اشتهر بعلمانيته المتطرفة، وبانه صاحب الدعوة الطورانية الذي صفى ف كرة الجامعة الاسلامية وادار ظهره للعرب الذين قاتلوا تركيا تحت لواء الانكليز في الجزيرة العربية.
- كنت عند وفاة سعد زغلول قد قرأت القصيدتين «السخيفتين» اللتين نشرهما شوقي والعقاد في رثاء سعد، وقد كان مطلع قصيدة شوقي:
شيّعوا الشمس ومالوا بضحاها
وانحنى الأفق عليها فبكاها
كنتُ يومئذ احسن (والكلام لا يزال لعوض) انها قصيدة رائعة مؤثرة، ولكني بعد ان نضجتُ ادركت انها قصيدة ملفقة مفتعلة قالها شوقي، وهو الذي كان له حضور شعري في جميع المناسبات، حتى لا يقال انه لم يشارك الشعب المصري احزانه القومية، وقد شارك سعد في حفل تنصيب شوقي أميرا للشعراء، بل وتصدر الحفل، وبهذا رفع شوقي درجة أو درجات على حافظ ابراهيم، رغم ان شاعر النيل كان وفديا، بينما كان أمير الشعراء «سرايتلي» أو شاعر البلاط، فقد كان من مخلفات الخديوي عباس حلمي والارستقراطية التركية، وكان في وجدانه وعقليته أقرب الى الحزب الوطني، غريبا في عالم الفلاحين ذوي الجلابيب الزرقاء وعالم الافندية الذي كان يتزعمه سعد زغلول. ويرى لويس عوض ان قصيدة شوقي هذه سخيفة، لانها تعتمد على التشبيه والاستعارة، وتغترف من رصيد البلاغة التقليدية بدلاً من التعبير الذي يحس به الشاعر فعلاً..
يرفض رجاء النقاش تعابير عوض واحكامه عن شوقي: «الارستقراطي»، «السرايتلي» (اي تربية السرايات والقصور)، و«القصيدة الملفقة»، و«السخيفة»، الامر الذي يوحي بأن عوض يتحدث عن «رقة» من رمم التاريخ والادب، لا عن شخصية مثل شخصية احمد شوقي الذي كان في عصره (1868-1932) ملء السمع والبصر، ولم ينطفئ عنه البريق والضوء بعد وفاته، بل لا يزال هذا الشاعر العظيم حتى الآن شخصية ساطعة تدور حولها الدراسات الادبية والفكرية والتاريخية في كل الجامعات العربية.. «اما شعره، فلا يكاد يوجد انسان متعلم في الوطن العربي كله إلا ويحفظ له عدة ابيات من شعره».
وبعد ان يفند النقاش كل عبارة وردت في حديث عوض عن شوقي يقول: «ان شوقي كان اكبر من هذا بكثير. فهو شاعر من اكبر شعراء العربية في كل العصور». ولو عددنا بعد القرآن خمسة مصادر اساسية لتكوين «ثقافة عربية اصيلة، فسوف يكون ديوان شوقي ومسرحياته على رأس هذه المصادر».
المغنية المليونيرة
اما «المغنية المليونيرة» ام كلثوم، فيقول النقاش «انني لا استطيع ابدا ان اتصور وصف ام كلثوم بأنها «مغنية مليونيرة» الا بأنه سخرية بالغة الظلم، بعيدة كل البعد عن الانصاف».
ويضيف رجاء: «ان الالفاظ في اللغة العربية وفي كل لغة اخرى لها معناها المباشر الصريح. ولكن هذه الالفاظ لها ظلال اخرى لا تكون في اللفظ نفسه، ولكننا نشعر على الفور بظلال المعنى عندما نستمع الى اللفظ نفسه.
فعندما نقرأ كلمة «مغنية» فاننا نفهم المعنى، ولكننا نشعر بشيء غير مريح عندما نقول «مغنية مثل ام كلثوم». فكلمة «مغنية» تنطبق حتى على مطربات الدرجتين الثانية والثالثة ممن يقدمن الترفيه والتسلية للسكارى في النوادي الليلية. وهنا يشعر المرء المنصف لتاريخ الفن وتاريخ المجتمع وتاريخ النهضة في بلادنا، بأن شيئاً من الظلم قد اصاب ام كلثوم، وعندما لا نجد من الاوصاف لام كلثوم إلا أن نقول عنها انها «مغنية مليونيرة»، نشعر بأن في هذا الوصف شيئاً اكثر من السخرية. فهو وصف ينطوي على النقمة والغضب والشعور الكامن في النفس بالرفض لهذه الفنانة».
طبعا يشرح رجاء النقاش بعد ذلك اي غبن لحق بسيرة ام كلثوم وبتاريخ الفن والغناء العربي المعاصر على يد لويس عوض (الذي اعتاد قراؤه على مثل هذه الشطحات منه) عندما لا يبقى في نفسه عن ام كلثوم سوى انها «مغنية مليونيرة».
يعقوب اللعين
وعلى هذا النحو يفنّد رجاء احكاماً كثيرة للويس عوض في كتابه «أوراق العمر»، لم يحالفها التوفيق مثل انتصار عوض «للمعلم يعقوب»، وهو «فتوة» قبطي التحق بجيش بونابرت في مصر وأنشأ فرقة عسكرية للتعاون مع الفرنسيين في ضرب المصريين.
والجبرتي، وهو مؤرخ ذو نزعة وطنية، ينعت يعقوب بـ «اللعين»، في حين ان لويس عوض يلحقه بأبطال مصر الخالدين في التاريخ مثل محمد علي وجمال عبدالناصر. ويبني عوض قناعته هذه على موقف مشكوك فيه، مفاده ان «يعقوب اللعين» هذا ترك الفرنسيين وامتطى بارجة حربية بريطانية، وقال قبل أن يموت على ظهر هذه البارجة، انه يريد ان يتحالف مع الإنكليز لتحرير مصر من الفرنسيين ومن العثمانيين أيضاً.. في حين ان سيرة حياته كلها كانت سيرة ملوثة على النحو الذي يفصّله رجاء في كتابه، مستشهداً على ذلك بآراء نخبة من المؤرخين المصريين الثقات.
الكتّاب الزنادقة
ويناقش رجاء النقاش بعد ذلك آراء غريبة للويس عوض لا يدري أحد كيف اقتنع عوض بها، من مثل قوله في كتابه «أوراق العمر»:
«وجدت سلامة موسى صريحاً في اشتراكيته، صريحاً في زندقته. بينما وجدت العقاد زنديقاً يغطي زندقته بمقولاته الفلسفية، فيؤلّه الشعراء ويسوي بين وحيهم ووحي الأنبياء، وجاهر بعدائه للاشتراكية وبدعوته للفردية. كان العمالقة الثلاثة، سلامة موسى والعقاد وطه حسين، زنادقة كل على طريقته الخاصة: كانت زندقة العقاد من منطلق مثالي، وزندقة سلامة موسى من منطلق مادي. أما طه حسين فقد كانت آية زندقته كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي قال فيه صراحة «ان قصة إبراهيم وإسماعيل وبناء الكعبة ليست لها حقيقة تاريخية بل هي مناقضة للتاريخ»!
ويحلل رجاء النقاش آراء لويس عوض هذه ويدحضها على ضوء كتابات هؤلاء الإعلام ومواقفهم، ما عدا سلامة موسى الذي تأثر عوض بكتابه «تربية سلامة موسى» في المنهج وطريقة العرض. ويرى رجاء ان في كتاب عوض «أوراق العمر» وكذلك في كتاب سلامة موسى «تربية سلامة موسى» قدراً عالياً من الصراحة والصدق، وهو أمر غير مألوف في كتابات السيرة الذاتية في الأدب العربي.

justice
17-12-2010, 09:41 AM
القبس


قراءة حديثة لجان بول سارتر: ..وكأنه الاخير في عصره!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C19%5Ca56fc702-27b4-4205-a605-538301f24ddf_main.jpg • جان بول سارتر
قد يكون كتاب آني كوهين سولال الصادر في باريس عن «المنشورات الجامعية الفرنسية» بعنوان «جان بول سارتر» هو احدث ما صدر عن الفيلسوف الوجودي الفرنسي الذائع الصيت، ومع ان اسم الباحثة المؤلفة يفيد انها من اصول يهودية، فعلينا الا نستغرب ذلك نظرا للروابط الوثيقة التي كانت تربط سارتر باليهود وباسرائيل بوجه عام، لقد ظل سارتر على الدوام صديقا لليهود لكن المفارقة انه كان نصيرا في الوقت نفسه للجزائر ولكل حركات التحرر الوطنية في العالم، العربية وغير العربية، وهذا ما حاولت الباحثة التركيز عليه في كتابها، واعتبار سارتر ظاهرة فكرية وثقافية شديدة الاهمية، طبعت بطابعها مرحلة ذات شأن في تطور الفكر الانساني المعاصر.

يتضمن كتاب آني كوهين سولال ملامح عامة من السيرة السارترية، فسارتر، كما هو معروف، مفكر وفيلسوف وباحث وروائي ومدرس فلسفة ومناضل في صفوف اليسار، وهو يأتي في مقدمة الفلاسفة المعاصرين الذين شغلوا اكثر من حيز، فاليه يعود الفضل في نشر الوجودية في فرنسا ومنها الى انحاء اخرى من العالم، بعد ان تعرف اليها في فترة الاسر في المانيا، وبعد ان نقل خطوطها ومعالمها الى بلده ليجعل منها ليس فلسفة وحسب بل نمط حياة، وفي السياسة سيكون سارتر، مع قلة التزامه الحزبي، انسانا سريع التقلب، لكنه واضح الخط، بل انه بدأ حياته من خط مغاير، بل شخصي، لم يكتب له النجاح الطويل، لكنه اثر فيه طيلة حياته.
خيوط النشأة الاولى
ومع ان واضعة هذا الكتاب قد تعقبت كل المراحل الاولى، فانها لم تنس ان تبرز خيوط النشأة الاولى بسبب ايمانها بتأثير الطفولة المبكرة في شباب وحياة سارتر، لكن ذلك ليس الاهم، حيث بدأت المؤلفة من الاخير في موقف عصرنا الحالي من سارتر بعد غيابه بسنوات، والموقف هذا يتعدى بلده ليصار الى قياسه في اماكن ومطارح اخرى، تشير المؤلفة الى تنقلات سارتر المتعددة في مراحل مراهقته وشبابه، وتشير الى طريقة فهمه للفلسفة وكيفية تعليمها، كما تشير ايضا الى صداقاته ومعارفه، وتجمع لذلك.شهادات نادرة، متعقبة الاقارب والاهل والجيران والاساتذة الذين صادقوه او ناصبوه العداء، كما تجمع شهادة طلابه وتلامذته، حيث حل معلما، وحيث حاول انزال الفلسفة من علياء الكتب الى عقول الطلاب الذين اعجبوا بطريقة تدريسه.
كيف كان سارتر يعطي دروسه كأستاذ في الفلسفة؟ في سن الخامسة والعشرين اصبح سارتر بالنسبة للجيل الاول من الطلاب في مدينة هافر، المربي الذي لم يكن منتظرا ابدا. كان يدخن الغليو ن، وكان ذلك نادرا. ويلبس سترة من دون ربطة عنق، وكان ذلك غريبا. يدخل بخطى سريعة الى غرفة الصف، وكان يبادر للحديث مباشرة من دون الاستعانة بملاحظات، يداه في جيبيه، يجلس الى المكتب او يتمشى في وسط الصف، كان يتعامل مع طلابه من دون أي قلق حول التراتبية، ويتحدث اليهم حديثه للرجال، وليس حديثا الى صبية.
يتحدث عن القديس اونسيلم، وعن الامراض العقلية عن كانط، وعن بورجوازية هافر، يعودهم على السينما، يناقش معهم لعبتي كرة الطاولة والملاكمة، يتابع حديثه بعد انتهاء الصف في المقهى شتاء، وعلى الشاطئ ربيعا، ويحمسهم على قراءة الروايات والقصص البوليسية الاميركية.
فرنسي نخبوي
«لم اكن احب من كانوا الأوائل في صفهم». هذا ما قاله لاحقا. كنت اهتم بشكل خاص بالذين يملكون افكارا، او أتأمل في الذين لم يكونوا قد تكونوا بعد، بالذين بدأوا في تكوين انفسهم. ان ما نلاحظه هنا هو اهتمام سارتر الدائم بالاشخاص، الذين يعملون على تكوين انفسهم، يبحثون عن ذاتهم، والتواطوء مع المراهقين، كل انواع المراهقة، ومساندته غير المشروطة للذين يقفون على الهامش (هامش المؤسسة، هامش الدولة، هامش السلطة..).
وفي احداث مايو (ايار) 1968، وابان تحليله لازمة الجامعة، عاد سارتر مجددا الى هذه النقطة: «على المدرسين ان يتولوا مهمة تعليم جماهير طلابهم، ما لا يبدو لهم جديرا بادماجهم في النخبة، بل عليهم جر الجمهور بأكمله الى الثقافة، يفترض ذلك بوضوح طرق تعليم اخرى. يفترض ذلك الاهتمام بكل الطلاب، وان نحاول ان نكون مفهومين من قبل الجميع، ويجب ان نسمع منهم أكثر مما يصار الى الكلام معهم».
في الثلاثين من عمره، كان سارتر وريث تقليد فرنسي نخبوي. ولد وتربى بين الكتب، وفي مهد معهد المعلمين العالي الناعم. ثم اصبح مدرسا للفلسفة في ليسيه هافر، مستعيضا بالحفلات الموسيقية عن فشله في النشر وضد اختناق الريف الفرنسي المائل الى الفوضى، وراح ينظر بعين لا مبالية الى الاستعراضات الكبرى التي تقوم بها احزاب اليسار، مستمعا بسخرية الى آمالالشيوعيين الفرنسيين الذين فتنتهم التجربة السوفيتية، انطوت هذه المرحلة من انتاجه على اعمال ادبية، فلسفية، درامية، ومقالات في النقد الادبي والتحقيقات. وقد ضمّنها وصفا يائسا للعالم، ومن وجهة نظر رجل غير ملتزم، هامشي. ثم قدّم نفسه بصورة الرائد السابق لعصره والمصلح، مطلقا ضرباته باتجاه الثقافات الغربية، مطورا مفاهيم اساسية مثل نظرية العرض وسوء النية ونظرة الغير الاسرة.
وبعد ان قام بتغطية ايام التحرير، ذهب الى الولايات المتحدة لمدة خمسة اشهر. الولايات المتحدة هي البلد الذي شغل باله منذ مدة طويلة لانه بلد حامل للحداثة، وهذا ما سيضع سارتر في طور جديد مع عصره. والعمل على الارض الذي اتاح له السفر الى نيويورك وهوليوود وتكساس والمكسيك، قدّم له موضوع بحث عريض وحماسي: الولايات المتحدة الاميركية.
وبين عامي 1952 و1956 دخل سارتر، وعلى مدى اربع سنوات، رفقة درب مع الحزب الشيوعي الفرنسي، وخرج منها متجولا. بدءا من عام 1959 كانت مواقفه السياسية ابان حرب الجزائر قد ادخلته في مسار ضيق، اذا هاجم السلطة الديغولية، رافضا التعذيب، داعيا الى العصيان، دافعا الحكم الى الحافة عبر صراع لا هوادة فيه مع الجنرال ديغول.
عبر مختلف مسيرته، استمرت بعض الاهتمامات من بداية حياته حتى نهايتها. فبعد رحلة التعرف الى نمط البحث والمغامرة، وبعد ضرورة الرحلة، وبعد الشغف بالجديد والحديث، وبعد الاهتمام بثقافة الغير وتصفية الحساب مع فرنسا الاستعمارية او اميركا الامبريالية، كانت عودته الى فرنسا فلوببير القرن التاسع عشر، حيث كتب عن فلوبير الروائي الفرنسي كتابا من اجلّ كتبه، متمنياً بعد ذلك ان يعود اليه مرة اخرى ليفتحه ويضيف اليه.
نموذج.. وممارسة
ترى المؤلفة ان سارتر كان نموذجا وممارسة قبل ان يكون عقيدة او اثراً، وانه يجمع بين فولتير وهيغو وزولا وسقراط في آن واحد، بتواضعه وتجرده. وبعقله الثقافي والامّحاء المطرد للمثقف في وظيفته النقدية الاجتماعية والسياسية، وفي سلطته السحرية، بدا سارتر كأنه الاخير في عصره. «لقد عرف كيف يربط معارف متجزئة انطلاقا من علمه الكلي، كما عرف كيف يخلق شروط الامكانية حتى يستطيع كل بعد اجتماعي التفكير في علاقة السلطة بطريقة نقدية. رغم انه حاول، وهنا يكمن مشروعه، ان يعطي الآخر الوسائل التي تشرّع مشروعه الخاص. فلم يطالب انطلاقا من علمه ومعرفته بأي سلطة، ولا اي رفعة، ولا اي تراتبية. لذلك يجب عدم البحث عن حقيقته في سارتر وحيد، ولا في نص واحد من نصوصه، بل في تتابع ابحاثه الطويلة، الشبيهة بما وصفه مالارميه، اي في الابحاث المتشددة وغير المكتملة ايضا والمفتوحة على القراء، والتي قد تزعج البعض، وقد تكون خلاصية لبعضهم الآخر، بل واكثر من اي وقت مضى انها بوصلة اخلاقية».
تلك هي نماذج من قراءة آني كوهين سولال لسارتر، ولا شك ان هناك قراءات اخرى كثيرة، ومختلفة تماماً، وهذا دليل حيويته المتجددة.
جهاد فاضل

الكتاب: جان بول سارتر
المؤلف: آني كوهين سولال
الناشر: المنشورات الفرنسية ــ باريس

البريمل
18-12-2010, 05:20 PM
القبس


كما رآه محمود محمد شاكر.. وطه حسين هل كان المتنبي «علويا»... أم لقيطا؟!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C24%5C4492e92d-d3e8-4fde-a834-4d38c4204fd2_main.jpg • المتنبي كما تخيله أحد الفنانين
كتب جهاد فاضل :
حمل عدد «المقتطف» الصادر في يناير 1936 جديدا للدراسات المتعلقة بشعر المتنبي وسيرته. فالعدد بكامله كان عبارة عن دراسة واحدة كتبها اديب وباحث ناشئ يومها، اسمه محمود محمد شاكر، واثارت جدلا واسعا في اوساط المثقفين، ولا تزال الى اليوم تثير مثل هذا الجدل. حملت هذه الدراسة جديدا يتصل بالمنهج، فقد انصب هذا المنهج على ما سماه محمود شاكر «تذوق الكلام» شعرا ونثرا واخبارا تروى، كما حمل هذا المنهج رفضا صريحا قاطعا لاكثر المناهج التي كانت سائدة في تلك الفترة، ثم صارت لها السيادة على ساحة الادب الى يومنا هذا.

في ضوء هذا المنهج توصل محمود محمد شاكر الى نتائج مذهلة تتعلق بسيرة ابي الطيب المتنبي، ابرزها ما يتعلق بنسبه، إذ كانت النظرية السائدة قبل هذه الدراسة، عند الباحثين جميعا تقريبا، هي ان المتنبي ابن سقّاء كان يبيع الماء في الكوفة، وانه بالتالي وضيع النسب، سواء اعيد هذا النسب الى قبيلة كندة اليمنية او الى سواها، ولكن هذا الباحث الشاب، واعتمادا قبل كل شيء على نصوص المتنبي، توصل الى نتيجة لا تزال الى اليوم ترجّ الدراسات المتنبئية وتقلبها رأسا على عقب. تقول نظرية محمود محمد شاكر التي بناها على استقرائه الذاتي لشعر المتنبي، ان المتنبي علوي النسب، وليس ابدا ابن ذاك السقاء الذي افترضه دارسوه.
اما وضع القضية عند شاكر فقد كان كما يلي: تزوج رجل من العلويين، وعلى الارجح كان من كبارهم، بنت جدة المتنبي، فحملت منه ووضعت احمد بن الحسين الذي عرف بالمتنبي لاحقا، ولكن لامر ما أُريد لهذا الرجل العلوي أن يطلّق امرأته ويفارقها، وحمله العلويون على ذلك، ففارقها وطلقها، فرجعت الى امها بجنينها او طفلها، وحزنت حزنا اهلكها، فاستلّها الموت وذهب بها، وبقي الطفل فكفلته جدته وتعهدته وقامت بأمره، حتى بلغ مبلغ الفتيان، ودلته على الطريق بعد ان صرحت له بحقيقة امره، وصحيح نسبته. وكان من حزنها ان حذرت الفتى من عواقب التصريح بأمر نسبه، واخذت عليه المواثيق والعهود بحبها له وحبه لها، وانه ان فعل كان في ذلك هلاكها وهلاكه. فبقي على ذلك متململا حتى كان من امره ما كان من ادعائه العلوية في الشام، فقبض عليه، واضطر الى السكينة والتسليم، وحرص على ان يطيع امر جدته، بعد ان علم حزمها وصواب رأيها، واخلاصها له المشورة، ومحضها له النصيحة.
سر تكتمه
هذا الوضع لقضية المتنبي الذي لم يسبق اليه باحث آخر من قبل، والمبني على استنتاجات توصل اليها شاكر في ضوء منهجه القائم على «تذوق الكلام»، هو الذي يفسر، بنظره، طول تكتم المتنبي على نسبه، واخفائه جهده من اصحاب الألسنة المتنقلة بين الرجال، ويفسر ايضا مخرج قصة «ابيه السقاء»، وحرصهم على حبكها، والتقديم لها بلطيف القول وحسن العبارة. كما يأتي بالدليل البين في امر دخوله كتّاب أشراف العلويين في الكوفة، وتعلمه دروس العلوية. ويبين ايضا عن السبب، الذي من اجله سكت المتنبي عن مدح العلويين وعظمائهم واصحاب الجاه والسلطان منهم، وهو بالكوفة، ثم تأبّيه على مدح ابي القاسم العلوي صاحب الامير ابن طفج حين كان بالرملة. ثم ما كان من ارصاد العلويين له عبيدا لقتله بكفر عاقب.
دلائل شاكر
ومما يؤكد، او يدل على الاقل، صحة نظرية شاكر برأيه هو ان المتنبي، وهو صغير، درس في كتّاب كان يختلف اليه اولاد اشراف الكوفة، او لنقل انه كان كتاباً خاصاً بأولاد هؤلاء الاشراف. ولعل هؤلاء الاشراف ارادوا عن طريق السماح للمتنبي بالدراسة في كتّاب خاص باولادهم، وهم بلا شك كانوا على علم بأمر نسبه، هو ان يُرضوا جدة المتنبي العجوز، وان يخففوا عنها ثقل همومها، وان يخففوا من غضبها عليهم، خشية ان تفاجأهم بما لا يحبون من اظهار ما ارادوا كتمانه واخفاءه.
دخل الفتى الكتّاب ليدرس ويتفوق على اقرانه، وليدخل التاريخ فيما بعد.
النصوص الشعرية التي يستند اليها محمود محمد شاكر لاثبات علوية المتنبي كثيرة. يوردها، يشرحها، ينفذ الى اعماقها، ليثبت ما ذهب اليه:
واني لمن قومٍ كأن نفوسهم
بها انف ان تسكن اللحم والعظما
كذا انا يا دنيا اذا شئت فاذهبي
ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزّني
ولا صحبتني بهجة تقبل الظلما
ومن ذلك قوله بعد وفاة جدته، وعودته الى الشام:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ
كأنهم من طول ما التثموا مُرْدُ
فقوله (حقي) لا يقع هذا الموقع من شعر الا من احد رجلين: رجل دعيّ طويل الباع واللسان في الادعاء والكذب، او رجل صادق لا يكذب على نفسه ولا على الناس، وليس المتنبي بأولهما.
اذن فقد كان له حق يطلبه بالحرب، وهو الذي سمّاه «حظاً» في رثاء جدته، وانما خفف «الحق» في الرثاء، وجعله «خطأ».
ومثل هذا قوله لكافور:
فارم بي حيث شئت مني فاني
أسدُ القلب آدميُّ الرواء.
وفؤادي من الملوك وان كان
لساني يُرى من الشعراء
فلا عجب بعد ذلك في فخر المتنبي وتعاليه وتعاظمه. فكلٌّ مفسرٌ بّيٌن واضحُ العلّة والمعنى على هذا الاصل. وكان عجبا عند الناس ان تبلغ الحماقة بابن سقّاء، ان يفخر مثل هذا الفخر، ويتعاظم على الملوك مثل هذا التعاظم.
حجج كثيرة تتصل بنسب المتنبي يسوقها محمود محمد شاكر في كتابه عنه، رددها كثيرون فيما بعد منهم عبدالغني الملاّح في كتابه «المتنبي يستردّ اباه»، ومنهم الشاعر البحريني ابراهيم العريض في كتاب له عن المتنبي.
وربما اضاف هؤلاء الباحثون اسبابا جديدة الى ما ذكره محمود شاكر. ولكن الفضل يرجع الى هذا الاخير لانه اول من نحا هذا المنحى في الدراسات العربية الحديثة عن المتنبي، وعنه اخذ معاصروه او من اتى بعده.
علوية الشاعر
على ان هذه النظرية حول علوية المتنبي، وان تبنّاها كثيرون، واضاف اليها آخرون، فقد واجهت صعوبات كثيرة على يد باحثين آخرين في طليعتهم الدكتور طه حسين الذي كان يُلقَّب بعميد الادب العربي. انكر طه هذه النظرية وسفّهها، وخرج في كتابه عن المتنبي بنظرية متطرفة شديدة التطرف موجزها ان المتنبي «لقيط». قال طه حسين انه يشكّ في نسب المتنبي. وقد بنى شكّه على وقائع واسباب كثيرة يوردها في كتابه منها: «ان المتنبي كان لا يعرف اباه: كان ولدا بين رجل وامرأة لا يعرفهما، او لا يعرف احدهما على الاقل، او كان منبوذا لغير رشدة، او كان لقيطا».
ويضيف طه حسين: «ومن حقك ان تسألني لماذا أُطيل الحديث عن نسب المتنبي، واظهر الشك في معرفته لأبيه وأمة، فاعلم يا سيدي انما اثرتها لأنتهي منها الى حقيقة يظهر انها لا تقبل الشك، وهي ان المتنبي لم يكن يستطيع ان يفاخر بأسرته، ولا ان يجهر بذكر أمه وأبيه. التمس لذلك ما شئت من علة، فهذا لا يعنيني، وانما الذي يعنيني، ويجب ان يعنيك، ان شعور المتنبي الصبي بهذه الضعة، او بهذا الضعف من ناحية اسرته واهله الادنين، كان العنصر الاول الذي اثر في شخصية المتنبي.
ويقول طه حسين بعد ذلك: «ان مولد المتنبي كان شاذا، وقد ادرك المتنبي هذا الشذوذ وتأثر به في سيرته كلها».
ويبدو ان محمو شاكر التقى بعد ذلك طه حسين في دار «الجمعية الجغرافية المصرية» وخلال اسبوع اقامته الجمعية المذكورة عن المتنبي، كان محمود شاكر في البداية تلميذا لطه حسين في كليه الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهر الآن) ولكن الأيام باعدت بين الاستاذ وتلميذه الى ان كتب هذا الاخير كتابه عن المتنبي. قرأ طه هذا الكتاب، وفي لقائه مع تلميذه في دار «الجمعية الجغرافية المصرية»، قال له: «أنت تذهب الى ان المتنبي علوي النسب.. انا قرأت ذلك.. واوافقك على الشك في النسب، ولكني لا اوافقك على انه علوي، ماذا يا محمود لو قلنا ان المتنبي لقيط؟
ويعلق محمود شاكر على ذلك في كتابه قائلا: «والله خُيّل لي ان الشيطان فاغر فاه بيني وبين هذا الرجل. فرجفت رجفة وعذت بالله ثم قلت له: ان هذا رأي منقوص من وجوه، وهو على اي حال نتيجة للشك في نسب المتنبي، مع التوقف عند مجرد هذا الشك قبل القول انه علوي او جُعفي، او هذا او ذاك». واردت انه انبه بهذه الكلمة الى ان رأيه مسلوخ من كتابي، وذلك انه اخذ الشك في النسب مني، وعجز عن ان يقول شيئا في نسب جديد يلصقه به.
أبرز المعارك الفكرية
تشكل هذه المعركة الفكرية بين محمود شاكر وطه حسين حول نسب المتنبي احدى ابرز المعارك الفكرية التي دارت في مصر في النصف الاول من القرن العشرين. كانت النظرية التي طلع بها محمود شاكر حول علوية المتنبي نظرية جديدة لم يسبق لباحث قبله ان اقرّها، او حتى ان ارهص بها.
وفي الواقع كانت هذه النظرية نتيجة معاناة شديدة للباحث مع شعر المتنبي بالدرجة الاولى، قبل ان يعود ليؤسسها على أسانيد جديدة في سيرة المتنبي وسيرة عصره، واذا كانت هذه النظرية لا تزال الى اليوم نظرية غير معتمدة عند جميع دارسي المتنبي، فانها نظرية لا يمكن تجاهلها عند مناقشة سيرة المتنبي وشعره، وهنا فضل محمود شاكر واثره الكبير الذي يذكره له الباحثون بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله.

البريمل
18-12-2010, 05:25 PM
القبس


كما رآه محمود محمد شاكر.. وطه حسين هل كان المتنبي «علويا»... أم لقيطا؟!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C24%5C4492e92d-d3e8-4fde-a834-4d38c4204fd2_main.jpg • المتنبي كما تخيله أحد الفنانين
كتب جهاد فاضل :
حمل عدد «المقتطف» الصادر في يناير 1936 جديدا للدراسات المتعلقة بشعر المتنبي وسيرته. فالعدد بكامله كان عبارة عن دراسة واحدة كتبها اديب وباحث ناشئ يومها، اسمه محمود محمد شاكر، واثارت جدلا واسعا في اوساط المثقفين، ولا تزال الى اليوم تثير مثل هذا الجدل. حملت هذه الدراسة جديدا يتصل بالمنهج، فقد انصب هذا المنهج على ما سماه محمود شاكر «تذوق الكلام» شعرا ونثرا واخبارا تروى، كما حمل هذا المنهج رفضا صريحا قاطعا لاكثر المناهج التي كانت سائدة في تلك الفترة، ثم صارت لها السيادة على ساحة الادب الى يومنا هذا.

في ضوء هذا المنهج توصل محمود محمد شاكر الى نتائج مذهلة تتعلق بسيرة ابي الطيب المتنبي، ابرزها ما يتعلق بنسبه، إذ كانت النظرية السائدة قبل هذه الدراسة، عند الباحثين جميعا تقريبا، هي ان المتنبي ابن سقّاء كان يبيع الماء في الكوفة، وانه بالتالي وضيع النسب، سواء اعيد هذا النسب الى قبيلة كندة اليمنية او الى سواها، ولكن هذا الباحث الشاب، واعتمادا قبل كل شيء على نصوص المتنبي، توصل الى نتيجة لا تزال الى اليوم ترجّ الدراسات المتنبئية وتقلبها رأسا على عقب. تقول نظرية محمود محمد شاكر التي بناها على استقرائه الذاتي لشعر المتنبي، ان المتنبي علوي النسب، وليس ابدا ابن ذاك السقاء الذي افترضه دارسوه.
اما وضع القضية عند شاكر فقد كان كما يلي: تزوج رجل من العلويين، وعلى الارجح كان من كبارهم، بنت جدة المتنبي، فحملت منه ووضعت احمد بن الحسين الذي عرف بالمتنبي لاحقا، ولكن لامر ما أُريد لهذا الرجل العلوي أن يطلّق امرأته ويفارقها، وحمله العلويون على ذلك، ففارقها وطلقها، فرجعت الى امها بجنينها او طفلها، وحزنت حزنا اهلكها، فاستلّها الموت وذهب بها، وبقي الطفل فكفلته جدته وتعهدته وقامت بأمره، حتى بلغ مبلغ الفتيان، ودلته على الطريق بعد ان صرحت له بحقيقة امره، وصحيح نسبته. وكان من حزنها ان حذرت الفتى من عواقب التصريح بأمر نسبه، واخذت عليه المواثيق والعهود بحبها له وحبه لها، وانه ان فعل كان في ذلك هلاكها وهلاكه. فبقي على ذلك متململا حتى كان من امره ما كان من ادعائه العلوية في الشام، فقبض عليه، واضطر الى السكينة والتسليم، وحرص على ان يطيع امر جدته، بعد ان علم حزمها وصواب رأيها، واخلاصها له المشورة، ومحضها له النصيحة.
سر تكتمه
هذا الوضع لقضية المتنبي الذي لم يسبق اليه باحث آخر من قبل، والمبني على استنتاجات توصل اليها شاكر في ضوء منهجه القائم على «تذوق الكلام»، هو الذي يفسر، بنظره، طول تكتم المتنبي على نسبه، واخفائه جهده من اصحاب الألسنة المتنقلة بين الرجال، ويفسر ايضا مخرج قصة «ابيه السقاء»، وحرصهم على حبكها، والتقديم لها بلطيف القول وحسن العبارة. كما يأتي بالدليل البين في امر دخوله كتّاب أشراف العلويين في الكوفة، وتعلمه دروس العلوية. ويبين ايضا عن السبب، الذي من اجله سكت المتنبي عن مدح العلويين وعظمائهم واصحاب الجاه والسلطان منهم، وهو بالكوفة، ثم تأبّيه على مدح ابي القاسم العلوي صاحب الامير ابن طفج حين كان بالرملة. ثم ما كان من ارصاد العلويين له عبيدا لقتله بكفر عاقب.
دلائل شاكر
ومما يؤكد، او يدل على الاقل، صحة نظرية شاكر برأيه هو ان المتنبي، وهو صغير، درس في كتّاب كان يختلف اليه اولاد اشراف الكوفة، او لنقل انه كان كتاباً خاصاً بأولاد هؤلاء الاشراف. ولعل هؤلاء الاشراف ارادوا عن طريق السماح للمتنبي بالدراسة في كتّاب خاص باولادهم، وهم بلا شك كانوا على علم بأمر نسبه، هو ان يُرضوا جدة المتنبي العجوز، وان يخففوا عنها ثقل همومها، وان يخففوا من غضبها عليهم، خشية ان تفاجأهم بما لا يحبون من اظهار ما ارادوا كتمانه واخفاءه.
دخل الفتى الكتّاب ليدرس ويتفوق على اقرانه، وليدخل التاريخ فيما بعد.
النصوص الشعرية التي يستند اليها محمود محمد شاكر لاثبات علوية المتنبي كثيرة. يوردها، يشرحها، ينفذ الى اعماقها، ليثبت ما ذهب اليه:
واني لمن قومٍ كأن نفوسهم
بها انف ان تسكن اللحم والعظما
كذا انا يا دنيا اذا شئت فاذهبي
ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزّني
ولا صحبتني بهجة تقبل الظلما
ومن ذلك قوله بعد وفاة جدته، وعودته الى الشام:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ
كأنهم من طول ما التثموا مُرْدُ
فقوله (حقي) لا يقع هذا الموقع من شعر الا من احد رجلين: رجل دعيّ طويل الباع واللسان في الادعاء والكذب، او رجل صادق لا يكذب على نفسه ولا على الناس، وليس المتنبي بأولهما.
اذن فقد كان له حق يطلبه بالحرب، وهو الذي سمّاه «حظاً» في رثاء جدته، وانما خفف «الحق» في الرثاء، وجعله «خطأ».
ومثل هذا قوله لكافور:
فارم بي حيث شئت مني فاني
أسدُ القلب آدميُّ الرواء.
وفؤادي من الملوك وان كان
لساني يُرى من الشعراء
فلا عجب بعد ذلك في فخر المتنبي وتعاليه وتعاظمه. فكلٌّ مفسرٌ بّيٌن واضحُ العلّة والمعنى على هذا الاصل. وكان عجبا عند الناس ان تبلغ الحماقة بابن سقّاء، ان يفخر مثل هذا الفخر، ويتعاظم على الملوك مثل هذا التعاظم.
حجج كثيرة تتصل بنسب المتنبي يسوقها محمود محمد شاكر في كتابه عنه، رددها كثيرون فيما بعد منهم عبدالغني الملاّح في كتابه «المتنبي يستردّ اباه»، ومنهم الشاعر البحريني ابراهيم العريض في كتاب له عن المتنبي.
وربما اضاف هؤلاء الباحثون اسبابا جديدة الى ما ذكره محمود شاكر. ولكن الفضل يرجع الى هذا الاخير لانه اول من نحا هذا المنحى في الدراسات العربية الحديثة عن المتنبي، وعنه اخذ معاصروه او من اتى بعده.
علوية الشاعر
على ان هذه النظرية حول علوية المتنبي، وان تبنّاها كثيرون، واضاف اليها آخرون، فقد واجهت صعوبات كثيرة على يد باحثين آخرين في طليعتهم الدكتور طه حسين الذي كان يُلقَّب بعميد الادب العربي. انكر طه هذه النظرية وسفّهها، وخرج في كتابه عن المتنبي بنظرية متطرفة شديدة التطرف موجزها ان المتنبي «لقيط». قال طه حسين انه يشكّ في نسب المتنبي. وقد بنى شكّه على وقائع واسباب كثيرة يوردها في كتابه منها: «ان المتنبي كان لا يعرف اباه: كان ولدا بين رجل وامرأة لا يعرفهما، او لا يعرف احدهما على الاقل، او كان منبوذا لغير رشدة، او كان لقيطا».
ويضيف طه حسين: «ومن حقك ان تسألني لماذا أُطيل الحديث عن نسب المتنبي، واظهر الشك في معرفته لأبيه وأمة، فاعلم يا سيدي انما اثرتها لأنتهي منها الى حقيقة يظهر انها لا تقبل الشك، وهي ان المتنبي لم يكن يستطيع ان يفاخر بأسرته، ولا ان يجهر بذكر أمه وأبيه. التمس لذلك ما شئت من علة، فهذا لا يعنيني، وانما الذي يعنيني، ويجب ان يعنيك، ان شعور المتنبي الصبي بهذه الضعة، او بهذا الضعف من ناحية اسرته واهله الادنين، كان العنصر الاول الذي اثر في شخصية المتنبي.
ويقول طه حسين بعد ذلك: «ان مولد المتنبي كان شاذا، وقد ادرك المتنبي هذا الشذوذ وتأثر به في سيرته كلها».
ويبدو ان محمو شاكر التقى بعد ذلك طه حسين في دار «الجمعية الجغرافية المصرية» وخلال اسبوع اقامته الجمعية المذكورة عن المتنبي، كان محمود شاكر في البداية تلميذا لطه حسين في كليه الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهر الآن) ولكن الأيام باعدت بين الاستاذ وتلميذه الى ان كتب هذا الاخير كتابه عن المتنبي. قرأ طه هذا الكتاب، وفي لقائه مع تلميذه في دار «الجمعية الجغرافية المصرية»، قال له: «أنت تذهب الى ان المتنبي علوي النسب.. انا قرأت ذلك.. واوافقك على الشك في النسب، ولكني لا اوافقك على انه علوي، ماذا يا محمود لو قلنا ان المتنبي لقيط؟
ويعلق محمود شاكر على ذلك في كتابه قائلا: «والله خُيّل لي ان الشيطان فاغر فاه بيني وبين هذا الرجل. فرجفت رجفة وعذت بالله ثم قلت له: ان هذا رأي منقوص من وجوه، وهو على اي حال نتيجة للشك في نسب المتنبي، مع التوقف عند مجرد هذا الشك قبل القول انه علوي او جُعفي، او هذا او ذاك». واردت انه انبه بهذه الكلمة الى ان رأيه مسلوخ من كتابي، وذلك انه اخذ الشك في النسب مني، وعجز عن ان يقول شيئا في نسب جديد يلصقه به.
أبرز المعارك الفكرية
تشكل هذه المعركة الفكرية بين محمود شاكر وطه حسين حول نسب المتنبي احدى ابرز المعارك الفكرية التي دارت في مصر في النصف الاول من القرن العشرين. كانت النظرية التي طلع بها محمود شاكر حول علوية المتنبي نظرية جديدة لم يسبق لباحث قبله ان اقرّها، او حتى ان ارهص بها.
وفي الواقع كانت هذه النظرية نتيجة معاناة شديدة للباحث مع شعر المتنبي بالدرجة الاولى، قبل ان يعود ليؤسسها على أسانيد جديدة في سيرة المتنبي وسيرة عصره، واذا كانت هذه النظرية لا تزال الى اليوم نظرية غير معتمدة عند جميع دارسي المتنبي، فانها نظرية لا يمكن تجاهلها عند مناقشة سيرة المتنبي وشعره، وهنا فضل محمود شاكر واثره الكبير الذي يذكره له الباحثون بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله.

justice
18-12-2010, 09:08 PM
القبس



دراسة عن فن الفكاهة في الأدب العربي الذهنية العربية ظلمت الأعراب لأن القرآن وصمهم بالكفر والنفاق!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C02%5C26%5C7273d074-664f-45eb-a0eb-2ed095f02144_main.jpg

عرف الأدب العرب طيلة عصوره فن النوادر والملح، كما عرف العرب كثيرا من الظرفاء وأصحاب اللطائف الساخرين، وربما كان جحا وأشعب وغيرهما من أشهر أبطال هذه القصص والمرويات المتواترة في تاريخ الأدب تحت مسمى النوادر، لكن أن تكون النادرة مفتاحا لدراسة اجتماعية وافية عن جماعة بشرية كاملة، فهذا ما سعى إليه الباحث الأكاديمي د. أحمد عبد التواب في كتابه الصادر أخيراً عن سلسلة التراث في الهيئة المصرية للكتاب تحت عنوان «نوادر الأعراب»، وكما هو واضح من العنوان، فإن الباحث اختار لمادته حكايات ومرويات جماعة من البشر عرفوا على مدى التاريخ بارتباطهم بالبادية أو الصحراء، وما بها من ظروف بيئية أصلت بداخلهم ثقافة إنسانية تتسم بالبخل والطمع حد الشره، والمباشرة والوضوح حد الفظاظة أو الجلافة، لكن هذا لا يمنع من أنهم كأي جماعة بشرية أخرى يتمتعون بالحيل والذكاء والفطنة والعلم ببعض الأمور والجهل التام ببعضها والخلط أحياناً بين هذا وذاك، وهذا ما أبرزته النوادر التي جمعها من بطون كتب التراث وفي مقدمتها الأغاني للأصفهاني والأمالي للقالي وجمع الجواهر للقيرواني، والحيوان للجاحظ، وزهر الآداب للقيرواني والعقد الفريد لابن عبد ربه وعيون الأخبار لابن قتيبه وغيرها.

ويأتي الكتاب في أربعمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير على هيئة ثلاثة أبواب الأول رصد فيه حياة الأعراب ومعنى كلمة عرب في قواميس اللغة والفرق بين العرب والأعراب، وبين الأعراب المقيمين والأعراب شبه المقيمين والأعراب الرحل، والخلط التاريخي في مفهوم الأعراب، وكيف كان يطلق هذا المصطلح قبل الإسلام على كل سكان الجزيرة، ثم حدد بعد الإسلام بأهل الوبر في مقابل أهل المدر قاطني القرى والمدن، ثم استثنى منهم رسول الله القائمين على حواف المدينة أو ما شابهها، إذ أنهم اكتسبوا أخلاق المدر وتعاملاتهم، ومن ثم نشأ التقسيم بين الأعراب المقيمين ذوي الحضارة، ثم شبه المقيمين، وهم رعاة الأغنام على هوامش المدن، ثم رعاة الإبل وهؤلاء مرتحلون طيلة العام حسب وجود المرعى، وأظهر الباحث أن هذا التقسيم لا ينطبق على قبيلة بكاملها، فقد يكون بطن منها مستقرا وآخر مرتحلاً وثالث شبه مرتحل، كما رصد من حيث اللغة كلمة ندر التي جاءت منها النادرة وتعني تغير الحال المفاجئ كالجلوس من القيام أو السير فجأة أو العكس، ومعنى الندرة قلة التكرار، ومن ثم فالأمر يحمل معنى الدهشة والمباغتة التي يستحملها العقل، لكن النادرة ليس شرطاً لها أن تأتي من قول لبق أو إجابة سديدة أو فعل عظيم، لأنها من المفارقة غير المتوقعة التي تكمن في القول الحسن، كما في غير الحسن.
أنواع النوادر
وقدم عبد التواب بابه الثاني عن النوادر التي قسمها إلى خلقية ( الجهل، الجفاء، الاعتبار والتذكر ) وسياسية (مواقف الأعراب بالخلفاء والأمراء والشرفاء ) واجتماعية (الطعام، الزواج، البخل والكرم)، وعقلية (الذكاء،حسن التخلص)، وقام الباب الثالث على دراسة أسلوبية لفن النوادر قدم فيه عبدالتواب رصداً تحليلياً لقالب وشكل النادرة وأنواعها، كما رصد طرائق بناء الصورة في النادرة بدءاً من التشبيه، مروراً بالاستعارة والكناية وانتهاءً بالجناس والطباق.
ورغم أن الباحث قدم من خلال دراسته ما يفيد أن النادرة واحدة من الفنون القولية المهمة لدى العرب، إذ توافر لها شرط الانتشار والتعاقب والتطور والاختصاص بظواهر أسلوبية واضحة، كما قدم تحليلاً اجتماعياً مهما لقطاع واسع من طبقات المجتمع العربي، هذا التحليل الذي يمكننا أن ندخله ضمن إطار الدراسات الاجتماعية عما يسمى بثقافة الفقر، غير أنه على رغم أهمية هاتين الإضافتين أخذ انحيازاً مسبقاً من الطبقة الاجتماعية التي يقوم بدراستها، ربما لأنه اتخذ وجهة نظر الرواة في كتب التراث، هذه التي قد يكون بها بعض المبالغة الفنية في كثير من الأحيان.
أشد كفرا..
ولعل انتشار النوادر عن جهل الأعراب وحماقتهم وعدم معرفتهم بالدين وآداب اللياقة مع الملوك أو احترام الذوق العام يرجع إلى أن القرآن قال عنهم «الأعراب أشد كفراً ونفاقاً»، فقد أصبحت الذهنية العربية مؤهلة لسماع ما هو غريب ونادر عن هؤلاء الذين لا خلاق لهم، ولعبت المفارقة الفنية لدى الرواة دورها في تعميق الفكرة الدينية المسبقة عنهم، كما أن الرواة في أغلبهم كانوا من أهل الحضر لا البداوة، وهؤلاء ليس من عنايتهم البحث في أسباب الظاهرة وانتشارها بقدر عنايتهم بالتأكيد على الفارق الحضاري بين أهل المدن وأهل البادية بما لديهم من سلوك غير متمدن، ومن ثم فقد وقع الباحث في التناقض آن تحليله للعقلية الأعرابية من خلال ما تواتر عنهم من نوادر في كتب الأدب، فوجدناه يفسر النادرة في موضع على أنها حمق وجهل وجفوة وعدم معرفة بالدين ثم يفسرها في موضع آخر على أنها ذكاء وكياسة وحسن خروج من الموقف من ذلك ما قاله الأعرابي حين أصاب الجدب بلاده فأنشأ يقول «رب العباد ما لنا ومالك، قد كنت تسقينا فما بدالك، أنزل علينا الغيث لا أبالك» فحين سمع سليمان ابن عبد الملك ذلك لم يجد سوى أن يخرج الأعرابي من المأزق قائلاً «أشهد أنه لا أبا له، ولا ولد ولا صاحبة، وأشهد أن الخلق جميعاً عباده» ولعل سليمان لم يخرج الرجل من مأزق الجهل أو الاتهام بالزندقة، ولكنه كان أفهم إلى طبيعة الرجل وما به من سذاجة وما لديه من إيمان العوام، ولو كان هذا الأمر منسحب على عامة الأعراب، ما وجدنا النادرة التي تقول إن أعرابياً سطا عليه بعض اللصوص، فذهب شاكياً إلى الخليفة، لكن الحجاب والأعوان رفضوا دخوله عليه، وسألوه من أنت كي ندخلك عليه فقال لهم أنا رجل لي ما ليس لله، وعندي ما ليس عند الله، وأهرب من رحمة الله، وأحب الفتن وأبغض الحق وأشهد بما لا أرى. فدخل الأعوان فأخبروا الخليفة بزندقته، فتعجب وقال ائتوني بهذا الغمر كي أسمع كفره من فمه وأعاقبه، فأتوا به فسأله أأنت القائل ان لك ما ليس لله، ولله ما في السماوات والأرض فكيف تدعي ذلك يا جاهل؟ فقال الأعرابي نعم أنا قائل ذلك، فأنا لي زوجة وبنين، وليس لله شيء مــن ذلك، فقال الخليفة أنت القائل ان عندك ما ليس عند الله؟ فقال نعم عندي الكذب والخديعة وما عند الله شيء من هذا، فقال الخليفة أأنت القائل أنك تهرب من رحمة الله؟ فقال نعم أهرب من المطر وهو من مراحم الله، فقال الخليفة وكيف تحب الفتنة يا شقي؟ قال الأعرابي المال والبنون وهما أشد فتنة، قال الخليفة وأنت تبغض الحق؟ قال نعم أبغض الموت وهو حق على كل حي، فسأله الخليفة وأنت القائل انك تشهد بما لا ترى؟ قال نعم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم أر أحداً منهما. فسر به الخليفة وحصَّل له ما سلبه اللصوص وقربه إليه. فهذه النادرة تبرز فهم الأعراب ولباقتهم وحيلهم وبساطة تعاملهم المادي مع الأشياء، لكن الذائقة العربية أبت أن تتعامل مع الأعراب إلا على أنهم في درجة أقل من السلم الحضاري، وذوي طباع تستحق التندر بها، خاصة في مسألتي الدين والطعام.
نوادر الأعرب
وقد ساق الباحث في كتابه العديد من النوادر عن الأعراب الذين رفضوا طعام الملوك، والأعراب الذين أظهروا كرماً فائقاً حين نزل الملوك عليهم، حتى انه قال ان الأعراب يحبون أن يكرموا الأمراء كما يكرمونهم، ولعل الكرم في الطعام يعود إلى طبائع الحياة في الصحراء والتحايل على قسوتها، ومن ثم فالأعراب يبكرون بالغداء حتى إذا نزلوا على غيرهم لم يتعجلوا الطعام، وإذا أكلوا لا يكبهم الجوع على وجوههم، أما أن يكون هناك استثناء لغير هذه العادات، فذلك من طبائع الأمور، والنادرة لا تهتم إلا بكل ما هو شاذ ومختلف ومفارق، أما عدم التزامهم بالسلوك المعتاد لدى المدنيين، فذلك لأنهم أبناء بيئة ومكان مختلفين، ولعل أبرز هذه الاختلافات مسألة التعلم والارتباط بالدين، وهذه ظهرت بجلاء في نوادر الأعراب، ربما لأن أغلبهم أميون، وأسلموا بالسماع وليس على أيدي فقهاء، ولم يختلفوا إلى حلقات علم أو مجالس علماء، ولكن أخذهم الترحال خلف الرعي من مكان لآخر، ومن ثم كان إيمانهم إيمانا قلبيا لا حرفيا، وكثيراً ما اختلطت لديهم الحكمة بالقرآن والآحاديث النبوية، ربما لأن كلا منهما يحض على الخير ومنفعة الناس، كما أن الإسلام لم يلزم كل مسلم بحفظ القرآن كاملاً، لكن لأن هذا مناط ضعف واضح في حياة الأعراب، فقد كثرت النوادر عن ذلك، حتى ان الكثير منها يمكننا الشك أن يكون من باب الزيادة عليهم، لأن أخبارهم في هذا الشأن يتوقف المدنيون إلى سماعها والأمراء إلى معرفتها، فلا يمكننا أن نصدق أن مسلماً عاقلاً يبتدئ وضوءه بغسل الكفين والوجه ثم يستنجي، وحين يسأل عن ذلك فيقول انه ليس من المعقول أن يبدأ بالخبيثة ثم الكريمة، وسبب آخر يمكننا أن نلحظه في نسبة أغلب هذه النوادر وما بها من حمق إلى الأعراب، وهو السبب نفسه الذي عن طريقه نسب الكثير منها إلى جحا وأشعب وأبي الشمقمق وغيرهم من مشاهير أصحاب النوادر، وهو الاتفاق المسبق أو اليقين المسبق بإمكانية أن يفعل الأعراب أو جحا مثل هذا الفعل، ولدى أغلب الشعوب جماعات بشرية تنسب إلى نوادر الحمق لا لشيء سوى أنها أقل في السلم الحضاري، وعادة ما يكون بينها وبين آخرين نوع من المنافسة أو الصراع، ومن ثم فمتلقي النادرة في حالة نفسية مؤهلة مسبقاً بتلقي الطرفة الساخرة، قد أبرز الباحث جانبا من هذه العوامل المساعدة على وجود النوادر، خاصة في الفصل المعني بنوادر الأعراب مع الخلفاء والأمراء، وأوضح أن بعض النوادر ـ وكان فيها الأعرابي أكثر كياسة وذكاء من الخليفة ـ وضعت في زمن العباسيين للنيل من الأمويين.
دراسة جادة
ويمكننا القول في النهاية ان هذه واحدة من الدراسات الجادة التي جمعت بين الأدب والعلوم الاجتماعية، وأن الباحث يمكنه أن يتعرض لمجتمعاتنا الراهنة، فيدرس ما لديها من طرف ونوادر، وربما يستطيع بمنهجيته البحثية بين الأدب وعلم الاجتماع أن يصل إلى نتائج مهمة تتفهم نفسية وتفكير الجماعة العربية، خاصة أن الأدب الشفاهي أكثر تعبيراً ومعرفة عن الجماعة البشرية من الأدب الرسمي أو المكتوب.
صبحي موسى

البريمل
21-12-2010, 05:31 PM
القبس


بـرزت فــي النصـف الثــاني من القـرن العشريـن انحرافات فنية في القصيدة العربية سببها تحولات الشكل

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C03%5Cfa56ea2d-8b7d-43c5-8d95-72631cbb61d3_main.jpg • لوحة للفنان وليد الآغا
القاهرة – صبحي موسى
لم يتوقف تطور النص الشعري على انزياح الشكل لمصلحة طرح جديد، فقد صاحب هذا الانزياح الشكلي تطورا في الادوات والرؤى والوظائف الشعرية، ومن ثم شهدت القصيدة العربية عددا من التحولات الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين، هذه التحولات التي قام على دراستها وابراز جوانبها الفنية د. صلاح فاروق في كتابه الصادر اخيرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية تحت عنوان «تحولات القصيدة العربية» الذي قسمه الى اربعة فصول وخاتمة. حمل الفصل الاول عنوان «الشكل الشعري وتحولاته»، والفصل الثاني «نماذج الوعي والتشكيل الفني»، والثالث «المركب النحوي»، والرابع «المركب المجازي»، بينما جاء الكتاب ككل في اربعمائة صفحة من القطع المتوسط. وذهب فاروق الى ان القصيدة العربية الحديثة مرت بعدد من التحولات من حيث الشكل، كان اولها مدرسة الاحياء التي اعادت النص الشعري الى ما كان عليه من قوة شعرية في عصور ازدهاره، وصحبت ذلك فنيا العودة الى تقاليد الكتابة الشعرية في العصور الجاهلية والاموية والعباسية، فظهرت وحدة البيت والمعارضات، وسلامة الوزن، وسرعان ما حدثت تطورات فنية داخل النص الاحيائي او ما يسمى بالعمودي، هذه التطورات التي ظهرت في مدرسة الديوان، والمدرسة الرومنسية، ومدرسة شعراء المهجر، لكن النص ظل من حيث الشكل واحدا، مما ادى في نهاية الصراع بين الشكل والتطور الفني الى ظهور نص جديد ثائر على الشكل التقليدي، وهو النص التفعيلي، الذي ظل منتميا الى فكر المدرسة الرومنسية في مرحلة الخمسينات والستينات، ولم يلبث ان افرز الشكل الجديد انزياحاته الفنية المغايرة للنص التقليدي.
ثورة السبعينيين
وتجلت اعلى الانزياحات في شعر السبعينات. ثم جاءت قصيدة النثر بثورتها الكبرى على الشكل والوزن القديم مقدمة طروحاتها المغايرة والاكثر تلاؤما مع منطقها الحضاري.
وذهب فاروق الى ان كل شكل طرح موضوعات اكثر تناسبا مع رؤيته الشعرية، تلك التي تتسق مع الاطار / الشكل الفني الذي ارتضاه، فالمدرسة الرومنسية طرحت المرأة كمعادل موضوعي ورمزي للتعبير عن رؤاهم الوجدانية حول انفسهم والعالم، فيما طرحت قصيدة التفعيلة في الخمسينات والستينات المدينة معادلا للتعبير عن حالة التغير الفني الذي يعيشونه في النص الجديد، فشكلت اليهم الدهشة والمفارقة والاغتراب، بينما طرح السبعينيون موضوعات الثورة والتصوف كمعادل مغاير لما يعيشونه من تغير اجتماعي واقتصادي وفكري ونصي، ولذا هيمنت اللغة وامكانيات تفجيرها الى اقصى مدى في قصائدهم.
التوازن التركيبي للجملة
وقدم فاروق دراسة فنية مهمة لتطور العلاقات النحوية في النص الشعري عبر تحولاته، محددا عددا من المستويات منها اعتماد رواد التفعيلة على بناء القصيدة على الازدواج، وتكرار البنى الجزئية نحويا وتصويرا ودلاليا، وهو ما اسماه بالتوازن التركيبي في بناء الجملة، والحرص على التنويع في الخطاب اللغوي، سواء على هيئة حوار او اقتباس واضح بين اقواس، أو تناص مع نص معروف.
ويرى فاروق ان هذا انحراف عن فكر واداء النص التقليدي، كما انه استتبع عددا من الادوات المغايرة والجديدة على النص الشعري ــ كالأقواس ــ والمتوافقة مع الشكل الجديد وهو الاسطر. كما ذهب الى ان المركب الانشائي ــ حسبما اسماه ــ كان واحدا من العناصر التي بدا عليها الانحراف الفني، فرغم وجوده في النصين القديم والجديد غير انه في التقليدي كان حضوره كأسلوب طويل ومفرط واستهلالي للنص، لكن حضوره في التفعيلي لدى عبدالصبور وغيره اصبح ركنا اساسيا في حركة المعنى للنص ككل، ومن ثم فحين يقول عبدالصبور «اقول لكم» فهو لا يقدم انشاءً يطالب بالتعاطف، ولكن قيمة فنية بنى عليها رؤيته الفنية في النص، وذهب فاروق الى ان واحدة من الانحرافات المهمة حدثت في الجملة الشعرية، وهو ما اسماه بسط مكونات الجملة وسردية العالم، حيث عمد شعراء النثر الى ابتداع نموذج فني يحتفل بالتفاصيل، مما ابرز القيمة الشعرية للاحداث الهامشية.
حركة المعنى في النص
وفي الفصل الذي خصصه للمركب المجازي رصد الناقد ما اسماه بمثالية الواقع والانحراف البلاغي للاسناد، موضحا ان اختيار الكلمة او المفردة خضع في شعر التفعيلة الى مدى قدرتها على تمثيل عناصر الصورة الذهنية في اطار علاقتها بالصورة الكلية، وان توافق الالفاظ لم يعد مرجعه الوزن بقدر ما يعود الى التناسب الصوتي، وبين ما يؤسس له الشاعر من صلة رمزية بين دلالة الالفاظ ودلالة الصورة الكلية، كما ذهب الى ان التحول من العمود الى التفعيلة ادى الى تحرر السطر الشعري من الارتباط بوحدة البيت الى اتصال الاسطر ايقاعيا، مما ادى الى خفوت الموسيقى الداخلية والاقرار بأن الايقاع اوسع من حصره في التفعيلة، ومن ثم فقد اكثر الرواد من الزحافات والعلل، متحررين من سطوة قواعد البحور الشعرية بما يتناسب مع حركة المعنى في النص. وقال فاروق في كتابه ان دراسته للمركب النحوي لدى السبعينات، اوضحت نموذجين للتركيب احدهما يميل الى الحذف، فتنخفض فيه عناصر التصوير الفني التقليدية، والثاني ينحو الى بسط عناصر المركب النحوي، مما يزيد من كثافة التصوير بادواته التقليدية، وهذا يستتبع الميل الى اضافة عناصر سردية بآليات تصوير مغايرة للمؤلف في النموذج التقليدي.
انزياحات فنية
وتعد هذه الدراسة «تحولات الشعرية العربية» واحدة من اكثر الدراسات التي تناولت النص الشعري العربي عبر الخمسين عاما الماضية بشكل فني، فلم تتوقف عند الرصد العرضي من العمودي الى التفعيلي الى النثر، ولكن اثر هذه التحولات على الانزياحات الفنية داخل النصوص الشعرية، لكن هذه الدراسة ورغم اهميتها الشديدة يكتنفها بعض الصعوبات التي فرضتها المنهجية الاكاديمية في العمل، فبدلا من ان يسترسل الناقد في شرح فكرته، كان عليه التوقف لتحليل النماذج التي اختارها، ومن ثم يفقد القارئ القدرة على متابعة الفكرة التي يعمل عليها، لكن هذا لا يمنع من اننا امام واحد من النقاد الاكثر جدية في جيل النقاد المصريين الجدد.

البريمل
21-12-2010, 06:39 PM
القبس



قصة مدينة مختفية البطالمة «تألهوا» وشيدوا «الجنة» فانعزلوا عن مصر!

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C04%5C7f3ebe92-ddee-4b23-aad1-e9487468cdbd_main.jpg

ليست الاسكندرية اقدم مدن العالم، لكنها قد تكون اكثر المدن التي شهدت عددا من الحضارات المهمة في تاريخ البشرية، بدءا من الفرعونية، مرورا باليونانية والرومانية والاسلامية ذات العصور والسمات المختلفة، وانتهاء بالمصرية الحديثة، من ثم فقد ذهب عالم الآثار الفرنسي جان ايف امبرور الى عنونة كتابه الهام عنها بـ «الاسكندرية ملكة الحضارات»، ذلك الكتاب الذي الفه هو وعدد من باحثي الآثار الفرنسيين.
ويرصد امبرور ورفاقه الاثريون ما يمكن ان نسميه قصة مدينة تحت سطح الارض، فهم لا يرصدون التاريخ والنشأة وعوامل الازدهار والنمو ولكنهم يوضحون بالخرائط وما تواتر عن المؤرخين والباحثين القدامى وما توصل اليه علماء الآثار في العصر الحديث شكل المدينة وما كانت عليه وكيفية الحياة فيها، وما توصل اليه البحث الاثري من طرق ومنشآت وقنوات وشبكات مياه، جاء ذلك في ستة فصول تناولت نهاية الدولة الفرعونية ودخول الاسكندر مصر وتخطيطه بنفسه لمدينته، ثم العصر البطلمي تاريخياً، ثم الثقافة والفن في الاسكندرية البطلمية، ثم الحياة الدينية بها، وهي مادة تاريخية تضعنا امام العديد من الاسئلة.
وتبرز اهمية الثقافة في تاريخ البشر، فرغم الضعف السياسي الذي دب في الدولة الفرعونية عقب انتهاء حكم الرعامسة، وتعاقب العديد من الاسر سواء الليبية او الفارسية او المصرية على الحكم طيلة ما يزيد على سبعمائة عام، غير ان ما كانت عليه مصر من قوة ثقافية تغلبت على شتى اشكال الاحتلال، بل انها جعلت اقصى طموح المحتل ان يعمده كهنتها فرعوناً، فيضع على رأسه التاج المزدوج ويسمي نفسه ملك مصر العليا والسفلى، متناسياً انه ابن لمكان مختلف وحضارة مختلفة كالحضارة الفارسية او اليونانية، ومن ثم فقد حرص الاسكندر كغيره من الغزاة ان يضع هذا التاج على رأسه، وان يعمده كهنة آمون فرعوناً، وان يغير بعض الاثار على المعابد ليكون فرعون مصر العليا والسفلى، لكن الاسكندر كان ذا مأزق مختلف عن سابقيه، فهو ابن ثقافة تقارب الثقافة المصرية لكنه ليس ابن شرعياً لها، فهو مقدوني وليس يونانيا، وكان اليونان ينظرون الى المقدونيين على انهم اقل منهم في السلم الحضاري، ومن ثم فقد كان حلم الاسكندر التخلص من هذه الثنائية، ولذا فبعدما حقق اول انتصار له على الامبراطورية الفارسية في اسوس اقام حفل زواج جماعياً، تزوج فيه هو وسبعمائة قائد في جيشه من سيدات شرقيات، في محاولة للمزج بين الدم اليوناني والدم الشرقي، ويبدو ان هذا كان اول حجر في بناء ما اسمي في التاريخ بالثقافة الهيلينية. ورغم ان الامر تغير قليلاً مع خلفائه عن هذا الانفتاح والتمازج، غير انه ظل العنصر المكون لفكرة البطالمة في مصر، فمن حيث الاختلاف ذهب البطالمة الى جعل الجيل الثاني منهم عنصراً مختلفاً في ذاته، فقاموا بالتزاوج من داخل الاسرة الا في حالات نادرة بسبب الظروف السياسية والحاجة الى آخرين او مهادنة خصم ما، اما من حيث الاتفاق مع الاسكندر فلقد ذهبوا جميعاً الى الجمع بين الثقافتين اليونانية والمصرية، حتى انهم حملوا التاج المزدوج وتسموا بالفرعون وتزاوجوا على غرار الاسطورة المصرية في بدء الخلق، حيث تزوج اوزوريس من اخته ايزيس، كما ان محاولتهم للجمع بين الثقافتين انتجت إلهاً يجمع بين معالم اله المعابد المصرية وآلهة الاوليمب اليوناني، وكان العجل آبيس وزيوس هما هذا المزيج الذي تسمى سيرابيس، وجاءت هذه الديانة من ان المصريين كانوا يعلون في نهاية العصر الفرعوني من قيمة العجل آبيس رمز تحوت واوزيريس اله المعرفة والعلم والخصب، وكان في كل معبد لتحوت سرداب توضع فيه رفات العجل ابيس بعد ان يموت، ومن ثم فحين نقل بطليموس الاول مركز حكمه الى الاسكندرية بنى معبدا ذا سرداب طويل ورواق من الاعمدة اسماه معبد سيرابيس او آبيس واوزوريس، وعمل خلفاؤه على التقرب من جانب الى الشعب المصري فاعلوا من شأن آبيس، ومن جانب آخر على الاحتفاء بثقافتهم اليونانية فاضفوا عليه ملامح زيوس، واصبح معبد السيرابيس اهم المعابد البطلمية، رغم ان الاسكندر حين اختط مدينته حدد عددا من المعابد اليونانية التي تبنى، ولم يحدد سوى معبد مصري واحد كان للإلهة الام ايزيس، لكن الصراع الثقافي بين ندين احدهما منتصر والآخر منهزم لم يترك امام البطالمة، فيما يبدو غير هذا المزج، ويمكننا القول ان الهيمنة الثقافية المصرية هي التي سادت حيث تسمى المحتل باسم الفرعون، وحرص ان يكون اسمه على المعبد ملك مصر العليا والسفلى، وان يخالف تقاليد الاديان كلها، فيتزوج من اخته تحت دعوى انهم آلهة من سلالة ايزيس واوزيريس، فكان الملك يتزوج من اخته وامه وابنته وغيرهن من اشكال المحارم، ويبدو ان هذه العادة اثارت عليهم غضب المصريين الذي تجسد في ثورات متتالية.
سطوة ثقافية
ويبدو ان السطوة الثقافية للحضارة المصرية لم تهيمن على البطالمة وحدهم، ولكن على الامبراطورية الرومانية الناشئة ايضا، فقيصر لم يفكر في غزو مصر رغم ما بدا عليها من ضعف و انقسام جعل حكامها – كليوباترا السابعة – يستنجدون به، فحين عاقب البطالمة بحرق مدينتهم عام 47 قبل الميلاد، لم يكن ذلك الا لحماقة بطليموس الثاني عشر (شقيق كليوباترا)، فقد كان قيصر قد انتصر على غريمه بومبي الذي لجأ الى شواطئ فلسطين طالبا لجوءا الى مصر، ففكر بطليموس في قبول طلبه لكن خشي ان يثير ذلك غضب قيصر ففكر في رفضه ولكن خشي أن تدور الدوائر وينتصر بومبي ذات يوم، ومن ثم قرر قتله بمجرد نزوله إلى الشاطئ، فرأى قيصر أن فعلاً كهذا لا يليق أن يحدث لخصم شريف وند قوي كبومبي، ولذا خرج في حملة بحرية على مصر، وتصادف أن كليوباترا التي خرجت هرباً من أخيها – بطليموس 12 – إلى فلسطين كانت قد أعدت جيشاً وجاءت تنازعه الملك هي وأخوها الثالث عشر، فما كان من قيصر إلا أن نفى الثاني عشر، وزوج كليوباترا الثالث عشر، وسرعان ما تخلصت منه بمعاونة قيصر الذي اصطحبهما في رحلة إلى أسوان، ثم اصطحبها في رحلة إلى روما، وفي طريق العودة قتل قيصر ودعاها مارك أنطونيو إلى رحلة معه، وكان قائداً قوياً يتمتع بنفوذ وشعبية كبيرة على نقيض غريمه أوكتافيوس – ابن شقيق قيصر – وأخذته الثقافة المصرية، فرأى أنه أوزيريس وأن كليوباترا وابنها قيصرون إيزيس وحوريس، وهكذا كونا الثالوث المصري، وراح يحضر الاحتفالات المصرية على أنه الفرعون غير المتوج، وزاد في الأمر فقال انه سيقسم العالم الشرقي على ابنيه وكليوباترا وبطليموس الخامس عشر (قيصرون)، وكان هذا الإعلان أسوأ دعاية له في روما، فقد تناقصت شعبيته بشكل كبير، وما لبث ان هزم أسطوله في معركة أكتيوم، بعدما انسحب الأسطول المصري، وسلم جيشه – أنطونيو – نفسه لقيصر، فانتحر، ودخل قيصر الإسكندرية، ولم يكن في رغبته القضاء على كليوباترا لكنها انتحرت، فسلم السلطة لقيصرون لكن أعوانه زينوا له القضاء عليه ففعل. وهكذا أصبحت الإسكندرية عاصمة إقليمية لروما، وصارت لأول مرة قراراتها نابعة من عاصمة أخرى لا يفصل سوى البحر بينهما.
النخبة المصرية في الظل
لكن ذلك لا يعني حسبما قال أمبرور إن المصريين كانوا مرحبين بأي من الحضارات التي دخلت على حياتهم، فقد شهدت مصر الغزو الفارسي والنوبي والليبي واليوناني والروماني، وكانت الثورات أبرز معالم هذه الفترات التاريخية، وما لم تفعله الثورة فعلته الثقافة، فقد حولتهم جميعاً إلى حكام مصريين، لكن الملاحظة المهمة ان النخبة المصرية كانت دائماً في ظل كل من يحكم، وكان تعامل هؤلاء الوافدين مع هذه النخبة، في حين ان عامة المصريين كانوا رافضين لأي منهم. وقد سجلت الآثار المتناثرة في ربوع مصر سخرية المصريين من حكامهم الاجانب، ورفضوا ان يكون فرعونهم اجنبيا، كما رفضوا الانصياع للنخبة الحاكمة باسمه، ومن ثم كان التشدد والعسف والظلم البطلمي على اشده، حتى ان بطليموس الرابع جند جيشه كله لقمع ثورة كادت تنهي حكم البطالمة، كما ان هذا الجيش كان من المرتزقة اليونان، وكانوا يده في جمع الضرائب بشكل متعسف. ولم تكن حال مصر اقتصاديا كما يصور الخيال الادبي عن الحكم البطلمي رغم ما كانت عليه الاسكندرية من ازدهار ونشاط اقتصادي، وربما تعود هذه الخديعة الى ازدهار النشاط الثقافي، سواء عبر مكتبة الاسكندرية، التي بناها بطليموس الاول او عبر المعابد التي اقيمت على مقربة من قصر الحاكم، او مجموعة القصور التي اقيمت على الجانب الآخر من القصر، وهي تزيد في عددها على ثلاثمائة قصر سكنها قادة الجند والتجار واليونانيون الذين جاءوا مع الاسكندر، وتعد الاسكندرية ومنف رمزي هذا الازدهار لان منف كانت السلطة الدينية التي لا بد من شراء كهنتها بأي ثمن، اما الاسكندرية فكانت محل الاولمبيات التي تقام كل اربع سنوات، وكانت العاصمة التجارية التي اقيم ــ لأجل السفن الوافدة ــ عليها فنار فاروس الذي مثل احد اعاجيب الدنيا السبع، والذي عاند اكثر من ثلاثمائة وثمانين زلزالا، والذي اقيم على صخرة مربعة، فارتفع عن الارض مائة واربعين مترا على هيئة ثلاثة طوابق، محتويا على ثلاثمائة غرفة كان يخزن بها الوقود اللازم للشعلة التي يعلوها تمثال زيوس، واستمر تشييده خمسة عشر عاما، وانهار على مراحل بفعل الزلازل العنيفة، فحول احمد بن طولون الطابق الثاني منه الى مسجد فكان اعظم واعلى مسجد، وحاول صلاح الدين ترميمه لكنه مع مجيء زمن المماليك كان قد انهار تماما فاستفاد من احجاره قايتباي في بناء حصن في المكان نفسه يعرف الآن بقلعة قايتباي.
لعلية القوم وليس للشعب
ويذهب صاحب «الاسكندرية ملكة الحضارات» ورفاقه الى ان الزخم في الآثار البطلمية جاء من كثرة المحاجر المتنوعة في الصحراء المصرية، تلك المحاجر التي ورثوها عن الفراعنة، واستخرجوها لتحويلها ورش الفنانين المهرة الى كنوز ذهبية وفضية واحجار ثمينة واوان زجاجية، وقد كان لبطليموس الرابع في قصره كهف مبطن بالذهب ومزخرف بالاحجار الثمينة، واهدى لاحد الملوك مائدة من ذهب واحجار ثمينة، اما مارك انطونيو فحين ركب مركب كليوباترا الفاخر الثمين المحتوي على كنوز لا تحصى فقد قرر ان يستغني بالاسكندرية عن روما، وان يجعل امبراطوريته في هذه الجنة التي لا تنفد كنوزها ولا مواردها، ويبدو ان الاسكندرية في ذلك الوقت كانت مكانا اقل ما توصف به الجنة، فقد تحدث المؤرخون والرحالة عن القناة التي تجيئها بالماء العذب من النيل، هذه التي حفر محمد علي ترعة المحمودية على غرارها، وبحيرة مريوط التي تموج بالماء العذب، وشوارعها المهندسة المتقاطعة الفسيحة، فقد كان عرض الشارع خمسة عشر مترا، في حين ان الشارع الرئيسي الذي يجيء من الشمال الى الجنوب كان ثلاثين مترا، وكان القصر الذي بناه الاسكندر اكبر القصور عامة، وفيه اقيم السيرابيوم (مجمع المعابد) وبالقرب منه الموسيون (مركز الثقافة والادب)، وفيه جاءت مكتبة الاسكندرية التي انشأها بطليموس الاول، واخذ خلفاؤه والكهنة في تزويدها بالمخطوطات، حتى ان انطونيو جاءها من مكتبة تقاربها في روما بمائتي الف مخطوط او كتاب، اما الاحتفالات فكانت في الشوارع على غرار احتفالات اثينا، وكانت من كثرتها لا تنتهي، وليس هناك افضل من التعبير الذي قاله مؤلف الكتاب وهو ان الاسكندرية كانت مدينة استعراض.
وعلية القوم من التجار والكهنة والعلماء هم الذين اقاموا في هذه الجنة، ولم يدخلها من الشعب الا عمال مهرة، بل ما كان يسمح لهم ان يقيموا فيها.
صبحي موسى

الكتاب: الاسكندرية ملكة الحضارات
المؤلف: جان ايف امبرور
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
الصفحات: 400 قطع متوسط

justice
22-12-2010, 12:31 AM
القبس


سيسيليا (1) زميلاتها في المدرسة كن يخفن أن تسرق منهن أصدقاءهن
خطفت نيكولا من زوجته وطلقت جاك مارتان




تأليف: أنا بريتون
ترجمة وإعداد: سليمة لبال
يتساءل الجميع كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن عرش فرنسا كله من اجل حب اكتشفته، وقد بلغت من العمر خمسين سنة؟ وكيف لها أن ترافق زوجها الى قصر الاليزيه، لتنسحب بعد فترة وقد أحدثت ضجة في الاعلامين الفرنسي والعالمي؟ ليس لأنها دفعت نيكولا ساركوزي الى توقيع معاملة الطلاق فحسب، ولكن لأنها تمكنت من تقديم نفسها في فترة قصيرة باعتبارها سيدة أولى لفرنسا، بعد الدور المحوري الذي لعبته في الافراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي كن محتجزات في ليبيا.
أحبها ساركوزي واعترف بذلك على شاشة التلفزيون، أهداها رئاسة الجمهورية، لكنها أبت رغم أنها واحدة من الذين صنعوا مجده، منذ كان رئيس بلدية نويي.. أيمكن أن يدفع الحب الواحد منا الى التخلي عن كل شيء وهل يمكن أن يتغلب الحب على الجاه، والمشاعر على المنصب في حسبة المرأة؟!
أسئلة كثيرة طرحتها أنا بريتون صحفية مجلة لوبوان في كتابها الجديد «سيسيليا» الصادر عن دار فلاماريون، والذي تقدم «القبس» حلقات منه.
لقد نشرت الصحف الايطالية اخيرا خبرا مفاده أن سيسيليا قررت الارتباط بريتشارد اتياس في شهر مارس الجاري، الخبر يظل اشاعة، ذلك انه لم يتأكد، لكن الأكيد هو أن قصر الاليزيه استقبل ساكنة جديدة هي كارلا بروني، المغنية الايطالية وعارضة الأزياء، التي حاول ساركوزي من خلالها الانتقام لشخصه.
يقول الكثيرون ان هناك شبها كبيرا بين السيدتين شكلا ومسارا مهنيا، ولعل هذا السبب هو ما دفع ساركوزي الى التعلق بكارلا، التي ساهمت في نزول شعبية نيكولا ساركوزي وسط الفرنسيين، بعد أن صارت حياته الخاصة وتصرفاته حديث العالم بأسره.. قد تكون سيسيليا محقة في قرارها، وقد يكون نيكولا محقا أيضا، لكن الأهم هو أن نيكولا وسيسيليا صنعا ظاهرة اعلامية لم يسبق لها مثيل.
سيسيل ماريا سارة ايزابيل سيغاني، هذا هو الاسم الكامل للسيدة الفرنسية الأولى سابقا، لقد ولدت سيسيل في الثاني عشر من نوفمبر 1957 في بولوني بيلونكور الفرنسية، هي اصغر أفراد أسرتها والبنت الوحيدة ضمن أربعة ذكور.
ترعرعت سيسيل وسط عائلة بورجوازية هاجرت من ملدافيا الى فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، وكانت تشتغل في تجارة الأشياء الفخمة والفاخرة في أرقى الأحياء الباريسية، بينما تتحدر والدتها من أصول اسبانية، فهي ابنة الملحن الاسباني اسحاق البينيز.
امتهنت سيسيل عرض الأزياء الفاخرة عند بلوغها سن المراهقة، وصارت تتصدر بفضل ستايلها أغلفة المجلات الفرنسية، ما دفعها الى التفكير في تغيير اسمها ليواكب اطلالتها الجميلة وهكذا أصبحت تدعى سيسيليا بدخول عام 1979.
كبرت سيسيليا وكبرت معها أحلامها في أن تعيش حياتها مثلما تريد، لا مثلما يريد الغير، جربت الزواج مرتين، لكنها لم تعثر على الحب، لتكتشف أخيرا أنها أخطأت وان قلبها مستعد في أي لحظة للتخلي عن كل شيء من اجل الحب، لقد تخلت سيسيليا عن كل شيء، من اجل ريتشارد اتياس ذي الأصول اليهودية المغربية، لا يمكن أن نعرف ان كانت سيسيليا صادقة مع نفسها أو معنا ولكننا سنتابع مع بعض، بعضا من تفاصيل وردت على لسانها.
بعد شهر واحد من الطلاق
في هذه الأمسية، كان قد انقضى على طلاق سيسيليا شهر واحد، لقد فضلت التوجه الى مطعم باريسي، لم يكن يسمع أي صوت لكعب حذائها وهي تصعد الدرج، ذلك أنها انتعلت حذاء بكعب منخفض .
تعترف سيسيليا التي أطفأت منذ فترة قصيرة شمعتها الخمسين، بأنها لم تشرب طيلة حياتها قطرة خمرة واحدة وبأنها لا تعرف حتى مذاق الكحول. سيسيليا لا تتناول المشروبات الكحولية ولا تلبس الأحذية ذات الكعب العالي، غير أنها تملك قامة طويلة، يمكن أن تكون هي من اسر نيكولا ساركوزي.
تسرع في خطواتها وتختار لنفسها دائما جانب الطريق الأيمن، ورأسها شامخ، لقد تجاوزت برأسها الجميع، ابتداء من الرجلين الذين ارتبطت بهما.
جميلة جدا، طويلة، نظرتها ثاقبة وتقول عن نفسها «يظهر للرائين بأني امرأة حادة الطباع، واذا ما كان الأمر صحيحا، أنا أعاني من مشكلة مظهر لأنني خجولة، وأحاول حماية نفسي بخلق هذا الانطباع من حولي».
سيسيليا لغز، لقد اجتمعت العديد من الصفات لتجعل منها لغزا، السلطة والحب والتفاهة وعزة النفس والأمل المجنون والجمال والعمق والألم والتعالي والخجل.
لقد صرخت سيسيليا ذات مرة «ليست شيئا يذكر «ليس فقط لفرنسا وانما أيضا للعالم»، وذلك بعد أن أضحت صورها وأخبارها تتصدر الصحف والمجلات الفرنسية و الأجنبية.
كان وجهها دوما بشوشا
يقول المغني ديديي بارفيليو الذي يعرف سيسيليا منذ كانت زوجة لجاك مارتان كانت لا تبتسم كثيرا وقلت لها لا افهم لم أصبحت هكذا، كنت انسانة مبتهجة في الحياة وفي التلفزيون كنت دائما الوجه البشوش، فأجابتني «هذا يزعجني».
اذا ما كانت الصورة التي رسمها لها بارفيليو صحيحة، فانها لا تطابق أبدا الصورة التي نملكها عنها، وهي أن الحياة الاجتماعية والاعلامية والسياسية تضايقها وتزعجها.
كانت سيسيليا تكتفي بالملاحظة، غير أنها عانت كثيرا خلال الحملة الرئاسية، كانت كثيرا ما تبكي وتسأل أصدقاؤها،لماذا لا يحبني ؟ في تلك الفترة نمت علاقة صداقة بين سيسيليا وماتيلد اغوستينيلي وانيا كرومباك، وتشتغلان على التوالي مسؤولة الاعلام في مؤسسة برادا ورئيسة مؤسسة تيفاني فرنسا.
ظلت الاثنتان تلازمان سيسيليا الى غاية توقيعها معاملة الطلاق، ومنذ ذلك الحين لم تسألا عن أحوالها، لقد اختفتا منذ أن انفصل الزوجان، ذلك أن ساركوزي كان يأخذهما الى نيويورك وبرفقته كانا يسهران الى غاية الرابعة صباحا، وبذهاب سيسيليا لم يعد ذلك متاحا بالنسبة لهما، فلمَ الابقاء على صداقتهما لها.
أسف على الصديقات المخادعات
بعينين حزينتين تتأسف سيسيليا على ما حصل لها وتصف صديقتيها السابقتين بالداعرتين، ومن درجة حزنها لم تعد قادرة حتى على نطق اسميهما، فهي الآن سيدة مخدوعة من قبل اعز صديقاتها وتتساءل كيف لهاتين أن تكونا مع زوجها السابق الآن ؟
وأما سيسيليا فكانت تشعر بان وزيرة العدل رشيدة داتي التي اعتبرتها الأخت التي لم تلدها والدتها، الأقرب لها، ذلك أنها لم تتركها تماما مثلما فعلت الاخريان، وهو ما دفعها الى أن تبعث لها برسالة هاتفية بعد طلاقها.
رشيدة داتي تعرف ان سيسيليا هي من صنعت منها وزيرة، تقول سيسيليا «اعتقد أنها صديقتي واعتقد اني محقة، لكن يمكن أن أكون مخطئة بالطبع». هي تعي جيدا بأنها اخطأت فيما قبل، لكنها تقول «رشيدة محصورة بيني وبين نيكولا، أنا صديقتها أما نيكولا فهو مسؤولها، هي تناديه سيدي الرئيس نعم، سيدي الرئيس، لم تكن تحلم يوما بان تكون هنا في هذا المكان، وهي تريد أن تبقى فيه اذن» ونيكولا يسألها عني، الأمر ليس سهلا بالنسبة لها ولمساعدتها بعثت لها برسالة هاتفية، أرتها لنيكولا وكتبتُ فيها «أنت صديقتي، أتشرف برؤيتك، لكن دون أن نتحدث عني أو عن نيكولا».
لقد نصحت سيسيليا، رشيدة داتي بان تقول لساركوزي «اذا ما أردت سيدي الرئيس، سأتوقف عن رؤية سيسيليا»، وبالفعل نفذت داتي النصيحة .
لم يطلب ساركوزي من داتي مثل هذا الأمر ودون أن تعي سيسيليا مضمون ما تقول راحت تصرخ «كل شيء مكتوب في مجلة غالا، رشيدة مع راما واكبر ميزة للرئيس مثلما يقولون هو انه بدون سيدة أولى، عليه اذن أن يخرج مع فتيات جميلات ويتأبط أذرعهن وهن يتمايلين في ألبسة ديور».
كانت سيسيليا تتساءل طيلة الحملة الانتخابية وفي بداية تنصيب زوجها على رأس قصر الاليزيه: لم لا يحبني الناس؟ لقد أجابتها داتي «أنت جميلة وتملكين هيئة وزوجك يحبك واضافة الى هذا فهو يصرح بهذا أمام الجميع ».
تدرك سيسيليا جيدا بأنها تدفع ثمن جمودها، لكنها لا تملك خيارات أخرى، فهي لا تعرف وضع أقنعة أخرى، وكان ينقصها فقط أن تثق بنفسها وان تشعر بأنها شرعية.
سيسيليا لم تكن جميلة
ليس لشانتال مارشال أي ذكريات سيئة عن سيسيليا، وتقول عنها هي أخت زوجي السابق، كانت مثل أختي الصغرى بالنسبة لي، واعرفها منذ كان عمرها 16 سنة، عندما تزوجت مع أخيها. في ذلك الوقت لم تكن سيسيل - وكانت العائلة كلها تدعوها سيسيل - جميلة جدا، حتى أن اخوتها الأربعة كانوا قلقين بهذا الشأن، غير أن جمالها لم يتفتح الا بعد أن بلغت التاسعة عشرة.
لقد ولدت سيسيليا لعائلة بورجوازية، أمها اسبانية وجدها لامها كان ممثل اسبانيا في عصبة الأمم أما والدها فولد في رومانيا وهرب منها عندما بلغ عمره الثانية عشرة، لقد عبر أوروبا كلها وحده، غير انه رفض دوما الحديث عن هذه الفترة.
كان الفرق العمري بين والدها ووالدتها، خمسا وعشرين سنة وهو الفارق نفسه بينها وبين زوجها الأول جاك مارتان .
(يتبع)
عرض الأزياء بدل الدراسة
سيسيل لم تدرس، سجلت في قسم الحقوق بعد نيلها شهادة البكالوريا ثم اشتغلت مع والديها في متجر للفراء أقامه والدها أسفل فندق بوفو .واشتغلت عارضة أزياء لفترة معينة. كانت والدتها تقول على كل حال، لن تستطيع أبدا العمل، ذلك أنها جميلة جدا.
لم يكن لسيسيل في شبابها صديقات، ذلك أن الفتيات اللواتي كن يعرفنها، فهمن بسرعة بأنها مستعدة لفعل أي شيء من اجل الوصول، جميعهن كن يخشين أن تسرق منهن أصدقاءهن، كانت جميلة جدا .
لقد دفعت الأم ابنتها سيسيل الى الزواج بجاك مارتان، ذلك أنها كان تود أن تراها مرتبطة بشخصية معروفة.
تقول سيسيليا أنها كانت صديقة ماري الزوجة الأولى لنيكولا وان ماري كانت تعاني من سوء معاملة. لقد تعرفت العائلتان ساركوزي ومارتان في بلدية نويي وأصبح أفرادهما اصدقاء، فسيسيليا كانت عرابة واحد من أولاد ماري وماري كانت عرابة واحدة من بنات مارتان .
كانت ماري سيدة كتومة أما سيسيليا فسيدة جميلة وتسعى لان تبدو كذلك دوما، كانت تقدر كثيرا ساركوزي،، الذي كان يفضل المرأة الجميلة والأنيقة الهندام. لسيسيليا قوام رشيق وأما طريقة وقوفها ففيها الكثير من الشموخ، ولأنها تريد الوصول رأت ان ساركوزي هو أفضل حصان مقارنة بمارتان، فسيسيليا تنتمي الى مجموعة الفتيات اللواتي يدركن جيدا أين يذهبن .
تخلت سيسيليا عن مارتان في عام 1988 مؤكدة بأنه انسان لا يطاق، بينما كانت تخرج مع نيكولا ساركوزي منذ فترة. في تلك الفترة لعبت دور أخت كبرى، فذهبت لرؤيتها وردت علي «ماذا تريدين أن افعل الآن مع هذا الانسان؟» في تلك الفترة كان نيكولا ساركوزي قد دق على أبوابها.
أنا لا أطيق سيسيل، ليس لأنها لا تعجبني وليس لأني لا أطيقها، ولكن لأني أجدها غبية
ليست هي ذي المرأة التي تتخلى عن رئيس الجمهورية الفرنسية، وتؤكد سيسيليا اليوم أنها لم تتغير، تقول ان أشياء كثيرة ظهرت وأنها وجدت أخيرا نفسها.





http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C09%5C2d5252b1-5c74-4211-aa8d-32120893143d_maincategory.jpg • سيسيليا برفقة نيكولا وابنهما لويس http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C09%5C40ce1368-fc08-46a5-8c45-8555d1406522_maincategory.jpg • ..وبرفقة زوجها الاول جاك مارتان وابنتيهما



10/03/2008


سيسيليا (2) قضت معه سنوات طويلة.. وأنجبت منه وتتساءل اليوم:
«كيف استطعت أن أتبادل الحب مع نيكولا ساركوزي؟»

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C10%5C87c8718f-58ce-4920-85b9-f72aa9b973c4_main.jpg • سيسيليا ونيكولا خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية (6 مايو 2007) بساحة الوئام
تأليف: أنا بريتون
ترجمة وإعداد: سليمة لبال
يتساءل الجميع كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن عرش فرنسا كله من اجل حب اكتشفته، وقد بلغت من العمر خمسين سنة؟ وكيف لها أن ترافق زوجها الى قصر الاليزيه، لتنسحب بعد فترة وقد أحدثت ضجة في الاعلامين الفرنسي والعالمي؟ ليس لأنها دفعت نيكولا ساركوزي الى توقيع معاملة الطلاق فحسب، ولكن لأنها تمكنت من تقديم نفسها في فترة قصيرة باعتبارها سيدة أولى لفرنسا، بعد الدور المحوري الذي لعبته في الافراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي كن محتجزات في ليبيا.
أحبها ساركوزي واعترف بذلك على شاشة التلفزيون، أهداها رئاسة الجمهورية، لكنها أبت رغم أنها واحدة من الذين صنعوا مجده، منذ كان رئيس بلدية نويي.. أيمكن أن يدفع الحب الواحد منا الى التخلي عن كل شيء وهل يمكن أن يتغلب الحب على الجاه، والمشاعر على المنصب في حسبة المرأة؟!
أسئلة كثيرة طرحتها أنا بريتون صحفية مجلة لوبوان في كتابها الجديد «سيسيليا» الصادر عن دار فلاماريون، والذي تقدم «القبس» حلقات منه.
لقد نشرت الصحف الايطالية اخيرا خبرا مفاده أن سيسيليا قررت الارتباط بريتشارد اتياس في شهر مارس الجاري، الخبر يظل اشاعة، ذلك انه لم يتأكد، لكن الأكيد هو أن قصر الاليزيه استقبل ساكنة جديدة هي كارلا بروني، المغنية الايطالية وعارضة الأزياء، التي حاول ساركوزي من خلالها الانتقام لشخصه.
يقول الكثيرون ان هناك شبها كبيرا بين السيدتين شكلا ومسارا مهنيا، ولعل هذا السبب هو ما دفع ساركوزي الى التعلق بكارلا، التي ساهمت في نزول شعبية نيكولا ساركوزي وسط الفرنسيين، بعد أن صارت حياته الخاصة وتصرفاته حديث العالم بأسره.. قد تكون سيسيليا محقة في قرارها، وقد يكون نيكولا محقا أيضا، لكن الأهم هو أن نيكولا وسيسيليا صنعا ظاهرة اعلامية لم يسبق لها مثيل.
يقول احد مساعدي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، إنه كان يحب كثيرا سيسيليا غير أن اكبر ما كان يفضله فيها هو زوجها.لقد أكد المتحدث ذلك عشية مؤتمر 14 يناير 2007، الذي قدم ساركوزي كمرشح عن الاتحاد من اجل الحركة الشعبية للرئاسة الفرنسية.
لم يسمح ساركوزي لزوجته بأن تكون امرأة سياسية.. ولكنها أصبحت سيدة ذات تأثير كبير.

أوامر الملكة
قالت رشيدة داتي قبل يومين من تعيينها وزيرة للعدل في الحكومة الفرنسية الحالية إنها تعرف جيدا ما الذي تدين به لسيسيليا وأضافت«لقد فرضتْ اسمي لأكون الناطقة الرسمية باسم ساركوزي أثناء حملته الانتخابية، لقد قالوا جميعهم إن هذا جنون من سيسيليا ولو فشلتُ في اداء مهمتي» لاتهموا سيسيليا.
كانت رشيدة داتي تدرك ان سيسيليا كانت تحارب الجميع من اجل أن تُعيّن وزيرة للعدل، حافظة للأختام، غير أنها لم تكن تعرف ان زوجة الرئيس أخرجتها من القضية، التي عرفت باسم قضية ميشال دوبكين، مدير الديوان الذي رفض أن تضع وزيرة العدل حدا لمشواره المهني.
بتاريخ السادس من يوليو، كانت رشيدة داتي تشعر بتعب شديد، بسبب مدير ديوانها ميشال دوبكين وتقول بخصوصه «كان إنسانا لا يطاق، أصبحت اشعر بالجنون بسببه، كان يبدأ في الساعة التاسعة ويذهب في الساعة الخامسة بعد الظهر، لقد هددته، ولم يكن يصغي إلي، وذلك منذ ثلاثة أسابيع، ما جعلني اتخذ قرارات أخرى، استدعيتُه إلى مكتبي وقلت له :لقد انتهى ميشال، إلى اللقاء ميشال».
أجاب ميشال قائلا «لن تستطيعي القيام بهذا، قاطعته حافظة الأختام بقولها «انتهى الأمر ميشال»، ثم ذهبت في مهمة عمل.
أسرع ميشال إلى قصر الاليزيه حيث قابل صديقه باتريك أوارت مستشار الرئيس نيكولا ساركوزي للشؤون القضائية، وقال له «رشيدة داتي ليست قادرة على الخروج من مأزقها من دوني، إنها بحاجة إلي» وكان اوارت مقتنعا بذلك تماما.
لم يمر وقت طويل، حتى ظهرت النتائج، وبينما كانت رشيدة داتي تستعد للنشرة الثامنة في تلفزيون تي أف 1، تلقت مكالمة هاتفية من رئيس الحكومة فرانسوا فيو، الذي صرخ في وجهها «ماذا فعلت اليوم بدوبكين؟ فيما هاتفها ساركوزي في الساعة العاشرة للسؤال عن الموضوع نفسه.

قرار في محل لبيع الأحذية
بررت رشيدة موقفها وكانت متعصبة جدا، فيما لم يقتنع ساركوزي بما جاء على لسانها وأجابها "ارتاحي وسنتكلم في الموضوع غدا، تعالي لرؤيتي في مكتبي».
صباح اليوم التالي، تحدثت رشيدة إلى سيسيليا في الموضوع، بعد أن التقتها صدفة في محل للأحذية، ما دفع السيدة الأولى إلى مكالمة زوجها مباشرة.
رد ساركوزي :ألا تعرف بان هذا النوع من الحماية المقربة لا يفيد شيئا، ليطلب من وزيرة العدل الالتحاق به.
بعد ساعتين قضتهما معه، حصلت رشيدة داتي على موافقة الرئيس على القرار الذي اتخذته، لتعين بعدها مباشرة خليفة لدوبكين.
لقد تمكنت رشيد داتي من استبعاد مدير ديوانها، غير أن سلطة القرار لم تكن بين يديها وكان الرئيس يفضل أن تكلمه مباشرة دون المرور على سيسيليا..... ولكن بالنسبة لرشيدة داتي «كان يتوجب عليها التوجه لشراء حذاء كلما واجهتها مشكلة معينة»؟

نيكولا بخيل وزير نساء
قالت سيسيليا ذات مرة إنها لم تعد تحب نيكولا وأنها عندما تراه في هذه الأيام، تتساءل كيف استطاعت أن تبادله الحب.لم تقل سيسيليا هذا الكلام يوما ما، ولن تقوله ربما مستقبلا، لكنها أسرت بهذه الكلام في صبيحة يوم من أيام شهر نوفمبر، بعد شهر واحد من توقيع معاملة طلاقها من نيكولا.
لقد كررت سيسيليا قولها ان نيكولا بخيل، غير أن صفة البخل ليست الصفة الوحيدة التي اكتشفتها في نيكولا طيلة 11 سنة من زواجهما، بل أيضا عشقه لنساء وإعجابه بكل ثرثارات العالم. وأمام أصدقائها قالت سيسيليا ان نيكولا زير نساء، لكن الكلمة ظهرت كأنها كانت تخرج بصعوبة من شفتيها، هي كلمة لم نسمعها أبدا منها، ولكنها سمعتها من آخرين، وهو بالفعل ما يقول الجميع اليوم عن ساركوزي «انه زير نساء».
لم يكن هجران سيسيليا للبيت الزوجي منذ سنتين ونصف السنة لهذا السبب، لقد أكدت لي هذا وهي تضع يدها على قلبها، كما نفت أيضا أن يكون احد من مقربي ساركوزي قد سلمها ملفا عن سلوكياته بما فيهم دومينيك دو فيلبان.
تقول «لقد ذهبت لأني وقعت ببساطة في غرام رجل ثان»، وتؤكد أنها لم تكن تعرف آنذاك أي شيء عن غراميات زوجها «لم يقل احد مثل هذا القبيل منذ 18 سنة».
تخوف من كتاب ياسمين رزا
تطاولت الألسن كثيرا بعد أن ذهبت سيسيليا برفقة ريتشارد عطية، هي تشعر بانزعاج كبير لما تستعيد ذكرياتها، لكنها تؤكد ان لا احد من مقربيها قال لها كلمات أساءت اليها «لقد أصابوا لأنهم لو فعلوا لأضروني كثيرا».
أيام قليلة قبيل تعيينها وزيرة للعدل، حافظة للأختام، عبرت رشيدة داتي عن تخوفها من الكتاب الذي كانت ياسمين ريزا بصدد تحضيره، فوزيرة العدل لاحقا، والصديقة الحميمة لسيسيليا ساركوزي تملكتها شكوك بخصوص تطرق المؤلفة لسلوكيات نيكولا ساركوزي مع النساء، غير أنها لم تملك الجرأة الكافية لتتحدث مع سيسيليا في الموضوع حتى لا تزيد في تعميق جراحها.
لما غادرت سيسيليا المرة الأولى، غادرت مع آخر ومن اجل آخر، لكن هذه المرة، غادرت وحيدة، من المؤكد أنها غادرت حبا في ريتشارد ولكن أيضا احتراما لذاتها، بعد أن أصرت على الطلاق، «لا استطيع على الإطلاق أن أتقبل طفلا من ثانية مثل دانيال ميتيران».
إشاعة علاقة نيكولا بصحافية
كانت سيسيليا تواجه إشاعة أخرى، مفادها أن صحافية تركت زوجها أخيرا، وكانت تدرك ان القصة مضت عليها شهور وشهور، غير أنها كانت تبدو حزينة جدا في تلك الفترة، ذلك أنها لم تكن قادرة على إيقاف تواتر هذه الأخبار عليها.
لقد غادرت سيسيليا بالفعل، لكنها كانت تكلمه دوما وكان يضايقها، كانا يقضيان ساعات في التحدث هاتفيا وكانت تقول له انها تعاني وكان يحب أن تردد على مسامعه مثل هذا الكلام.

رجوع بعد اعتراف بالحب
حملت سيسيليا حقائبها ورجعت إلى باريس في خريف 2005، عندما صرح بأنه يحبها مباشرة على شاشة تلفزيون فرانس 3، غير أن الغيرة مزقت قلبها من جديد، عندما قدم نيكولا ساركوزي لأصدقائه، إحدى صحفيات جريدة لوفيغارو كزوجة مستقبلية له، خلال عيد ميلاد والدته.وكانت هذه الصحفية تحضر اجتماعات معاوني ساركوزي في الحزب كما كانت تتصدر الصفوف الأولى خلال الاجتماعات الدورية.
كان الأمر لا يطاق بالنسبة لسيسيليا، التي كادت أن تفقد أعصابها بحسب صديقتها ايزابيل بلكاني، فيما استمر ساركوزي في علاقته مع صحافية لوفيغارو مما أزّم الوضع من جديد بينه وبين سيسيليا التي فضلت الرجوع إليه أخيرا، لكن هل عادت سيسيليا إلى ساركوزي حبا فيه أم عادت من فرط غيرتها؟
تقول انها عادت لشعورها، بأنه من واجبها العودة، "تملكني للآسف شعور بالواجب في تلك الفترة».

ريتشارد ليس حبا عابرا وإنما حقيقة
قررت سيسيليا آنذاك أن تكبح حبها لريتشارد عطية وتقول «لم يكن حبا عابرا وإنما قصة حقيقية، غير أني عدت لان نيكولا بحاجة إلي» وتؤكد أنها تصرفت على هذا النحو حتى تمنحه الحب والشجاعة التي يحتاج إليها خلال الحملة الانتخابية.
كانت سيسيليا تشعر بالغبن غير أنها كانت إلى جانب نيكولا، أيام فقط قبيل تنصيبه رئيسا للجمهورية الفرنسية.نيكولا رجل رائع بالنسبة لها، لكنه لم يعد الرجل الذي يوهج شعلة قلبها.
تظن سيسيليا أنها كانت ستفشل في رهانها، لو لم تعد وتؤكد مرة أخرى أنها رجعت،احتراما للوظيفة، ذلك أنها لم تكن لتتحمل أن يحملها الغير مسؤولية فشل نيكولا.
وعن التضحيات الكبيرة التي قدمتها طوال سنوات زواجهما تقول «لم نأكل يوما مع بعض في بيتنا طيلة السنوات التي قضيناها مع بعض، كنت أتناول الغداء مع الأولاد، فيما كان يتناول غداءه في مكتبه وهو يعمل» ومع ذلك كانت سيسيليا معجبة جدا بزوجها وكانت إلى جانبه في السراء والضراء وتظن أنها تركته وهو في أحسن الأحوال.
تأكدت سيسليا منذ عام 2002، أنها الشخصية الكفيلة بدفع ساركوزي نحو الأمام وكانت كلماتها آنذاك تشير إلى ذلك، لتصبح بسرعة البرق، المرأة التي بإمكانها أن تدفعه إلى الفوز أو الفشل، ولما ذهبت مع ريتشارد عطية، ظهر وكأن نيكولا ساركوزي فقد عموده الفقري حسب دومينيك دوفيلبان.
(يتبع)

نيكولا يعاني من مشكل في السلوك
تقول سيسيليا اليوم ان نيكولا لا يمكن أن يكون رئيسا للجمهورية، ذلك انه يعاني مشكلا سلوكيا «على احدهم أن يقول له ذلك، لقد فعلت ذلك طيلة 18 سنة ولا يمكن أن استمر، واعتقد أني آخر من يملك القدرة على ذلك، غير أني أظن ان كاترين بيجار، الرئيسة السابقة للقسم السياسي في مجلة لوبوان والمستشارة السياسية لنيكولا ساركوزي، قادرة على ذلك».
ولا يبدو اليوم ان سيسيليا منزعجة من الدعوة التي وجهها نيكولا إلى صديقتها بياتريس ستارن المقيمة في نيويورك، لتناول الغداء في البيت الأبيض بداية شهر نوفمبر الماضي، مرجعة ذلك إلى عدم وجود أصدقاء لنيكولا مما يدفعه إلى الاستنجاد بصديقاتها، ولهذا السبب أيضا قضى آخر إجازة صيفية له معها وسط صديقاتها.

البريمل
22-12-2010, 10:27 AM
سيسيليا (3) ترفض البروتوكول وتبحث عن الحرية:
فضلت حفلة عيد ميلاد ابنتها على دعوة الرئيس بوش

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C11%5Cd9c168ad-b406-41cc-9234-e9e853a1173d_main.jpg • سيسيليا برفقة ابنها لويس ساركوزي
تأليف: أنا بريتون
ترجمة وإعداد: سليمة لبال
يتساءل الجميع كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن عرش فرنسا كله من اجل حب اكتشفته، وقد بلغت من العمر خمسين سنة؟ وكيف لها أن ترافق زوجها الى قصر الاليزيه، لتنسحب بعد فترة وقد أحدثت ضجة في الاعلامين الفرنسي والعالمي؟ ليس لأنها دفعت نيكولا ساركوزي الى توقيع معاملة الطلاق فحسب، ولكن لأنها تمكنت من تقديم نفسها في فترة قصيرة باعتبارها سيدة أولى لفرنسا، بعد الدور المحوري الذي لعبته في الافراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي كن محتجزات في ليبيا.
أحبها ساركوزي واعترف بذلك على شاشة التلفزيون، أهداها رئاسة الجمهورية، لكنها أبت رغم أنها واحدة من الذين صنعوا مجده، منذ كان رئيس بلدية نويي.. أيمكن أن يدفع الحب الواحد منا الى التخلي عن كل شيء وهل يمكن أن يتغلب الحب على الجاه، والمشاعر على المنصب في حسبة المرأة؟!
أسئلة كثيرة طرحتها أنا بريتون صحفية مجلة لوبوان في كتابها الجديد «سيسيليا» الصادر عن دار فلاماريون، والذي تقدم «القبس» حلقات منه.
لقد نشرت الصحف الايطالية اخيرا خبرا مفاده أن سيسيليا قررت الارتباط بريتشارد اتياس في شهر مارس الجاري، الخبر يظل اشاعة، ذلك انه لم يتأكد، لكن الأكيد هو أن قصر الاليزيه استقبل ساكنة جديدة هي كارلا بروني، المغنية الايطالية وعارضة الأزياء، التي حاول ساركوزي من خلالها الانتقام لشخصه.
يقول الكثيرون ان هناك شبها كبيرا بين السيدتين شكلا ومسارا مهنيا، ولعل هذا السبب هو ما دفع ساركوزي الى التعلق بكارلا، التي ساهمت في نزول شعبية نيكولا ساركوزي وسط الفرنسيين، بعد أن صارت حياته الخاصة وتصرفاته حديث العالم بأسره.. قد تكون سيسيليا محقة في قرارها، وقد يكون نيكولا محقا أيضا، لكن الأهم هو أن نيكولا وسيسيليا صنعا ظاهرة اعلامية لم يسبق لها مثيل.
كان ساركوزي يلبس خاتم الزواج في بداية شهر ديسمبر، وكانت سيسيليا تردد آنذاك بأنه سينتهي إلى خلعه لا محالة، ولكن كيف نفسر إصراره على لبس خاتم الزواج؟تجيب سيسيليا «دون شك، من اجل أن يظهر للجميع بأنه ليس هو من أراد الانفصال «لتردف قائلة» في الأخير، أظن اني لست من طلب منه ذلك».
وعندما سئل ساركوزي عن الموضوع ذاته، نهاية شهر نوفمبر الماضي، أجاب ان سيسيليا تحتفظ به أيضا، غير أن سيسيليا تقول «أنا خلعته يوم طلاقي».
كان الجميع يدعون سيسيليا بالسيدة ساركوزي سواء في قصر الاليزيه أو في المطعم أو أي مكان آخر، والآن بعد أن حصلت على الطلاق الذي حاربت من اجله، يا ترى ما الاسم الذي سيدعونها به؟

رغبت في حب الناس لها
كانت سيسيليا تود أن يحبها الناس لذاتها وليس لأنها السيدة ساركوزي، واليوم عليها أن تتعلم أن تكون لذاتها، وهذه بدون شك الطريقة الوحيدة التي ستمكنها من أن تصبح زوجة رجل آخر بعد أن تضمن لنفسها شرعيتها الداخلية.
لقد صرح ساركوزي أمام أصدقائه بداية ديسمبر «إذا ما كانت تود العودة، فعليها أن تسرع، فقائمة اللواتي يردن اخذ مكانها طويلة، وبإمكاني أن اخذ أي امرأة»
لم يكن احد يدرك ان سيسيليا تملك الشجاعة الكافية لترك الرئيس والسلطة حتى فيليب سيغان رئيس مجلس المحاسبة، الذي قال ذات مرة «من تقوم بهذه الفعلة، مجنونة بالفعل».
ولكن عرف العالم قصة أخرى مشابهة هي قصة رئيس وزراء كندا بيير اليوت ترودو الذي تركته زوجته مارغريت ترودو في خريف 1977.
لكن سيسيليا مختلفة تماما عن مارغريت أو الطفلة الوردة، مثلما كانت تحب أن تلقب نفسها، فمن دفع مارغريت إلى التخلي عن زوجها، هو الجنون مثلما اعترفت به هي نفسها، غير أن سيسيليا كانت في نظر الجميع، متمردة.
تلقت التهاني بعد الطلاق
لقد حصلت على الطلاق من رئيس الجمهورية بالقوة وجمعت بعد ذلك الكثير من باقات الزهور التي أتتها مهنئة، لقد تلقت منذ الإعلان الرسمي عن نبا الطلاق أكثر من 70 باقة ورد، دون أن نحصي الرسائل الطويلة التي هنأتها بشجاعتها.
حتى اللحظة الأخيرة، لم تكن سيسيليا تدرك على الإطلاق أنها تملك هذه الشجاعة كلها، وحتى اللحظة الأخيرة كان نيكولا يعتقد أنها لن تتشبث بالطلاق، غير أنها أبدت قوة وإصرارا كبيرين.
كانت سيسيليا عشية الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية متأكدة من فوز زوجها وكانت متأكدة أيضا من أن جميع نساء العالم يحلمن بان يكن مكانها، بينما لم تكن تحلم هي سوى بالانسحاب.
تظن سيسيليا ان لا احد استطاع فهمها إلا من أحبوها. لقد أحبت رجلا آخر، هذا ما يمكن أن يفسر كل ما جرى لكنها حجة لا تكفي على الإطلاق.
وصف معاونو ساركوزي، سيسيليا باللامسؤولة، من شدة قلقهم على مستقبل الرئيس، إلا أنها علقت بالقول إنها لم تعرف المسؤولية، مثلما عرفتها في هذه الظروف.
لم يكن عالم ساركوزي عالمها، غير أنها أدت واجبها وأنهت معه المشوار إلى غاية فوزه بالرئاسة الفرنسية، ومع ذلك لا احد تركها بسلام، فالجميع أدانها. ترجاها ساركوزي لتبقى، فيما تهاطلت عليها مكالمات صديقاتها في محاولة يائسة منهن لإعادة ربط الود بينها وبين نيكولا.
قضية الممرضات البلغاريات
قررت سيسيليا العودة إلى نيكولا غير أنها لم تكن تعرف ما الذي ستفعله كزوجة رئيس، وبينما كان مدير ديوان الرئيس يستعد للسفر إلى طرابلس لمناقشة قضية الممرضات البلغاريات مع القيادة الليبية، التقطت سيسيليا الفكرة وقررت الذهاب، فيما رحب نيكولا بالفكرة التي يظهر انه استساغها.
بعد سفر سيسيليا الثاني إلى طرابلس تمكنت من مرافقة الممرضات البلغاريات إلى مطار صوفيا، وكان الانجاز رائعا بالنسبة إلى ساركوزي الذي اعتبره أمام الجميع شجاعة واستثناء من سيدة فرنسا الأولى.
لم تنسحب سيسيليا من حياة ساركوزي مباشرة بل قضت معه إجازة في وولفيبورو الاميركية، حيث أراد أن يستقل يختا برفقتها وكان هو من اقترح الرحلة عليها، ذلك انه كان يود أن يسترضيها.
لم تكن سيسيليا ترغب في قضاء إجازة برفقة نيكولا ولم تكن تملك الشجاعة بعد لتحقيق ما تريد، غير أنها كانت تظهر للجميع تمردها ضد كل شيء، تقول «أنا امرأة حرة، وافعل ما ارغب به».
رحلة البحث عن الحرية
كانت سيسيليا تعتقد أن الحرية هي أن تستقل سيارة ميني اوستين من دون سائق، فسيارة اوستين صغيرة وجميلة وفيها الكثير من الأنوثة لكنها أيضا أنيقة. فهي الموديل الذي ترغب كل البورجوازيات في اقتنائه.
سيسيليا كانت تعتقد كذلك ان الحرية هي أن ترفض الانقياد وراء الآخر وان الحرية أيضا ليست هي الذهاب إلى صوفيا لاستكمال الديكور الذي بدأ نيكولا في تصميم.
تقول سيسيليا «لقد أزعجوني جدا في فرنسا بقولهم» علي أن ابرر قراري، غير أني أقول لهم اذهبوا إلى الجحيم».
كانت سيسيليا تعتقد ان الشجاعة هي أن تدوس بقدميها على البروتوكول وان تتجاوز البرامج التي يطلق عليها برامج الزوجات على هامش القمم الدولية، بتفضيلها إحياء حفلة عيد ميلاد ابنتها على حضور الغداء الذي دعاها إليه الرئيس الاميركي جورج بوش.
ولكن إذا لم تكن هذه شجاعة، فإنها استقلالية للروح، لقد كانت سيسيليا ضحية الوسط السياسي وضحية معلقيه، الذين وصفوها بالجنون وعدم الوفاء. لقد نسوا جميعهم بأنها ظلت لسنوات الزوجة التي ساعدت زوجها من اجل بلوغ طموحاته.

كانت إلى جانبه دوما
يقول جون ميشال غايار، وهو مستشار سابق لفرانسوا ميتيران وكاتب سيناريو وصديق للزوجين ساركوزي – توفي عام 2005 – «التقيت نيكولا وسيسيليا في خريف 1995، لم يكن نيكولا لامعا آنذاك في الحياة السياسية، بل كان يعاني من مشاكل وصعوبات عدة وبوضوح، وكانت سيسيليا إلى جانبه في السراء والضراء».
كنا عندما نراهما مع بعض، نلمس العناية الفائقة التي توليها له. سيسيليا متحضرة جدا لكنها متحفظة جدا وملاحظة أيضا. وكان نيكولا يقضي وقته في قول «هل أنت موافقة سيسيليا؟» ماذا تظنين سيسيليا؟، كان يسألها دوما ويبحث عن موافقتها.
ولكن ما أحبه كثيرا فيها، هو جانبها الإنساني، لم تتغير منذ عرفتها، بل زادت أناقتها الجسمانية والروحية، واشعر بأنها أكثر تفتحا، وأما جبال السياسة فلا تخيفها إطلاقا، ليست حياتها مع نيكولا، الحياة التي حلمت بها منذ زمن. وعندما نرتبط للمرة الثانية، نأمل في تحقيق أشياء أخرى بعيدا عن أنظار الناس
هي امرأة تتميز بكرم نادر، وهي قادرة على أن تهب الآخر كل شيء حتى ذاتها، وأما نيكولا فيعتقد ان الجمهورية في خطر وأنه واحد من الرجال القادرين على وضعها في المسار الصحيح، والرجل الذي يستثمر طاقاته في مثل هذه المهمات، بحاجة إلى سيدة أولى وسيسيليا هي سيدته الأولى.

سيسيليا الأم
لا يمكن لسيسيليا أن تفارق أولادها أبدا، فهي تكلمهم دوما، حيثما كانوا وحيثما كانت هي، فسيسيليا قبل كل شيء هي أم وأمومتها هي أولى أولوياتها، واليوم بعد أن أصبحت وحيدة، فكل وقتها مكرس لخدمة أولادها، فهي لا تعيش إلا لهم.
وجوديت وجين ماري ابنتا سيسيليا من زوجها الأول جاك مارتان، آنستان اليوم وأما ولدها من ساركوزي فلا يزال صغيرا.
تقيم ابنتها الكبرى في لندن وتعمل في قطاع المالية وأما الثانية فهي طالبة في قسم الحقوق وتقيم مع خطيبها جورفان في شقة صغيرة بالقرب من جسر ألما وأما لويس الصغير فيقيم معها في نويي.
تقول صديقتها ايزابيل بلكاني «سيسيليا أم رائعة، غير أنها تخصص كل وقتها لرعاية لويس،ذلك انه ولد لا يطاق»،انه لا يطاق وكأنه نيكولا صغير، حسبما تؤكده جدته لوالده دادو.
من المستحيل أن تقضي بضع دقائق مع سيسيليا دون أن يقاطع صراخه حديثكما، ليقفز بين ذراعيها ويغرقها في القبل، فتراها تضحك، وتضحك لأنها تحبه وفي الأخير انه طفل يمارس سلطته عليها.
لقد تلقت البنتان تربية راقية جدا وهما مؤدبتان للغاية وتعتبران امتدادا لوالدتهما، ونيكولا ساركوزي لم يخطئ أبدا عندما سخرهما خلال الدورين الأول والثاني من الانتخابات الرئاسية، لتعويض والدتهما، التي كانت ترفض مرافقته خلال هذه الفترة.
كانت الفتاتان تدخنان وتجيبان على المكالمات الهاتفية، داخل سيارة ساركوزي، بعد إعلان نجاحه في الانتخابات الرئاسية وقد طافا معه كل أرجاء باريس ليلتها انتشاء بالنجاح.
تقول سيسيليا إنها تقرأ أفكارها في أولادها الثلاثة وأنهم كل حياتها. وبينما كانت تحضر معاملة طلاقها، كانت تستعد أيضا للاحتفال بخطوبة ابنتها جيان ماري.



12/03/2008


سيسيليا (4) طلب منها القذافي لقاء ابنته لأنه أرادها أن تشبهها
سيسيليا فكرت في بيع صورها مع عشيقها لتجاوز ضائقتها المالية

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C12%5C94083c10-f335-49b0-9c9a-c5caa844d6cc_main.jpg • نيكولا ساركوزي برفقة زوجته السابقة سيسيليا قبل الطلاق
تأليف: أنا بريتون
ترجمة وإعداد: سليمة لبال
يتساءل الجميع كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن عرش فرنسا كله من اجل حب اكتشفته، وقد بلغت من العمر خمسين سنة؟ وكيف لها أن ترافق زوجها الى قصر الاليزيه، لتنسحب بعد فترة وقد أحدثت ضجة في الاعلامين الفرنسي والعالمي؟ ليس لأنها دفعت نيكولا ساركوزي الى توقيع معاملة الطلاق فحسب، ولكن لأنها تمكنت من تقديم نفسها في فترة قصيرة باعتبارها سيدة أولى لفرنسا، بعد الدور المحوري الذي لعبته في الافراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي كن محتجزات في ليبيا.
أحبها ساركوزي واعترف بذلك على شاشة التلفزيون، أهداها رئاسة الجمهورية، لكنها أبت رغم أنها واحدة من الذين صنعوا مجده، منذ كان رئيس بلدية نويي.. أيمكن أن يدفع الحب الواحد منا الى التخلي عن كل شيء وهل يمكن أن يتغلب الحب على الجاه، والمشاعر على المنصب في حسبة المرأة؟!
أسئلة كثيرة طرحتها أنا بريتون صحفية مجلة لوبوان في كتابها الجديد «سيسيليا» الصادر عن دار فلاماريون، والذي تقدم «القبس» حلقات منه.
لقد نشرت الصحف الايطالية اخيرا خبرا مفاده أن سيسيليا قررت الارتباط بريتشارد اتياس في شهر مارس الجاري، الخبر يظل اشاعة، ذلك انه لم يتأكد، لكن الأكيد هو أن قصر الاليزيه استقبل ساكنة جديدة هي كارلا بروني، المغنية الايطالية وعارضة الأزياء، التي حاول ساركوزي من خلالها الانتقام لشخصه.
يقول الكثيرون ان هناك شبها كبيرا بين السيدتين شكلا ومسارا مهنيا، ولعل هذا السبب هو ما دفع ساركوزي الى التعلق بكارلا، التي ساهمت في نزول شعبية نيكولا ساركوزي وسط الفرنسيين، بعد أن صارت حياته الخاصة وتصرفاته حديث العالم بأسره.. قد تكون سيسيليا محقة في قرارها، وقد يكون نيكولا محقا أيضا، لكن الأهم هو أن نيكولا وسيسيليا صنعا ظاهرة اعلامية لم يسبق لها مثيل.
تقول سيسيليا ان المهمة التي أدتها في ليبيا كانت أصعب مهمات حياتها «لقد ذهبت إلى هناك، أخذت الممرضات وغادرت، كان الأمر صعبا، ذلك أن القذافي لم يبد أي نية لإطلاق صراح الفتيات».
تستدعي القضية الكثير من الشروحات، غير أن سيسيليا بدأت في الحديث دون أن نطرح أي سؤال «أنا من قاد المفاوضات وبسرعة أقنعت القذافي، لقد شعرت بان لي سلطة عليه، بعد أن وثق في».
ومنذ بداية مباحثاتنا خلال الرحلة الأولى وبعد أربعين دقيقة،طلب أن يتكلم معي بمفردي.وبعدها لما عدت إلى بنغازي، طلبت أن أعاود لقاءه، فقالوا لي ينتظرك بمفرده ذهبت بمفردي إلى خيمته، حيث كان يستقبل الجميع، وهناك استقبلتني أيضا زوجته مبروكة وبعدها أخذني إلى غرفة وأوصد الباب، وهناك قلت «أظن بأن القرآن يحث على العفو»، ثم أضفت «املك خبرا جيدا وهو أن سكان بني غازي لا يعارضون العفو وأنا أعدك بانفتاح ديموقراطي على العالم»، فأجابني «اطلب منك أن تقابلي ابنتي عائشة، أنت امرأة شجاعة وذكية، وأريدها أن تشبهك»، وهنا وجدت نفسي في مبنى فخم جدا يشبه بنايات هوليوود وأمامي امرأة شقراء طويلة القامة، كانت قامتها تقارب المتر وثمانين سنتيمترا، وأما عمرها فحوالي 30 سنة، إنها تشبه والدها، في صلابته وحدته.
قالت لي «يجب أن يكون ثمن الدم دما»، إنهن مذنبات. لقد كانت عائشة مثل سور الاسمنت المسلح».

مرحلة التجاذبات
ذهبت إلى كلود غيون والألم يكاد يفقدني أعصابي، وما إن وصلت إلى أسفل الطائرة حتى قدمت مبروكة زوجة العقيد القذافي جريا وقالت لي «العقيد موافق على طلباتك».
رجعت إلى باريس وفور وصولي كلمني العقيد القذافي على رقم هاتفي الجوال وسألني إن كنت راضية، لتبدأ مرحلة التجاذبات بين فرنسا وليبيا.
كان اليوم جمعة، فقلت لغيون سنعود إلى ليبيا غدا غير انه أجابني بـ «لا»، وعلى الرغم من رفض مستشاري نيكولا لعودتي مجددا إلى ليبيا لاستكمال المفاوضات، إلا أنني اختليت بالرئيس بعيدا عنهم وأقنعته، فرجع إلى الصالون حيث كان مجتمعا بمستشاريه وأقنعهم بدوره بالفكرة.
قلت لكلود غيون «سنذهب غدا» فأجابني هذه المرة «سأتبعك»، غير انه نصحني باصطحاب المفوضة الأوروبية المكلفة بالعلاقات الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر، لم أكن متأكدة من ضرورة الأمر، لكني أجبت «اجل».
وصلنا في حدود الساعة الحادية عشرة صباحا إلى ليبيا، وهناك قيل لنا إننا سنلتقي العقيد معمر القذافي عند الساعة الثامنة والنصف مساء.
بحلول المساء ابلغنا بان القائد لا يستطيع لقاءنا، فذهبت عند الساعة منتصف الليل للقاء الناطق الرسمي وسألته «متى أرى القائد؟» فأجابني «انه نائم، وسترينه غدا».
تباحثنا إلى غاية الخامسة صباحا مع عدد من المسؤولين، وفي اليوم التالي أكملنا مباحثاتنا مع آخرين، ودائما في غياب القائد، ما دفعني إلى مهاتفة زوجته مبروكة، فأجابتني بأنه ينتظرني منذ الثامنة والنصف وأُبلغ بأني لا استطيع الخروج من الاجتماع.

شعور مفاجئ بالفشل
في المساء أخبرت من معي بأننا سنغادر عند الساعة الثانية صباحا مع أو من دون الممرضات البلغاريات، غير أن هاتفي رن فجأة، انه مصطفى، رجل الثقة بالنسبة للقائد معمر القذافي، يقول لي «القائد يريد رؤيتكم».
ذهبنا وقبل أن أراه، قال لي مصطفى ومبروكة، ان القائد ليس على ما يرام، تركاني لوحدي وانصرفا، فقال لي «أنت المفتاح، اقسم بذلك، ستغادرين برفقتهن».
انصرفت كالسارقة من الخيمة، حتى أني أضعت طريقي من شدة ما سمعت، عدت إلى الفندق، ثم توجهت إلى المطار برفقة غيون، وهناك قال لي «نحن على بعد 100 متر عن بلدنا».
صعدنا إلى الطائرة وبدأنا في البكاء مثل الأطفال.ثم قررنا انتظار الممرضات، لم أرد النزول من الطائرة وقلت، عندي مهلة إلى غاية الساعة الثانية صباحا.
في حدود الساعة الواحدة صباحا والنصف انتابتني حالة من العصبية فتوجهت إلى القاعة الشرفية، حيث كان كل الوزراء بالإضافة إلى الوزير الأول الليبي.
نجاح بعد 15 ساعة من المفاوضات
غادر الجميع ورأيت انا وكلود المواكب الرسمية وهي تغادر، والى غاية الدقيقة الأخيرة لم أكن اصدق بان ليبيا ستفرج عن الممرضات البلغار، غير أنهن وصلن في حدود الساعة الخامسة والنصف صباحا.
انتاب قائد الطائرة قلق شديد إلى غاية خروجنا من الإقليم الجوي الليبي، وفور إقلاعنا صفق الجميع لتهنئتي بهذا الانجاز، لقد قضيت 45 ساعة في المفاوضات دون أن تغمض عيناي لحظة واحدة.
غادرنا باتجاه بلغاريا وهناك بكيت طوال ثلاث ساعات كاملة، لم اشعر خلالها بما حصل إطلاقا، لقد كان ما حصل رواية حقيقية «أقول اليوم اني لم أُخلق في الأرض هباء واني استطعت أن أنقذ ستة أرواح، وهذا الانجاز يعجز الكثيرون من البشر عن تحقيقه».
سيسيليا اليوم فخورة جدا لأنها شجاعة واستطاعت إقناع العقيد القذافي بالإفراج عن الممرضات البلغاريات.

خوف قبل المغادرة
قبل أن تغادر سيسيليا قصر الاليزيه صرحت «اشعر باني مختلفة تماما عن الآخرين، فانا غير آبهة لا بالسلطة ولا بالمال». كانت سيسيليا تردد قبل الطلاق بأنها تشعر بالضيق وبألم شديد «أنا امرأة متحفظة وكتومة، كتومة جدا».
التزمت سيسيليا الصمت بعد إعلان خبر طلاقها ولم تعد تتكلم إلا قليلا.ومن جملة ما قالت ان نيكولا بخيل وانه كريم فقط حينما نكون معه وعندما نغادره فان لكرمه نهاية. وكلنا يتذكر ما روته ايزابيل بلكاني عندما غادرت صديقتها سيسيليا باتجاه نيويورك «نيكولا بخيل، وعندما عادا إلى نويي بعد استقالته من الحكومة لرئاسة الاتحاد من اجل الحركة الشعبية، لم يكن لسيسيليا رضيع، غير إنها كانت هي من يحمل الملابس إلى المغسلة، وأنا من أعطيتهم كراسي الصالون، وفي مقابل هذا أهداها ساعة رولكس من الذهب».

نفقة ضئيلة بعد الطلاق
تؤكد سيسيليا بأنها قبلت بنفقة لا تفي متطلباتها على الإطلاق، وفي الحقيقة المبلغ زهيد مقابل ما يتقاضاه رئيس الجمهورية، خصوصا بعد أن رفع مرتبه بنسبة 172 في المائة.
تقول سيسيليا كيف يمكن لي أن ادفع الإيجار، ذلك أنها غادرت شقة ساركوزي بنويي في 15 أكتوبر الماضي، مباشرة بعد توقيع معاملة الطلاق.
لم تكن سيسيليا تتحدث عن المال لما غادرت أول مرة برفقة ريتشارد اتياس، ذلك أن ريتشارد كان موجودا إلى جانبها، والمال لم يكن قضية بالنسبة لها.وأما هذه المرة، فريتشارد غير موجود، وهي وجها لوجه مع نفسها فقط، هي لوحدها، من دون رجل يسند كتفها.
لم تمر سيسيليا بأي مرحلة مشابهة منذ غادرت والدتها وتزوجت بجاك مارتان، غير أنها تقول إنها قادرة على العمل وتقول إنها ستعمل. لا نستطيع أن نطلب من سيسيليا ما الذي ستفعل، فهي لم تعمل أبدا ماعدا بعض الوقت مع والديها وبعدها مع زوجيها.
ينتاب سيسيليا خوف شديد من الأشياء التي تجهلها، ففي عينها ترى شعورا باللا أمن، فساركوزي لم يدفع نفقتها منذ أكتوبر، وكلمته هاتفيا في الموضوع بل وهددته بالحديث إلى الصحافة.
وسيسيليا لا تجهل على الإطلاق ان الصحافة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تضغط بها على نيكولا، لكنها تقول ان نيكولا يدرك تماما أنها لن تفعل ذلك.

متاعب مالية
لا يمكن أن نفاجأ أبدا من أن سيسيليا تحدثت مع ابنتها جيان ماري حول متاعبها المالية، خصوصا ان ابنتها كانت تنوي الزواج في عام 2008 من غيوفان. فما كان على جيان سوى أن تقترح عليها أن تأخذ لها صورة مع رجل حتى تتمكن بفضل عائداتها من تسديد تكاليف حفلة الزفاف.
سكتت سيسيليا برهة من الزمن ثم تساءلت «هل يمكن أن تباع صورة لي مع ريتشارد بـ500 ألف يورو؟ لأنه إذا ما كان الأمر حقيقيا، أريد فعلا أن أتقاسم العائدات مع المصورين الباباراتزي».
كان من الغريب جدا، ألا تقضي سيسيليا معظم وقتها أثناء الغداء في الحديث عن مشاكلها المالية.
(يتبع)

البريمل
22-12-2010, 11:56 PM
يليا (5) الطلاق وابتعاد ريتشارد يفقدانها أعصابها
هل ستنتهي سيسيليا إلى العثور على الحب والزواج ثالثاً؟
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C13%5C9ac1c8b3-91f2-4d34-9e7e-03668c745bb1_main.jpg • سيسيليا برفقة صديقتها ماتيلد أغوستينلي
يتساءل الجميع كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن عرش فرنسا كله من اجل حب اكتشفته، وقد بلغت من العمر خمسين سنة؟ وكيف لها أن ترافق زوجها الى قصر الاليزيه، لتنسحب بعد فترة وقد أحدثت ضجة في الاعلامين الفرنسي والعالمي؟ ليس لأنها دفعت نيكولا ساركوزي الى توقيع معاملة الطلاق فحسب، ولكن لأنها تمكنت من تقديم نفسها في فترة قصيرة باعتبارها سيدة أولى لفرنسا، بعد الدور المحوري الذي لعبته في الافراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي كن محتجزات في ليبيا.
أحبها ساركوزي واعترف بذلك على شاشة التلفزيون، أهداها رئاسة الجمهورية، لكنها أبت رغم أنها واحدة من الذين صنعوا مجده، منذ كان رئيس بلدية نويي.. أيمكن أن يدفع الحب الواحد منا الى التخلي عن كل شيء وهل يمكن أن يتغلب الحب على الجاه، والمشاعر على المنصب في حسبة المرأة؟!
أسئلة كثيرة طرحتها أنا بريتون صحفية مجلة لوبوان في كتابها الجديد «سيسيليا» الصادر عن دار فلاماريون، والذي تقدم «القبس» حلقات منه.
لقد نشرت الصحف الايطالية اخيرا خبرا مفاده أن سيسيليا قررت الارتباط بريتشارد اتياس في شهر مارس الجاري، الخبر يظل اشاعة، ذلك انه لم يتأكد، لكن الأكيد هو أن قصر الاليزيه استقبل ساكنة جديدة هي كارلا بروني، المغنية الايطالية وعارضة الأزياء، التي حاول ساركوزي من خلالها الانتقام لشخصه.
يقول الكثيرون ان هناك شبها كبيرا بين السيدتين شكلا ومسارا مهنيا، ولعل هذا السبب هو ما دفع ساركوزي الى التعلق بكارلا، التي ساهمت في نزول شعبية نيكولا ساركوزي وسط الفرنسيين، بعد أن صارت حياته الخاصة وتصرفاته حديث العالم بأسره.. قد تكون سيسيليا محقة في قرارها، وقد يكون نيكولا محقا أيضا، لكن الأهم هو أن نيكولا وسيسيليا صنعا ظاهرة اعلامية لم يسبق لها مثيل.
يقول رولان بارتس في كتابه «مقاطع خطاب غرام» ان سيسيليا كانت تلبس نظارات سوداء كلما ترددت على المطعم المفضل لديها، حتى لا يتعرف عليها العامة من الناس، كما أنها كانت ترتدي النظارات السوداء ذاتها في باريس خلال فصل الشتاء.
تخلع سيسيليا نظارتها فور جلوسها إلى طاولة بعيدة عن الأنظار، هي طاولة يختارها لها خصيصا صاحب المطعم، الذي يأتي دوما لتحيتها، مثلما يفعل مع أي شخصية كبيرة ومعروفة.

معجبة بعالم المال
غير أن سيسيليا كثيرا ما رددت بأنها تود العيش مثل بقية العالم و بأنها تود اقتناء حاجياتها بمفردها من مراكز التسوق.
كانت سيسيليا بعيدة كل البعد عن مراكز التسوق هذه وكانت مثلها مثل نيكولا معجبين بعالم المال وبعالم «هل رأيتني» وأيضا بعالم رولكس والخياطين الكبار.
قادت سيسيليا سيارتها الصغيرة بسرعة فائقة بعد توقيعها معاملة الطلاق في 15 أكتوبر الماضي، ولكنها سلكت الممر المخصص للحافلات، مخالفة القانون،وعلى الرغم من ذلك لم يوقفها عناصر الشرطة الذين لمحوها، وتقول سيسيليا إنهم لا يجرؤون على توقيفها، وأحيانا يوقفونها ثم يتركونها تذهب.
يقول بريس هورتفو صديق نيكولا ساركوزي «لا يمكن أن نقول ان سيسيليا لا تحب السلطة ولا ما يمكن أن تفعله السلطة»، ولهذا السبب تبقى الزوجة السابقة لصديقه لغزا مطلقا.
سقط بلاك بيري سيسيليا في الماء ،بعد شهر واحد من طلاقها وبسقوطه في الماء، ألغيت كل الأرقام الهاتفية التي كانت مسجلة على دليله، بما فيها أرقام الشخصيات النافذة في فرنسا، لقد كان جهاز البلاك بيري وسيلة مهمة بالنسبة لسيسيليا، التي كانت تستخدمه باستمرار .

تعترف بالتسرع

لقد اعترفت سيسيليا لمقربيها بأنها تسرعت في طلب الطلاق من اجل إقناع ريتشارد اتياس الاستمرار في حبها وبأنها مستعدة للتضحية من اجله، ومستعدة أيضا للتنازل عن منصبها في الجمهورية الفرنسية وعن تاجها وعن السلطة وكل الامتيازات، هي مستعدة للقيام بكل هذا أملا في استرجاع حب ريتشارد وثقته.
لقد كذبت سيسيليا عندما قالت انها لم تطلب الطلاق من نيكولا لترتبط بآخر، وكذبت أيضا حينما قالت بأنها سترحل من اجل نفسها فقط، حسبما أسرت به إلى أصدقاء لها، ساعات فقط قبيل توقيعها على معاملة الطلاق.
كانت سيسيليا تكذب، غير أنها لم تكن تملك شيئا آخر لتقوله. لقد طالبت بالطلاق بشكل يدفع كل واحد إلى فهم ما جرى على طريقته، غير أن نيكولا ساركوزي، فهم كل شيء وهو الأمر الذي وتره وأثار أعصابه.
لقد ثارت ثائرة نيكولا مرة أخرى، بعد ان خصت زوجته كل من مجلتي باري ماتش و«أل» بحوارين مطولين، حرصت فيهما على جمالية الصور التي رافقت تصريحاتها.
كان الطلاق أكثر من ضروري في تلك المرحلة، التي أرادت خلالها سيسيليا أن تبين لريتشارد مدى حبها له، وفي وقت حرصت فيه على القول انها لا تلتقيه إطلاقا.
لم يكن ريتشارد يود رؤيتها، فبقيت بمفردها رفيقة أولادها وإخوتها وزوجاتهم، لقد بقيت بين أحضان أسرتها من دون رجل يسند كتفها ويدعمها ماديا ومعنويا، وعن ريتشارد كانت تقول دوما انه خائف جدا، فعائلته وأصدقاؤه لا يتوقفون عن قول كل ما هو سيئ عنها.
لقد فقدت سيسيليا أعصابها، إلى درجة أنها طلبت مساعدة عدد من الوسطاء، لبعث علاقتها مع ريتشارد من جديد، وما كان عليها في تلك الفترة سوى الاستنجاد بصديقتها النيويوركية بياتريس ستارن، التي كانت متعودة على قضاء العطلة معها ومع ريتشارد.
حاولت بياتريس أن تكلم ريتشارد وكانت دوما تقول لها انه غير واثق تماما ويحتاج إلى المزيد من الوقت.

ريتشارد يبتعد خوفاً
التمست سيسيليا لريتشارد ألف عذر، فهي متفهمة جدا للوضع، ومستعدة أيضا للانتظار، لأنها مجبرة على ذلك، وعن ريتشارد تقول «لقد جعلته يعاني تصرفاتي التي صدمته كذا مرة، خصوصا في عمله، وبصراحة لم أتصرف بلياقة على الاطلاق معه، لقد قمت بما استطعت القيام به، غير أنني لم افلح».
وتضيف سيسيليا «يتخوف ريتشارد اليوم من أن أكون مزدوجة الشخصية، غير انه أجابها اعرف جيدا بان الطلاق هو أجمل اعتراف بحبك لي» لكنه أردف بالقول «غير أني أرى سيسيليا أخرى وأنا خائف منها».
تجيب سيسيليا «عندما نحب رجلا بصدق وعندما يحبنا بصدق، علينا أن نعيش الحب وان نقاوم كل الصعاب والمشاكل، وكان علي أن أعود من نيويورك لأنه لم يكن بمقدوري ان ابني حياتي من جديد دون أن اقضي على كل شيء من الماضي، لقد كان علي أن أعود حتى اتأكد من أن الصفحة طويت نهائيا».
وبالفعل طويت الصفحة تماما ،تبلغ سيسيليا اليوم من العمر 50 سنة، وعلى الرغم من أن ملامح العمر قد ظهرت على وجهها، لكن عينيها تشعان بريقا وحلما رومانسيا فـ«ريتشارد هو الرجل الوحيد الذي أحبته في حياتها» وتقول انها «لا تعتقد على الإطلاق أنها أحبت رجلا قبله».
تود سيسيليا أن تصبح وردة من جديد وان تعيش حبها وحياتها من جديد أيضا، كانت تريد أيضا أن تفقد بعضا من وزنها بمساعدة احد اخصائيي التغذية، حتى تشعر وكأنها في العشرين من العمر، غير أنها تبدو جميلة جدا بالكيلوغرامات الزائدة.
لقد قالت ساعات فقط، بعد إطلاق سراح الممرضات البلغاريات في ليبيا «قضيت 45 ساعة في التفاوض من دون أن اخلد دقيقة واحدة للنوم، ولم أتناول سوى قطع حلوى هلالية الشكل وحلويات بالعسل، وكنت أتناول واحدة كل ثلاث دقائق، غير أني فقدت كيلوغرامين». وتضيف سيسيليا متعجبة «لقد فقدت كيلوغرامين في 45 ساعة فقط».
لقد استطاعت سيسيليا، وهي تأكل حلويات بالعسل، أن تضع العالم كله على كتفيها في تلك اللحظات، غير أن هدفها كان نبيلا وجديا ولخدمة الآخرين «لم يخلق الإنسان ليعيش بمفرده، لقد خلقنا لنعيش أزواجا، لنترافق، مثلما هي الحال بالنسبة لاصابع اليد الواحدة».
كانت سيسيليا تقول دوما بأنها تحب الفخامة، لكنها تكره المال وترفض أن تقيم علاقة ما بين الحياة الجميلة والمال، غير أنها تؤمن بالقدر وبان القدر فقط سيجمعها بريتشارد وتؤمن أيضا بان الله يرافقها. فهي امرأة وهبت الحياة لثلاثة أطفال وأوصلت رجلا لرئاسة الجمهورية وأنقذت ستة أرواح، غير أنها تتساءل دوما وماذا بعد؟ هل هناك حياة لها بعد كل ما عاشته؟
سيسيليا تود أن تعيش وهي في الخمسين دون أن تحتاج إلى الآخر بشرط وحيد هو ألاَّ تتراجع، ذلك أن التراجع يمكن أن يحول حياتها إلى مرارة وكآبة وهذا أمر قبيح جدا بالنسبة لامرأة مثل سيسيليا، ضحت بكل شيء، لأجل أن تعيش بسلام مع حبها بعيدا عن الأعين، فهل ستتحقق رغبة سيسيليا في الزواج من ريتشارد، الذي ابتعد أكثر من أي وقت مضى؟ وهل ستصدق إشاعة الصحف الايطالية التي قالت أن العشيقين سينتهيان إلى الزواج هذا الشهر؟
(انتهى)

تأليف: أنا بريتون
ترجمة وإعداد: سليمة لبال

البريمل
23-12-2010, 08:32 PM
عــد 12 كتـــابا فـــي أدب الرحـــلات فايز فرح: بهرتني معجزة الإرادة الصينية.. والهجرة ليست طريقا مفروشا بالورود ب

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C03%5C18%5Cf70cec02-50d0-464b-b699-82c1a3ffc8c5_main.jpg

«الكوريون يأكلون الكلاب ويشربون الثعابين، والحمير ترحب بالزائرين في قبرص، والكنديون ينتقمون من الشتاء»
هكذا يسجل فايز فرح انطباعاته عن الاماكن التى زارها في كتاب نشره اتحاد كتاب مصر بعنوان «اسفار وافكار» وصدر أخيرا في القاهرة.
المؤلف سبق ان اصدر 12 كتابا في ادب الرحلات والتراجم والنقد الاجتماعي من قبل، وسافر الى عشرين دولة بدعوة من حكوماتها او نقاباتها الصحفية والاذاعية، وهو يعمل بالصحافة إلى جانب الاذاعة منذ عام 1967.
يقول في مقدمة كتابه: هويت الاسفار منذ صباي، ولما كنت صغيرا لم يكن امامي الا أن اسافر على الورق بقراءة كتب ادب الرحلات، واستفدت كثيرا من الاساتذة الكبار: محمد حسنين هيكل، كمال الملاح، انيس منصور، الدكتور مصطفى محمود، الدكتور حسين فوزي، محمود عوض، فوميل لبيب، موسى صبري، محسن محمد، كامل زهيري، مصطفي غنيم، محمد ثابت، مصطفى بهجت بدوي.
في الكتاب يأخذنا المؤلف الى دمشق الفيحاء الجميلة، تذوق فستقها ويحكي قصة بناء جامعها الاموي، وفي تركيا نشم عبق الشرق، ونسير في شوارع اسطنبول مدينة التاريخ والمساجد العامرة، ويصحبنا المؤلف الى المطبخ التركي المشهور بروائحة الجذابة وتوابله الفاتحة للشهية، ومن تركيا الى قبرص يعبر بناالمؤلف في رحلة سياحية بعيدا عن السياسة، وهناك نرى الحمير ترحب بنا باللافتات والكلمات الرقيقة المكتوبة على جسمها، ويكشف عن ان الحمار القبرصي اشهر واقوى حمار في العالم.
ويتوقف فايز فرح في المجر، الدولة الاوروبية الصغيرة، يذكرنا بموسيقى الدانوب الازرق الذي يربط بين أكثر من دولة اوروبية، وهو اوسع ما يكون في بودابست العاصمة المجرية.
ويحكي المؤلف عن زياراته المتعددة للدول فيقول: زرت ايطاليا ثلاث مرات: الاولى 1970، والثانية 1975، والثالثة 2000، ولم تعجبني في الزيارة الاخيرة، فوجدت نفسي اتساءل: ماذا فعل الزمان بك يا ايطاليا؟ في كوريا وجدت الناس هناك تأكل الكلاب، وتشرب الثعابين، أما في الصين فقد بهرتني معجزة الارادة الصينية المعتمدة على العقل والعلم والثقافة.
وتحت عنوان «الهجرة ليست طريقا مفروشا بالورود» يحكي المؤلف ان سفير مصر في كندا حمدي ندا قد دعاه الى طعام الغداء مع بعض المهاجرين، وأنه قال في اجابة عن مدى استيعاب المجتمع الكندي مهاجرين جددا: اعتقد انه من الممكن، فكندا تستطيع ان تستوعب مهاجرين جددا، لكن المهم ان يجد المهاجر العمل المناسب له، لأن هناك اعمالا او مهنا لا تحتاجها، وكندا تحتاج الى من يتخصص ويعمل في مجال التكنولوجيا والكمبيوتر وبعض الصيادلة.. والهجرة ليست طريقا مفروشا بالورود.
وينتقل المؤلف الى باريس التي عرفها منذ صباه، كما يقول، عندما انعم الله عليه بنعمة حب القراءة، ومن خلال مصادقته لفلاسفتها ونجومها عاش المؤلف سنوات باريسية وهو لا يزال بعد بالقاهرة ويقول: ضحكت لأعمال «موليير» وأعجبت بدعوة «جان جاك روسو» إلى العودة للطبيعة والتمتع بها، وحفظت مقولة فولتير الساخرة «اضحك ودع غيرك يضحك» ثم شعاره «فكر ودع غيرك يفكر»، وانحنيت اعجابا بقصة كفاح «ماري كوري» العالمة البولندية الاصل والفرنسية التىعاشت على الكفاف، وعانت من الفقر والمرض حتى اهدت العالم اكتشافها المهم لمادة الراديوم التي تستخدم في علاج مرض السرطان، فاعترف بها العالم وأهداها جائزة نوبل مرتين.
ويضيف فرح: وهل انسى المهندس «جوستاف إيفل» الانسان العنيد عاشق الحديد، الذي اكتشف اهمية استخدام الحديد في البناء، وغير ذلك كثير عرفته عن فرنسا وباريس مدينة النور والثقافة واللهو والمتعة، بل كنت في شبابي اعتبر باريس إلى جانب نور العلم والثقافة مدينة ابليس واللذة والمتعة والعري والسهرات الحمراء والزرقاء وغير ذلك.
ويعبر المؤلف عن شعوره عندما دخل باريس حقيقة بجسمه قائلا: كان من حسن حظي ان اسكن في فندق «كمبانيل» في حي هادئ من باريس وعلى شاطئ نهر السين مباشرة، متعة الهدوء وجمال نهر السين النظيف جدا الذي يقسم باريس الى قسمين: شمال وجنوب، كذلك يقسم الباريسيون ضفاف نهر السين على مشاهيرهم ونجومهم ويطلقون اسماءهم عليها، فهذا شاطئ فولتير، وتلك ضفة أناتول فرانس، وهذه لفيكتور هوغو، وهكذا..
ويتوقف المؤلف في الفاتيكان، فتحت عنوان للفاتيكان والابداع التشكيلي يكتب فرح ان العالم كله اتجه الى روما عام 2000 للاحتفال بيوبيل سنة 2000 لميلاد السيد المسيح، وأهمية روما وجود دولة الفاتيكان بها، والفاتيكان ليست عاصمة الكاثوليك وحسب في العالم، بل هي عاصمة الفن الجميل والابداع التشكيلي لعمالقة الفن في عصر النهضة.
ويضيف المؤلف «كنت مهتما اثناء زيارتي للفاتيكان بزيارة «كابلة سكستين» لأشاهد روائع مايكل انجلو، وكابلة سكستين هي كنيسة صغيرة تلحق بكاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان، وهي من اروع واكبر كنائس العالم، وقد كلف البابا سيكستوس الرابع المهندس المعماري جيوفانينو دي دولتش ببناء كابلة تلحق بالكاتدرائية الكبيرة سنة 1473 لتخليد اسمه ولتكون كنيسته الخاصة، وانتهى الفنان من بنائها سنة 1481، وبلغ طولها اربعين مترا وعرضها 13مترا وارتفاعها واحدا وعشرين مترا، كما عهد البابا الى كبار الفنانين بزخرفة سقفها وجدرانها، وتم افتتاحها بعد ذلك رسميا في 15 أغسطس 1483، وعندما جاء البابا يوليوس الثاني لم يسترح لسقف الكابلة الذي كان يمثل سماء زرقاء تزينها نجوم مذهبة، وكان هذا البابا محبا للفن، معجبا بعبقرية مايكل انجلو، ومن هنا طلب منه اعادة رسم سقف الكنيسة، وتردد الفنان في البداية، لكنه وافق على طلب البابا في سنة 1508 وظل اربع سنوات يعمل ويبدع راقدا على ظهره او راكعا على ركبتيه على عوارض خشبية وسقالات ارتفاعها 18 متراً، والفرشاة في يده ليل نهار حتى انجز هذا العمل الكبير.
شادي صلاح الدين

البريمل
27-12-2010, 08:23 PM
القبس



بعد ثلاثة قرون من الرعب.. يسقط وكر الحشاشين

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2008%5C04%5C01%5Cd9e01c45-0260-453b-85f1-2ad2d014b7a6_main.jpg

أستاذ تاريخ الشرق الأوسط، والشرق الأدنى في جامعة لندن، المؤرخ والمستشرق الانكليزي، البروفيسور برنارد لويس، الذي قدم مجموعة من المؤلفات عن المنطقة «جذور الاسماعيلية، العرب في التاريخ، ظهور تركيا الحديثة، اسطنبول وحضارة الامبراطورية العثمانية، الشرق الأوسط والغرب» ــ هو صاحب الكتاب موضوع عرضنا.
ظهر الكتاب في الوقت الذي تفجر فيه الصراع العربي - الاسرائيلي عام 1967، الأمر الذي لفت أنظار العالم بشدة الى المنطقة. تابع المؤلف تاريخ فرقة الحشاشين منذ البداية وحتى قضى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، على قوتهم، وأصبحوا مجرد تابعين له يعين رئيسهم ويعزله وقتما يشاء، بل يسجنه، وقد يموت هذا الرئيس في سجنه كما حدث مع سريم الدين مبارك حاكم قلعة «العليقة»، الذي سجنه بيبرس عند مخالفته الاوامر ويصل الى حصاره لقلاعهم، ثم احتلالها بعد ذلك عام 1273.

وقبل أن ندخل الى الكتاب يهمنا التوقف لملاحظة نراها جديرة بالنظر، وهي خاصة بالمترجم محمد العزب موسى، فقد تجاهل ترجمة الجزء الأخير من الكتاب، وهو الذي يحتوي على مجموعة المصادر التي رجع اليها المؤلف، والذي أعطاه عنوان «ملاحظات»، ويقع في عشرين صفحة، ويقول المترجم في ذلك «.. حتى لا يشق على القارئ»، وهو قول لا يعطيه هذا الحق في اقتطاع جزء مما يريد المؤلف ايصاله الى قارئ كتابه، ومن المعروف أن من يفكر في قراءة مثل هذه النوعية من الكتب يهمه بالمقام الأول مدى ما يوفره الكتاب من مراجع.
اكتشاف الحشاشين
تحت عنوان «اكتشاف الحشاشين» يبدأ المؤلف كتابه حيث يعود بنا الى النصف الأول من القرن الرابع عشر عندما كان فيليب ملك فرنسا يجهز لحملة صليبية جديدة، وجه له قس ألماني بروكاردوس رسالة يقول فيها «.. اذكر الحشاشين الذين ينبغي أن يلعنهم الانسان ويتفاداهم، انهم يبيعون أنفسهم، ويتعطشون للدماء البشرية، ويقتلون الأبرياء مقابل اجر».
وفي سجلات الصليبيين عموما كانت كلمة الحشاشين تعني «تلك الفرقة الاسلامية الغريبة التي يتزعمها شخص غامض يعرف بشيخ الجبل، وهي فرقة مكروهة بسبب عقائدها وأفعالها، من جانب المسيحيين والمسلمين على السواء».
وفي رسالة مبعوث فريدريك الثاني الشهير بـ«بارباروسا» أو «الزنديق الأعظم» الى سلطان مصر قطز في محاولة لتحذيره من الحلف الذي يدبر بين البابا انوسنت الرابع وخان المغول بشأن غزو مصر، ونلحظ من خلال الرسالة مدى التشابه بين نشأة شباب الحشاشين وبين ما هو معروف عن نشأة المماليك حيث العزلة التامة هي الحصن الأساسي الذي تتم عبره مراسيم تلقين الطاعة العمياء، ويأتي ثمة اختلاف مهم بين الاثنين حيث تزيد الجرعة الموجهة للمريد عن جرعة المملوك، فالأول يتم تدريبه على مجموعة من اللغات حتى يصبح قادرا على التحدث بأكثر من لغة بصورة يصعب كشف غربته عنها، في حين تقول مصادر التاريخ أن بعض من تسلطن من المماليك لم يكن يستطيع الحديث بالعربيـة، وهذه التدريبات هي أهم سلاح يعطى للفدائي ــ حسب التعبير السائد لدى الفرقة ــ فهو مفتاح الدخول للمكان المعين له القيام باغتيال الشخصية التي قرر أصحاب الأمر في الفرقة اغتيالها
وهناك تشابه آخر بينهم وبين المماليك من حيث الأخذ بمنطق أن الحكم والزعامة للأفضل الذي هو الأقوى والأعلى تأثيرا وان كانوا قد اخذوا بالوراثة في اخرياتهم لكنها وراثة غير مستقرة، فقد كانت الأمور كما هي من حيث أن القاعدة تظل بحيث تكون الرئاسة للأقوى ولا دخل لأولوية الوقوف في طابور التوريث.
يلقي المؤلف الضوء على مجموعة من النقاط منها التصور العام بكيفية حياة زعماء الحشاشين وقد وصف الرحالة ماركوبولو قلعة «ألموت»، وهي المقر الأساسي للــــفرقة، «..ولذا فقد نظمها بالوصف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، للفردوس كحديقة جميلة تفيض بانها من الخمر واللبن والعسل والماء مليئة بالحور العين..».
كما تعرض لتأثير فكر الحشاشين في السياسات الأوروبية، فقد استغل الحكام الأوروبيون هذا الفكر وروجوا اشاعات تنفى عنهم القيام بالاغتيال السياسي والقاء التهم على الفرقة، وهي السياسة التي مازال الغرب يتبعها في الوقت وتلقي الحالي فيصفى خصومه ويلصق التهمة بالمسلمين.
ويعرض لأول محاولة غربية في تتبع علمي لتاريخ الفرقة في الدراسة التي نشرها دنيس ليبى دي باتيلي عام 1603م، وفيها يقول «..ليضيفوا على منطق العنف العاري غطاء أيديولوجيا براقا»، ويصل الى الجهود الأخرى التي حاولت تتبع نشأة الفرقة وكيف حصلت على اسمها الذي أخذته من اسماعيل بن جعفر ليصل نسبهم الى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وآل وأصحابه، وماذا قال المستشرق النمسوى جوزيف فون هامر «الذي وضع الحشاشين وفرسان المعبد والجيزويت وحركة الاستنارة والبنائين الأحرار وقتلة الميثاق الوطني الفرنسي، في كفة واحدة من موضع المقارنة باعتبار أن كل هذه الفرق اعتمدت العنف نموذجا للعمل تسير على هديه في كل ما تقوم به من أعمال، وظلت المعلومات حول الفرقة يتوالى ظهورها حتى نهاية الحرب العالمــــية الأولى ( 1914- 1918) والجدير بالذكر أن مجهودات الدارسين الروس قدمت مجموعة كبيرة من المخطوطات أسهمت في التقدم الكبير الذي أحرزته الدراسات حول الاسماعيلية» وبفضل هذه الدراسات الحديثة لم يعد الحشاشون مجرد عصابة من السذج المخدرين يقودهم أفاكون مدبرون للمكائد، أو مؤامرة لارهابيين عدميين، أو جماعة من القتلة المحترفين، وهى نتيجة مهمة ــ فيما نرى ــ وان كانت ماتزال غير مفعله، حيث لم يغير الغرب من نظرته تجاه من يقوم بمقاومة الاحتلال ويعتبرونه ارهابيا، وأيضا لا يزال الخلط الغربي قائماً حيث أنهم لا يفرقون بين السنة والشيعة، ويعتبر من يخالفهم من الاثنين ارهابيا.
في الفصل الثاني يتعرض المؤلف للتاريخ المفصل للاسماعيلية بداية من أول أزمة بعد وفاة النبي عام 632م وما حدث في البيعة والخلافة حتى استخلاف عثمان ثم قتله، وتولى علي ومقتله هو أيضا، وحالة التوسع الاسلامي الأمر الذي أدخل ثقافات كثيرة أثرت على محصلة الثقافة الاسلامية في ذلك الوقف وبدأ نوع من التداخل بين الشريعة والخرافة في خلطة «يهودية مسيحية وثنية» أفرزت كماً يصعب حصره من الفرق وأشباهها.
ويصل المؤلف الى عهد الخليفة السادس في دولة الفاطميين في مصر، ذلك الذي اختفى في ظرف غامض عام 1021، فقال البعض بأنه استتر وقال البعض الآخر انه مات وعليه تم اختيار من يخلفه وانشق الكيان، وأحد المنشقين هو محمد بن اسماعيل الدرزى وهو من اصل وسط أسيوي، ويقال انه كان تزرياً.
وهنا يثور سؤال يقول هل هناك اثر لتحريف النطق الذي يحدث عند الغربيين من الأسماء العربية والشرقية، فأصبح الترزي درزياً؟!
هذا ان صح ان محمد بن اسماعيل قد مارس الحياكة، كما يقال.
المهم أن أتباع هذا الرجل هم من يطلق عليهم الآن اسم الدروز، وهم طائفة تتواجد ما بين سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؟ (اسرائيل).
ورجوعا الى الدولة الفاطمية، وموت الحاكم بامرالله وصولاً الى المسنتصر، وهو الثامن منـهم ( 1036 - 1094) وصلت الدولة لأعلى نقطة، وبعده بدأت في التمزق، كانت الدولة في يد الادارة الحكومية، والهيئة الدينية والقوات المسلحة الأولى في يد الوزير، و الثانية في يد داعي الدعاة، أما الثالثة، فكان أمير الجيوش هو من يملك زمامها، ومنذ اختفاء الحاكم بدأ نفوذ قواد الجيوش في الزيادة والجور على باقي الثلاثة وحدث هذا بداية من استدعاء المستنصر لبدر الجمالي عام 1074 قائداً للجيوش، سرعان ما أصبح السيد الفعلي للبلاد واصبح يحمل الألقاب الثلاثة مجتمعة، وأن ظل العامة يطلقون عليه لقب «الجيوشي»، وعند وفاة المستنصر كان الأفضل بن بدر الجمالي هو رجل الدولة القوي، وكان قد دبر زواج ابنته من المستعلي ابن المستنصر الأصغر فاقامه مكان والده المتوفى متجاوزا ولي العهد الشرعي نزار ــ الشقيق الأكبر للمستعلي، وهو شقاق وتصدع جديد يصيب الدعوة الشيعية، وعندما توفي أخر الحكام الفاطميين، أعلن رجل مصر القوي ــ وقتها ــ صلاح الدين، الدعاء للخليفة العباسي الجالس في بغداد، وبهذا رجعت مصر سنية بعد اكثر من قرنين من الزمان، وشهدت الأيام ذهاب اتباع المستعلي الى اليمن والهند ليأخذوا لقب «البهرة» ومنهم الجماعة التي تتولى شؤون مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة، وأما اتباع نزار فقد يمموا ناحية الشرق، وكانوا على موعد مع ثورة عبقرية قدمها لهم وللعالم حسن الصباح، وهو ما يفرد له المؤلف الفصل الثالث وفيه يعرض لمسألة طال الأخذ والرد فيها، وهي التي تجمع بين كل من الشاعر عمر الخيام، الوزير نظام الملك، وحسن الصباح والتي يقال فيها أن الثلاثة تتلمذوا معا، وأنهم تعاهدوا أن من ينجح منهم، يمد يد المساعدة للآخرين.
ومرحلة ما بعد حسن الصباح هي قوام الفصل الرابع التي يعرض فيها المؤلف الى خلفاء، ويتوقف عند الثالث حسن بن محمد بن بزر حميد الذي أعلن ما اسماه بـ«القيامة»، أفرد برنارد لويس الباب الخامس من كتابه، والذي جعل عنوانه «شيخ الجبل» حيث يرجع الى بداية الدعوة الجديدة التي قادها حسن الصباح الذي أرسل دعاته الى الغرب (سوريا) وكان اختياره هذا مبنياً على أساس الجغرافيا التي تجعل منها مكانا استراتيجيا، اضافة الى ما كان يكتنفها من انتشار لحالة من التشرذم العقائدي، الذي يستتبعه بالضرورة تشرذم سياسي، وما أشبه اليوم بالبارحة.
الفصل السادس يعرض المؤلف لسياسة الفرقة، ويبين وجهة نظره في أهم نشاطاتهم «الاغتيال»، وهو بداية يأخذ تعريفا للارهاب من دائرة معارف العلوم الاجتماعية «الارهاب تمارسه منظمة محدودة صغيرة، وتلهبه أهداف واسعة النطاق يضمها برنامج متماسك ترتكب من اجله الأعمال الارهابية».
ويتوقف في النهاية ليعترف بأن الأمر يحتاج لأكثر من مجرد النظرة السطحية والحكم الانطباعي، وانه يجب دراسة أمور الاسلام بعمق حتى يمكن الوصول الى رأي مستند الى معلومات وافية تمت دراستها باستفاضة!
محمد الزرقاني

الكتاب: الحشاشون
تأليف: برنارد لويس
ترجمة: محمد العزب موسى
الناشر: مكتبة مدبولي
قطع صغير 203 صفحات

البريمل
02-01-2011, 04:46 AM
القبس






العراق من حرب إلى حرب صدام مرّ من هنا (1)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C12%5C01%5C24564b80-ae0a-4e55-bbe9-488fe7d73243_main.jpg

y>تأليف: غسان شربل
«العراق من حرب إلى حرب... صدام مرّ من هنا» عنوان الكتاب الجديد لرئيس تحرير «الحياة» الزميل غسان شربل، هو السادس من مؤلفاته التي صدرت ضمن سلسلة «يتذكر»، وتضمنت حوارات مع جورج حاوي عن «الحرب والمقاومة والحزب» وخالد مشعل عن «حركة حماس وتحرير فلسطين» اضافة الى «ذاكرة الاستخبارات» و«لعنة القصر» و«اسرار الصندوق الاسود».
والكتاب الجديد الذي يصدر عن «دار رياض الريس»، ويتضمن مقدمة وحوارات مع حازم جواد وصلاح عمر العلي ونزار الخزرجي وأحمد الجلبي، موثق بالارقام والتواريخ ويقع في 395 صفحة من الحجم المتوسط وعلى غلافه الاخير كُتب «يشهد العراق منذ عشرات السنين اضطرابات لا مثيل لها، سياسية، اقتصادية، اجتماعية ومجازر يومية تودي باعداد كبيرة من البشر وكأنهم لا بشر. هذا ما يشهده بلد من اغنى البلدان العربية ثروة وثقافة وتنوعاً وحضارة».
وفي الكتاب شهادات واعترافات مدهشة لاربعة من كبار رجالات هذا البلد السياسيين والعسكريين. والمحور الرئيسي للكتاب هو صدام حسين الذي اختزل العراق بحزب حاكم واختزل الحزب بشخصه. وتنتهي العبارة بالقول ان «الحكم للتاريخ».
واختارت «القبس» من الكتاب مقدمته والحوار مع الفريق اول الركن نزار الخزرجي الذي كان رئيساً لهيئة الاركان في الجيش العراقي في الثاني من آب (اغسطس) اليوم المشؤوم لغزو الكويت. بعض المعلومات كان نُشر في الاعلام المكتوب ونُقح لاحقاً تمهيداً لجمعه في الكتاب.

______________بعد غزو الكويت لن يعرف أحد أين سيمضي صدام ليلته وفي أي غرفة سينام وسيزداد تعلقاً بمسدسه وبالعيش السري الذي أدمنه_____________________
__________________________صدام تولّى شخصياً التخطيط لغزو الكويت بحضور حسين كامل وقريبه علي حسن المجيد________________________________

شعرت بشيء من القلق حين وقفت قرب جدار برلين المتداعي. كان الجدار حدود دولة وحدود امبراطورية. ألقت دولة الجدار بنفسها في أحضان الوطن الأم. وانسحبت الامبراطورية لتندحر وتنتحر. ومن الحطام السوفيتي ستولد روسيا وقياصرتها الجدد. وستفوز الولايات المتحدة بلقب القوة العظمى الوحيدة. وسيولد لها في بداية القرن الجديد أعداء جدد بلا عناوين معروفة. سيدمون رموز نجاحها وهيبتها وسترد بما يدمي أكثر من دولة ومنطقة.
بعد أربعة عشر عاماً شعرت بخوف عميق حين شاهدت، من بعيد، دبابة أميركية تقتلع تمثال صدام حسين ونظامه وتجول في شوارع بغداد. كان المشهد أكبر من القدرة على الاحتمال. فهذه بغداد، كائناً من كان حاكمها، لاسمها رنّة في تاريخ العرب والمسلمين. وهذا العراق، كائناً ما كان نظامه، شرايينه موصولة بشرايين المنطقة. مقلق حين يكون قوياً. ومخيف حين يستضعف أو يستباح.
يقول التاريخ إن ليس من عادة سيّد بغداد أن يتقاعد. خياراته محدودة: القصر أو القبر. عليه أن يستعد دائماً لغزو مدمّر. شهيّات الامبراطوريات المحيطة مفتوحة. وعليه أن يتنبه لمكائد الداخل ومكائد الخارج. طعنة غادرة. أو لسعة سمّ. أو خروج منقذ ناقم من عتمات الثكن. وفي هذا السياق يبدو صدام حسين ابناً شرعياً لهذا النهر من القساة. طبيعياً في صعوده حتى التسلط المطلق، وطبيعياً في نهايته معلَّقاً وسط صيحات الثأر.
لا العراق بلد عادي عابر في تاريخ المنطقة.. ولا صدام حاكم عادي في تاريخ العراق الحديث. لهذا كان مشهد الدبابة الأميركية مخيفاً. نجحت أوروبا الغربية المستقرة في احتواء سقوط جدار برلين. فشل الشرق الأوسط الهش والمضطرب في احتواء سقوط جدار صدام حسين. وبدا باكراً أن اقتلاع التمثال يعني اقتلاع أشياء كثيرة. معادلات وتوازنات. بعده لن يكون العراق ما عرفناه. سيتدفق النفوذ الإيراني عبر البوابة الشرقية للعالم العربي. سيحجز ورثة الإمام الخميني موقعاً لبلادهم على المتوسط وستنهمر صواريخ حلفائهم على إسرائيل من جنوب لبنان وبعده من غزة. تركيا أيضاً لن تكون تركيا السابقة. سقط الضلع العربي من المثلث الإيراني ـ العراقي ـ التركي. ولا بد من الانتظار طويلاً لمعرفة ما إذا كانت عودة هذا الضلع العربي واردة. كان نظام صدام من ركائز نظام الأمن العربي على رغم مغامراته وتهوراته. بعد سقوطه ستضطرب علاقات العراقيين بالعراقيين وسترشح دماً. علاقات السنّة بالشيعة. وعلاقات العرب بالأكراد. وللمرة الأولى سيكون لإقليم كردستان علم ونشيد ورئيس اسمه مسعود برزاني بكل ما يثيره الاسم من مشاهد وذكريات. وسيفيض الخلاف السنّي - الشيعي لاحقاً عن حدود العراق، خصوصاً حين سيشعر العرب بإرهاصات ولادة شرق أوسط جديد من الفشل الأميركي في العراق. منطقة من أربعة لاعبين هم إيران وتركيا وإسرائيل والعرب. وليس سراً أن اللاعب الرابع هو الأضعف.

4 مشاهد هزت المنطقة
أربعة مشاهد هزّت المنطقة في حفنة أعوام وتركت بصماتها على العلاقات بين دول وشعوب وتنظيمات واتجاهات: المشهد الأول مشهد الدبابة الأميركية تجول منتصرة في عاصمة الرشيد. المشهد الثاني صورة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري يسقط بفعل عملية اغتيال انتحارية اغتالت أيضاً حقبة من العلاقات اللبنانية - السورية وحقبة من العلاقات اللبنانية - اللبنانية. والمشهد الثالث عجز إسرائيل عن تأديب «حزب الله» اللبناني وعن وقف انهمار صواريخه «الإيرانية»على مدنها. والمشهد الرابع إسرائيل تشن عدواناً مجنوناً على غزة تحتفظ «حماس» بعد توقفه بقدرتها على إطلاق الصواريخ وبمأزقها منذ نجاحها في طرد السلطة الفلسطينية و{فتح» من القطاع.
لم تعارض إيران قيام الآلة العسكرية الأميركية بسحق نظام طالبان المعادي لها في أفغانستان. ولم تعارض مغامرة جورج بوش العراقية، ويمكن القول إنها سهّلتها حين سمحت للقوى الشيعية العراقية الحليفة لها بالانضواء في معارضة سعت واشنطن إلى لحم أجزائها الشيعية والكردية تمهيداً للغزو. لكن إيران سرعان ما شعرت بوطأة وجود القوات الأميركية قرب حدودها، ومن جهتين، فبدأت معركة استنزاف المشروع الذي حمله الغزو. سوريا انتابها القلق أيضاً. وهكذا تدفق الانتحاريون إلى العراق يُسعفهم التخبط الأميركي الذي بدأ بقرار الحاكم المدني الأميركي بول بريمر حل الجيش العراقي. مشهد اقتلاع نظام صدام أطلق المخاوف والتوترات وأطاح توازنات وصمامات أمان. وعلى خلفية ذلك المشهد حدثت المشاهد اللاحقة. وللمؤرخين لاحقاً أن يتحدثوا عن الترابط بين المشاهد أو بعضها.

.. ومشاهد عراقية
قبل المشاهد الأربعة هذه استوقفتني مشاهد عراقية. بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في أيلول (سبتمبر) 1980 أوفدتني «النهار» اللبنانية لتغطية التطورات. نظمت السلطات العراقية رحلة للصحافيين إلى بلدة مهران الإيرانية الحدودية فور سقوطها في يد القوات العراقية التي اجتازت خط الحدود الدولية. رأيت جنديين عراقيين يصطحبان عجوزاً إيرانياً إلى مكان آمن واستوقفني الخوف العميق المسيطر على ملامحه. وسألت نفسي ليلاً عن موعد الثأر الإيراني لا سيما بعد أن أطلق العراق على الحرب تسمية «قادسية صدام»، في نبش صريح لجروح المواجهات بين العرب والفرس.
المشهد الثاني كان مجيء صدام حسين بالبزة العسكرية لعقد مؤتمر صحفي. كان الشعور بالقوة يفيض من عينيه وابتسامته، فقد توغل جيش البعث في لحم إيران المقيمة في عهدة نظام «الثورة الإسلامية». ورحت أفكر في استحالة رضوخ آية الله الخميني الذي لن يتردد بعد ثمانية أعوام في تشبيه قبول وقف النار مع صدام بتجرع كأس السم. وحين سأل أحد الصحافيين الرئيس العراقي عن مستقبل إيران ردّ بأن الأمر تقرره «الشعوب الإيرانية». وبدا صدام حسين كمن يحلم بتفكيك إيران وشطب هذا الخطر مرة واحدة.
المشهد الثالث إبان حرب المدن. بث التلفزيون العراقي صورة للرئيس القائد يأمر بتجهيز القوة الصاروخية لإمطار المدن الإيرانية.
المشهد الرابع كان حين توافدنا لتغطية أعمال القمة العربية في بغداد في أيار (مايو) 1990 صافح صدام ضيوفه وعانقهم. وظهر جلياً في خطواته زهو «الانتصار». ولم يكن ليرضى بأقل من شطب الديون التي رتبتها الحرب على بلاده والاعتراف له بالزعامة العربية وبالموقع الأبرز في الإقليم. تصرّف وكأنه دافع عن العراق ودول الخليج في آن. وتحدث بوصفه «حارس البوابة الشرقية» للعالم العربي. كان بين الحاضرين أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح الذي وعده صدام بتلبية دعوته وستكون الزيارة باهظة للعراق والمنطقة. باجتياحه الكويت قامر صدام بنظامه وشخصه. اصطدم بالإرادة الدولية التي نبذته وعاقبته. اقتلع التحالف الدولي عبر «عاصفة الصحراء» أنياب ترسانته لكن بقي له منها ما يكفي لسحق انتفاضتي الشيعة والأكراد. أقام سيد بغداد جريحاً يناور ويداور للالتفاف على الحصار والعقوبات التي آلمت العراقيين أكثر بكثير مما آلمت الحاكم المتحكم. وفي العقد التالي ستجيئه الطعنة القاتلة من حيث لا يدري. أطلق أسامة بن لادن «غزوتي نيويورك وواشنطن» واختارت إدارة بوش اقتلاع نظام صدام متكئة على ذرائع سيتضح بطلانها لكن بعد فوات الأوان.
* * *
باكراً رن جرس الهاتف في منزل الفريق أول الركن نزار الخزرجي رئيس أركان الجيش العراقي. إنه الثاني من آب 1990 سارع إلى مقر القيادة العامة فاستقبله سكرتيرها العام الفريق علاء الجنابي بجملة قصيرة قاتلة هي «أكملنا احتلال الكويت». شمّ الخزرجي رائحة الكارثة وشعر بالإهانة. بعد قليل وصل وزير الدفاع عبدالجبار شنشل فعاجله الجنابي بالجملة نفسها. هذا يحدث في العراق وحده. يجتاح الجيش بلداً مجاوراً من دون معرفة رئيس الأركان ووزير الدفاع. لم يكن الاعتراض وارداً، ففي جمهورية صدام حسين لا تجرؤ سبابة على الارتفاع.
بعد أيام سيأتي من يأخذ الرجلين للقاء «السيد الرئيس» وكالعادة يبقى مكان اللقاء سراً. أُدخلا إلى كارافان (مقطورة) في منطقة الرضوانية ثم جاء صدام. تذرع بأنه أراد الاحتفاظ بعامل المفاجأة، ولم يتردد في القول إنه «حرّر الكويت» بالوحدات التابعة له مباشرة.

الرجل المطلوب
لم تظهر عليه أمارات الابتهاج. كانت ردود الفعل الدولية شديدة. صار الرجل مطلوباً كأن مذكرة اعتقال أو اغتيال صدرت بحقه. باستثناء مرافقيه المقرّبين، لن يعرف أحد، بمن فيهم رئيس الأركان، أين سيمضي ليلته وفي أي غرفة سينام. وسيزداد تعلقاً بمسدسه وبالعيش السري الذي أدمنه.
هذا ما رواه لي الخزرجي في قرية سوغو الدانمركية في ليلة مثلجة. قال إن صدام تولّى شخصياً التخطيط لغزو الكويت بحضور صهره حسين كامل وقريبه علي حسن المجيد الملقّب بـ «الكيماوي» وكشف أن تقريراً من الأخير كان وراء قرار صدام توجيه «ضربة خاصة» أدت إلى إغراق حلبجة في مجزرة تقشعر لها الأبدان. وأكد أن صدام كان معجباً بتجربة الزعيم السوفيتي جوزف ستالين وأنه ربما كان يعتقد نفسه القائد الأبرز بعد صلاح الدين.
بعد شهرين من توليه الرئاسة شارك صدام حسين في أيلول (سبتمبر) 1979 في قمة لحركة عدم الانحياز عقدت في هافانا. استقبل في مقر إقامته وزير خارجية إيران الدكتور ابراهيم يزدي الذي عيّن في هذا المنصب بعد انتصار «الثورة الاسلامية». كان صلاح عمر العلي مندوب العراق لدى الأمم المتحدة حاضراً. وصلاح رفيق قديم لصدام. كان إلى جانبه ساعة الاستيلاء على القصر في 17(يوليو) 1968 وكان بعد ذلك النهار عضواً في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث.

حديث هافانا
كان اللقاء «بنّاء وإيجابياً» في الظاهر. خرج بعده صدام إلى الحديقة وتبعه صلاح الذي حاول تشجيع الرئيس على تحسين العلاقات مع إيران الخميني رغم ما تثيره من حساسيات ومخاوف. فجأة قال صدام «يا صلاح انتبه. هذه الفرصة قد لا تتاح مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه. وسنعيد شط العرب».
حدّق صلاح مذهولاً، فأضاف صدام «هذا الكلام عن حل سلمي وإنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضّر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأُرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب».
بعد عام على حديث هافانا ستندلع الحرب العراقية الإيرانية متسببة في سقوط مئات آلاف القتلى وكوارث إنسانية ومالية. ولدى توقفها بعد ثمانية أعوام لن يخفي الزعيم العراقي بهجته: «عشت حتى سمعت الخميني يتحدث عن تجرع السم وقبول وقف النار». لكن الخارج «منتصراً» من «قادسية صدام» والمبتهج بلقب «حارس البوابة الشرقية» لن يتأخر في تنفيذ عملية انتحارية هي غزو الكويت.
هذا ما سمعته من صلاح عمر العلي الذي روى أيضاً قصة دخوله مع صدام مسلحين بالرشاشات إلى مكتب الرئيس أحمد حسن البكر للتخلص من رئيس الوزراء العابر عبد الرزاق النايف في 30 تموز (يوليو) 1968 اقتاد صدام النايف من القصر إلى المطار ودفعه إلى المنفى. وبعد عشرة أعوام نجحت رصاصة صدام في العثور على النايف في لندن ودفعته إلى القبر.
في بداية السبعينات أعلنت بغداد كشف مؤامرة تدعمها ايران لاطاحة نظام البعث وأعدمت عشرات الضباط. رجلان اتهما بالوقوف وراء المؤامرة العقيد عبدالغني الراوي وعبدالرزاق النايف. وساد الاعتقاد لعقود بأن المؤامرة صناعة بعثية. زرت عائلة النايف في عمان وفتشت في الحقائب التي تركها وأوراقه فتبيّن لي أن النايف اكتشف باكراً أن صدام اخترق المجموعة المتآمرة فغادر طهران قبل موعد التنفيذ. وعثرت في الرياض على الراوي وسألته عن المؤامرة فردّ باعطائي مفكرته القديمة وهي تظهر أنه عقد لقاء مع الشاه محمد رضا بهلوي في سياق التخطيط لاطاحة البعث وأن دولة تبرعت بعشرة ملايين دولار لتمويلها.
لم ينسَ صدام تلك المحاولة الايرانية لاطاحة نظام البعث. ولم ينسَ أن القتال ضد الأكراد أرغمه في 1975، بوساطة من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، على التوقيع مع الشاه محمد رضا بهلوي على اتفاق الجزائر. لن يقبل صدام أن يكتب التاريخ أنه تنازل عن شبر من أرض العراق لانقاذ النظام. وسينفذ لاحقاً ما جاء في حديثه في هافانا.

الحلقة الثانية:
أقام علاقة حميمة مع الملك حسين وكان يناديه «ابن العم»



http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C12%5C01%5Cf583bf7d-bf11-44df-a4d0-c45967dc948c_maincategory.jpg • الدبابات العراقية داخل الكويت





العراق من حرب إلى حرب صدام مرّ من هنا (2)

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C12%5C02%5C7f120039-6cf7-4db4-8fc3-17ccfc18bdd8_main.jpg

بقلم: غسان شربل
«العراق من حرب إلى حرب... صدام مرّ من هنا» عنوان الكتاب الجديد لرئيس تحرير «الحياة» الزميل غسان شربل، هو السادس من مؤلفاته التي صدرت ضمن سلسلة «يتذكر»، وتضمنت حوارات مع جورج حاوي عن «الحرب والمقاومة والحزب» وخالد مشعل عن «حركة حماس وتحرير فلسطين» اضافة الى «ذاكرة الاستخبارات» و«لعنة القصر» و«اسرار الصندوق الاسود».
والكتاب الجديد الذي يصدر عن «دار رياض الريس»، ويتضمن مقدمة وحوارات مع حازم جواد وصلاح عمر العلي ونزار الخزرجي وأحمد الجلبي، موثق بالارقام والتواريخ ويقع في 395 صفحة من الحجم المتوسط وعلى غلافه الاخير كُتب «يشهد العراق منذ عشرات السنين اضطرابات لا مثيل لها، سياسية، اقتصادية، اجتماعية ومجازر يومية تودي باعداد كبيرة من البشر وكأنهم لا بشر. هذا ما يشهده بلد من اغنى البلدان العربية ثروة وثقافة وتنوعاً وحضارة».
وفي الكتاب شهادات واعترافات مدهشة لاربعة من كبار رجالات هذا البلد السياسيين والعسكريين. والمحور الرئيسي للكتاب هو صدام حسين الذي اختزل العراق بحزب حاكم واختزل الحزب بشخصه. وتنتهي العبارة بالقول ان «الحكم للتاريخ».
واختارت «القبس» من الكتاب مقدمته والحوار مع الفريق اول الركن نزار الخزرجي الذي كان رئيساً لهيئة الاركان في الجيش العراقي في الثاني من آب (اغسطس) اليوم المشؤوم لغزو الكويت. بعض المعلومات كان نُشر في الاعلام المكتوب ونُقح لاحقاً تمهيداً لجمعه في الكتاب.

أقام علاقة حميمة مع الملك حسين كان يناديه «ابن العم» وكره حافظ الأسد

اننا الآن في عام 1959 وحدها الصدفة أدت الى اشراك شاب نحيل اسمه صدام حسين في فريق كلّف باغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم. صاحب القرار أول أمين سر للقيادة القطرية في البعث العراقي فؤاد الركابي، وأغلب الظن أن أجهزة جمال عبدالناصر كانت على علم بالموضوع. فشلت المحاولة وأصيب صدام بشظية. فرّ الركابي وبعض أعضاء القيادة الى دمشق وكان بينهم حازم جواد وعلي صالح السعدي. في دمشق قلق الركابي على مصير صدام. راح يسأل عنه حين تأخر. ولدى وصوله اقترح تكريمه. حفل متواضع وقالب حلوى. كان صدام مجرد نصير فتقرر قبوله عضواً أصيلاً. وقف في دمشق وأدى اليمين أمام الركابي.
في بداية السبعينات ستكتمل فصول القصة. كان الركابي يستعد لمغادرة السجن خلال أيام بعدما ذاق فيه من الاذلال والتعذيب ما لا يطيق سجين احتماله. فجأة أدخلت أجهزة صدام الى السجن من زعمت أنه مجرم عادي. أرسل المجرم في مهمة محددة. استفز الركابي وافتعل معه شجاراً. أخرج سكيناً وذبحه من الوريد الى الوريد. ولم يكن أمام حازم جواد غير تسلّم جثة قريبه لمواراتها.
هذا ما رواه لي حازم جواد حين وافق على طي أربعة عقود من الصمت. كانت المرارات بادية في حديثه هو الذي قاد الحزب الى السلطة في 8 آذار (مارس) 1963 وأذاع البيان الرقم واحد وأرسل من يأتي بضابط شهير اسمه عبدالسلام عارف لن يتأخر في ازاحة البعث لينفرد بالسلطة.
لم يكن لصدام حسين دور بارز في تلك الأيام. لكن ذلك الفشل سيضاعف حظوظه في الصعود الى القيادة الحزبية بدعم من القائد المؤسس ميشيل عفلق وستقوم بين الرجلين لاحقاً علاقة حميمة وغريبة. وحين عاد البعث الى السلطة في 1968 كان قرار صدام القاطع منع تكرار تجربة خسارة السلطة واقتلاع أي خطر عليها قبل استفحاله في الحزب أو الجيش أو خارجهما.

حلم الجلبي
اطاحة البعث وصدام حلم قديم راود أحمد الجلبي الذي كانت عائلته جزءاً من المشهد السياسي في العراق قبل ثورة 1958. نتائجه اللامعة في أرقى الجامعات الأميركية لم تشبع طموحاته، فأرقام الرياضيات لا تشفي غليل من يشتهي ما هو أكثر. بدا الحلم بعيد المنال. في الحرب العراقية ـــ الايرانية ظهر صدام في صورة من يدافع عن الاقليم في وجه أحلام الخميني بـ«تصدير الثورة». ارتاحت واشنطن الى رغبة صدام في عدم الوقوع تحت تأثير موسكو رغم معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين البلدين. لم تدعم الرئيس العراقي لتوجيه ضربة قاصمة الى ايران. لكنها تدخلت لاحقاً بما يكفي لمنع طهران من تسديد مثل هذه الضربة الى النظام العراقي. حصل صدام على صور جوية أميركية لتجمعات القوات الايرانية وعلى تسهيلات مالية وتجارية.
عندما ارتكب صدام خطيئة غزو الكويت تجددت أحلام الجلبي. حاول قطع الشرايين المالية التي تغذي نظام البعث وتحميه من الاختناق. واستنتج أن مستقبل النظام يتقرر في أميركا بعدما فشلت المعارضة الشيعية والكردية في اطاحته.
تسلل الجلبي الى مراكز الأبحاث والدراسات وأروقة الكونغرس وكذلك الى دهاليز الـ«سي. اي. اي» وممرات وزارة الدفاع. انغمس في العمل في أميركا ولم تغب ايران عن باله. تطلع الى جمع المعارضتين الشيعية والكردية تحت سقف واحد لاقناع واشنطن بأن البديل موجود. ساهمت التوترات بين النظام العراقي وفرق التفتيش الدولية في تسهيل مهمة الجلبي. وتولت ماكينة اعلامية هائلة تصوير صدام كأنه الخطر الكبير على الاقليم والعالم.

بن لادن يقتل صدام
لم يكن صدور «قانون تحرير العراق» عن الكونغرس الأميركي، الذي يحمل بصمات الجلبي، كافياً. ثمة رجل سيمهد الطريق من دون أن يدري لقتل نظام صدام حسين. انه أسامة بن لادن. فبعد هجمات 11سبتمبر 2001 بدأ الهمس في غرف أميركية ضيقة عن «خطر صدام حسين». مطبخ بارع أعد الوجبة للرأي العام الأميركي: أسلحة الدمار الشامل وانتهاك القوانين الدولية والعلاقة بالارهاب والدكتاتورية والتعذيب وحلبجة.

إيران تريد الزعامة
ابتهجت ايران باسقاط الجيش الأميركي نظام طالبان في أفغانستان كما ابتهجت بتوجه أميركا نحو اقتلاع عدوها اللدود في بغداد. أدرك الجلبي لقاء المصالح وحين اقتلعت دبابة أميركية تمثال الرئيس ونظامه، تدفق المقاتلون العراقيون من المنفى الايراني الى بلاد شطب بول بريمر جيشها من الوجود.
هذا ما رواه لي الدكتور أحمد الجلبي حين وافق للمرة الأولى على الحديث عن الرحلة الطويلة التي مكنت جورج بوش من ارتكاب مغامرة ستدمي العراق والمنطقة وتفتح الباب أمام ايران للمطالبة بزعامة الاقليم.
ذاكرة حامد الجبوري مثقلة بالروايات. شاهد كثيراً وسمع كثيراً. والسبب بسيط: تولى ادارة مكتب «الأب القائد» ثم ادارة مكتب السيد النائب وحقيبة الاعلام ووزارة الدولة للشؤون الخارجية.
قال الجبوري ان العاهل الأردني الراحل الملك حسين صعد مع صدام في 22 سبتمبر 1980 الى دبابة قرب الحدود مع ايران وبارك الحرب باطلاق قذيفة من الدبابة. وجدت صعوبة في تصديق الرواية لكنه أصر عليها. وأضاف أنه تسلم شخصياً من سفير عربي في بغداد صوراً التقطتها أقمار التجسس الأميركية للحشود الايرانية.
وروى أنه كان حاضراً لدى استقبال صدام وزير الخارجية الاماراتي راشد عبدالله النعيمي وسط مؤشرات الى ميل الدول الخليجية الى تقليص مساهمتها في تمويل الحرب ضد ايران. قال الجبوري ان صدام خاطب النعيمي قائلاً: «سلم على... وقل له... لا أريد نقل العبارة بحرفيتها لأنها غير لائقة وهي تتحدث عما كان يمكن أن تفعله ايران بالامارات ودول أخرى لولا وجود صدام».
استقبل صدام السفراء العراقيين المعتمدين في الخارج. قال سفير العراق لدى الكويت انه طالب وزير الدفاع الكويتي بأن تتوقف الزوارق الكويتية عن انتهاك المياه الاقليمية العراقية لكنه لم يأخذ التحذير على محمل الجد. غضب صدام وخاطب السفير قائلاً «ترجع غداً الى الكويت بلا تأخير. تذهب فوراً الى صباح الأحمد (وزير الخارجية) وتقول له ان صدام يقول لك (...) وأن العصفور الذي يخترق أجواء العراق نقص ذيله». كان الكلام عنيفاً وجارحاً.

بن البكر وصدام
كان الجبوري وزيراً للاعلام حين ترأس صدام اجتماعاً اعلامياً حرص خلاله على انتقاده. توجه الى القصر وأبلغ البكر أنه ينوي الاستقالة. نهض البكر وأشار الى الكرسي التي كان جالساً عليها وقال «أبول على هذه الكرسي، كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس» وراح البكر يخاطب نفسه «آخ أبو هيثم شلون تقبل تصير رئيس جمهورية، شلون تقبل تدخل بحزبهم». عاد البكر الى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه وقال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك، من يقبل استقالتي أنا. نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة».
استقبل البكر بعد توليه الرئاسة وفداً من بغداد فاجأه بالسؤال عن أسباب قتل الشيخ عبدالعزيز البدري الذي كان صديقاً له. لم يكن البكر على علم بالحادثة. وبعد مغادرة الوفد طلب من الجبوري «قل لصدام هذا الجالس مع ربعه في آخر الممر أن يعطوني خبراً على الأقل». في مكتب العلاقات العامة في آخر الممر وبرئاسة صدام كان يجلس أيضاً رجال قساة هم ناظم كزار وسعدون شاكر وعلي رضا باوه ومحمد فاضل وكان هذا المكتب نواة أجهزة الاستخبارات البعثية لاحقاً. نقل الجبوري الرسالة الى صدام فحدق به ولم يعلق.

من قتل وزير الخارجية؟
استقبل صدام، في حضور الجبوري، مبعوثاً للرئيس الشاذلي بن جديد يحمل ملفاً أوجز خلاصته. قال ان التحقيق الذي أجرته بلاده أكد أن الصاروخ الذي أسقط طائرة وزير خارجيتها محمد بن يحيى، الذي كان يحاول وقف الحرب العراقية ـــ الايرانية، كان عراقياً. وأضاف أن جزءاً من حطام الصاروخ عثر عليه في ايران وأن السوفيت أكدوا أنهم سلموا هذه الصواريخ الى العراق. تسلم صدام الملف ولم يعتذر ولم يعلق.
يقول الجبوري إن صدام أقام علاقة حميمة مع الملك حسين وكان يناديه «ابن العم» وكان يكره الرئيس السوري حافظ الأسد ويتهكم على العقيد معمر القذافي مردداً «من هو هذا القذافي؟». لم يكن صدام يحب السوفيت. ذات مساء قال للجبوري: مؤامرة 1973 مؤامرة كاظم كزار ومؤامرة 1979 وراءهما جهاز الـ»كي. جي. بي» السوفيتي وقد شاركت سوريا في الثانية.
الجملة التي لا ينساها الجبوري هي تلك التي سمعها من العاهل المغربي الملك الحسن الثاني في قصر الصخيرات حين قال الملك «بصراحة إذا حضر صدام نبدو كأن على رؤوسنا الطير» وصدور مثل هذا الكلام عن الحسن الثاني ليس بسيطاً.
* * *
كان الغرض مجرد الابتعاد عن لبنان الغارق في حرب أهلية وإقليمية. الابتعاد ولو لبضعة أسابيع. اقترح قريبي وصديقي أن نذهب إلى العراق فلم أمانع. كنا في أول العشرينات وكان لدينا من الوقت ما يكفي لتبديده. عرف صديقي المحامي والكاتب فايز قزي بمشروع الرحلة. طلب مني أن أبلغ تحياته إلى صديقه العراقي وأعطاني رقم هاتفه. كان اسمه علي صالح السعدي. القائد البعثي الشجاع الصاخب المتهور الذي لمع اسمه حين استولى البعث على السلطة في 8 شباط (فبراير) 1963.
وسريعاً سيضيق صدر الرفاق برفيقهم الذي تحوّل وزيراً من دون التنازل عن مبالغات المعارض ومن دون التنازل عن الإسراف في حب الحياة والعيش. افتقار البعثيين إلى الخبرة وقسوتهم المفرطة بحق الشيوعيين سهّلا لعبدالسلام عارف، العسكري الذي شارك عبدالكريم قاسم في صنع ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، الانقضاض على الشريك البعثي والتفرد بالسلطة، خصوصاً بعدما ضاق عسكريو البعث ذرعاً بمراهقة المدنيين فيه.
أعطاني السعدي موعداً مسائياً في منزله في حي المنصور. حاولت الإيحاء أنني جئت لتناول القهوة فرد بلهجة حاسمة «نحن لا نستقبل ضيوفنا بهذه الطريقة» واسترسل في شرح علاقته بلبنان واللبنانيين وبيروت ومقاهيها ولياليها. وشاءت الصدفة أن ينعقد خيط الود سريعاً فراح يتصل بي يومياً وتكررت اللقاءات الليلية التي كانت فرصة لي للإطلالة على منجم الأهوال العراقي الذي سيزداد ثراء لاحقاً في ظل صدام حسين.
سعى السعدي إلى تبديد قلقي من احتمال تعرضي لإزعاجات بسبب تكرار اللقاءات وبعضها كان في نادي المنصور. قال «لا تقلق لم أعد أقلق أحداً. ولا يريدون قتلي فهم يعرفون أنني أنوب عنهم في هذه المهمة» وكان يشير إلى إفراطه اليومي في الشراب على الرغم من خضوعه لجراحة في القلب. وروى أن سيارة حاولت دهسه ذات يوم لكنها أخطأته. وأن رجال الاستخبارات كانوا يحصون أنفاسه. وأن أحدهم لحق به ذات يوم إلى دكان الحلاق. وقال: «نظرت إلى الضابط الشاب الذي دخل وجلس وقلت له، ابن... هل تمنعون المواطن من قص شعره. سأحطم رأسك بالقندرة. سارع الشاب إلى المغادرة».

العراق لا يتسع لرجلين
قال السعدي «أنت شاب فلا تصدق ما تسمع. حكاية الأب القائد هذه كذبة اخترعها صدام لطمأنة أحمد حسن البكر. إنه يحتاج إليه كغطاء بسبب افتقاره إلى الشرعية في الحزب والجيش والبلد. حين يستكمل خطواته لتطويع الجيش والحزب سيرميه خارجاً كثمرة مهترئة. سيكون البكر محظوظاً إذا اكتفى صدام بدفعه إلى خارج القصر من دون قتله بالسم أو غيره. وأضاف «ليس من عادة العراق أن يتسع لرجلين. نحن بلاد الرجل الواحد. لم يتسع العراق لعبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف. أصيب الأول سريعاً بجنون السلطة. الزعيم الأوحد. تنكر لرفيقه في الثورة. نزع صلاحياته وحاصره. أذله ونفاه وسجنه. الرحمة ليست عادة عراقية».
ينظر إلى الكأس ويعيد تجهيزه ويتابع «عارف كان عصبياً وانفعالياً وثرثاراً. كان عاشق سلطة ومتهوراً. حين استولينا على السلطة اقتيد عبدالكريم قاسم المهزوم إلى دار الإذاعة. كانت الشماتة تفيض من عيني عارف. لم يرحم رفيقه في الثورة. نظر إليه باستهزاء وحاول أن ينتزع منه اعترافات حول دوره في 1958 يريده أن يقر بأن عارف كتب البيان. فضّل عبدالكريم قاسم الموت على تقديم مثل هذه الهدايا لعبدالسلام. أنا لا أقول إنني كنت بريئاً أو رحيماً. أنا أيضاً من عجينة القساة». وقال «صدقنا الشعارات وقتلنا البلد وربما الأمة. كان سلوكنا صبيانياً ولم نعرف معنى السلطة والدولة والمؤسسات. غرقنا في أحقادنا ومخاوفنا. غرق الشيوعيون في دمنا وغرقنا في دمهم».
فجأة توقف عن الكلام وراح يضرب يده بعصبية على رجله. كان الوقت قريباً من منتصف الليل. نهض الرجل متثاقلاً لتغيير الأسطوانة. ولم يكن آخر ما يريد سماعه غير ترتيلة بصوت فيروز عن صلب المسيح تقول فيها «أنا الأم الحزينة وما من يعزيها...» بدا واضحاً أن ذاكرة السعدي تعذبه وأن ذاكرة العراق تعذبه أيضاً.

عقدة عبدالناصر
لم يكن الماضي وحده ما يقلقه فقد كان يخشى أهوال الآتي. قال «كل ما رأيناه ليس شيئاً أمام ما سنراه حين سيكمل صدام بسط سلطته ويصبح الزعيم الأوحد. أنا أعرف هذا الرجل، سيقود البلد الى الهاوية.. جائع الى السلطة ولا يقبل شريكاً. لا يقبل بأقل من أن يكون الآمر الناهي. يريد أن يكون زعيم العراق وزعيم الأمة لكن بالبطش والبلطجة، عقدة جمال عبدالناصر تلازمه مذ فرّ الى القاهرة وأقام فيها طالباً. متآمر يعرف اخفاء مشاعره ويسدد ضرباته بلا رحمة، يريد أن يثأر من طفولته وظروفه العائلية، معه سيغرق العراق في الدم. ومن يدري فقد تغرق المنطقة أيضاً».
أرشدني كلام السعدي الى منجم الآلام العراقي، لكن رغبتي الفعلية في استكشاف هذا المنجم لن تبدأ الا بعد عقدين، تحوّل السؤال عن صدام حسين جزءاً ثابتاً من اهتماماتي. لهذا السبب التقيت في دمشق عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي. استمعت منه الى قصة الشيوعيين العراقيين. روى أشياء كثيرة بينها أن ناظم كزار مدير الأمن العام في السنوات الأولى من عهد البكر - صدام كان يأكل الكباب ورجله تضغط على عنق سجين يحتضر.
وبين كردستان العراق وعواصم عربية واوروبية استمعت الى روايات الرئيس جلال طالباني ورئيس اقليم كردستان مسعود برزاني والفريق أول ابراهيم الداوود وزير الدفاع العابر الذي أُبعد بالتزامن مع ابعاد النايف. استمعت الى عبد الغني الراوي وعشرات العسكريين والمدنيين، كنت أسأل عن صدام وعن عراق صدام.
لم يكن الغرض محاكمة صدام. تجريمه أو تبرئته. استوقفتني قصة الرجل التي انتهت بمأساة له ولعائلته وبلاده والمنطقة. لم يكن هناك ما يرشح الطفل الذي ولد في 28 نيسان (أبريل) 1937 لمثل هذا الدور. لم يجد في استقباله غير أمه والفقر واليتم. عطف خاله الضابط المتقاعد خير الله طلفاح مكَّنه من التوجه متأخراً الى المدرسة في تكريت وبعدها في بغداد. باكراً سيجرّب صدام السجن. حفنة شهور انتهت بالافراج عنه لنقص الأدلة في جريمة اغتيال استهدفت تكريتياً ذا ميول شيوعية وقيل ان الخال كان المحرض.
بعدها سيتدخل القدر.. محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم والفرار الى دمشق ومنها الى القاهرة. عاد صدام الى بغداد بعد استيلاء البعث على السلطة في 8 شباط (فبراير) 1963 واثر نجاح عبدالسلام عارف في ازاحة البعث بعد تسعة أشهر سينتقل الى العمل السرّي وسيدخل السجن ليفرّ منه لاحقاً بعدما عُيّن في القيادة القطرية اثر نجاحه في الفوز باهتمام «القائد المؤسس» للبعث ميشيل عفلق.
الأحداث التي أعقبت عودة البعث الى السلطة تحمل بصماته. اتفاق الحكم الذاتي مع الملا مصطفى برزاني ومحاولة اغتيال الأخير بعده. قرار تأميم النفط ومعاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي. حملة محو الأمية. انهاء حركة ناظم كزار. القتال مع الأكراد واتفاق الجزائر مع شاه ايران. وفي ظل البكر كان يواصل تطويع الجيش والحزب وشطب المشكوك في ولائهم الى أن حانت في 16تموز (يوليو) 1979ساعة استقالة البكر. بدأ عهد صدام بوليمة حزبية دامية، وسينتهي العهد في 9 نيسان (أبريل) 2003، وسينتهي الرجل لاحقاً على حبل المشنقة. خسر نظامه وولديه عديّ وقصيّ وحفيده وتبددت عائلته ثم خسر كل شيء..
كان الغرض من المحطات العراقية في سلسلة «يتذكر» اشراك القراء في ما يعيشه العراق مع تسليط الضوء على الظروف التي سهّلت قيام نظام صدام حسين. لم يكن هاجس الكتاب حاضراً، لكنني حين عدت الى أوراقي قبل شهور شعرت أن جمع بعض هذه الشهادات قد يكون مفيداً لمن سيتولى لاحقاً تأريخ تلك المرحلة. انها شهادة من داخل المؤسسة العسكرية على لسان الخزرجي، ومن المؤسسة البعثية على لسان صلاح عمر العلي، وشهادة من العدوّ الأول لصدام واسمه أحمد الجلبي. أما حازم جواد صاحب التجربة الثمينة في 1963 فقد اكتفيت من ذكرياته الغنية بما يتعلق هنا بموضوع الكتاب وهو صدام.



http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C12%5C02%5Ce40bc858-2d79-4bd4-bd02-48c96c7a0b75_maincategory.jpg الحرب العراقية الايرانية

justice
02-01-2011, 03:26 PM
حزب أممي عابر للقوميات حزب الله.. صناعة إيرانية!
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C01%5C06%5C3522276d-4244-4af2-8bff-4c03c6278f16_main.jpg

التأريخ واحد من حاجات المجتمع، تفرضه الظروف المتصلة بكل مفردات الحياة في مجتمع بعينه، وتؤثر فيه مجموعة من العوامل، لعل من أبرزها ما يتصل بالعقيدة التي يتبناها هذا المجتمع. هذا، إضافة إلى ان عوامل الجغرافيا من مناخ وتضاريس تفرض سلوكا بعينه تجاه هذه الظواهر، وتجاه البشر الذين يحيطون بذلك المجتمع، ولا يشذ المجتمع العربي في ذلك ــ على الرغم من تأخره في تعاطي هذا الصنف من الانشطة البشرية ــ وكانت ثقافته التي أفرزتها العقلية العربية فيما قبل ظهور الإسلام في المنطقة تضعه في منطقة القدرة على قول الشعر أكثر مما تضعه في طريق معالجة كتابة التأريخ، فقد كانت عقلية شديدة التعصب للقبيلة تنزع إلى الأسطورة والخرافة، وهي في هذا تكون متشبعة بروح عصرها وتقاليده، فهي قليلة الصبر على المراجعة والتحقيق، محتقرة للثقافة المغايرة، وهي حالة لا تعوق نظم الشعر، بل قد تكون من بواعث نظمه، لأن الاسطورة والخرافة فيهما ما يثير الخيال، ويحرك العاطفة، لكنهما قطعاً تقفان عقبة في طريق النضج الذي تحتاجه كتابة التاريخ.

لو لم يضع فايز قزي لكتابه الجديد الصادر حديثا عن دار رياض نجيب الريس في بيروت العنوان التالي: «قراءة سياسية لحزب الله»، لكان بامكانه ان يضع عنوانا آخر هو: «حزب الله صناعة ايرانية»، ذلك ان هذا هو فحوى الكتاب، لدرجة القول ان كل صفحة من صفحاته تضيف «حيثية» جديدة الى ما سبقها من «حيثيات»، فلا ينتهي القارئ من الكتاب، الا ويجد امامه حكماً معللا غير قابل للاستئناف والتمييز. وحتى لو استؤنف، فالشك كل الشك في نقض الحكم السابق، نظرا لكثرة الادلة التي يقدمها الباحث، او المحامي على الاصح على ايرانية الاساس والتوجه. ويبدو ان حزب الله لم يعد يهتم اصلا بمثل هذه الاحكام. فاذا ما واجهه احد بانه حزب تابع لولاية الفقيه الايراني، اجاب بانه يفخر بهذه التبعية.
ولم يخطئ الباحث عندما وصف حزب الله بانه «حزب اممي عابر للمذاهب والمناطق والقوميات»، وبانه عندما يتحدث عن «الامة» لا يقصد بها الامة اللبنانية طبعا، ولا حتى الامة العربية. فهو لا ينتسب الى هاتين الامتين، وان انتسابه هو الى «امة اسلامية» تتزعمها ايران، هي غير الامة الاسلامية التي يتحدث عنها الاسلاميون عادة.
يطرح الباحث في البداية سؤالا عن البدايات. كيف بدأ حزب الله مسيرته في لبنان؟ ويجيب: في سنة 1979 ظهرت في لبنان «اللجان المساندة للثورة الاسلامية في ايران» التي راحت تتواصل مع ايران وعلى رأسها الولي الفقيه الامام الخميني. وخلال هذا التواصل حصل الاجتياح الاسرائيلي للبنان، فكان هناك سعي لتشكيل اسلامي موحد يتمحور حول نهج الاسلام ومقاومة الاحتلال، مع قيادة شرعية للولي الفقيه كخليفة للنبي (صلى الله عليه وسلم) والائمة. تمت صياغة ورقة نهائية حملها تسعة اشخاص من لبنان الى ايران، وهناك رفعوها الى الامام الخميني، فوافق عليها. عندها اكتسبت شرعية تبني الولي الفقيه لها، ومنها تأسس حزب الله. بعدها وافقت سوريا حافظ الاسد على مرور الحرس الثوري الى لبنان، وبدأت التدريبات في منطقة البقاع.
ولاية الفقيه من ركائز الحزب. والفقيه الاعلى ايراني، وولايته حسب الشيخ نعيم قاسم (ص31) تمثل الاستمرارية لولاية النبي صلى الله عليه وسلم. وينقل الشيخ نعيم عن الامام الخميني قوله: «اما توهّم ان صلاحيات النبي في الحكم كانت اكثر من صلاحيات امير المؤمنين، وصلاحيات امير المؤمنين اكثر من صلاحيات الفقيه، فهو توهم خاطئ وباطل».
والفقيه هو الآمر الزمني والروحي. اما الرأي والمشورة والقرار والإمرة والطاعة والولاء، فلايران وحدها، صحيح ان للشورى التي يرأسها الامين العام للحزب، التي تحصل على شرعيتها من الفقيه، صلاحيات واسعة وتفويضاً يساعدانها على القيام بمهامها، لكن اذا واجهت قيادة الحزب قضايا كبرى تشكل منعطفا في الاداء، او تؤثر في قاعدة العمل، او تعتبره فعلا رئيسيا، او تتطلب معرفة الحكم الشرعي فيها، فعندها تبادر الى طرح السؤال، او الى أخذ الإذن، لاضفاء الشرعية على الفعل او عدمه (ص32).
وجه من وجوه «حزب الله» هو المقاومة. وهذه المقاومة يبدو على ضوء ما يقدمه الكتاب مأمور بها من ايران. امر الولي الفقيه الامام الخميني بها، فكانت بدأ التدريب على السلاح في البقاع بإشراف الحرس الثوري الايراني. ولكن يبدو بنظر الباحث ان المقاومة محصورة بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي من دون سواه. فلا تمكن ممارستها مثلاً في وجه دولة مسلمة، كايران التي تحتل جزر الامارات العربية المتحدة في الخليج، كما تحتل منطقة الاهواز، ولا في وجه تركيا التي تحتل لواء الاسكندرون.
ويقول الباحث في كتابه ان «حزب الله» اللبناني قاتل مع الايرانيين ضد العراقيين في حرب الخليج الاولى. ينقل عن السفير الايراني السابق في سوريا علي اكبر محتشمي، وهو الاب الروحي لـ«حزب الله»، ان الحزب شارك جنباً الى جنب مع الحرس الثوري الايراني في الحرب الايرانية العراقية، وقد اكتسب خبرة قتالية عالية فيها. وبعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 تراجع الخميني عن فكرة إيفاد قوات ضخمة الى لبنان وسوريا، ونصح بتدريب الشبان الشيعة. وهكذا ولد «حزب الله». (ص 52 و 53). بل ان مشاركة «حزب الله» لاول مرة في انتخابات لبنانية أُجيزت من الفقيه الاعلى علي خامنئي. شارك الحزب في الانتخابات بعد ان وافق خامنئي على المشاركة فيها.
قد يثار سؤال حول الخدمات التي يقدمها الحزب لجمهوره ومناصريه، والجواب واضح في الكتاب. فالتدريب والتسليح والخدمات والاموال ايرانية بالدرجة الأولى وللحزب مؤسسات كثيرة ترعى نشاطاته الاجتماعية والصحية والاقتصادية، منها مؤسسة جهاد البناء التي انشئت عام 1985 وكلها مرتبطة بايران.
لا يعتبر الباحث ان «حزب الله» يمثل الشيعة، فما هو في الواقع سوى حركة جهاد تعتمد مدرسة شيعية محددة لتحقيق اهداف سياسية، وهناك جماهير ونخب شيعية كثيرة تعارض نهج حزب الله شكلا واساسا، فمن المفكرين الشيعة الكبار من دعا الى تجذر الشيعة في بيئاتهم المحلية والانغماس في قضايا مجتماعتهم الخاصة كالشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد هاني فحص الذي كتب مرة في كتابه: «الشيعة والدولة في لبنان»: «هناك شيعية وطنية تحمل من الخصوصيات ما لا يؤدي تعارضها مع العام والمشترك او الثابت، جماعة شيعية باكستانية وخليجية وافغانية وهندية ولبنانية وعراقية تسهم في بناء اوطانها، وتوالي هذه الاوطان، وهذه الشيعية لم يكن تهمها استلام الفقية السلطة» (ص 123).
ويتحدث الباحث في كتابه عن عدة استحالات تحول بينه وبين القبول بحزب الله، منها قناعاته العلمانية واللبنانية والعروبية والانسانية ذات المنحنى التقدمي وهذه كلها تدخل في صراع مرير مع حزب الله او ان حزب الله يدخل في صراع مرير معها، «هذه المستحيلات تجعل من حزب الله في صورته الحاضرة حركة جهاد عسكرية مغلقة في الفصول والاصول المذهبية غير اللبنانية والعربية والانسانية، وبعيدة عن الحداثة المدنية وتفاعل الحضارات الايجابي، وبالتالي فان حزب الله هو حزب ملتبس منغلق في المنهج والمستقبل على كل علاقة او «تفاهم او تحالف».
جهاد فاضل

القبس

البريمل
07-01-2011, 09:32 PM
القبس



كتاب الشبه والاختلاف بين الكبيرين هكذا سكت نيتشه.. هكذا تكلم زوربا

http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C01%5C13%5C12816e7c-54ac-4fe4-be4c-628db0958f25_main.jpg

"هكذا سكت نيتشه، هكذا تكلم زوربا"، كتاب للكاتب أنس زاهد، صادر عن دار الانتشار العربي – بيروت، وهو دراسة وافية تستحق القراءة والغوص في تفاصيلها لما لها من دلالات ومعلومات فكرية ومعرفية، جهد المؤلف في تحقيقها عبر توسع وشرح مدروسين باتقان.

لقد سعى زاهد في كتابه إلى عقد مقارنة أو مقابلة بين الفكر الزوربي الذي يمثل الفطرة الإنسانية الخالية من الشوائب الاجتماعية والثقافية، وبين الفكر النتشوي.. وبالتحديد فكر فريدريك نيتشه الذي تجلى على أكمل وجه من خلال كتابه "هكذا تكلم زاردشت".
ويقول المؤلف إن دراسته هذه "ليست نقدية بالمعنى الفني أو الاحترافي للكلمة (...) هذا الكتاب لا يضع ضمن اهتماماته دراسة العناصر الفنية لرواية "زوربا"للكاتب اليوناني نيكوس كازينتزاكس كبناء الشخصيات والبنية الروائية وما إلى ذلك من أمور فنية، الكتاب هو محاولة للغوص في الفكر الزوربي الذي يمثل الفطرة الإنسانية النقية في أشد حالات تألقها".
وأمام هذا التعريف من المؤلف، ثمة سؤال يطرح نفسه وبقوة: لماذا نيتشه مقابل زوربا؟ والجواب يأتي سريعاً من صفحات الكتاب المليئة بالنقاشات والأفكار والقناعات التي يهندسها الكاتب، فكتابات نيتشه – حسب اعتقاد المؤلف – هي التجسيد الأعظم لقدرة العقل البشري على الإبداع، العقل البشري الخلاق الذي لا يتوقف عند حدود ولا يرتهن لمحظور، ولا يلزم نفسه باتباع أي عرف أو بالتسليم بأي من البديهيات، وكل قيوده يمكن أن تكبل العقل البشري.
يتوغل الكاتب داخل وجه الشبه بين الكبيرين زوربا ونيتشه رغم الاختلافات الكبيرة بينهما، والشبه الذي يؤسس له الكاتب هنا هو ان الاثنين قد بلغا من التفوق ما يجعل الحياة بكل جمالها وجلالها، تتوارى أمامهما خجلاً لأنها أضيق من أن تستوعب مطالب وطموحات هذا الثنائي الفريد.
يركز الكاتب هنا على تفرد نيتشه في بناء الفكر والفكرة، من دون ان يتأثر بسالفه او بمن سبقه الى العلم، "كتب نيتشه نصاً" لم اعثر فيه على تأثير احد من سابقيه سوى المسيح، بالاضافة الى الاثر المحدود الذي تركه الفيلسوف الالماني شوبنهاور. لم يتأثر فكر نيتشه وخصوصاً هذا الكتاب، بأي ممن سبقه من الفلاسفة والادباء، لانه في انفلاته كان قد تجاوز، الجميع يكفي ان نذكر ما قاله نيتشه حتى نكتفي بالقناعة حول هذا الكبير، فماذا يقول: "لقد اصبح كل شيء صغيراً، فاني حيثما اوجه انظاري لا ارى غير ابواب خفضت ارتاجها، فاذا شاء امثالي ان يجتازوها تحتم عليهم ان ينحنوا.
ايطول بي الزمان حتى اعود الى وطني، حيث لا ارغم على الانحناء امام كل صغير؟"
اما زوربا في هذا الكتاب، فهو يحمل القدر نفسه من عدم الرضا الذي يفضي الى التمرد. لكن زوربا اعتمد مشروعاً بعيداً عن مثالية نيتشه، حيث سعى الاخير الى تحقيق الكمال على الارض عبر مشروعه العقلي، بينما اندفع الاول في حب الحياة كما هي دون ان يطمح الى تغييرها.
وتبلغ المقاربة والمقاربة بين الكبيرين في كتاب زاهو الذروة، حين تمتد على صفحات الكتاب كلمات شديدة الحساسية والمعرفة: "زوربا كان يدرك ان الحياة مملوءة بأوجه القصور، والاهم انه كان يدرك اين تكمن مظاهر القصور ، وقد كان يثور في وجهها احياناً، لكنه لم يعتقد ابداً ان الحل المثالي هو هدم المعبد على من فيه تمهيداً لاعادة البناء على وجه اكمل من دون وجود اي ضمانة تكفل تحقيق الغاية الاخيرة(..) كان زوربا يتبع فطرته الانسانية النقية التي لم تفسدها نظريات الفلاسفة واوهام الايديولوجيا، ولذلك ظلت تلك الفترة نقية الى حد الشفافية ومنفلتة الى حد الحراشة.
لقد كان زوربا يلبي نداء الحياة الذي يزمجر بداخله، وقد كان هذا كافياً ليتعايش الرجل مع كل مظاهر النقص التي تكتنف الحياة.
وعلى العكس من ذلك كان نيتشه يكبح نداء الحياة بداخله تمهيداً لتحقيق غواية الكمال.. وهو ما لم يستطع نيتشه ان يحققه الا على الورق".
وبهذا التوقف الهادئ والعميق عند تقاطع المقارنة والمقاربة بين الرجلين، تنكشف اكثر صورة البناء الفكري المتواجهين بقوة الفعل والمعرفة والفكر، فالحياة لم تلب مطالب نيتشه، خذلته بمحدوديتها ازاء عقله الذي عرف بالتحديد مكامن الخلل واوجه القصور، فتمرد على الحياة، ومن ثم تمرد على نفسه وغرق في الجنون.
اما زوربا فكان ايضا يعاني ضعفا لا يمكن مغالبته تجاه كل مظاهر الضعف والرقة التي يمثلها الجزء الانثوي في الانسان، خير تمثيل، زوربا يحب الحياة وينظر اليها، رغم كل شيء بوصفها هبة، ولذلك فهو يشعر بالشفقة تجاه كل مظاهر الضعف التي تكشف كما لا يستطيع غيرها، توق الانسان الى البقاء وفزعه الشديد من فكرة الفناء.
يغوص الكتاب عميقا في فكر الكبيرين: نيتشه وزوربا، ولا يتأخر عن تقديم الاجوبة الوافية لاصول الفلسفة التي حركت وانتجت حيوية العقل عند الرجلين، وكلها تعمق في البحث والشرح، زاد من المعرفة بالاصول الفكرية التي تمتد على خطين نقيضين، لكنهما يلتقيان في تقاطعات كثيرة، وربما هذا التناقض بين الفكرين يؤجج حركة الوعي في العقل المتلقي ويجسّد له معرفة جديدة يمكن البناء عليها لقول المزيد من الفكر والفلسفة، والاهتداء الى المعرفة الاوسع.
عناوين كثيرة في الكتاب تتفرع منها الفصول والعناوين التالية، وكلها تصب في خانة التفسير الذي يفي بغرض الشرح الوافي، وفي هكذا امر تتحول الكلمات الى قاموس يمكن التوسع في شرحه وفهمه.
انه كتاب ــ محاولة لتقصي الحكمة الزوربية المندفعة كمياه شلال هادر مقابل ما جادت به قريحة الفيلسوف الالماني المثالي المسكون بحلم تحقيق الكمال على الارض، فريدريك نيتشه.
انها محاولة لقراءة فكر زوربا من خلال نيتشه وفكر نيتشه من خلال زوربا.
هذا ما يتمناه المؤلف.
غنى حليق

البريمل
09-01-2011, 11:25 PM
ابنة القدر التي عشقت السلطة بي نظير بوتو..الحياة تحت الضغط
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures%5C2009%5C01%5C27%5C877a5c7b-062b-4740-8227-e2d50e20987c_main.jpg

هل كانت بي نظير بوتو ضحية للتشدد الديني أم الفساد السياسي؟ هذا السؤال الذي لم تنطلق منه الكاتبة نوال مصطفى في كتابها "بي نظير بوتو ابنة القدر" الصادر اخيراً عن مشروع مكتبة الأسرة، فقد انطلقت من كونها كانت منذورة لهذا القدر المأسوي، حتى أنها استعانت بعرافة في دبي التي كانت تقيم فيها قبل عودتها إلى باكستان، قالت لها انها تتخذ الطريق الخطأ، وقالت هي في جريدة لوس أنجلوس تايمز: أعلم أن أياماً صعبة تنتظرني، لكنني أضع ثقتي في الشعب، وأضع مصيري في يد الله . وفي حين نصحها بيرويز مشرف بعدم العودة إلى باكستان، وحاول منعها دستورياً من خوض الانتخابات باستصدار قانون يمنع الترشيح لرئاسة الوزراء للمرة الثالثة، لكن عناد وكبرياء بوتو وقدرها المخبأ في باكستان كان أقوى من كل النصائح والتخويفات، ومن ثم ذهبت كي تلقى مصيرها بين أنصارها وفي البلدة نفسها التي شهدت إعدام والدها عام 1979 وهي روالبندي .

لا يمكن القول بأن بي نظيرـ التي عني اسمها في اللغة الأردية أنها بلا نظير ـ كانت تمثل طفرة أو ظاهرة في الواقع السياسي الباكستاني على مستوى شجرة العائلة، فكل المؤشرات تقول انها ورثت إرثاً سياسياً استطاعت استثماره بقدر ما تستطيع للبقاء في السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمها الإيرانية نصرت بوتو أو شقيقها مرتضى الذي حاول أن يكون خليفة للأب رئيس الوزراء السابق ذي الفقار علي بوتو، حتى أن مؤشرات حياة مرتضى تبرز أنه كان المؤهل بدرجة كبيرة للعب هذا الدور، فما أن قام ضياء الحق بالانقلاب العسكري على ذي الفقار حتى هرب مرتضى إلى أفغانستان الواقعة تحت السيطرة الروسية آنئذ وقام بتكوين تشكيل مسلح "جناح ذو الفقار" لمناهضة الحكومة غير الديموقراطية التي رأسها ضياء الحق، وتوزعت عناصر التشكيل بين أفغانستان وباكستان وإيران وعدة دول أخرى، وقاد حملة عالمية لمنع ضياء الحق من إعدام ذي الفقار، واستبدال الحكم بالسجن أو تحديد الإقامة الجبرية، ورغم أن مرتضى نجح في ذلك بشكل كبير غير أن ضياء الحق لم يلتفت لأي من التوسلات العالمية وقام بإعدام رئيسه السابق في ابريل 1979.
السجن و الرأي العام
كانت بوتو في ذلك الوقت ما بين السجن وإثارة الرأي العام لوقف إعدام ذي الفقار، ورغم أنها هي التي أرسلت إلى وكالات الأنباء بأن والدها سيعدم في صباح الغد، غير أن دورها السياسي لم يكن بارزاً بالقدر الكافي، فقد تولت الأم نصرت بوتو قيادة الحزب عقب إعدام ذي الفقار، وما لبثت أن اعتقلت هي وبي نظيربعدما أجل ضياء الحق إجراء انتخابات رئاسة الوزراء، لكنها – الام - مرضت بالسرطان، وطلب أطباؤها من ضياء الحق إخراجها للعلاج، فخرجت إلى لندن.
وبعد أن أنهت بي نظيرفترة الاعتقال تولت رئاسة الحزب، لكنها ما لبثت أن أجبرت على الخروج، فلحقت بوالدتها، ثم عادت عام 1986 لتقود حزب الشعب، وتزوجت من رجل الأعمال عاصف زرداري الذي يصغرها بثلاثة أعوام عام 1987، واغتيل ضياء الحق وعدد من مسؤوليه العسكريين بتفجير طائرتهم العسكرية عام 1988، وتهيأت البلاد لدخول انتخابات فاز بها حزب الشعب بأغلبية ضئيلة، وشكلت بي نظير حكومة ائتلافية في ديسمبر من العام نفسه، لتكون أول رئيسة وزراء في بلد إسلامي، فاستمرت في السلطة لمدة عامين من القلاقل والاتهامات بالفساد والتهديد بسحب الثقة، حتى أقالها الرئيس الباكستاني اسحاق خان في أغسطس 1990 بموجب سلطاته الدستورية في إقالة الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، فاز بها نواز شريف.
وظلت بوتو من عام 90 حتى عام 93 تناضل ضد اتهامات الفساد التي لاحقتها وزوجها، هذا الذي اكتسب مسمى زرداري عشرة بالمائة، نظراً لحصوله على هذه النسبة من الصفقات التي كان يقوم بها، كما دب الخلاف بينها وبين أمها نصرت بوتو التي عادت من الخارج، وأصبحت عضوة في المجلس التشريعي، كما أصبحت نائباً لرئيس الوزراء إسحاق غلام خان، كان الخلاف بسبب عودة شقيقها مرتضى الذي سعى إلى أن يكون زعيم الحزب، أو ساعدها الأيمن فيه، على أن تترك زوجها عاصف زرداري، لكن بي نظير التي فازت للمرة الثانية برئاسة الوزراء من عام 1993 حتى 1996 تمسكت بعنادها، بل وزادت من دور زوجها في السلطة، فعينته وزيراً للاستثمارات الخارجية، ووسعت في نفوذه وصلاحياته، حتى قيل ان عائلة بي نظير اختلست ثلاثة مليارات دولار وهي في السلطة، وقال مسؤول باكستاني ان هذه الأموال من تجارة المخدرات.
وظل الخلاف قائماً بين بي نظير وأخيها مرتضى الذي سعى للتحاور مباشرة مع عاصف زرداري، لكن اجتماعهما معاً أتي بتعميق أكبر للخلاف، وانتهى الأمر بمقتل مرتضى في س